أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عادل بشير الصاري - خواطر حول الدروز والدرزية (2)















المزيد.....

خواطر حول الدروز والدرزية (2)


عادل بشير الصاري

الحوار المتمدن-العدد: 2892 - 2010 / 1 / 18 - 08:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الحاكم بأمر الله
ترتبط العقيدة الدرزية بشخص الخليفة الفاطمي السادس الحاكم بأمر لله أبو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي ، ولهذا الخليفة مكانة سامية تصل إلى درجة التقديس بين عموم الموحدين الدروز القدامى والمعاصرين منهم، فقد كان دروز الأمس يؤلَّهونه ، لكن دروز اليوم ـ كما يظهرون ويعلنون على الملأ ـ يعدونه إماما مُغيَّبا سيعود إلى الأرض ليملأها عدلا .
بويع الحاكم للخلافة صغيرا سنة 390هـ ، وانتهى حكمه وانتهت معه حياته بحدث غريب فقد خرج من قصره ذات ليلة من سنة 411هـ ولم يعد إليه ، وقد شغل هذا الحدث المريب لفيفاً من المؤرخين والمحللين القدامى والمحدثين فذهبوا في تأويله مذاهب شتى أكثرها يميل إلى التأكيد أن الحاكم قتل بتدبير من أخته ست الملك التي استشعرت مدى نقمة المصريين على أخيها ، فخشيت أن تؤدي نقمتهم إلى الثورة على القصر وضياع الخلافة الفاطمية .
على أن أكثر شيء استوقف المؤرخين في شخصية الحاكم هي قراراته المتضاربة وتصرفاته الغريبة الشاذة ، فقد رويت عنه أفعال منكرة وحوادث خطيرة وأهوال مهولة تدل على أنه لم يكن إنسانا سويَّ المدارك والملَكات كغيره من البشر الطبيعيين الأسوياء ، إذ كان فيما يبدو مضطرب الشخصية غريب الأطوار متقلب المزاج يفعل الشيء ونقيضه في آن واحد ، حتى ليمكن القول بلا تحفظ إن سيرة هذا الخليفة تعد من أغرب السير في تاريخ الخلافة الإسلامية على الإطلاق ، بل ربما لا نبالغ إذا عددناها من أغرب سير وتواريخ البشر .
ولولا أن المقربين من الحاكم وخلصاءه مثل حمزة بن علي الزوزني وبهاء الدين المقتنى السموقي ذكروا في رسائل الحكمة بعضا من مظاهر شذوذ وجنون الرجل والتمسوا لها تعليلات وتسويغات لإقناع العوام بها لاتهمنا المؤرخين بالتزييف والكذب عليه .
من يقرأ سيرة الحاكم في كتب التاريخ يكتشف أن الرجل مصاب بانفصام الشخصية ، فمن أبرز الشخصيات التي ظهر بها للرعية هي صورة الإنسان العلماني الواسع الأفق المتحرر من إسار التزمت والتنطع في أمور الدين ، يسوس الناس بالحكمة والموعظة الحسنة ، ولا يكره أحدا على أمر لا يريده ، فقد أعلن في سجل له أن (( لكل مسلم في دينه اجتهاده ، ولا يستعلي مسلم على مسلم بما يعتقده )) ، لذلك ترك أمر الإيمان والكفر إلى اختيار الإنسان وقناعاته ، فشاعت في هذه الفترة من حكمه مظاهر اللهو والتفسخ الخلقي .
لكن سرعان ما سئم الحاكم هذه الشخصية اللينة فآثر أن يظهر للرعية في شخصية أمير المؤمنين الخليفة المؤمن الزاهد ، فمن مظاهر زهده وتقشفه أنه ظل سبع سنين يرسل شعره على كتفيه ، ويلبس الصوف والخشن من الثياب حتى تبلى وتخلق ، ولا يأكل إلاَّ ما يقيم الأود ، ومما يحكى عنه أنه كان يمضي يومه في التعبد ، فإذا جن الليل ركب الحمار قاصدا صحراء الجب وجبل المقطم لأجل التأمل والتحنث ، وكثيرا ما شوهد الحاكم وهو يتفقد أحوال الناس في الأسواق، ويأمر برفع الضرائب والمكوس عنهم .
لقد أخذ في هذه المرحلة يقرِّب العلماء إليه ، ويحظر على النساء الخروج ليلا ، ويعاقب من يسب الصحابة ومن يمتهن صناعة وبيع الخمور .
