أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الحسين شعبان - النجف... والفرصة الواعدة!! سعد صالح (2)















المزيد.....


النجف... والفرصة الواعدة!! سعد صالح (2)


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 2861 - 2009 / 12 / 17 - 20:32
المحور: الادب والفن
    


النجف... والفرصة الواعدة!!
سعد صالح (2)

• سسيولوجية النجف وتاريخها
النجف، هي المدينة التي تقع في طرف الصحراء، بالقرب من نهر الفرات المارّ بالكوفة، وتسمّى في أحيان كثيرة بالنجف الأشرف، تأكيداً على قدسيتها وعلى تقدير الناس لها.
ومن أسمائها الأكثر شهرة هي " الغري" و" وادي السلام" و" المشهد" و"النجف السعيد" وتكنّى بـ" خدّ العذراء"، وقد ارتبطت هذه الاسماء كلها بكون النجف ملتقى الأطراف المحيطة بها من حضر وبدو، وقبائل ووافدين، ومِللٍ ونحِلٍ، فهي بذلك " المشهد"، ولكونها أرضاً عاليه معلومة تصدّ الماء الذي ينجّفها، أي يحيطها، أيام السيول ولذا كانت "النجف"(1)، كما أنها تضم أكبر مقبرة في العالم، سواءً من أبناء العراق، أو ممن يُنقلون ليدفنوا فيها من بلادهم، ليكونوا على مقربة من الحرم العلوي لحضرة الامام علي بن ابي طالب، أي " الروضة الحيدرية" وهؤلاء في العادة من الشيعة الإمامية من مختلف ارجاء العالم الاسلامي، ومن هنا جاءت تسميتها بمقبرة " وادي السلام" أو مقبرة الغري.(2)
وقد ورد اسم النجف في كتاب " تاج العروس" باعتبارها مسنّاة بظاهر الكوفة، تمنع ماء السيل أن يعلو منازلها، ويصفها ياقوت الحموي في "معجم البلدان" بأنها أعدل أرض الله هواءً، وأصحّها مزاجاً وماءً، كما ورد في " تاريخ الطبري" أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة أعجبه ما رأى فيها من البساتين والنخيل والأنهار فبنى فيها قصر الخورنق أيام العصر الجاهلي، ويذكر الشيخ جعفر محبوبة في كتابه " ماضي النجف وحاضرها"، أن النعمان خرج الى ظهر الحيرة وكان معشاباً فمرّ بشقائق أعجبته، إضافة الى نبت الشيح والقيصوم والخزامى والزعفران والأقحوان، فقال من نزع شيئاً من هذا، أي من الشقائق
فانزعوا كتفه، وهكذا سميّت "شقائق النعمان". والنعمان بن المنذر هو بن امرؤالقيس أشهر ملوك الحيرة وتوفي قبل هجرة الرسول بنحو 15 عاماً. (3) ، وحسب المسعودي في مروج الذهب ظلّت النجف منتجعاً للملوك والأمراء وقد كان "النجف" سعيداً باقبال الناس على المدينة من كل حدب وصوب، امّا للزيارة أو للتعلّم في جامعتها لاحقاً.(4)
والواقع ان النجف كمدينة، هي الحد الفاصل أساساً للصحراء أو البادية الشاسعة الممتدة الى المملكة العربية السعودية، وبين الداخل العراقي بما يضمه من حضارات تمتد الى نحو سبعة آلاف عام في التاريخ، وقد ظلت ميداناً لتصارع قيم البداوة والحضارة حتى وقت قريب باستعارة تعبير العلاّمة الاجتماعي "علي الوردي(5) " باستلهام الفكرة الخلدونية(6) ، وتعتبر النجف رابع المدن الاسلامية
المقدسة بعد مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس الشريف، فبالإضافة الى احتضانها الروضة الحيدرية، فهي دار هجرة الأنبياء ومواطئ الاولياء، وبها نزل النبي ابراهيم الخليل، ودفن فيها النبي هود والنبي صالح عليهم السلام جميعاً.
ولعل هذا المدخل يعطينا اطلالة أولية لفهم بعض جوانب الشخصية النجفية المدينية العراقية، الأمر الذي يبدو ضرورياً لمعرفة دور النجف الديني والسياسي والاجتماعي، فضلاً عن تأثيراتها في بناء الشخصية العراقية العربية، لاسيما في العهد الاسلامي، وهي شخصية مركّبة ومتراكبة بفعل الحضارات التي ولّدتها والتاريخ الذي عاشته والمعارف التي تحصّلت عليها.
