أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - طريق الثورة - نقد تمهيدي لأطروحة الحزب لدى الحركة الماركسية-اللينينية المغربية















المزيد.....



نقد تمهيدي لأطروحة الحزب لدى الحركة الماركسية-اللينينية المغربية


طريق الثورة

الحوار المتمدن-العدد: 2710 - 2009 / 7 / 17 - 09:33
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


كتب هدا المقال في أواخر سنة 1979 و بغض النظر عن مجموع المواقف التي اعلنها حول العديد من القضايا الفكرية و السياسية و التنظيمية (التي لا نتفق معها) إلا أن تشر هذا المقال سوف يساعد الماركسيين بالمغرب على امتلاك صورة أوضح عن تجربة السبعينات و عن مختلف الافكار و التوجهات التي كانت تتقاطبها خصوصا في نهاية السبعينات حين سيطر اتجاه انتهازي على ما تبقى من منظمة إلى الأمام و أوصلها إلى ما يعرفه الجميع اليوم
طريق الثورة


نقد تمهيدي لأطروحة الحزب لدى الحركة الماركسية-اللينينية المغربية

تكتسي أطروحة الحزب لدى الحركة الماركسية-اللينينية أهمية خاصة، ذلك أن البعض اليوم في ظل النقاشات حول الأزمة والتقييم يريد أن يثبت وجود عناصر بروليتارية في نهج الحركة الماركسية-اللينينية (الحملم) السياسي والإيديولوجي انطلاقا من طرح الحزب البروليتاري من طرف هذه الحركة، وحين بدأنا نطرح بعض انتقاداتنا في هذا الصدد، احتد فزع بعض الاتجاهات التي أعطت ولازالت تعطي على المستوى النظري موقفا جوهريا لمسألة الحزب في نهجها السياسي خاصة اتجاه منظمة "إلى الأمام" الذي تبلور لديه خلال سنة 1971 مفهوم معين للحزب ونواته القائدة منظمة المحترفين الثوريين، والذي يرى اليوم أن الطعن في التصورات التي بلورتها في هذه المسألة هو الرجوع بالحملم إلى ما قبل نشأتها، بل إلى ما قبل 120 سنة من نضال البروليتاريا وتجربة الحركة الشيوعية العالمية.
وحين يكتسي هذا النقاش وضوحا لا بد منه منذ البداية، فإن مفهوم منظمة المحترفين الثوريين مفهوم طرح من طرف لينين في الفترة ما بين 1902 و1906، وأصبح منذ التجربة البلشفية عمادا من أعمدة التنظيم الحزبي بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية. إلا أن هذا لا يعني بالنسبة للماركسيين-اللينينيين تخيلهم عن مهمة التطوير الدائمة التي يمكن أن تمس هذا المفهوم أيضا إذا ما أثبت تطور النضال السياسي الثوري ضرورة ذلك. لكن المشكل بالنسبة لنا لا يرقى إلى هذا المستوى حاليا، وإنما يتمحور حول المفهوم لدى الحركة الماركسية-اللينينية ونهجها السياسي العام من خلال التجربة.
وإذا كانت مسألة الحزب نقطة التفت حولها كافة الاتجاهات داخل (الحملم) إلا أن منظمة "إلى الأمام" كانت الاتجاه السياسي الوحيد الذي أولى لها اهتماما خاصا وبلور تصورات مدققة حولها، ولقد تم تسطير ذلك عبر أطروحات سياسية ونظرية، وسنحاول التعرض لبعضها، وذلك كالتالي:
 اعتبرت منظمة "إلى الأمام" أو الحركة الماركسية-اللينينية تشكل النواة الأولى لحزب البروليتاريا المنشوذ.
 أن تشييد منظمة للمحترفين الثوريين يمر عبر الاعتماد على المقدمة التكتيكية –الشبيبة المدرسية- التي تشكل المثقف العضوي للجماهير الشعبية والتي ستفرز أطرا متمرسة على النضال السياسي الثوري، تحمل فكر وإيديولوجية البروليتاريا وتنقله للطبقة العاملة والفلاحين وباقي فئات الشعب.
 واعتبرت منظمة "إلى الأمام" وحدة الحركة الماركسية-اللينينية خطوة ضرورية على طريق بناء هذه المنظمة والحزب.