لكن مع هذا صدرت عنه خلال مرحلة زهده أفعال لا يمكن في حكم العادة أن تصدر من مؤمن زاهد ، بحيث يمكن القول إن الخليفة الزاهد يتحول بين الحين والآخر إلى إنسان عابث مستهتر مجنون نزق شرير سفاح لا تؤمن بوائقه ، فمما روي عنه في هذا الشأن أنه منع الآذان والصلاة في المساجد لفترة من الوقت، وقطع الكسوة عن الكعبة ، وأمر بهدم كنائس الأقباط ومنع قساوستهم من تعليق الصلبان على صدورهم ، وأراد في يوم من الأيام أن يغيظ هؤلاء القساوسة فأمرهم بتعليق صلبان طول الواحد منها ذراع وعرضه ذراع بحيث تنحني رقابهم لثقلها ، وحين علم أن المصريين يُقبلون كثيرا على أكل االجرجير والملوخية وشرب الفقاع ، أمر بحظر بيعها وتناولها .
ونقلت عنه كتب التاريخ أنه كان جبارا محبا لسفك الدماء ، فقد قتل عددا كبيرا من رجال دولته من الوزراء والقواد والأعيان والقضاة والعلماء والقساوسة وعامة الناس، ويبدو أن الرجل بسبب اختلال عقله كان يتشهى القتل ويجد فيه متعة لا تعدلها متعة أخرى ، فقد ذكر المقريزي أن الحاكم تولى بنفسه شقَّ بطن أحد جنوده ، كما روي عنه أنه وقف يوما عند أحد الحانوتيين الذين كان يتردد عليهم ، وظل يتبادل معه الحديث ثم فجأة رماه برمح فطرحه أرضا ، ثم تناول سكينا وذبحه ، وطلب ساطورا وفصل به رأس الحانوتي ، ثم طلب الماء وأمر الناس وقاضي القضاة بتغسيله وإقامة جنازة كبيرة له والصلاة عليه .
ومن غرائب وشنيع أفعاله أيضا أنه كان يأمر قواده بالاقتتال فيما بينهم حتى يفنوا ، ويأمر عبيده وحرسه أحيانا بالقفز من فوق قصره فيقعون ما بين قتيل ومكسور ، وأحيانا يأمرهم بالكشف عن عوراتهم أمامه ثم يقتلهم ، ودخل عليه الفضل بن صالح أحد قواد جيشه فوجده يُقطَّع أمعاء غلام من غلمانه ، ولما ارتعب الوزير وفرّ من هول ما رأى أرسل وراءه من يقتله .
وينقل المؤرخ ابن إياس في كتابه المسمى ( بدائع الزهور في وقائع الدهور) صورا من شذوذ الحاكم وسخف فعله فيقول عنه : (( كان يلبس جبة الصوف ويركب على حمار أشهب يسمى القمر ، ويطوف في أسواق مصر والقاهرة ، ويباشر حسبة البلد ، وكان معه عبد أسود طويل عريض يمشي في ركابه ، يقال له مسعود أمر بأن يُفعل به الفاحشة العظمى ، وهي اللواط ، فيُفعل به على دكانة والناس ينظرون إليه حتى يفرغ من ذلك والحاكم واقف على رأسه )) .
وقد برَّر حمزة بن علي الزوزني الذي يعد المؤسس الحقيقي للعقيدة الدرزية مثل هذه التصرفات الشاذة والأفعال القبيحة بما يندى له الجبين خجلا ، إذ قال في الرسالة الحادية عشرة من رسائل الحكمة وعنوانها ( كتاب فيه حقائق ما يظهر قدام مولانا جل ذكره من الهزل ) بلغة ركيكة: (( ولو نظروا إلى أفعال مولانا جلت قدرته بالعين الحقيقية وتدبروا إشاراته بالنور الشعشعاني لبانت لهم الألوهية والقدرة الأزلية والسلطان الأبدية ، وتخلصوا من شبكة إبليس وجنوده الغوية ، ولتصور لهم حكمة ركوب ( كذا) مولانا جل ذكره وأفعاله ، وعلموا حقيقيِّة ( كذا) المحض في جده وهزله ، ووقفوا على مراتب حدوده ، وما تدل عليه ظواهر أموره ، جل ذكره وعزَّ اسمه ولا معبود سواه )) .
من هنا أخذ كاتب الرسالة يفسر تصرفات الحاكم بأمر الله وفق هواه ومخيلته ، فهو على سبيل المثال رأى في تربية شعر رأس الحاكم دليلا على ظواهر التنزيل ، ورأى لبسه للصوف دليلا على ظواهر التأويل ، وركوبه للحمير دليلا على النطقاء أي الأنبياء ، كذلك فسَّر لعب الحاكم بعورات مرافقيه ، أو وقوفه متفرجا على أصحابه وهم يتقاتلون ، بأنها إشارات واضحة على ألوهيته قد تخفى على الجهَّال .
فانظر عزيزي القارئ كيف تستهتر بعض عقول الدهاةُ والأذكياء من ذوي الأغراض والمطامع الدنيوية بعقول العوام وبسطاء الناس فيُصورون لهم الجنونَ والهبلَ والشذوذ على أنه حكمة ودلالة ناطقة على ألوهية رجل مريض يتلذذ باللعب بعورات وزرائه وقواده .
لقد صدق أبو العلاء المعري حين قال :
في كل جيل أباطيل ملفقة .... فهل تفرد يوما بالهدى جيلُ





