أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - فيصل البيطار - أيام في بغداد ....















المزيد.....

أيام في بغداد ....


فيصل البيطار

الحوار المتمدن-العدد: 2881 - 2010 / 1 / 7 - 22:35
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


بغداد 1969 – 1975

الكليات العراقيه في بغداد تضج بالطلبه الفلسطينيين من الجنسين، هؤلاء القادمون من الضفة الغربيه ومن الأردن بشكل خاص، كانت المقاومه الفلسطينيه في أوجها وتحظى بإحترام شديد ليس من الطلبه العراقيين فقط، ولكن من الشارع العراقي على كل تلوناته السياسيه وبكل فئاته ،العراقيون شعب طيب ومضياف وزاد من حبهم وإحتضانهم للفلسطينيين أخبار تلك المقاومه الباسله داخل الوطن المحتل وعبر نهر الأردن والجولان وجنوب لبنان، والتي كانوا يتابعونها أولا بأول خصوصا وأن الكثير من أبناءهم قد إلتحقوا كمقاتلين في صفوف تنظيماتها . تتوزع كليات جامعة بغداد ضمن رقعه جغرافيه ضيقه في الوزيريه وباب المعظم، كلية العلوم في الأعظميه، أما كليات الجامعه المستنصريه فيضمها جميعا مبنى ضخم حديث البناء في بداية شارع فلسطين من جهة الوزيريه، الإنتفال من أي كليه الى ساحة الميدان لا يقتضي سوى ركوب المصلحه ( الباص ) لمنطقه واحده، عشرة فلوس يدفعها الراكب فيما لو إختار المقاعد الخشبيه في مؤخرة المصلحه وخمسة عشر فلسا فيما لو إختار احد المقاعد الجلديه، لو وقف الراكب بين المقاعد الخشبيه سوف يدفع رسمها المقرر، وخمسة عشر فلسا يدفعها فيما لو وقف بين المقاعد الجلديه ... هذا النظام كان يثير إستغرابي ولم أجد له تفسيرا أبدا . في الظهيرات كانت منطقة الميدان تعج بالطلبه العرب وغالبيتهم من الفلسطينون، هناك المطاعم والمقاهي، وجبة كباب من ثلاثة أسياخ مع ( الزلاطه ) بثمانون فلسا ولو أردت شيش ( عوازه ) تدفع عشرون فلسا زياده، ولك من ( الصمون ) أو الخبز الحار ما شئت، كوب لبن أربيل بعشرون فلسا، وأشهر مطعم يقدم هذه الوجبه الشهيه كان مطعم كباب كركوك الذي يقع على الجانب الأيمن من بداية شارع الرشيد مقابل ساحة الميدان بالظبط، لو أراد الطالب وجبة تمن ومرك شهيه فسوف يجدها دون عناء، يتقدم قليلا ولمسافة عشرون مترا أو ثلاثون وسيجد هناك مطعمان، الجمهوريه على الجانب الأيمن ومطعم الشمال مقابله تماما، الغالبيه العظمى من الطلبه وأنا منهم كانوا يفضلون مطعم الشمال، وجبة التمن ومرك بمائة وعشرة فلوس، أما انواع المرك فهي كثيره ربما تتجاوز الخمسة عشر نوعا أو أكثر في اليوم الواحد، المسؤول عن تقديم الوجبات يأتيك فور حصولك على مقعد بعد أن تكون قد إنتظرت لعدة دقائق واقفا ... بانيه، شجر، أسود، يابسه، طرشانه، قرنابيط ... يسردهها بسرعه غريبه دون أن يتلعثم له لسان ودون أن يمكنك من إستيعاب لذة هذه الأكله أو تلك، كص على تمن بماءه وسبعون فلسا والمرك أنت تختاره .

قبل مطعم الشمال ربما بدكانين أو ثلاثه، كانت مقهى عارف آغا، تأسست في ثلاثينات القرن الماضي، وظلت صامده حتى نهاية السبعينات وعلى مستوى من النظافه يفوق غيرها من المقاهي، حسن عجمي والبرلمان التي كانتا تحتضران، حسن عجمي إستمرت وهي بحاله يرثى لها حتى مغادرتي بغداد منتصف 2005 ، كراويتات عارف آغا كانت من النوع الثقيل والمريح، مغطاه بقطع من الزوالي، ظلت نظيفه وأنيقه حتى نهاية عمرها . بعد وجبة الغذاء، كان البعض يتجه إلى مقهى أم كلثوم الملاصقه لمطعم الجمهوريه ليستمتع بإحدى أغنيات السيده أو أكثر، كنت أتوجه إلى عارف آغا وأجلس في الصف الأخير من الكرويتات مع بعض الرفاق، ظهري إلى الحائط ووجهي إلى شارع الرشيد ... مدخل المقهى .