وإذا كانت هذه الأطروحات النظرية والسياسية والإيديولوجية التي بلورتها منظمة "إلى الأمام" خلال مسيرتها وعلى الخصوص منذ 1971 في مسألة الحزب فماذا كانت تجربة الحركة الماركسية-اللينينية وضمنها منظمة "إلى الأمام" وعلى مستوى الممارسة الملموسة في ظل الصراع الطبقي؟
لقد ارتبطت هذه التطورات حول الحزب بتعامل ضيق من الحركة الماركسية-اللينينية مع الحركة النضالية للجماهير، يقوم على عملية الفرز بين مناضلي الشعب بهدف واحد ووحيد هو استقطاب العناصر المتحمسة للاحتراف الثوري وبالتالي لم تكن تعطي هذه الحركة أهمية للنضال الجماهيري إلا من زاوية تزودها بالأطر وذلك في ظل عملية انتقاء نخبوية، تتخذ فيها المستويات العليا الموقع الرئيسي من الاهتمام على المستوى التنظيمي، ولا تشكل المستويات الدنيا سوى مرحلة انتقالية وتدريبية فقط، وهكذا فإن عملية تأطير الجماهير لم تكن مطروحة في الواقع الملموس، وبالنسبة للمحاولات التي ارتبطت بتجربة الحركة الماركسية-اللينينية في مجال النشاط وسط التنظيمات الجماهيرية، فلقد تميزت بإخضاع هذه التنظيمات للتوجه المباشر للحركة الماركسية-اللينينية، كما هو الحال للاتحاد الوطني لطلبة المغرب والنقابة الوطنية للتلاميذ.
أما التنظيمات الشبه الجماهيرية، فاتخذت أشكالا معقدة جدا ومستويات متعددة تسير على نمط المدارس البرجوازية، وينحصر هدفها الوحيد في التمهيد للاستقطاب لمنظمة "المحترفين الثوريين". إن الخلط بين العمل السياسي الثوري والعمل النقابي الثوري كان من نتاج هذا الفهم لمسألة التنظيم ومنظمة المحترفين الثوريين. ولقد نتج عن هذا النهج أن أطر ومناضلي الحركة الماركسية-اللينينية كانوا ينتقلون تدريجيا من موقع الارتباط المباشر في النشاط النضالي وسط الجماهير إلى موقع العزلة عنها في ظل السرية والاحتراف. وبدل أن تعرف الحركة الماركسية-اللينينية تقدم واندماج مناضليها بحركة الجماهير حدث العكس، ذلك أنه بدل عملية البلترة التي كان يسعى إليها مناضلوها الثوريون الذين أفرزتهم حركة الشبيبة المدرسية حدثت عملية برجزة للأطر النادرة التي كانت تنتمي لصفوف الطبقة العاملة ولم تشكل الحركة الماركسية-اللينينية طوال تجربتها، ولازالت كذلك سوى مجموعة من التنظيمات الثورية لا توجد بينها وبين الجماهير أية ارتباطات خارج بعض التأطير في صفوف الشبيبة المدرسية.
لقد أبرزت التجربة فشل اعتماد الحركة الماركسية-اللينينية على الشبيبة المدرسية من أجل حل مشكلة الأطر ومن خلال ذلك التراجعات الهائلة التي عرفتها هاته الحركة منذ انحسار المد النضالي في صفوف الشبيبة المدرسية سنة 1971، بالإضافة إلى ما تعكسه التجربة الملموسة اليوم من طبيعة الأطر التي استخلصتها الحركة الماركسية-اللينينية من الشبيبة المدرسية والتي لا يمكن اعتبارها بأي حال من الأحوال أطرا بروليتارية.
ولم تتمكن الحركة الماركسية-اللينينية من إنجاز عملية توحيد فصائلها بل عرفت سنة 1971 صيرورة انشقاقات وتشتت واسعة، ومن حقنا أن نطرح على أولئك الذي يعتبرون أن واقع الحركة الماركسية-اللينينية واقع ظرفي، لماذا لم تتم الوحدة على مدى عشر سنوات، ولماذا هي اليوم أبعد عن الوحدة أكثر من أي وقت مضى؟
إن التنظيم الذي بنته منظمة "إلى الأمام" وتنظيمات الحركة الماركسية-اللينينية عموما لم تكن تنظيمات للمحترفين الثوريين أو أنوية بروليتارية، وإنما كانت مجموعة هياكل حرفية مغلقة ارتبطت أساسا بالشبيبة المدرسية، وبرزت هشاشتها أمام أجهزة القمع وظلت الاعتقالات تطحنها في الأعماق مرات عديدة وليومنا هذا.
