أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - حقائق أولية في العلوم السياسية












المزيد.....


حقائق أولية في العلوم السياسية


فؤاد النمري

الحوار المتمدن-العدد: 2898 - 2010 / 1 / 25 - 14:42
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


حقائق أوليّة في العلوم السياسية
(من لا يلّم بالحقائق الأولية في العلوم الإقتصادية عليه ألا يقارب السياسة)
ما اقتضى البحث في حقائق أوليّة في العلوم السياسية هو مداخلات تثير الإحباط حقاً لمتداخلين اعترضوا على حقائق أولية في العلوم السياسية وردت في جوابي على الدعوة للتضامن مع الشعوب السوفياتية وقد سقتها كشروط لا غنى عنها لتوفير تضامن حقيقي مع الشعوب السوفياتية. الإحباط الشديد الناجم عن تفاهة الإعتراضات وليس عن أحقيتها أو قيمتها هو فقط ما دفع بي إلى الكتابة في حقائق أولية في العلوم السياسية. بعض المتداخلين أنكروا حتى وجود الطبقة الوسطى في المجتمع. أحدهم (باسم سلام موسكو) ادّعى أن فكرة الطبقة الوسطى في المجتمع السوفياتي إنما هي فكرة هلامية، كما وصفها، وهو ما يعني أنها تفتقد المدلول الحسي المحدد والواضح؛ وآخر (باسم محمد) ادّعى، ويا لغرابة ما ادعى (!!) أن إنتاج الطبيب أو المهندس هو إنتاج رأسمالي ويتضمن فائض القيمة! ولذلك فإن إنتاج الطبقة الوسطى هو إنتاج رأسمالي! فالطبقة الوسطى إذاً تشكل شريحة من الطبقة الرأسمالية كما يراها محمد!!
إزّاء مثل هذه الإعتراضات التافهة ــ وليعذر قصوري اللغوي المتداخلان المحترمان حقاً إذ لم تسعفني لغتي في أن أصف مداخلاتهما بغير وصف التافهة ــ إزّاءها أعود لأكرر إحدى الحكم والتي تقول .. من لا يلمّ بحقائق علم الإقتصاد الأولية عليه ألآّ يقارب علم السياسة. وكيلا أتجنى على السيدين المتداخلين المحترمين أسألهما .. ما الذي بظنهما يقرر انتساب الفرد لطبقة اجتماعية بعينها دون أخرى؟ هل تلده أمه رأسمالياً أم عمالياً أم وسطيّاً لا عمالياً ولا رأسمالياً؟ علهما يعتقدان، كما يعتقد العامة، أن مستوى حياة الفرد أو مقدار ما يمتلك من ثروة هو ما يقرر طبقته، غير أن المبادئ الأولية لعلم الإقتصاد السياسي تقول بأن ما يقرر طبقة الفرد هو نمط الإنتاج الذي يعتاش منه وليس أي عامل آخر. ثم أليس هناك أنماط من الإنتاج تخص الطبقة الوسطى سواء في المجتمع الإشتراكي السوفياتي أم في المجتمعات غير الإشتراكية كالمجتمعات الرأسمالية والمجتمعات النامية. ثمة ما يغري لترك تقرير هذا الأمر للسيدين المتداخلين كي يعترفا نفساهما بوجود طبقة وسطى في كل هذه المجتمعات؛ لكن من جهة أخرى، تشدني الرغبة لمساعدتهما في التعرّف أكثر على الطبقة الوسطى بعد أن أخذت هذه الطبقة تلعب الدور الأول على المسرح الدولي فيما بعد إعلان رامبوييه نوفمبر 1975.