يدخل الشاعر " عبد الأمير الحصيري " متأبطا حقيبته السوداء ( أم الزنجيل ) والتي كانت تحوي كل ثروته، شِعره المكتوب حتى على باكيتات السكائر وأوراق متناثره عبثت بها يداه مرات ومرات حتى باتت في حاله يرثى لها من الإهتراء والتآكل، يتجه نحوي ويقتحم مجلسي دون إستئذان وآثار السكر في وجهه ومشيته .
- فيصل دز لي نص ربع .
- إتغديت أمير ؟
- ما عليك ، دز لي نص ربع .
- هاك روح إنت جيب .
كان يعلم أنني لن أقدم له مثل هذه الخدمه، لكنه يأبى على نفسه أن يقول أعطني، يعود بعد قليل فالميدان كان مليئ بمحلات بيع المشروبات الروحيه، يجلس مقابلي وانا أتمعن بوجهه الأليف والمحبب لي، بلحيته التي لم يمر الموسى عليها منذ أيام وشارباه المنسدله على شفته العليا وتكاد أن تغطيها .
- دز لي حامض .
عند وصول الحامض، يمد يده في جيب جاكيتته الباليه، يخرج نصف الربع من العرق ( أسود ) يكرعه بجرعة واحده، ثم يعيد غطاء الزجاجه إلى مكانها ويلقي بها أسفل الكرويته التي يجلس عليها ويبدأ بتحريك إستكان الحامض ليشربه على دفعتين ماسحا فمه بردن جاكيته الوحيد .
- روح جيب شطرنج .
خمسة أو ستة حركات ويصبح ملكي في خبر كان . أصر على دور ثاني وأحاول التركيز لكنني لا أستطيع أن أخطط لأكثر من ثلاثة حركات قادمه، هذه المره سبعة أو ثمانية حركات وتنتهي اللعبه ... بخسارتي طبعا .

إحدى الظهيرات جاءني كالعاده .
- فيصل أريد أطبع ديوان على حسابي، لملي شوية فلوس من جماعتك .
- بس إنت تدري أمير جماعتي كلهم طلاب وهتكانين .
- ما عليّ . باشر هيشي وكت آجيك .
رجل دون مواعيد يضرب لي موعدا، ظهيرة اليوم التالي كان بجانبي .
- ها شسويت ؟
- ما كدرت أجمع غير خمس دنانير .
- وينها ... جيبها .
- لا، نروح سويه للمطبعه، إذا أنطيك ياها تصرفها .
- إنت ما عليك جيبها .
ناولته المبلغ ... ورقه حمراء كبيره، وضعها في جيبه ثم فتح حقيبته السوداء وأخرج منها كراسا صغيرا ربما لا يتجاوز عدد صفحاته الستتة عشر صفحه بغلاف خشن رقيق يميل إلى الزرقه على واجهته صورة له مرسومه بقلم رصاص على ما أظن، كان ديوان " أنا الشريد " ، كتب لي أهدائه على الغلاف كما طلبت أنا، وما زلت أحتفظ به في مكتبتي التي تبعد عني 1000 كم في بغداد .
ذات ظهيرة أخرى تفآجأت بالشاعر يدخل مقهاي الأثير لكن بحلة جديده، متأبطا حقيبته السوداء ذاتها، يلبس ( قاطا ) جديدا وقميصا أبيض اللون مع ربطه لم يُطقها على عنقه فتركها دون إحكام ... كان حليقا ونظيفا ، لم يكن عبد الأمير الحصيري أبدا .
- ها أمير خيرك .
- إشتغلت .
- يمعود كول غيرها، إنت مال شغل !!
- داكولك إشتغلت هاي شبيك .
- يابه عالخير بس شلون فهمني .
- دز عليّ وزير الإعلام ( غاب عني إسمه الآن لكني أحسبه عبدالله سلوم السامرائي ) وعينّي بجريدة الثوره .
- وشعيّنك ؟
- مصحح .
- يابه شايف ألف خير .
لكنه لم يصمد كثيرا في وظيفته تلك إذ غادرها بعد أسابيع وعاد إلي ما كان عليه .

