أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - ليلى فريد - الكاتراز بين الواقع والأسطورة















المزيد.....

الكاتراز بين الواقع والأسطورة


ليلى فريد
الحوار المتمدن-العدد: 2810 - 2009 / 10 / 25 - 16:15
المحور: حقوق الانسان
    


باستثناء جوانتنامو وأبوغريب، اللذان جعلت وسائل الإعلام الحديثة ذكرهما على كل لسان، ربما لم يحظ سجن فى التاريخ بالشهرة التى نالها سجن الكاتراز الأمريكى. ويطلق عليه أيضا إسم "الصخرة"، ربما لأن الوصول إليه يتطلب صعود تل صخرى شديد الانحدار، فى الجزيرة التى يقع فيها.

وترجع شهرته أساسا إلى الأساطير التى نسجت حوله، وساعد على إذكاء الخيال بخصوصها، الكتب والأفلام التى كان هذا السجن محورها. فلا يمكن لمن شاهد فيلم "رجل طيور الكاتراز" أن ينسى الأداء الرائع لبرت لانكستر وهو يلعب دور نزيل فى سجن أعتى المجرمين؛ ورغم ذلك فهو إنسان شديد التعلق بالطيور: أرق مخلوقات الله. ولا يستطيع من انحبست أنفاسه مع كلينت إستوود فى "الهروب من الكاتراز" أن ينتزع من خياله صورة هذا المكان الرهيب. فلقد أصبحت العبارة، التى قالها الحارس المخيف للسجين الجديد، من كلاسيكيات السينما الخالدة: "إذا لم تطع قوانين المجتمع، يرسلونك إلى السجن. وإذا لم تطع قوانين السجن يرسلونك إلينا هنا".

فما هى قصة هذا الكاتراز؟

تقع جزيرة الكاتراز فى قلب خليج سان فرانسيسكو، غرب الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ظلت شبه مهجورة حتى اشتراها الحاكم العسكرى لكليفورنيا من الحكومة المكسيكية عام 1847. وفى عام 1854 أقيمت بها منارة، تعد أول منارات ساحل الباسيفيك. وفى نفس الفترة تقريبا بدأ الجيش فى استخدام الجزيرة كمكان لحصن وثكنات، ثم كسجن حربى.
وفى عام 1934 انتقلت الإدارة من وزارة الدفاع إلى وزارة العدل، وصارت الجزيرة بمبانيها، لمدة تسعة وعشرين عاما، مركزا لسجن فيدرالى، تراعى فيه أقصى درجات الانضباط والحراسة المشددة. ولكن فى عام 1963 تقرر إغلاق السجن ونقل نزلائه إلى سجون أخرى. وتعود أسباب هذا القرار إلى تصاعد تكاليف إدارته وترميم مبانيه؛ بالإضافة إلى أن طبيعته (كمكان الهدف الأساسى منه هو تنفيذ العقوبة)، أصبحت لا تتماشى مع الاتجاهات الحديثة فى معالجة الجريمة، والتى تدعو لأن يكون الهدف الرئيسى من السجون هو إعادة التأهيل.
أما الآن فتستغل الجزيرة، بذكاء فائق، كأحد أهم المعالم السياحية فى سان فرانسيسكو. وتجلب "المعديات" يوميا، فى رحلة قصيرة، آلاف السياح من رصيف ممتد فى الخليج إلى مرفأ فى الجزيرة. وتتاح الفرصة للزوار لأن يتجولوا فى الجزيرة المسحورة، ويدخلوا كل أجزاء السجن الرهيب، بمساعدة إرشادات واضحة، وتسجيل صوتى ممتع، يحوى بالإضافة إلى الشروح، خلفيات صوتية تعيد تمثيل الأحداث الهامة التى جرت داخل الجدران؛ فيعيش الزائر مرة أخرى فى أجوائها المثيرة.