الإنسان هو أصلاً إنسان يختلف عن كل الحيوانات الأخرى لأنه ينتج حياته. ومنذ فجر التاريخ والإنسان ينتج بطريقة فردية إلى حد بعيد دون أن تكون هناك حاجة لاعتماده على أفراد آخرين من أجل استكمال عملية الإنتاج وإخراج المنتوج نهائياً جاهزاً للإستعمال. ظل الإنتاج الفردي (Individual Production) سائداً في المجتمعات حتى ظهور الإنتاج الرأسمالي في القرن الثامن عشر (الثورة الصناعية) حين أخذ الإنتاج الوفير (Mass Production) يتم بطريقة جمعية، أو الأحرى مجتمعية (Associated Production) فلا يعود المنتوج يخص شخصاً بعينه أو حتى مجموعة أشخاص بعينها بعيداً عن استغلال الرأسمالي لجهود العمال واستيلائه على انتاجهم بصورة لصوصية. التحليل الدقيق للإنتاج الرأسمالي يبين أن المجتمع بكافة أنساقه يشارك في إنتاج كافة المنتوجات، ولذلك قال ماركس أن الإنتاج الرأسمالي هو فعلاً مشاع.

منذ ظهور الإنتاج الرأسمالي بدأ توسعه على حساب الإنتاج الفردي السلعي (المانيفاكتورة) وإلغائه نهائياً، فكان أن اقترف الرأسماليون ما أشبه بالمجزرة بحق اتحادات المهنيين (Guilds of Craftsmen) وألقوا بتلك الصناعات وأصحابها في غياهب التاريخ فكان أن اعتبر ماركس تلك المجزرة جريمة تاريخية يندى لها جبين الإنسانية، وقارن ذلك بما ستقوم به دولة دكتاتورية البروليتاريا من إلغاء لطبقات اجتماعية بمجملها مع وسائل إنتاجها مؤكدا أن الدولة ستقوم بمسؤولياتها تجاه هذه الطبقات وعن حياة أفرادها. كان أمراً طبيعياً يتماشى مع مسار التطور الإجتماعي أن يتم سحق الطبقة الوسطى المنتجة للسلع كي يخلو المسرح للإنتاج الرأسمالي وهو الأرخص والأكثر إتقاناً، غير أن وسائل الإنتاج الرأسمالي لم تكن وما زالت غير قادرة على إنتاج الخدمات التي ما زالت من حصة الطبقة الوسطى لكونها إنتاجاً فردياً. وظلت كذلك في الدولة السوفياتية التي أخذت تستشعر صعوبة محو الطبقة الوسطى بعد الإنتهاء من برنامج إعادة الإعمار عام 1950 ــ راجع خطاب ستالين في ختام المناقشة الحادة في قيادة الحزب حول موضوع " القضايا الإقتصادية للإشتراكية في الإتحاد السوفياتي ". بل إن الطبقة الوسطى تدّعي اليوم أن الإنسان العصري يحتاج من الخدمات أضعاف ما يحتاج من السلع كالخدمات الطبية والتعليمية والأمنية والمعلوماتية والفنية والرياضية وما إلى ذلك؛ إنها تدعي ذلك تبريراً لسيادتها الحديثة الطارئة في المجتمعات من خلال دولتها، دولة الرفاه (Welfare State) وهي الغول الذي يعتاش على امتصاص دماء البروليتاريا نظراً لتغوله في الاستهلاك المنفلت من كل عقال. إنه الغول الذي عطّل النفاذ الكلّي لقانون القيمة الرأسمالية وأفسد السوق من أجل أن تتمكن الطبقة الوسطى من مبادلة إنتاجها من الخدمات بأضغاف أضعاف قيمته بإنتاج البروليتاريا من البضائع والسلع بادعاء إنتاجها المعرفي لقاء إنتاج البروليتاريا الغبي على حد زعمها الوقح بعكس ما يقول به القانون الأساس والمقدس للنظام الرأسمالي، قانون القيمة الرأسمالية. وهكذا تضاعف اليوم راتب مدير المؤسسة الرأسمالية (افتراضاً) ليصل خمسين ضعفاً من راتب العامل فيها، وكان هذا بالإضافة إلى المكافئات المليونية للمدراء من الأسباب الجانبية لإفلاس البنوك في أزمة الرهن العقاري في أميركا.