لقد ابتدأت ملامح الشخصية النجفية التركيبية مع بناء مدينة الكوفة وهي الأساس، فعندما بُنيت الكوفة في بداية العصر الاسلامي تم بناؤها كقاعدة عسكرية تنطلق منها الجيوش الاسلامية المقاتلة للقيام بالفتوحات الاسلامية في آسيا، ولذا جمعت في داخلها مجموعات كبرى، من قبائل متفرقة، وعشائر مختلفة، كانت تأتي اليها لكونها محطة انطلاق القوات المقاتلة، وعندما أُنشئت النجف الى جانبها تحوّلت الى شكل مشابه لها، فنشأ فيها تجمع هائل لأهل الفكر من مختلف المشارب والمناهج.
مثّلت الكوفة في تلك الايام مدرسة خاصة في النحو والصرف واللغة والفكر، مقابل مدرسة البصرة، وكانت النجف متداخلة مع الكوفة ولصيقة بها، وهي الملتقى للآراء والأفكار المتفاعلة، وبما ان الكوفة كانت عاصمة الخليفة الراشد الرابع الامام علي بن ابي طالب خلال خلافته، فقد تجمّع فيها مؤيدوه، وعدد كبير من المفكرين والصحابة والتابعين، الأمر الذي أسهم في طبع النجف
بطابع الفكر الاجتهادي، الذي ينشأ عادة عن التفاعل ما بين أصحاب الآراء والأفكار.
ولأن مدرسة الكوفة أبقت باب الاجتهاد الفقهي واللغوي مفتوحاً، بعكس مدرسة البصرة التي كانت أكثر محافظة، وحرصت بحكم ضغط موروثها وخصوصيتها على التمسك بما توارثت عليه، بل النظر بحذر الى مسألة التجديد، في حين شهدت الكوفة حركة تفاعل بين مختلف القبائل والعشائر والأفكار الفقهية واللغوية والعلمية، فقد ظلّت مفتوحة وتستطيع استيعاب واستقطاب الجديد والوافد وصهره في إطار بوتقها العربية، خصوصاً وأنها كانت لغة الدراسة التي لا يمكن التقدم دون الالمام بها واتقانها، الأمر الذي أوجد فيها وضعاً متميّزاً ومناخاً واسعاً وأفقاً رحباً كرسته بالاجتهاد وبدور العلماء في النجف، ولا ننسى هنا ان "السلفية" نشأت في البصرة ومنها خرجت الى الحجاز، بينما نشأ في الكوفة والنجف كبار المجتهدين في الفكر الاسلامي والشعر والأدب، انطلقوا من الموروث الى رحاب التجديد على الصعيد الفكري واستشرافاً مستقبلياً لتطوره.
وقد ظلت قراءة القرآن السائدة في العالم الاسلامي اليوم، وبخاصة في آسيا، هي القراءة الكوفية أي قراءة حفص بن عاصم الكوفي، وقد سادت هذه القراءة في بلاد الشام أيضاً مقارنة بقراءة عبدالله بن عمر الشامي، وقراءة ابو عمر بن العلاء البصري، وسادت على كل القراءات حتى أصبحت القراءة المعتمدة، لأن الكوفة كما ذكرنا هي المحطة التي يلتقي فيها الجميع ويحملون منها فيما يحملوه القراءة الكوفية التي تُعتمد الآن في المصاحف التي تطبع وتوزّع في العالم كله.
بالمقابل نجد ان القراءة التي انتشرت في افريقيا، كانت قراءة أهل المدينة، وهي قراءة نافع بروايتي ورش وقالون، وظلّت هي الاساس في الدول الاسلامية الافريقية.(7)
لا بد من الاشارة هنا الى ان الشخصية العراقية المركّبة بما فيها الشخصية النجفية المتميزة، هي شخصية عروبية تعتز بعروبتها، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقة ايجابية بالمرجعيات الدينية الروحية، والمرجعية في النجف وفي الأوساط الشيعية بشكل عام تعددية، أي لا يوجد فيها مرجع واحد، مهما علت منزلته وانما هناك أعداداً من المراجع معترف بها ولديها مقلّدون، كما أن المرجعية أممية، أي انها غير محصورة بالعنصر العربي أو العراقي، وذلك انطلاقا من الاسلام نفسه الذي ساوى بين بني البشر " ولا فرق بين عربي وأعجمي الاّ بالتقوى "، فمن كان الأعلم والأكثر نفوذاً وتأثيراً وزهداً يمكن أن يتولّى المرجعية، ومبرر ذلك أيضاً "الولاء لآل بيت رسول الله" رغم ما تثيره أحياناً الأصول العرقية واللغوية من منافسات منظورة وغير منظورة، لاسيما التسابق بين مرجعية النجف ومحاولات قم الاستحواذ عليها.