والآن، فإلى أى درجة يقترب واقع هذا السجن من الصورة الأسطورية المرعبة التى رسمت له:

يقال أنه أقيم فى مكان منعزل، قاحل، مخيف وموحش، يلفه الضباب، ويسمع به عصف الرياح، وترتع فيه الكائنات المؤذية:

الحقيقة أن الجزيرة لا تبعد إلا ميل وربع من مدينة سان فرانسيكو. وبلا شك فإن موقعها الفريد هذا، لابد وأنه كان يخلق شعورا قاسيا بالحرمان فى نفس السجين الذى يجد نفسه مفتقرا إلى الحرية، وهو على هذا البعد الضئيل من أضواء وصخب واحدة من أجمل مدن العالم. ولكن فى الوقت نفسه، فالسجين فى وقت التريض خارج الجدران، كان بوسعه أن يمتع عينيه بمشهد بديع، يتدفق الناس من كل أنحاء الأرض لمشاهدته: خليج سان فرانسيسكو. وكان أيضا فى مقدوره أن يتنفس هواء عليلا نقيا، يستحيل أن يتوفر فى السجون، التى عادة ما تتواجد فى أسوأ المواقع.
المعروف أن منطقة سان فرانسيسكو كلها، وليس الجزيرة فقط، تميل لأن تكون ضبابية، قوية الرياح ؛ ولكن فى الأيام الصحوة والدافئة (وهى ليست بالقليلة) لا ترى أثرا لهذا الضباب، ولا تحس بالرياح.
قلة المياه العذبة وطبيعة الأرض الصخرية المالحة، جعلت النباتات قليلة فعلا فى الجزيرة. ولكن رغم ذلك، يوجد بها آثار حدائق مزروعة بالخضروات والأشجار والزهور (من ضمنها حديقة مخصصة للأطفال )، قام بزراعتها ضباط السجن الذين كانوا يعيشون مع أسرهم فى الجزيرة، وبمساعدة بعض المساجين.
بينما تزدحم الجزيرة بطيور النورس البحرى، ذات الصيحات المفزعة، وكذا بالصقور والغربان؛ فإنها تكاد تخلو من الحشرات الضارة والحيوانات المفترسة. حتى التماسيح التى ترتع فى مياه الخليج المحيطة بالجزيرة، يقال (والعهدة على الراوى) أنها لا تميل لأكل لحم الإنسان!

تردد أنه كان مثالا للقسوة والمعاملة اللا إنسانية:

البند الخامس من قوانين هذا السجن كان تلخيصا صادقا لنظامه الصارم والعادل فى نفس الوقت. فهو يقول للسجين بوضوح: "من حقك علينا الغذاء والكساء والمأوى والرعاية الصحية؛ أما ما يزيد عن ذلك فهو امتياز عليك أن تسعى لاكتسابه".
وفعلا فالسجن كان يوفر للنزيل ملابس نظيفة، ورعاية صحية طيبة، وطعامه كان معروفا بجودته. ورغم أن فترة تناول الطعام كانت تعتبر أخطر فترات اليوم من جهة النواحى الأمنية؛ لأن المساجين الأشداء أثنائها يكونون مسلحين بأدوات المائدة الحادة؛ فإنه لم يخطر ببال أحد أن يحرمهم من حق استعمال"الشوكة والسكين"!
أما الزنزانات، فهى نظيفة، وإن كانت باردة. حجمها معقول بالنسبة لكونها محبس فى سجن. تحتوى كل منها على سرير وحشية غير سميكة وغطاء، منضدة وكرسى، بالإضافة إلى حوض وصنبور ماء بارد، و"تواليت" بدون مقعد.
أما الامتيازات المكتسبة، فكانت تتضمن زيادة فى عدد مرات استقبال الزوار، وفى فترات التريض ولعب "البريدج"، أو التكليف بعمل بأجر فى أحد ملحقات السجن.
وعلى قدر معلوماتى، لم تسجل حالات تعذيب فى السجن، أوعلى الأقل لم يكن التعذيب أبدا ظاهرة شائعة، أو يعد سياسة متبعة.
لم يكن سجنا مزدحما؛ فرغم أنه يحتوى على 378 زنزانة ( منها 42 للحبس الإنفرادى) فإن عدد النزلاء كان يبلغ فى المتوسط 260، ولم يزد أبدا عن 302.