إنتاج الخدمات ليس إنتاجاً رأسمالياً، ليس لأنه إنتاج فردي بالمطلق وحسب بل لأنه أيضاً يقصر بطبيعته عن أن يرتقي ليكون صنماً في سوق السلع (Commodity Fetish) . سوق السلع هو القلب النابض الذي يدفع بالحياة في شرايين جسم الرأسمالية. الخدمة بمختلف أشكالها ليست جسماً محسوساً يتعيّن فيه كمية ونوع الشغل المبذول في إنتاجه، وهي لذلك تستبدل بالنقود بصورة اعتباطية قبل إنتاجها. طالما أن الأمر هو كذلك، فهي لا تصل إلى السوق وتدخله كصنم يعرض قيمته منسوبة إلى سائر السلع الأصنام الأخرى، وقيمة العمل المكتنزة فيه منسوبة إلى قيمة الأعمال المكتنزة في كل صنم آخر في السوق؟ الخدمة لا تصل إلى السوق ولا تدخلها على الإطلاق؛ وإن دخلتها فتدخلها متخفية في جوف السلعة دون أن تظهر كمّاً ونوعاً على الإطلاق. يشتري المتسوق السلعة لقيمتها الإستعمالية ويدفع قيمة مختلف الخدمات المتخفية في جوفها كالصيرفة والدعاية والتغليف والنقل والعتالة والتخزين والتخليص وغيرها ومع ذلك لا يستعمل أياً من هذه الخدمات. طالما أن الخدمات لا تدخل السوق فهي ليست من عناصر النظام الرأسمالي الذي تتكامل دورته في السوق على شكل (نقد ــ بضاعة ــ نقد) وهي الدورة الحيوية في جسم النظام الرأسمالي كما هي الدورة الدموية في جسم الإنسان.

المتداخل الدائم على كتاباتي (محمد)، ومداخلاته دائماً بطول مقال ــ وعلي أن أشكره لذلك ــ لا يميز بين الخدمة والبضاعة فيكتب في مداخلته .. " البضاعة يمكن لها أن تأخذ أشكالاً متعددة منها الخدمة " !! نسأل محمد المعترض دائماً على كل شيء .. ما هي البضاعة التي تنتجها جيوش العالم وهي تستهلك ربع إنتاجه؟ الجيش الأميركي يستهلك سنوياً 500 ملياراً من الدولارات ولا ينتج سنتاً واحداً ! ما هي البضاعة التي ينتجها الأطباء وهم المتميزون في المعاش وفي الاستهلاك؟ خدمة التطبيب التي يتلقاها المريض لا يمكن عرضها كبضاعة في السوق ــ أخي العزيز محمد، يملؤني الأسف وأنا أنصحك بأن تقلع عن مقاربة السياسة طالما أنك لا تميز بين البضاعة والخدمة وذلك من حقائق الإقتصاد الأولية. العالم كله يعلم أن الولايات المتحدة تصدر دولارات لا غطاء لها إلا محمداً حيث يتساءل منكرأ .. هل أن المتعاملين في السوق العالمية من الغباوة بحيث يقبلون على تداول عملة بلا قيمة فعلية!؟ إذاً لماذا يا محمد خرجت الولايات المتحدة من معاهدة بريتونوود في العام 1971؟ ولماذا تعهدت الدول الخمسة الأغنى في العالم في إعلان رامبويية 1975 بضمان عدم انهيار الدولار كما انهار في العامين 72 و 73. ألا تعني ضمانة الدول الأجنبية للدولار من الإنهيار بأنه منهار فعلاً بدون تلك الضمانة؟ ثم يسمح رفيقنا محمد لنفسه بتجاوز النص ليتساءل .. وهل يسقط النظام الرأسمالي بقرار سياسي !!؟ ومن قال ذلك؟ إعلان رامبوييه لم يُسقط النظام الرأسمالي بل نعاه بعد انهياره إثر فقدان محيطاته بفعل ثورة التحرر الوطني العالمية.

