أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح هرمز الشاني - رواية بابا سارتر.. بين وصف المكان.. والاسلوب الواقعي الساخر..















المزيد.....

رواية بابا سارتر.. بين وصف المكان.. والاسلوب الواقعي الساخر..


صباح هرمز الشاني

الحوار المتمدن-العدد: 2899 - 2010 / 1 / 26 - 19:07
المحور: الادب والفن
    



أن من يقرأ رواية بابا سارتر لمؤلفها الشاب علي بدر، يخرج بنتيجة مؤداها، أنها لاتنتمي الى الاساليب الروائية المعروفة في العالم، كالاسلوب الواقعي، وتيار الوعي، والواقعية السحرية، كما انها تنفلت من الاساليب السردية المتبعة في روايات ستاندال وباولو كويليو، وتتخذ لنفسها منهجا سرديا متمردا خاصا بها، وهو ان جاز لنا أن نسميه: منهج السرد الساخر المقرون بالفانتازيا.
ولعل قدرة المؤلف على تطعيم روايته بالحوادث الغريبة، ورفدها بالشخصيات غير المألوفة، جعلت من أسلوبه السردي أن ينحو بأتجاه بلورة تقنية جديدة، هذه التقنية الناجمة من اختلال التوازن بين تراكم الاحداث، وبين عدد قليل من الشخصيات، لتفضي الى شكل من اشكال الفانتازيا، ذات الصلة بواقع المجتمع العراقي المنجذب الى السخرية، عبر تهويل الاحداث والشخصيات التي تقف وراءها.
ان اهمية هذا الاسلوب تكمن في تحرير الرواية من تأثير الاساليب الروائية الاخرى، ويجعلها اكثر اقترابا من التشكيل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، ذلك أنه اي السرد اكثر واقعية، بأعتباره، بعكس اللاممكن، هو المتوقع عينه.
وعلى الرغم من ان المؤلف، لم يعمد الى عنونة وتقسيم المراحل التي يمر بها بطل الرواية، فهي ثلاثا، سيرة حياته في بغداد وباريس، ومرحلة الطفولة، والثالثة هي وقوفه على حقيقة الذين تعامل معهم.
تبدأ في صفحاتها الاربع والثلاثين الاولى، بالبحث عن كتابة سيرة الفيلسوف العراقي المتأثر بسارتر وأفكاره الوجودية، والذي كان يسكن أبان ستينات القرن الماضي في محلة الصدرية ببغداد، وذلك باللقاء بحنا يوسف الذي يرشد السارد الى الاشخاص الذين بحوزتهم معلومات ووثائق تخص هذا الفيلسوف، كبطرس سمحيري، وعباس الفلسفة، وصادق زادة. وهذا الاخير يزوده بهذه الوثائق والمعلومات.وتأتي سيرة حياة بطل الرواية، وهو عبد الرحمن، تحت عنوان (مرحلة الكتابة)، ويبدأ القسم الاول منه، بعودة هذا الفيلسوف من باريس الى بغداد مع زوجته الفرنسية الخادمة بدون شهادة في الفلسفة، وكيفية لقاءه بها، بعد أن تاه في احدى الليالي في زقاق أزقة باريس المظلمة، وهو عائد من الملهى الى شقته شبه مخمور، والتقى بها خارجة من بناية عالية ينز جدارها العالي الصلب شلال من الماء، لتدله على شقته التي ضيعها، وصداقته لاسماعيل حدوب، بائع الصور الخلاعية، والذي كان يأكل ما يقع في يده ما تخلفه مطابخ القصور من الفضلات والازبال، وينام حيث يتيسر له النوم، والعلاقة القائمة بينه وبين شاؤول اليهودي الماركسي الثري الذي ينتشله من وضعه المزري هذا بهدف استغلاله.
وشخصية اسماعيل حدوب، شأنها شأن شخصية عبد الرحمن، شخصية رئيسية، ان لم تكن ظلا لها من حيث بنائها وتكوينها. ولكن الفارق الوحيد بينهما، هو ان الاولى تنحدر من عائلة فقيرة والثانية من عائلة غنية. أما بقية الشخصيات كشخصية شاؤول ونادية خدوي وادمون القوشي وجاسب الاعور والراقصة دلال مصابني وريجينا الخادمة وسعدون السايس، فهي شخصيات ثانوية. وشخصية اسماعيل حدوب كثيرة الشبه بشخصيات مكسيم غوركي في مسرحية الحضيض، كما وان الخان الذي يسكنه وشلته التعبانة قريب الى خان هذه المسرحية.
ولأضفاء مزيدا من الواقعية على اسلوبه، يلجأ علي بدر الى ذكر الاسماء الحقيقية للشخصيات الادبية التي كانت تعيش في تلك الفترة، او التي تمثلها احيانا، كفؤاد التكرلي القاص، والروائي غائب طعمة فرمان،واحيانا اخرى، بالايحاء اليها. عبر الاشارة الى مكان إقامتها او التمويه على الاسم الاول او الثاني لها، كعباس الفلسفة الذي كما يترأى لي هو الشاعر والروائي فاضل العزاوي، وسركون صالح هو الشاعر سركون بولص.