هذه هي الحقيقة التاريخية التي يجب أن ننظر إليها بشجاعة وصراحة حتى نتمكن من القفز إلى مستويات أرقى في النضال السياسي الثوري.
يبقى علينا اليوم إذن تحليل أطروحات وممارسات الحركة الماركسية-اللينينية حتى نعطي الواقع الذي وصلت إليه، مضمونه الحقيقي ودلالته الطبقية في واقع تطور الصراع الطبقي ببلادنا، ويدخل الموضوع التالي في إطار فتح الطريق نحو هذه المراجعة النقدية، دون أيدعي لنفسه الاكتمال أو امتلاك الحقيقة، وإنما يطرح بعض الإشكالات كمشروع للبحث والدراسة والنقد على درب الممارسة الثورية.

1- هل تمثل الحركة الماركسية-اللينينية حركة بروليتارية أو نواة بروليتارية أولى لحزب البروليتاريا؟

إن تجربة الحركة الشيوعية العالمية والمبادئ العامة النظرية في الماركسية-اللينينية، تحدد بوضوح أن النواة لحزب البروليتاريا تتشكل من العناصر الطليعية كفاحيا وسياسيا وإيديولوجيا في صفوف الحركة العمالية وليست مجموعة من المثقفين البرجوازيين الصغار المتمرسين في الكفاح السياسي الثوري والمتبنين لبعض الحقائق العامة للماركسية-اللينينية من الزاوية الفكرية أو اللفظية. وفي غياب حزب البروليتاريا لا يمكن لأي مثقف ثوري برجوازي صغير لم يعرف صيرورة الانصهار في بوثقة الحركة العمالية وبارتباط عضوي بها ولم تفرزه الحركة العمالية كأحد قادتها الثوريين أن ينصب نفسه ممثلا لها، أو معبرا عن مصالحها، وهذا وحده لا يكفي، لأنه في واقع الصراع الطبقي ببلادنا وخصوصياته تتبلور النواة البروليتارية بارتباط مع تبلور الخط البروليتاري الذي يجسده القيادة الفعلية للطبقة العاملة لباقي طبقات وفئات الشعب، فهل هذه العناصر تتوفر في الحركة الماركسية-اللينينية ولو بشكل جنيني؟
إن الحركة الماركسية-اللينينية لا يمكن لها أن تكون إلا نتاجا للصراع الطبقي ببلادنا. ولقد برزت هذه الحركة في ظل شروط طبقية محددة وذلك وطنيا وقوميا وعالميا. وبدون الغوص في تحليل معمق لنشأة الحركة، لا بد من تسجيل ميزتين:
1- إن نظرة عامة على تطور الأوضاع بعد 1965 تبرز النهج الذي سارت عليه الطبقة أو الطبقات السائدة بالمغرب والذي لم يترك هامشا للنشاط السياسي للأحزاب التقليدية داخل بنية النظام، وفرض عليها أن تقف في صف المعارضة من خارج هذه البنية، كما وفر الشروط للكشف عن عقم خطها الإصلاحي، وأدى إلى تقليص مواقع التأثير السياسي والإيديولوجي من طرف هذه القوى على الجماهير الشعبية.