ذاع أن الداخل إليه مفقود، والخارج مولود:

لم يكن الكاتراز سجنا لمدى الحياة؛ بل كان مكانا مؤقتا للمجرمين العصاة، الذين يتمردون على لوائح السجون، أو لمن يحاولون الهرب، ويعدون مصدرا دائما للشغب والمشاكل. وبعد أن يتم ترويض جموحهم، وتقويم سلوكهم (وهو ما كان يستغرق فى المتوسط مابين ثمان إلى عشر سنوات)، كان يتم نقلهم إلى سجون أخرى.
لم يكن فيه- كما أشيع- غرفة غاز أو أى وسائل إعدام.
مر على هذا السجن 1545 سجينا، خرجوا منه جميعا (عاجلا أو آجلا) ما عدا: 15 ماتوا ميتة طبيعية أثناء تنفيذ مدة العقوبة. 5 انتحروا. 8 قتلوا على يد زملائهم من المساجين. كما نتج عن محاولات الهرب: 5 لم يعرف مصيرهم. 8 قتلوا. 2 أعدموا.

قيل أن كل نزلاء السجن كانوا نماذج بشرية شائهة، ولكل منهم قصة مثيرة وسمعة سيئة:

فى الواقع أن النادر من ضيوف الكاترازهو من حظى بالشهرة أو ذاع صيته. هناك بالطبع آل كابون الذى أقام هناك من عام 1934 إلى عام 1938، ثم نقل إلى مستشفى السجن، و"د" باركر، و"المدفع الرشاش" جورج كيللى، وغيرهم من نجوم عالم الإجرام، الذين كانوا من رواده لفترة ما. ولكن حتى روبرت ستراود" رجل الطير"، الذى اكتسب شهرته من خلال دراساته المتخصصة فى الطيور، فقد قام بها وهو فى سجن آخر، وليس أثناء وجوده فى الكاتراز. أما الغالبية العظمى، فقد كانوا من النمط الممل العادى للمجرمين العصاة المتمردين.

عرفت الجزيرة بأنها مستعمرة للرجال، تخلو تماما من النساء والأطفال:

فعلا كان كل المساجين والحرس من الرجال. فحتى عام 1969 (ست سنوات بعد إغلاق الكاتراز) كان من غير المقبول اعتبار النساء من السجينات: "غير قابلات للإصلاح". ويبدو أنه لم يكن قد ظهر أيامها الفتوات والجزارات من الجنس اللطيف، اللاتى يقطعن الضحية ويعبئنها فى أكياس، بقلب بارد وأعصاب حديدية! ولكن فى الوقت نفسه، فقد كان يسكن الجزيرة زوجات وبنات ضباط السجن وحراسه. وعرف أن الأسرالتى كانت تعيش هناك، كانت لا تغلق أبوابها إلا نادرا، رغم نوعية جيرانهم، الذين ثبت أنهم لم يعتدوا يوما على حقوق الجار!

يشاع أنه بسبب استحالة الحياة فى السجن، فإن المحاولات اليائسة للهرب لم تتوقف يوما:

يمكن بسهولة إدراك أن أى محاولة للفرار من هذا المكان سيكون مصيرها الفشل، لعدة أسباب: الحراسة مشددة؛ فهناك ما يقرب من تسعين حارسا مدججا بالسلاح، وستة أبراج مراقبة تمسح الجزيرة والخليج، ليل نهار. وحتى لو نجح الهارب فى اجتياز هذه العوائق، فسيجد فى انتظاره موج الخليج بمياهه الثلجية، وتياراته القوية، وكذا تماسيحه، التى حتى لو صدقنا أنها تتعفف عن أكل لحوم البشر، فإن منظرها يكفى ليتجمد السابح بجوارها من الرعب.
ولكن لأن حلم الإنسان بالحرية، هو حلم أزلى، ونفوره الغريزى من أن يصبح حيوانا حبيسا فى قفص، لايقاوم؛ فإنه قد جرت محاولات للهرب من جانب ستة وثلاثين سجينا، فى أربع عشرة مغامرة منفصلة، خلال تاريخ الكاتراز كله.
وكانت أشهر المحاولات- التى خلدها الفيلم المعروف- عام 1962، حين هرب ثلاثة سجناء من خلال فتحات التهوية، بعد أن صنعوا رؤسا بشرية مزيفة ، ووضعوها على الوسائد فى أسرتهم للتمويه. ويفترض أنهم قد وجدوا طريقهم إلى المياه؛ ولكن لم يرهم أحد بعدها، ولم تظهر جثثهم قط.
أما أكثر المحاولات دموية، فقد حدثت عام 1946، حيث اشتبك ستة سجناء مع الحراس، وكادوا أن ينجحوا فى الهرب، لولا أنهم لم يجدوا مفتاح الباب الخارجى. وانتهت المعركة، التى دامت ثلاثة أيام، بموت حارسين وثلاثة سجناء، ثم بإعدام سجينين.

هذه هى حكاية الكاتراز، السجن البعيد المعزول، الذى اكتنفه الغموض والإبهام ، والذى أحاطت به الأساطير، وامتزجت الحقيقة بالخيال، ونسجت الروايات، لتبالغ، وتضخم، وتظهره كنموذج للوحشية، ولامتهان إنسانية السجناء؛ بحيث صار رمزا للجانب المظلم لأمريكا.
فكم من سجوننا اليوم، قادرة على أن تروى قصتها وخبايها، بنفس الصدق والشفافية، التى يروى بها الكاتراز تاريخه للملايين؟!
إنها فقط دعوة للتأمل، ولمراجعة الضمير.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,044,695,026
- أكبر ضحية
- سياحة مصرية
- سياحة العشوائيات وفيلم المليونير....
- عزازيل وغضبة الرعاع
- نافدْة على الشرق من خلال عيون غربية
- خطى رؤوف عباس...سيرة ذاتية أم وصية أخيرة
- أسقف كانتينبرى و الشريعة
- غلوش... يغلوش ... رسالة لمحاورى قداسة البابا
- لماذا لا يعودون من حيث جاءوا ؟!
- إن كان هذا هو ما يمكن لأعمالكم الفنية تقديمه للأقباط... فسعي ...
- السياحة الدينية كما يجب أن تكون
- مرحى...مرحى...أطباء وقتلة
- الجميلة ليست قادمة
- شهر العسل المر
- الأيقونة التي احتجبت
- المسيحية في بريطانيا تعلن الثورة على الغبن
- إنهم يقولون .. ماذا يقولون؟ دعهم يقولون!
- لست وحدك
- من مات غنيا مات موصوما
- عندما يعتذر البابا


المزيد.....




- في ندوة نظمتها لجنة حق العودة في ذكرى وعد بلفور المتحدثون: ا ...
- برنامج الأغذية العالمي يناشد التحالف بتأمين عودة موظفيه إلى ...
- السعودية تنفذ حكم الاعدام في إرهابي داعشي
- العدل اساس الملك
- اعتقال 7 إرهابيين وتفكيك 66 عبوة ناسفة بالأنبار العراقية
- مقتل 3 مدنيين بهجوم انتحاري استهدف مقاولين للأمم المتحدة في ...
- الحكم بالإعدام على سعودي بسبب تكفير ولي الأمر
- السيسي يؤكد ضرورة التوصل لتسوية ليبية برعاية الأمم المتحدة
- القبض على خليّة تدرب اللاجئين على كيفية الاحتيال على حرس الح ...
- شاهد: قس ساحر يزور أطفال المهاجرين في ملجأ في المسكيك


المزيد.....

- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حقوق الانسان: قراءة تاريخية ومقاربة في الاسس والمنطلقات الفل ... / حسن الزهراوي
- العبوديّة والحركة الإلغائية / أحمد شوقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - ليلى فريد - الكاتراز بين الواقع والأسطورة