ويبدأ القسم الثاني باكتشاف الفيلسوف حقيقة العلاقة بين والده ووالدته بالتلصص على حجرة نومهما. الامر الذي يؤدي الى كره امه، وعدم الصفح عنها، وعلاقته بالخادمة ريجينا التي كانت تربط بعلاقة جنسية مع السايس سعدون، وكذلك مع والده.
اما القسم الثالث فيتضمن الكشف عن حقيقة دجل ورياء حنا يوسف وصادق زادة اللذين كما يبدو انهما كانا مهتمين بسيرة حياة اسماعيل حدوب وليس بسيرة حياة عبد الرحمن، ذلك ان اسماعيل حدوب وصادق زادة هما نفس الشخص.
لكسب اسلوبه السردي هذا سمته المتميزة، يلجأ الراوي الى عنصرين اثنين، لاشاعة ما يمكن اشاعته من المناخ الاجتماعي والثقافي والسياسي السائدة ابان الستينات في العراق، وهما الوصف، والتهكم وصف المكان بتفاصيله الحقيقية والدقيقة، والتهكم بتهويل الاحداث ونقد الشخصيات الثقافية.
وهذين العنصرين، يذكراني بوصف المكان في قصته سركون بولص (الملجأ) وتهويلات فاضل العزاوي في رواية (آخر الملائكة ).
في قصة (الملجأ) بوسع القاريء ان يتعرف وبدقة على الاماكن التي يمر بها بطل القصة على دراجته الهوائية. وهو ينطلق من حديقة ام الربيعين شمالا باتجاه رحيم آوة حاليا. (حيث كانت هذه المنطقة في الخمسينيات خالية من السكان). أما (آخر ملائكة) فاضل العزاوي فهي لاتشبه بابا سارتر علي بدر، الا من حيث تهويل احداثها وشخصياتها وبالتعويل على توظيف الاسطورة والحكاية الخرافية، بينما الرواية التي نحن الان بصددها، فبالاستناد الى الواقع ليس الا.
ويتكرر وصف المكان فيها إتساقا مع حركة الشخصيات وانتقالاتهم، وعلى امتداد الرواية، كما في هذه الجملة:
(ضحى الاحد كنت انعطفت من مبنى البريد نحو الضاحية المسيحية المحيطة بحدائق بارك السعدون، وفي نهاية الجادة، كنت قد رأيت بقالة الاثوري)
وهذه ايضا:
(.... كانت دلال تدير ملهى راقيا في الستينات وهو ملهى جريف ادب قرب صالة سينما روكسي في شارع الرشيد..).
اما التهكم فهو الطابع العام الذي يغلف الرواية ويحتويها بأحكام، بدءً من عودة الفيلسوف العراقي عبد الرحمن الى العراق مع زوجته الفرنسية التي يشبه الراوي نحافتها بأصبع البازلاء، وكتابة سهيل ادريس له رسالة يطالبه فيها بكتابة مقالات وجودية لمجلة (الاداب)، ورفض عبد الرحمن ما عرضه عليه سهيل ادريس، بحجة انه يفكر فلسفيا باللغة الفرنسية، ولذا لا يمكنه ان ينقل افكاره باللغة العربية، مرورا بزواجه من فرنسية كونها مواطنة سارتر. وتقديمه والده له لرئيس الوزراء نوري السعيد على امل ان يستحدث له رتبة فيلسوف، وانتهاء بغثياناته بعد كل مضاجعة، شريطة الا ان يكون هذا الشعور فرديا، وانما ثنائيا، اي بمشاركة الطرف الاخر معه. وتسمية مولوديه بـ: (عبث) و (سدى).
اذا كان غثيان عبد الرحمن الوجودي غثيانا مفتعلا ومصطنعا شأن ثقافة الجيل الستيني للتظاهر والادعاء بفهم فلسفة سارتر عبر رواياته ومسرحياته، ويمثل هذا الغثيان إدانة لجيل كامل، فأن توظيف هذا العنصر من جانب آخر، وهو الجانب الاهم.
جاء لتأثيره على القاريء بما يدعوه الى الغثيان الحقيقي، كي لا تقتصر الادانة على الراوي فقط، وانما يشاركه القاريء فيها ايضا. ولتحقيق هذا الهدف فقد استعان بثلاثة سيناريوهات وهي:
1- تلصص عبد الرحمن في طفولته على والده ووالدته في حجرة نومهما.
2- مضاجعة اسماعيل حدوب والنشالين ومنظفي المجاري والنشالين لعاهرات اكثر بؤسا منهم.
3- هروب الفيلسوف الصغير عاريا من الغرفة امام والده ووالدته.
والسيناريو الاول والثالث يسعيان الى الكشف عن العلاقة الهشة السائدة في المجتمعات البورجوازية، حتى وفي العائلة الواحدة، وخوائها من المشاعر والعواطف الانسانية، والسيناريو الثاني، توكيد لبؤس الثقافة الستينية، وولادتها بشكل قسري وغير طبيعي، وعلى اشباه المثقفين وانصافهم..