وهكذا فإن الشخصية النجفية رغم تمسكها بعروبتها وتأثرها بالمناخ الاسلامي بشكل عام، فضلاً عن التأثيرات العشائرية وأجواء المدينة المنغلقة اجتماعياً، الاّ أنها شخصية منفتحة في داخلها لا ترفض الغريب، لكونه غريباً، بل تسعى لإقامة العلاقات مع الجديد الوافد اليها، طالما كان يرتبط معها بالعقيدة ويسعى لاحترامها في إطار مصالح مشتركة، فإذا تعارضت وجهته بالضد منها وحاول استغلال علاقته دون مراعاة المصالح المتبادلة، يبدأ الصراع وتغيب الحدود في هذا الصراع، إذ أنه في الصراع هناك الصديق أو العدو، الابيض أو الأسود، ولا رمادية بينهما، وهو ما يجعل جوانب حادة وصارمة أحياناً في تركيبة الشخصية النجفية.
لعل ذلك سمة مشتركة للعراقي والعربي من أصل بدوي، فالقبائل العربية العراقية لا تزال مرتبطة بعروبتها ويتداخل فيها البدوي بالحضري رغم انها انتقلت، لاسيما بعد العام 1958 الى مجتمعات مدنية، ففي العراق ورغم أن أهم أماكن سكن القبائل صارت في المدن، الاّ أن بعضها لا يزال محافظاً على روابطه وعلاقاته وقيمه وزعاماته القبلية، والانسان في العراق ينتسب الى قبيلته، فيما تنتسب العائلات والعشائر الصغيرة الى مدنها وأماكن سكناها أو مهنها، وفي بغداد نجدها أحياناً تنتسب الى المهن كالعطار والنجار والقصاب والصفار أو الى المواقع فعلى جانبي نهر دجلة كالرصافي والكرخي، فيما تكوّنت بعض العائلات التي لم تحمل اسماء مدنها أو قبائلها في بعض المدن الحديثة والمراكز الاقتصادية الهامة وبعض المراكز الدينية.
اما في النجف فالسكان هم من كل القبائل العراقية، وبعضهم ينتسب الى المدينة أو مواقعها لأنه لا يوجد تجمع قبلي واحد أو ذو لون واحد، فالشخصية المركبة ما زالت تضم وتحتوي العقلية القبلية وبعضها يمتد الى الريف، إضافة الى الثقافة العربية، والفكر الديني والعلاقات الاقتصادية الجديدة التي نمت، والمصالح وأسلوب التفكير والتعامل الحديث والمديني، وكل هذه التركيبة اختلطت ببعضها وتركت تأثيراتها في مناحي الفكر والعقيدة والاجتهاد والسياسة والاجتماع والأدب والثقافة.
وقد استطاع النجفيون تاريخياً استيعاب كل من أسلم أو اعتنق الاسلام وتحدث بالعربية فصار واحداً منهم، فكان من الطبيعي ان تذوب الفوارق بين الناس، وأن لا يتحسّسوا الا من المعادي لهم في الهوية، ولم يكن تحسّسهم أو تعصّبهم ناشئاً عن المخالفة لهم في العقيدة أو الهوية العربية، بل لأن هذه المنطقة عانت من اختراقات وغزوات، فعاشت فترات طويلة تحت ضغط الحكم الاموي والعباسي وصولاً الى الحكم العثماني، ودخلت النجف في صراعات دفعت بسببها أثماناً باهظة جداً، لاسيما لمحاولة دفاعها عن هويتها وعقيدتها التي كانت تشكّل طابع تلك الصراعات آنذاك، فيما بقيت الشخصية العربية العراقية في مناطق أخرى أقل تعرضاً للانتهاك، وأكثر بساطة ووضوحاً، وليس فيها هذا التعقيد لأنها كانت أقرب الى السلطة أو كانت السلطة وبعض حواشيها من طاقمها سواءً كانت ظالمة أو عادلة.