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,398,479,778
- خواطر حول الدروز والدرزية (1)
- تهافت الوهابية
- كَلِّمنا ... أيها المُحيي المميتُ
- عفوا نادين البدير ومعذرة
- من لي بمحاسبة بعض علماء وشيوخ السعودية ؟
- المرأة ...... هذا المخلوق السيء السمعة
- كفاكم اعتداء على الأديان
- لن تبقى طول المدى سيدي
- طلال مداح آخر فحول الأغنية الطربية
- مصر التي لم تعد في خاطري
- المرايا المقعرة الإلحاد والإيمان وجها لوجه
- إسلام بلا فقهاء ولا دعاة


المزيد.....




- الحركة المدنية تطالب بالإفراج عن “هشام وزياد وحسام “:ليس لهم ...
- حبس 11 متهمًا 15 يومًا على ذمة التحقيقات في قضية إحباط “خطة ...
- الخارجية الأميركية ترصد تضييقا على الحرية الدينية بالمغرب
- ما فتئت براعم الشر تعبث بالعراق والحكومة تهادن وتعمل على ال ...
- أبرز النشطاء الذين ألقي القبض عليهم في مصر بتهمة إدارة شركات ...
- الحكومة الإيرانية: فرض عقوبات على المرشد الأعلى للثورة الإسل ...
- السعودية تقول إن قواتها الخاصة أسرت أمير تنظيم الدولة الإسلا ...
- السعودية تقول إن قواتها الخاصة أسرت أمير تنظيم الدولة الإسلا ...
- قس نيجيري يدعي النبوة يجذب أعدادا كبيرة من المسيحيين إلى إسر ...
- قس نيجيري يدعي النبوة يجذب أعدادا كبيرة من المسيحيين إلى إسر ...


المزيد.....

- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عادل بشير الصاري - خواطر حول الدروز والدرزية (2)