لعلي بدر الروايات التالية:
1- الوليمة العارية
2- شتاء العائلة
3- صخب ونساء وكاتب مغمور
4- الطريق الى تل المطران
5- خرائط منتصف الليل
6- مصابيح اورشليم





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,901,689
- من يخرج المسرح في عنكاوا من عنق الزجاجة..؟
- الاخراج.. في اغنية التم


المزيد.....




- ترامب يتعرّف إلى -توأمه- الصيني الغائب في الأوبرا الصينية
- مرشح للرئاسيات الموريتانية يتعهد بحل النزاع في الصحراء المغر ...
- لجنة -خيلوطة بزعلوك- وخلط الأوراق: مولاي والآخرون !
- عرض فيلم بلجيكي عن مأساة غرق غواصة -كورسك- النووية الروسية
- إعلان نتائج جائزة البوكر للرواية العربية مساء اليوم
- العدل والاحسان تصفي حساباتها مع الدولة في مؤتمر محامي المغرب ...
- محامون ينتقدون «التوظيف السياسوي» لتوصيات مؤتمر فاس
- بن شماش: -لن أنتقم من الجماني.. و أنا مستعد أن أعطي له خدي ا ...
- أعيان الصحراء يدخلون على خط الصلح بين بن شماش والجماني
- «مدى».. شعارا للدورة الـ22 لمهرجان الفنون الإسلامية الدولي ب ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح هرمز الشاني - رواية بابا سارتر.. بين وصف المكان.. والاسلوب الواقعي الساخر..