2- إن المرحلة ما بعد 1967 جسدت انطلاقة حركة جماهيرية نضالية تميزت باستقلالية نسبية عن تأطير القوى السياسية أو النقابية التقليدية، وتمركزت أساسا في نضالات الطبقة العاملة وانتفاضات فلاحية في بعض المناطق التي تعرف همجية المعمرين الجدد. إن هاتين الميزتين، بالإضافة إلى عناصر أخرى (مرتبطة بالصراع الطبقي ومستوى تطوره الموضوعي، وبتأثير التطورات الحاصلة على مستوى القوى الثورية بالوطن العربي وعلى المستوى العالمي) دفعت بالصراع السياسي والإيديولوجي في صفوف البرجوازية الصغيرة إلى التقدم، وانعكس هذا داخل الأحزاب البرجوازية الصغيرة وخاصة في بعض المواقع الديناميكية كالمثقفين والشبيبة المدرسية. ولقد تفاوتت الاختيارات التي أفرزت هذه المرحلة كانت تجربة الماركسية-اللينينية. وتجلى هذا في انسلاخ عدد من العناصر الشابة من المثقفين أو الشبيبة المدرسية عن هذه القوى والتحامها في ظل توجه فكري وسياسي مستقل شكلت أرضية الاتقاء النضالية بالنسبة لأفراده داخل حركة الشبيبة المدرسية وأساسا أوساط الحركة الطلابية. ولقد انصهرت القاعدة السياسية والإيديولوجية للحركة الماركسية-اللينينية في ظل حركة فكرية تميزت بتبنيها للفظ الماركسي-اللينيني ونقدها للبرجوازية الصغيرة العربية وأنظمتها، ونقد الأحزاب السياسية الإصلاحية و "التحريفية" بالبلاد.
أما على مستوى المواقف السياسية، فلقد تميزت نشأة الحركة الماركسية-اللينينية بطرحها لموقف جذري واضح من النظام القائم، وتشديدها على القضية الفلسطينية، وهكذا فإن الحركة لا تعدو كونها حركة ثورية برزت كنتاج للصراع السياسي والإيديولوجي في ميدان طبقي معين، هو ميدان البرجوازية الصغيرة وتحت تأثير هام لاحتدام الصراع الطبقي عموما بالبلاد. ولا علاقة للبروليتاريا بوجود هذه الحركة إذا استثنينا عنصرين اثنين هما:
1- التأثير الخارجي للرصيد الفكري السياسي والإيديولوجي لتجربة البروليتاريا العالمية والحركة الشيوعية العالمية على المثقفين والشباب عموما، والذي تجلى بالنسبة للحركة الماركسية-اللينينية في تبينها للماركسية-اللينينية وبعض الانتقادات الجزئية والمتفرقة الشائعة حينذاك حول التحريفية.
2- التأثير الخارجي للحركة النضالية للطبقة العاملة المغربية، على البرجوازية الصغيرة في تلك المرحلة.
لقد أبرزت التجربة الملموسة للحركة للماركسية-اللينينية وعلى مدى أكثر من عشر سنوات من عمرها تقريبا، أن الصيرورة التي عرفتها هذه الحركة لم تكن صيرورة اندماج بالبروليتاريا وطلائعها، بل على العكس من ذلك، عرفت هذه الحركة صيرورة عزلة متصاعدة، ليس فقط إزاء البروليتاريا، بل وأيضا عن قاعدتها الاجتماعية التي أفرزتها (الشبيبة المدرسية) وهي اليوم أبعد ما تكون عما كانت عليه حين نشأتها عن أن تشكل نواة البروليتاريا (أو حزبها). كما أن التجربة تبرز أن التطور السياسي والإيديولوجي للحركة للماركسية-اللينينية لم يعمل على ضرب القاعدة الطبقية التي انطلقت منها هذه الحركة، وإنما عززها، وذلك ببلورة تصورات شمولية تؤدي جميعها إلى مشاريع ثورية برجوازية صغيرة. إن منوعات البرامج التي تقدمها الحركة الماركسية-اللينينية من الثورة في الغرب العربي إلى المجلس التأسيسي... الخ والتنظيرات المحيطة بهذه المنوعات في غياب أي تحليل علمي لواقع الصراع الطبقي ومصالح البروليتاريا المغربية، وبارتباط عضوي مع هذه الطبقة وحركتها النضالية الملموسة، كل هذا يشكل دليلا آخر على الطبيعة الطبقية لهذه الحركة. وهكذا لا نستطيع اليوم اعتبار الحركة الماركسية-اللينينية مجرد مجموعة من المثقفين البرجوازيين الصغار الثوريين يسعون للارتباط بالحركة العمالية والمساهمة في بناء، الحزب البروليتاري، ذلك أن الحركة منذ نشأتها إلى اليوم تعززت كتنظيمات قائمة بذاتها خطا وممارسة، تسعى إلى بسط هيمنتها السياسية والإيديولوجية على الطبقة العاملة وباقي الجماهير على الأقل على مستوى مشاريعها الثورية.