للسيد (سلام موسكو) المتداخل الأخر بعض العذر في اعتبار " الطبقة الوسطى " ذات مدلول " هلامي " في المجتمع السوفياتي، حيث لم يكن المهنيون وطبقة الأنتلجنسيا يمتلكون إنتاجهم من الخدمات ليبيعوه لمن يشاؤون كما هو حالهم في المجتمع الرأسمالي. كانوا يعملون لحساب الدولة وتصرف لهم الدولة بالمقابل معاشات ثابتة بغض النظر عن القيمة الرأسمالية لإنتاجهم. وبناءً عليه يمكن القول أن المهنيين والإنتلجنسيا بصورة عامة كانوا ينتجون على نمط إنتاج الطبقة الوسطى لكن إنتاجهم لم يحقق الأهداف البورجوازية للطبقة الوسطى لأن دولة دكتاتورية البروليتاريا كانت "تعتدي" عليهم وتنتزع حقوقهم البورجوازية في إنتاجهم ولا تبقي لهم منها سوى المعاشات. الإنتاج الفردي ذو الطابع البورجوازي موجود في الإقتصاد السوفياتي إلا أن دكتاتورية البروليتاريا كانت تعطل مفاعيله الريعية. ولذلك كانت أول إشارة أطلقها المرتد خروشتشوف بالتخلص من دكتاتورية البروليتاريا في العام 59 بمثابة الضوء الأخضر الذي حفز الطبقة الوسطى للإنطلاق في معركة مصيرية لتحرير إنتاجها من المصادرة، وسرعان ما ارتفع في العام 61 شعار الاستقلال المالي للمؤسسة الإنتاجية السوفياتية؛ وشعار آخر يقول لكل حسب عمله، أي العودة للتحديد البورجوازي للأجور. تمرد أغسطس آب 91 في موسكو كان فعلاً تمرد الطبقة الوسطى بهدف التخلص نهائياً من مواريث المشروع اللينيني في الثورة الإشتراكية العالمية وأولها دكتاتورية البروليتاريا. لا بد من أن يكون السيد (سلام موسكو) هو أول العارفين بأن الانهيار النهائي للنظام الإشتراكي في العام 91 لم يأتي على يد الطبقة الرأسمالية التي لم تكن موجودة آنذاك في المجتمع السوفياتي، لقد أتى على يد الطبقة الوسطى دون جدال. الطبقة الوسطى السوفياتية لم تتخلص من معاناتها ومصادرة إنتاجها طيلة الفترة السوفياتية كي تعود مأجورة لنظام رأسمالي يبادل خدماتها بقيمتها الرأسمالية. الطبقة الوسطى الحاكمة اليوم في الدول الإشتراكية سابقاً لن تعود إلى النظام الرأسمالي كما يتوهم البعض حتى لو أمكنها ذلك، وهو لا يمكنها على الإطلاق، حيث أن الرأسمالية مخلوق تاريخي، لا تنهار بقرار سياسي ولا تبنى بقرار سياسي أيضاً. لن تعود لأن الرأسمالية لا تسمح ببيع الخدمات بأضعاف قيمتها الرأسمالية كما تباع اليوم. النظام الذي يسمح ببيع الخدمات بأضعاف قيمتها ليس نظاماً رأسمالياً على الإطلاق، بل هو نظام نافٍ للرأسمالية نفياً قاطعاً.

نعود لنؤكد على الفرق النوعي بين الإنتاج الفردي البورجوازي الذي هو من طبيعة إنتاج الطبقة الوسطى والإنتاج الجمعي الذي هو من طبيعة الإنتاج الرأسمالي أو البروليتاري. ففي الأول ينتج الفرد قيمة استعمالية يمكن استبدالها في السوق منفردة ومفصولة عن كل ما هو خارجها؛ حتى وفي حالة تجميع الأفراد في مؤسسة واحدة ليقدموا خدمة معينة، مثل تجميع الأطباء في مؤسسة طبية، أو المعلمين في المدرسة يظل الإنتاج مطبوعاً بالطابع الفردي وذا قيمة استعمالية منفرداً. أما في الثاني، الإنتاج الجمعي الرأسمالي البروليتاري، فالفرد لا ينتج وحده أية قيمة استعمالية يمكن مبادلتها في السوق، كالعامل الفرد في مصنع السيارات أو مصانع المعدات الثقيلة حيث عمله لا يفيد بشيء معزولاً عن أعمال سلسلة طويلة من العمال الآخرين المنخرطين في حالة تعاون ذات جدوى.