كان شاعرنا من رواد شارع أبو نؤاس ليلا، يمر على باراتها الصيفيه أو الشتويه باحثا عن مائده تحبه ويرتاح اليها، كنت أحبه وأدعوه لمجالستنا إذا ما شاهدته يجول بعينيه أنحاء البار، وأكاد أدعي أنه كان يرتاح لي، كان من من المعجبين والمحبين لسكرتير اللجنه المركزيه للحزب الشيوعي العراقي، القائد الكبير " سلام عادل " ويحمل قلبه كرها عميقا لكتلة الأربعه أصحاب تقرير آب 1964 الداعي لحل الحزب الشيوعي العراقي ثم الإلتحاق بالإتحاد الإشتراكي كأفراد كما فعل الشيوعي المصري، كنا نسمع له وهو يشن هجومه الكاسح ضد " عامر عبدالله " و " زكي خيري " مشيدا بالشيوعي السوري الكبير " خالد بكداش " الذي رفض حل حزبه الشيوعي السوري، نسمع له رغم إعتراضنا الداخلي على ما يقول .

الحصيري كان مدمنا، يعيش حياته كما يريدها هو، لا هندام له ولا يعرف الإغتسال ولا مكان له للنوم ... وكان طيب القلب مسالما ولم أراه يوما في حالة من الهيجان التي تعتري البعض من المدمنين .

غادرت بغداد بعد تخرجي من الجامعه، لأعود اليها بداية عام 1979 ، أخبرني الأصدقاء أن صديقي العزيز قد وجد في إحدى الصباحات ميتا في أحد أزقة شارع الرشيد، حيث يقع كازينو شط العرب قرب أورز دي باك . حياته كانت قصيره إذ كان في السادسه والثلاثون من عمره لا أكثر .

أحزننا موته كما أسعدتنا حياته ..... كم أنتِ حلوة يا بغداد وكم كانت حلوة أيامك .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,470,618,626
- جوله مع الاسماء ....
- الوعي المسلوب ...
- بعض إشكاليات وتطبيقات الفقه الاسلامي ( 5 )
- بعض إشكاليات وتطبيقات الفقه الاسلامي ( 4 )
- بعض إشكاليات وتطبيقات الفقه الاسلامي (3 )
- إيران تستعجل قدرها .
- بعض إشكاليات وتطبيقات الفقه الاسلامي (2)
- بعض إشكاليات وتطبيقات الفقه الاسلامي (1)
- فضاءات رحبه وأمينه في - الحوار المتمدن -
- حديث المئذنه ....
- أضواء على الأزهر ... غير الشريف .
- هل جاع - محمد - ومات فقيرا ؟
- هل قتل النبي محمد إبنه وابن عمه ؟
- قادة صغار ومهمات جسيمه . 2من2
- قادة صغار ومهمات جسيمه . 1من2
- ايران وما تعدنا به من تدمير .....
- مذكرات خليل الدليمي المهزله ... 2 من 2
- مذكرات خليل الدليمي المهزله...1 من 2
- وانتهت رحلة حماس ...
- لا إتفاق فلسطيني ... فما الحل ؟


المزيد.....




- اليمن: الانفصاليون الجنوبيون يسيطرون على معسكرين للقوات الحك ...
- واشنطن تقرر تزويد تايوان بـ 66 مقاتلة F-16 بقيمة 8 مليارات د ...
- اختبار واشنطن الصاروخي.. هل بدأ التصعيد؟
- الحوثيون: التحالف يسحب 100 ألف جندي لاستخدامهم دروعا بشرية ل ...
- تونس.. الشاهد تخلى عن الجنسية الفرنسية قبل الترشح لانتخابات ...
- رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي باليمن يزور جدة للتفاوض مع حكو ...
- يرأسه البرهان ويضم حميدتي وآخرين.. تشكيل المجلس السيادي في ا ...
- الشعبية بالسجون تدعو للاشتباك مع الاحتلال في كل الساحات
- الحركة الأسيرة تدعو إلى “ساحة اشتباك مفتوح” مع الاحتلال
- قيادي في المؤتمر الشعبي السوداني: نجاح الثورة مرتبط بهذه الق ...


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - فيصل البيطار - أيام في بغداد ....