وتأكيداً على ما أسلفنا فإننا نجد تاريخياً مركزين متشابهين لحاضرتين مهمتين للفكر الاسلامي، كانت أولهما في النجف الأشرف والثانية هي الأزهر الشريف الذي يعتبر الآن مركز تدريس وتعليم الفكر الديني للمذاهب الأربعة في العالم كله، وقد بُني في عهد الدولة الفاطمية ونُسب بالاسم الى فاطمة الزهراء بنت رسول الله، في حين اختصّت النجف بالفكر الشيعي.
والجدير ذكره هنا، أن الشخصية العربية بشقيها النجفي وغير النجفي في تلك المرحلة التاريخية لم تكن في موضع العداء المخالف في العقيدة، إذ أن ذلك نشأ فيما بعد أثناء الصراع على السلطة ودور تلك السلطة، حيث يُذكر مثلاً ان الإمام مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي فيما بعد، جاء اليه الامام زين العابدين علي بن الحسين وكان عجوزاً، فقال له " لو أعلمتني لجئت اليك ولو حبواً "، ثم كشف عن صدره عند وداعه وقبّله وقال له :" عساني أن ألقى الله فيكون آخر ما ودعت به الدنيا لحماً من لحم رسول الله...".
وابو حنيفة النعمان صاحب المذهب الحنفي فيما بعد، أفتى وفي زمن الأمويين باعطاء الزكاة الى الإمام زيد بن علي بن الحسين، مع علمه بأن ذلك المال سيذهب لمناهضة بني أمية، ثم وقف في وجه العباسيين الذين اعترضوا عليه لكثرة حبه لآل البيت، فسجن وخرج من السجن ليموت.
والامام الشافعي يكفيه انه قال في وجه العباسيين والروانديين وجماعاتهم المعترضين على حبه لآل البيت:
" إن كان حب آل البيت رفض فليشهد الثقلان اني رافضي
وقال :
يا آل بيت رسول الله حبّكم فضل من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر انكّمُ من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له
فجيء به من اليمن الى بغداد بالحديد والسلاسل ماشياً، ثم نفي الى مصر لكي لا يساكن مقر الخلافة في بغداد.
اما الامام أحمد بن حنبل فامتحنه العباسيون بحديث ليعرفوا توجهه، فارسلوا اليه رجلاً قال له: روي عن جعفر بن محمد عن محمد بن علي عن ابيه عن جده رسول الله، فقال كفّ، ولم يرد ان يسمع حتى الحديث وقال: هذا اسناد لو قرئ على مجنون لأفاق، وقد حفظها له العباسيون، فسجن في أيام المأمون والمعتصم والواثق ولم يخرج من السجن الاّ في عهد المتوكل، وعاش بعد ذلك أشهراً ومات.(8)

إذاً، في هذه الأجواء العربية نشأت المذاهب الاسلامية،ولم تتحكم بها العداوات الاّ نتاج الفكر السياسي للسلطة، التي كانت تقوم بين فترة وفترة لانتاج الخلاف العقيدي، لأن أصل العقيدة واحد ولا خلاف فيه. ولعل من استغلّ هذه الخلافات وروّج لها، انما استهدف أشياءً أخرى، وقد كان الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب يردد " لولا علي لهلك عمر"، ولا كانت له مكانة كبيرة في عهده بما فيه الفصل في الاحكام.
من هنا نفهم لماذا تركت النجف تأثيراتها الثقافية والفكرية على رجال من أمثال سعد صالح جريو الذي لم يُنقل عنه يوماً وقوفه الى جانب فريق دون آخر في العراق، انطلاقاً من مذهب أو قومية، أو طائفة أو منطقة وهو ما سنبيّنه لاحقاً.