كان ذلك بالنسبة إلى طبقة المهنيين والانتلجنسيا وأما بالنسبة إلى طبقة الفلاحين فالأمر لم يكن " هلامياً " كما وصف المتداخل حيث كان الفلاح (الكولخوزي) يمتلك كل إنتاجه الزراعي والحيواني فيسدد منه أجور الماكنات وسائر التجهيزات الزراعية ومنها الأسمدة والبذار إلى الدولة ويتصرف بالباقي كأن يبيعه في البازار أي السوق الحرة المحدودة. وكان السواد الأعظم من الكولخوزيين يسرقون الدولة ولا يؤدون مستحقاتها من إنتاجهم. ومن هنا ظلت الدولة السوفياتية تعاني في مواردها الزراعية بعد أن ألغى خروشتشوف دولة دكتاتورية البروليتاريا واستبدلها بدولة هجين سماها " دولة الشعب كله ". رغم ضم الفلاحين قسراً في تعاونيات إلا أن إنتاجهم لم يتخلص من طابعه الفردي وهو الطابع الذي يطبع الطبقة الوسطى، وقد لعب الفلاحون الكولخوزيون دوراً رئيسياً في هزيمة البلاشفة في الحزب إذ تحت راية مشروع " إصلاح الأراضي البكر والبور " تم طرد البلاشفة من المكتب السياسي بإنقلاب عسكري بحجة معارضتهم للمشروع وصاحبه خروشتشوف والذي انتهى إلى تكبيد الإتحاد السوفياتي خسائر قدرت بأكثر من ثلاثين ملياراً من الدولارات. كان الفصيلان المتقدمان من الطبقة الوسطى في النظام السوفياتي هما العسكريون المحترفون يقودهم الجنرالات والفلاحون الكولخوزيون.

في العام 1950 وفي ختام مناقشة حادة في قيادة الحزب حول مصائر الطبقة الوسطى استمهل الرفيق ستالين قيادة الحزب التي أصرّت على إلغاء طبقة الفلاحين الكولخوزيين مرة واحدة وإلى الأبد من الحياة السوفياتية، استمهلهم بسبب خطورة الأمر على مصائر الثورة وقال أن إلغاء طبقة الفلاحين لن يتم بسهولة إلا بعد إغراق إنتاجهم الزراعي بالبضائع الاستهلاكية المصنعة. مثل هذه السياسة لا بد وأن انعكست في قرارات المؤتمر العام التاسع عشر للحزب الشيوعي الذي انعقد في العام 1952، شهوراً قليلة بعد خطاب الاستمهال الشهير خاصة وأن ستالين كان يعرف بالحزم وعدم التردد في اتخاذ قراراته السياسية. ما لا بدّ لكل باحث في الشؤون السوفياتية وفي انحراف الحزب الشيوعي بعد رحيل ستالين من التوقف عنده بعين الشك والريبة هو الطمس المريب لأعمال المؤتمر التاسع عشر للحزب التي لم تكن سرية كما كان خطاب خروشتشوف السري في المؤتمر العشرين الذي أدان ستالين وأصبح معروفاً للعالم كله بين عشية وضحاها، ثم عند إزاحة جيورجي مالنكوف عن مركز الأمانة العامة للحزب بعد ستة أشهر فقط من إشغاله المركز، لأنه أزيح بسبب مطالبته بخفض النفقات العسكرية من أجل تنفيذ خطة التنمية المرسومة في المؤتمر التاسع عشر والقاضية بزيادة إنتاج البضائع الاستهلاكية لرفاه الشعب وإغراق الإنتاج الزراعي بالإنتاج الصناعي ــ في الثمانينيات بدأت علائم الإنهيار الوشيك بالظهور على الاتحاد السوفياتي بسبب شح البضائع الاستهلاكية. وكان بريجينيف في السبعينيات قد عوض عن النقص في البضائع الإستهلاكية باستيرادها من الأسواق الرأسمالية بما تحقق من مبيعات الأسلحة. في الثمانينيات لم يعد العالم الثالث يشتري الأسلحة السوفياتية ولم يكن بإمكان السوفياتيين أكل الفولاذ !!!