2- هل تتلخص مهمة بناء الحزب في عملية بناء منظمة للمحترفين الثوريين ولو مرحليا؟

إن مفهوم الحزب هو أشمل بكثير من المنظور التراكمي الكمي الذي اعتمدته الحركة الماركسية-اللينينية. وحين طرح لينين مسألة منظمة المحترفين الثوريين سنة 1906 كانت البروليتاريا الروسية قد قطعت أشواطا كثيرة في عملية تأطير نفسها سياسيا وإيديولوجيا وتنظيميا. وكان المستوى الملموس الذي بلغه نضالها يتطلب الارتقاء إلى مرحلة عليا. فلقد كانت الحلقات الاشتراكية-الديمقراطية منتشرة في أنحاء روسيا داخل أوساط الحركة العمالية، وكانت لهذه الحلقات عملها الدعائي والتعريفي والتنظيمي، وجاء طرح لينين لمنظمة المحترفين الثوريين اعتبارا:
 لكون الاحتراف الثوري حينذاك أصبح ضرورة ماسة بالنسبة للمناضلين الثوريين حتى يتمكنوا من إنجاز المهام الملموسة للنضال الثوري. وكان الإخلال بالاحتراف معناه الإخلال بهذه المهام التي لم تكن نهائيا تصورات قبلية جاهزة لعملية الثورة.
 لكون أن الضرورة النضالية بدأت تفرض تنظيما مركزيا محكما من أجل توحيد نضال البروليتاريا الروسية، وتعميم التجارب المختلفة والمتباينة وتطور الوعي السياسي والإيديولوجي، وهذا نقيضا لواقع الشتات في صفوف الحركة العمالية الروسية وتجاوزا لتأثيرات الانحرافين الاقتصادي والعفوي.
وهكذا فإن لينين لم يكن يتصور بناء منظمة المحترفين الثوريين على طريق بناء الحزب وإنما كان يرمي بناء منظمة من المحترفين الثوريين كأحد مكونات حزب البروليتاريا دون الفصل فيما بين هذه المكونات بأية مرحلة. ولقد كانت الشروط التاريخية في روسيا متوفرة لتأسيس هذا الحزب بجميع مكوناته، كما أن لينين حين طرح مهمة بناء منظمة من المحترفين الثوريين فإنه لا يطرحها على عاتق مجموعة من المثقفين البرجوازيين الصغار، وإنما يطرحها على المناضلين الثوريين وسط الحركة العمالية مهما كانت أصولهم الطبقية، ولكن على قاعدة الارتباط العضوي والفعلي بالحركة العمالية في مسيرة ثورية عسيرة أدت إلى أن يصبحوا أبناء للطبقة العاملة يدافعون بالملموس عن مصالحها القريبة والبعيدة.
لهذا فإن اختزال الحركة الماركسية-اللينينية وعلة الخصوص منظمة "إلى الأمام" لمسألة الحزب في بناء منظمة للمحترفين الثوريين هو اختزال يقوم على نفي واقع التجربة اللينينية وتشويهها. وهذا الانحراف القائم ليس خطأً شكليا وإنما انحراف يعكس تصورا نخبويا يؤدي إلى فهم معضلة الحزب باعتبارها معضلة أطر متمرسة فقط، تستطيع قيادة الجماهير. إن السقوط في البلانكية ونزعة التآمر عبر طريق منعرج. إننا نعتبر أن حزب البروليتاريا حزبا نخبويا ولكنه حزب جماهيري ثوري يجسد الاستقلال السياسي والإيديولوجي والتنظيمي للطبقة العاملة بقيادة طليعتها الواعية والمنظمة، كما أننا نعتبر أن الحزب البروليتاري لا يشكل هرما تنظيميا سياسيا يبنى على مراحل من القمة إلى القاعدة، ولكنه مجموعة من التنظيمات تمر من الأشكال الأكثر جماهيرية إلى الأكثر سرية تتبلور ضمن نفس المسيرة الواحدة، وتجسد تطور وتقدم نضال البروليتاريا ضد أعدائها. وهكذا فإن الحزب نتاج ذاتي وموضوعي لصراع البروليتاريا. إذا كان يشكل أداة تنظيمية ثورية، فهو قبل كل مضمون سياسي وإيديولوجي طبقي لا يمكن لأية فئة اجتماعية أو طبقية أخرى غير البروليتاريا أن تبلوره مكانه.