يذكر الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين(9) في كتابه " الديوان" ان في النجف الأشرف خصائص يندر وجودها في مدن العراق قاطبة وهي(10) :
أولا- أنها مدينة الوافدين زواراً ومجاورين وطلاب علم، وأن كثيراً ممن
يسمّون اليوم بالأسر النجفية هم من أبناء تلك الأسر المهاجرة اليها لطلب العلم أو لمجاورة مرقد الامام علي، وكانت لشغفها بهذه المدينة وطول اقامتها بها قد نسيت أصولها في المدن العراقية أو البلاد العربية أو الأقطار الاسلامية، وانقطعت العلائق شيئا فشيئاً بينها وبين البلاد التي تحدّرت منها، وتشابكت بأواصر القربى والمصاهرة مع بعضها البعض، وبعضها قد مرّ عليه أكثر من اربعمائة سنة على الإقامة في النجف، حتى أن اجيالها المتأخرة قد لا تعرف شيئاً عن بلدها الأصلي أو لغاتها لأنها انصهرت بلغة العرب.
ثانيا- ان الطابع العربي القريب من البداوة، هو الذي يطبع المدينة بطابعه فالعشائرية والنخوة ورعاية الجار والكرم والضيافة كلها من صفات أهل النجف، ولعل السر في ذلك كونها تقع بين الريف العراقي المنتشر على ضفاف الفرات، وبين البادية الممتدة من العراق الى الحجاز، ولذا فإن انصهار مختلف الأعراق فيها أمرٌ طبيعي بسبب التلاقي والاختلاط والامتزاج.
ثالثا- انها " السوق المشتركة" بين عشائر الريف وعشائر البادية تصل اليها منتجات تلك المناطق وتُصدّر منها الى مناطق العراق الأخرى، وبعض المصدّّرين لهم في النجف بيوت يأوون اليها في أيام المواسم، وكذلك بعض المستوردين مما حوّلها الى مدينة عشائرية الروح، بدوية المجتمع، ولعلنا نضيف تجارية الطابع، متسامحة مع الغريب، ولديها الاستعداد للتعايش والتواصل مع الآخر، لاسيما في أجوائها الثقافية والأدبية.
رابعاً- انها " المدينة الجامعية للدراسات الاسلامية"، وتمتد جامعتها الى مدى يقرب من عشرة قرون، وقد احتفظت باللغة العربية وآدابها، وفشلت كل محاولات التتريك التي تعرّضت لها أيام المماليك والعثمانيين، كما لم تتأثر باللغات الشرقية وبخاصة اللغة الفارسية التي كانت لغة الكثير من بين الوافدين اليها، ولكنها لم تترك أي اثر على سلامة لغتها العربية، لأن الدراسة الدينية فيها واستنباط الاحكام الشرعية من أدلتها تعتمد بصورة أساسية، على مصادر عربية وهي نصوص عربية أصلية، إذ لا يحقّ لأحد، حسب الإمام الشافعي، أن يفتي في دين الله الا رجلاً عارفاً بكتاب الله وبصيراً باللغة والشعر وما يحتاج اليه للسُنّة والقرآن، ولأن الدراسة الدينية تبدأ فيها بالمقدمات وأهمها النحو والصرف والبلاغة، فضلاً عن التبحّر في علومها وثقافتها، فان اللغة العربية السليمة تبقى ركناً أساسياً من أركان الدراسة في الحوزة العلمية، إذ لا يمكن للدارس أن يصل الى المستوى الفقهي دون أن يكون ضليعاً باللغة العربية وآدابها وفلسفتها اللغوية، فهي لا تتطلب البلاغة والفصاحة حسب، بل فهماً واستيعاباً للمجازات والكنايات والصور البيانية (11).
خامساً- ان " الشعر متنفس المجتمع المتحفظ" (المحافظ) في النجف، ولعل ذلك هو الذي يفسّر لنا كثرة الشعراء في مدينة صغيرة كالنجف، فكونها تضم مائتي شاعر في فترة قصيرة ظاهرة ملفتة للنظر، سواءً في ذلك شعراء الفصحى أو العامية. حيث كان في عهد السيد محمد مهدي بحر العلوم أكثر من 200 شاعر في مدينة لا يزيد عدد نفوسها على 30 الف نسمة، وهو ما أحصاه الشيخ محمد رضا الشبيبي، وما ورد في موسوعة الغري الشعرية.
وبالمناسبة فإن عهد بحر العلوم 1155-1212 هـ سمّي بعهد النهضة العلمية، لكثرة من نبغ فيه، فضلاً عن كثرة الدارسين، وقد اتخذ بحر العلوم سلسلة من الخطوات يمكن تقييمها بشكل ايجابي، لاسيما بعد قراءة تاريخ المرجعية وما لحق بها وما تعرّضت له من اشكالات أحياناً، وكان بحكم شخصيته الصارمة والمحببة، مهاباً وجذّاباً.