الفصيلان الرئيسان في الطبقة الوسطى، العسكر بقيادة الجنرالات والفلاحون الكولخوزيون، شكلا طلائع الرجعية المتقدمة في الهجوم على دولة دكتاتورية البروليتاريا الاشتراكية. وللمرء أن يذكر في هذا السياق موقف هذين الفصيلين من الطبقة الوسطى في ثلاثينيات القرن الماضي حين استهدف كبار الفلاحين هزيمة الثورة الاشتراكية اقتصادياً بعد أن انتصرت عسكرياً وحين اضطر ستالين أن يجوب روسيا بالقطارات كي يقنع الفلاحين بدفع الضريبة العينية للدولة كي تتمكن من إطعام العمال في المدن؛ وبالمقابل ظل الفلاحون يحرقون انتاجهم الزراعي والحيواني كيلا يدفعوا مستحقات الدولة فتفشل الثورة الاشتراكية؛ وكان أن جوبه تمرد الفلاحين الرجعي بموقف الحزب الحازم وعلى رأسه ستالين ولم ينتهِ الأمر بإعدام عضوي القيادة في الحزب بوخارين وريكوف. أما الفصيل العسكري، أي الجيش، فظل يضغط على الدولة من أجل زيادة موازنته السنوية منذ العام 1933 وحتى العام 37 حين حاكت قيادة الجيش وعلى رأسها المارشال توخاتشوفسكي مؤامرة لانقلاب عسكري ضد الحزب والدولة فكان أن قبض على المتآمرين وتم الحكم عليهم بالإعدام.

فيما بعد الحرب الوطنية 1941 ــ 45 عاد هذان الفصيلان المعاديان للاشتراكية، العسكر والفلاحون، إلى سياستهما القديمة. برحيل ستالين في العام 1953 تمكن العسكر من استئجار خروشتشوف لإزاحة مالنكوف الذي أصر على انتهاج السياسة الستالينية في زيادة إنتاج البضائع الاستهلاكية لتغليب طبقة البروليتاريا على طبقة الفلاحين كخطوة جوهرية نحو محوها، بتعبير لينين. التمويل المخصص لانتاج البضائع الاستهلاكية كما في الخطة الخمسية حرفه خروشتشوف لزيادة الإنتاج الحربي كما رغب العسكر. من خلِفَ القائد القوي الحازم جوزيف ستالين في قيادة الحزب والدولة منذ سبتمبر 1953 هو فعلاً قيادة الجيش وليس خروشتشوف وخلفاؤه من عصابته. ومنذ ذلك الحين لم يعد الاتحاد السوفياتي دولة العمال الاشتراكية بل دولة العسكر اللاإشتراكية. وعاد الفلاحون بعد الحرب لا يؤدون للدولة مستحقاتها فكان أن طالبت قيادة الحزب بقوة إلغاء طبقة الفلاحين مرة واحدة بقرار سلطوي إلا أن ستالين استمهلها ليمحوها خلال الخطة الخمسية 1952 ــ 57 أو التي تليها على أبعد تقدير. لكن هذا لا يكون في دولة العسكر اللاإشتراكية. ففيما بعد الردة الخيانية في المؤتمر العشرين للحزب 1956 قدم خروشتشوف مشروعاً خيانياً آخر للقيادة باسم " إصلاح الأراضي البكر والبور " يقضي بتنمية طبقة الفلاحين خلافاً للتخطيط الإشتراكي وزيادة طبقة الفلاحين في المرحلة الأولى بمائتي ألف فلاح . في يونيو حزيران عارض البلاشفة الستة في المكتب السياسي المشروع ونزعوا الثقة من خروشتشوف فكان عليه أن يتنحى تبعاً لذلك إلا أنه، وهو الذي هاجم دكتاتورية ستالين واتهمه بعبادة الذات وتعهد بإرساء قواعد الديموقراطية، إلا أنه عوضاً عن ذلك قام بانقلاب عسكري بمساعدة المارشال جوكوف وطرد البلاشفة من المكتب السياسي متجاوزاً بذلك كل القواعد التنظيمية في أعمال الحزب. زرع خروشتشوف ملايين الهكتارات شمال كازاخستان قريباً من مناطق التندرة بالقمح فكان المشروع الفضيحة الغبي الذي كلف الاتحاد السوفياتي خسائر قدرت آنذاك بأكثر من ثلاثين ملياراً من الدولارات. في العام 1964 استنكر خروشتشوف تعاونه مع العسكر لكنه لم يستنكر تعاونه مع الفلاحين ــ ولعل نوري السعيد نطق بحكمة واحدة دون أن يعي فبدل أن يلفظ " خروشتشوف " ظل يقول عامداً " خرى تشوف "! وها هو العالم يشوف الخراء بفعل أفعال خروشتشوف الخيانية ليس إلاّ !!
بناءً على كل ما تقدم يتوجب التأكيد مرة أخرى على أن " من لا يلمّ بحقائق علوم الإقتصاد الأولية عليه ألاّ يقارب السياسة " !