وهكذا نرى أن مهمة بناء الحزب الثوري بما فيها مهمة بناء منظمة المحترفين الثوريين ملقاة على عاتق الطبقة العاملة، ونحصر دور المثقفين الثوريين الراغبين في المساهمة فيها، في الاندماج بحركة الطبقة العاملة المغربية في ظل مسيرة نضالية ملموسة ينجز فيها هؤلاء الثوريون المهمات الأولية والعملية في صفوف الحركة العمالية حتى يصبحوا مناضلين ثوريين حقا، وأبناء مخلصين للطبقة العاملة، هذه المهام التي تكمن أساسا في المساهمة في التأطير والرفع من مستوى الوعي السياسي الطبقي الثوري.

3- حول المقدمة التكتيكية

لقد تبلور بعد 1972 تصور يربط بين مهمة الحزب بالمقدمة التكتيكية التي تشكلها الشبيبة المدرسية بالنسبة للجماهير، وذلك بناء على الاعتبارات التالية:
 أن الشبيبة المدرسية تشكل القطاع الجماهيري الذي يخوض نضالات ذات طابع سياسي ثوري مكشوف ستتبلور من خلاله عناصر مناضلة ثورية تتبنى الماركسية-اللينينية وتستطيع لعب دورها داخل الجماهير الشعبية الكادحة كأطر ثورية بروليتارية.
 أن الشبيبة المدرسية لها ميزات ببلادنا، فإذا كانت الحركة الطلابية تتكون من عناصر يمكن اعتبارها برجوازية صغيرة، فإن خصوصيات هذه الحركة تؤدي إلى ربطها أكثر فأكثر بالجماهير الشعبية، أما التلاميذ فيمكن اعتبارها أشباه البروليتاريا نظرا لواقعهم وانتمائهم لأوساط فلاحية أو عمالية أساسا. ولطبيعة التعليم في بلادنا التي تدفعهم للالتحاق بصفوف الطبقة العاملة نظرا للتصفية المنهجية.
 إن الروابط التي تجمع بين الشباب المدرسي وخاصة التلاميذ، وبين الطبقات الأساسية روابط عضوية تفتح انتشار الفكر الماركسي داخل هذه الطبقات عبر قنطرة الشبيبة المدرسية، كما أن طموحات حركة هذه الشبيبة يمكن اعتبارها تعبيرا عن مطامح الجماهير الشعبية، ولهذا فالشبيبة المدرسية تشكل المثقف العضوي لهذه الجماهير.
وهكذا تتجلى لدينا معالم الحزب المزمع بناؤه من طرف منظمة "إلى الأمام" و الحركة الماركسية-اللينينية، ذلك أنه ينطلق من منظمة المحترفين الثوريين التي تفرزها الشبيبة المدرسية/المثقف العضوي، ليتسع داخل الطبقات الثورية. وسنحاول مناقشة هذه الرؤيا من بعض جوانبها النظرية وكذلك من بعض جوانب الصراع الطبقي في بلادنا وخصوصياته، وهكذا:
أ‌- حول المثقف العضوي:
في البحث عن امتداد عن الأطروحة داخل فكر الحركة الشيوعية العالمية، نجد أنها تبلورت أساسا لدى غرامشي، إلا أنها تجد بعض الجذور في فكر لينين نفسه. إن لينين يرى أن كل طبقة اجتماعية تفرز مثقفيها الخاصين بها. فالبرجوازية تفرز ثقافتها، والمثقفون الذين يدافعون عن هذه الثقافة وينتجونها، ويعتبرون مثقفين برجوازيين، والطبقة العاملة بدورها تبلور مثقفيها الذين هم أساسا عمال اكتسبوا من خلال شروطهم الخاصة إمكانية التعبير عن ثقافة عمالية. وكما أن المثقفين البرجوازيين ليسوا دائما من زاوية انتمائهم الطبقي أبناء للبرجوازية، بل هم في شروط هيمنة البرجوازية على المجتمع يمكن أن يكونوا أبناء للبرجوازية الصغيرة أو حتى الطبقة العاملة، لكنهم يتبنون ويدافعون عن ثقافة وإيديولوجية البرجوازية، فإنه من الممكن أيضا أن تصبح عناصر مثقفة برجوازية وبرجوازية صغيرة جزءا من الطبقة العاملة، إلا أن هذا لا يتم إلا في إطار تطور الصراع الطبقي، وبروز الطبقة العاملة كقوة طبقية مستقلة تستقطب حولها فئات طبقية واجتماعية أخرى وبالتالي يتم هذا بعد أن يتم تقدم عملية تبلور الوجود السياسي المستقل للطبقة العاملة في خضم الصراع الطبقي.