واتّسمت محاولته التجديدية بشيء من حسن الادارة والتنظيم، فوزّع مسؤوليات الحوزة وأعباء المرجعية على عدد من رفاقه ولم يحصرها كلّها بيده مثلما فعل الآخرون، وهكذا سمّى الشيخ جعفر كاشف الغطاء للعلاقات والصلة بالناس والاعتناء بمصالحهم (توفي 1228 هـ) بما فيه اعطاء الفتوى والرجوع اليه في المسائل الشائكة (كمقلّدين) ورغم ان بحر العلوم المرجع الأعلم، الاّ أنه
ــــــــــــــــــــ
(1)أنظر: شعبان، عبد الحسين، الدولة العراقية والمؤسسة الدينية في النجف، مجلة النور(لندن)، العدد 87، آب (أغسطس)، 1998. انظر كذلك: مصطفى جمال الدين، الديوان، دار المؤرخ العربي، بيروت، ط1، 1995ص 48 وما بعدها.
(2) المصدر السابق .
(3) قارن: المسعودي- مروج الذهب، ج1، القاهرة، 1346 هـ، ص 297، نقلا عن : انظر محبوبة، جعفر - ماضي النجف وحاضرها، 3 أجزاء، دار الأضواء، ط8، بيروت، 1986، ص4
(4) كانت قصور العباسيين مشرفة على النجف يتنزهون بها أيام الربيع، لاسيما قصر " أبي الخصيب" الذي كان موقعه قريباً من قصر السدير بظاهر الكوفة، وبينه وبين السدير ديارات (أديرة) الأساقف، وهو أحد المنتزهات التي تشرف على النجف. وأبو الخصيب هو مزروق بن ورقاء مولى المنصور وأحد حجّابه، ويقال أنه بني هذا القصر بأمر المنصور، وقيل بناه لنفسه وكان المنصور يزوره فيه، إضافة الى القصر الأبيض وموقعه قرب الحيرة ويُنسب الى الرشيد وكتب على جداره حضر عبدالله بن عبدالله ولأمر كتمت نفسي وغيّبت بين الأسماء اسمي (العام 305 هـ)، إضافة الى قصر الخورنق انظر: معجم البلدان، نقلاً عن محبوبة، جعفر، مصدر سابق، ص 5 وما بعده.
(5) ولد العلآمة الدكتور علي حسين عبد الجليل الوردي في مدينة الكاظمية ببغداد عام 1913 ونشأ ابناً وحيداً لوالديه عقب تسعة أخوة توفوا بعد وقت قصير من ولادتهم. بدأ تعليمه في الكُتَّاب كما كان سائداً آنذاك، وعمل في صغره عطاراً في مهنة والده، لكنه سرعان ما عاد الى الدراسة في المدارس الحكومية عام 1931 فأتم الدراسة الثانوية وحلّ بالمرتبة الثالثة على العراق، فأرسل لبعثة دراسية للجامعة الاميركية في بيروت وحصل على البكالوريوس، وأرسل بعدها في بعثة أخرى الى جامعة تكساس حيث نال الماجستير عام 1948 فالدكتوراه عام 1950 من الجامعة ذاتها. درّس مادة علم الاجتماع في كلية الآداب في جامعة بغداد من عام 1950. ولغاية العام 1972.توفي في شهر تموز (يوليو)عام 1995 . في عمان من أهم مؤلفاته : لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث – ثمانية أجزاء (1969-1980) ، شخصية الفرد العراقي (1951)، خوارق اللاشعور (1952)، وعاظ السلاطين (1954)، مهزلة العقل البشري (1955)، أسطورة الأدب الرفيع (1957)، الأحلام بين العلم والعقيدة (1959)، منطق ابن خلدون (1962)، طبيعة المجتمع العراقي(1965). وقد حدثني الدكتور ناهض شعبان الذي كان طبيبه الخاص في السنوات العشر الاخيرة من حياته أن عقله ظلّ متوقداً وذهنه نشطاً حتى آخر أيام حياته رغم تدهور صحته وعدم قدرته على الكتابة. انظر: مظلوم، محمد، كتاب في جريدة، صحيفة النهار اللبنانية ، 1 تموز(يوليو) 2009. قارن كذلك: حديث خاص مع الدكتور ناهض شعبان، بغداد، حزيران(يونيو)2003.