فؤاد النمري





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,613,757
- شيوعيون بلا شيوعية !!
- كيف نتضامن مع الشعوب السوفياتية لاسترداد فردوسها المفقود
- إنسداد دورة الإنتاج الرأسمالي وانهيار الرأسمالية
- الإنحراف المتمادي لبقايا الأحزاب الشيوعية
- محاكمات غير ماركسية لمحاكمة ماركسية
- محاكمة ماركسية
- - الأصولية - الماركسية في وجه محمد علي مقلد
- العيد الثامن للحوار المتمدن
- آثام جسام وتشوهات خَلْقية ورثتها البشرية عن أعداء الشيوعية
- ما هي الشيوعية، ولماذا الشيوعية؟
- الماركسية تأسست على الحقيقة المطلقة
- الطبقة الوسطى كما البروليتاريا، كلتاهما تنفيان الرأسمالية
- ماذا عن راهنية البيان الشيوعي (المانيفستو) ؟
- فَليُشطب نهائياً مراجعو الماركسية !
- الحادي عشر من سبتمبر
- إشكالية انهيار النظام الرأسمالي
- ما الذي يجري في إيران ؟
- من هو الشيوعي الماركسي ؟
- القول الفصل فيما يُسمّى بالعلمانية
- اليسار لا يملك إلا الخداع والخيانة


المزيد.....




- فيديو إطلاق نار مرافقي الوزير اللبناني أكرم شهيب بالهواء لتف ...
- فيديو إطلاق نار مرافقي وزير لبناني بالهواء لتفريق متظاهرين ي ...
- حنا غريب: هي لحظة تاريخية... كلنا معا لبناء دولة وطنية ديمق ...
- #الشعب_يستطيع
- تصاعد احتجاجات لبنان.. جرحى في صدامات بين المتظاهرين والأمن ...
- يسقط حكم المصارف
- قطع الطرق التالية
- بيان صادر عن المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني
- الأمن اللبناني يطلق الغاز المسيل للدموع ويشتبك مع المتظاهرين ...
- احتجاجات لبنان.. مرافقو وزير التربية يرهبون متظاهرين


المزيد.....

- راهنية التروتسكية / إرنست ماندل
- المادية التاريخية هي المقاربة العلمية لدراسة التاريخ / خليل اندراوس
- الشيوعية ليست من خيارات الإنسان بل من قوانين الطبيعة / فؤاد النمري
- دروس أكتوبر [1] (4 نوفمبر 1935) / ليون تروتسكي
- التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية / لطفي حاتم
- ما هي البرجوازية الصغيرة؟ / محمود حسين
- مقدمة كتاب أحزاب الله بقلم الشيخ علي حب الله / محمد علي مقلد
- ملخص لكتاب فريدريك انجلز-أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدو ... / عمر الماوي
- رأس المال: الفصل الثاني – عملية التبادل / كارل ماركس
- من تجلّيات تحريفية حزب العمّال التونسي و إصلاحيّته في كتاب ا ... / ناظم الماوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - حقائق أولية في العلوم السياسية