ويرى لينين أيضا بأن تقسيم المجتمع إلى طبقات، يبقى هو القاعدة الأكثر عمقا التي ترتكز عليها التقسيمات السياسية في هذا المجتمع، إلا أن هذه القاعدة الراسخة لا تسطع بوضوح في نهاية المطاف، إلا مع مسيرة التطور التاريخي وبموازاة مع تطور الوعي لدى هذه الطبقات، وهذا من خلال الصراع السياسي.
والمثقفون في المجتمع يعبرون ويعيشون بوعي أكثر وتصميم أكبر وأمانة أكثر عن تطور المصالح الطبقية وتطور التقسيمات والتجمعات السياسية فيه، وتشكل الشبيبة المدرسية الجزء من المثقفين الذي يتفاعل بحيوية مع هذا التطور.
هذه هي بتركيز عام وجهة النظر اللينينية من مسألة المثقفين وعلاقتهم بالطبقات الاجتماعية، وهي وجهة نظر تحدد أن وجود مثقفين يعبرون عن مصالح الطبقة العاملة في صفوف الطبقة العاملة، مسألة طبيعية، أما وجود مثقفين خارج هذه الطبقة يدافعون عن مصالحها، فهذا رهين بتطور الصراع الطبقي وتطور الصراع السياسي ضمنه والذي يؤدي إلى فرز الطبقة العاملة كقوة سياسية متميزة عن باقي القوى السياسية الطبقية المتواجدة فيه.
أما بالنسبة لغرامشي، فلقد كان من بين القلائل في صفوف المفكرين الشيوعيين الذين انهمكوا على دراسة المثقفين بشكل خاص، وهو يرى أن أية طبقة اجتماعية أو فئة طبقية تنمو على التربة الخاصة (terrain original) لإنجاز وظيفة جوهرية في عالم الإنتاج الاقتصادي، وتخلق في نفس الوقت عضويا من صفوفها شريحة أو شرائح من المثقفين الذين يعطون لهذه الطبقة أو الفئة انسجامها وتماسكها ووعيها بوظيفتها الخاصة، ليس في المجال الاقتصادي وإنما في المجال السياسي والاجتماعي (إن غرامشي يعطي مضمونا خاصا وواسعا لمفهومي المثقف والثقافة).
وهو يفصل "المثقفين التقليديين" وبين المثقفين العضويين ويميزهم عن بعضهم البعض بل يضيف أن من الخصائص الأكثر أهمية لدى أية طبقة تسعى للوصول إلى السلطة، الصراع الذي تخوضه من أجل الاستيعاب والاحتواء الإيديولوجي للمثقفين التقليديين، ويتم هذا بسرعة وفعالية أكبر إذا ما كان بقدرة هذه الطبقة أن تفرز بشكل أوسع في نفس الوقت مثقفيها العضويين.
أما ماوتسي تونغ فإنه لم يتعرض لهذه المسألة بوضوح، إلا أنه طرحها في جوانبها الملموسة. وهكذا فمن بين التصورات التي تبلورت لديه كما يلي: إن المثقفين لا يشكلون طبقة اجتماعية، ولكن إنتاجهم الفكري يمكن أن يستعمل وهو يستغل من طرف طبقة سائدة، أو تلك التي تطمح للسيادة، ولهذا فإن أي عمل فكري لا يمكن فصله عن السياسة، ومن أجل تحديد ثورية أو عدم ثورية/أو رجعية مثقف ما يوجد مقياس حاسم يكمن في معرفة ما إذا كان هذا الأخير يرغب في الارتباط ويرتبط فعليا بالجماهير العمالية والفلاحية، إلا أن المثقفين قبل أن يرتموا قلبا وقالبا في النضال الثوري الجماهيري، ويقررون خدمتها والانصهار فيها، فإنهم أحيانا يسقطون في عديد من الأخطاء. لذا فإنه مهما كان من المثقفين الثوريين يلعبون دورا طليعيا ويقومون بدور القنطرة، فإنهم ليسوا جميعا ثوريين حتى النهاية.