(6) انظر: الوردي، علي(الدكتور)- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ستة أجزاء، مطبعة الأديب، بغداد، 1978
(7) ملاحظة لفت انتباهي اليها الصحافي خالد اللحام خلال حوار دار بيني وبينه حول النجف ودورها، باسترجاع قراءة عدد من المراجع والمصادر التي تمثل النهضة الأدبية والثقافية والعلمية لمدرسة النجف، بيروت، 24 أيار (مايو) 2009.
(8)حديث حواري (استعادات في الفكر الاسلامي) مع الصحافي خالد اللحام، مصدر سابق.
(9) ولد في قضاء سوق الشيوخ " قرية المؤمنين بلواء " محافظة " ذي قار (الناصرية) أو كما كانت تسمى المنتفك، وذلك عام 1927، انتقل الى النجف للدراسة الدينية أواخر العام 1938، والتحق بجامع الهندي للدراسة، حيث كان قد ترك دراسته وهو في الصف الرابع الابتدائي، واستمر في النجف طيلة حياته رغم انتقاله الى بغداد، لكنه ظل يتردد عليها ويعتبرها موازية ربما لمسقط رأسه، أو منبته الحقيقي. تخرج من كلية الفقه العام 1962 وأكمل دراسة الماجستير في الشريعة الاسلامية العام 1972 والدكتوراه في اللغة العربية العام 1979 ودرّس في كلية الفقه وكلية الآداب وكلية أصول الدين، وترأس جمعية الرابطة الأدبية في النجف العام 1975، واضطر لمغادرة العراق العام 1980، من مؤلفاته، الايقاع في الشعر العربي، وديوان عيناك واللحن القديم، والديوان الذي هو أقرب الى ملامح السيرة والتجربة الشعرية. توفي ودفن في دمشق.
(10) انظر: جمال الدين، مصطفى- الديوان، مصدر سابق، ص 13-20 وما بعدها.
(11) انظر: جمال الدين، مصطفى- الديوان ، المصدر السابق، ص 15.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,422,150,535
- المجتمع المدني بين القانونين الوطني والدولي
- جيفارا وعبدالناصر: أحلام الكبار!كوبا (7)
- محاكمة اسرائيل بين القانون والسياسة
- سعد صالح الضوء والظل -الوسطية- والفرصة الضائعة(ح1)
- الحرب الثقافية في العراق
- كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (6).. جيفارا وأحمد بن بيلا: العنفو ...
- الاتحاد الأوروبي: هل من وقفة جديدة إزاء -إسرائيل-؟
- كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (5).. جيفارا والمباراة المصرية- ال ...
- الحزن الذهبي لرحيل المفكر محمد السيد سعيد!!
- إسرائيل- ومفارقات العنصرية -الإنسانية-
- كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (4)
- في تجربة الفيدراليات ودلالاتها عراقياً!
- -إسرائيل- أي قانون دولي تريد؟
- كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (3)
- بغداد - واشنطن: للعلاقة تاريخ
- الانتخابات العراقية والحل السحري
- كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (2)
- ستراتيجية أوباما: قراءة في الثابت والمتغيّر
- بغداد - واشنطن: الحوار حول المستقبل
- كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (1)


المزيد.....




- سرطان البحر وسرطان البر ?وقليل نبيذ?!
- مجلس النواب يسائل العثماني في جلسة السياسة العامة
- رئيس دولة أوروبية يحلم بجائزة -أوسكار- لأفضل فيلم
- العلمي : مهما بذلنا من جهد لن نرقى إلى طموح الملك محمد الساد ...
- ارتفاع نسبة السوريين الراغبين بتعلم اللغة الروسية
- بوريطة: المغرب يمتلك كل المقومات للتموقع كشريك موثوق ومفيد ل ...
- سقوط قتلى وجرحى في حريق باستوديو لأفلام الرسوم المتحركة بالي ...
- كيف تزيد مشاهدة الأفلام من الألفة بين قردة الشمبانزي؟
- سقوط قتلى وجرحى في حريق باستوديو لأفلام الرسوم المتحركة بالي ...
- قراءة في رواية «حكاية الفتى الذي لم يضحك أبداً»


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الحسين شعبان - النجف... والفرصة الواعدة!! سعد صالح (2)