ولقد بدأت تتجلى لماو أهمية مسألة المثقفين منذ سنة 1957 حين طرح بأن السلطة في يد أية طبقة كانت، لا يمكن أن تظل قائمة بدون مثقفين ولهذا فعلى البروليتاريا الصينية أن تكون مثقفيها الخاصين بها (ses propres intellectuels). وكان هذا أول طرح يمس بصلة المثقف العضوي، ويمكن اعتبار أن ماو جعل من بين مهمات الحزب العمل على فرز مثقفين عمال من صفوف الطبقة العاملة.
فما هي خلاصتنا على ضوء ما سبق حول المثقف العضوي؟
إن المثقف العضوي لا يشكل ناقلا لإيديولوجية طبقة غير الطبقة التي ينتمي إليها، ولكنه أساسا المعبر عن إيديولوجيته الخاصة ولو في أشكال جنينية. والشبيبة المدرسية ليست سوى الفئة من المتعلمين تتضارب وسطها مختلف الإيديولوجيات يظل الطابع العام لاختياراتها هو الطابق الديمقراطي الذي يمكن أن يأخذ في مراحل وظروف معينة مضمونا جذريا، إلا أنه يظل دوما ديمقراطيا برجوازيا صغيرا في تعبيراته الجذرية.
إن تحديد علاقة الشبيبة المدرسية بالجماهير الشعبية باعتبار أن المفهوم اتخذ مضمونا دقيقا وواضحا وسط الحركة الشيوعية العالمية، بل إنه في واقع بلادنا الخاص عبرت الشبيبة المدرسية لحد الآن عن طموحات أقرب منها إلى البرجوازية الصغيرة الراديكالية من قربها لأية فئة طبقية أخرى في المجتمع.
ب‌- المقدمة التكتيكية:
إن تجربة الحركة الشيوعية العالمية تبرز أنه إذا كانت الماركسية قد برزت داخل الحركة العمالية في أوربا الغربية في الأربعينات من القرن التاسع عشر وأنه لم يتجل خلال هذه المرحلة نضال سياسي متميز داخل الشبيبة المدرسية إلا أن التجربة الروسية تؤكد أن الشبيبة المدرسية لعبت دروا في رفع الشعارات السياسية خلال نضالاتها في وقت كانت فيه الحركة العمالية في روسيا عاجزة عن ذلك، وسجل لينين ذلك بقوله في 1900 ما مضمونه بأن الوقت الذي كانت فيه الشبيبة المدرسية تخوض وحدها النضال السياسي قد بدأ يولي. لقد أصبحت الحركة العمالية والاشتراكية-الديمقراطية الروسية داخلها قادرة على خوض النضال السياسي ضد القيصرية. ويقول لينين في مجال آخر بأن الوقت الذي كانت فيه حلقات الاشتراكية-الديمقراطية الروسية تضم العديد من الطلاب وقلة من العمال قد مضى، إن حلقاتنا اليوم تضم العشرات والمئات من العمال في كل أنحاء روسيا، ومن هنا نخلص إلى أن لينين لم يكن يسجل دور الشبيبة المدرسية في النضال السياسي إلا كظاهرة سلبية تعتبر المهمة الأولى للشيوعيين هي تجاوزه بالاندماج المباشر بالطبقة العاملة وحركتها، ودفع نضالاتها خطوات إلى الأمام لكي ترقى إلى مستوى تحمل مسؤولياتها التاريخية.
أما التجربة الصينية فمن بين الأحداث البارزة فيها أحداث 4 مايو 1919 التي لعبت فيها الشبيبة المدرسية دورا كبيرا... إلا أن خصوصيات النضال السياسي في الصين أدت إلى تجاوز دور المثقفين عموما بما فيهم الشبيبة المدرسية بسرعة كبيرة ولم يكن للشبيبة دور متميز كفئة إلا في المرحلة ما قبل 1919.
إن تاريخ حزب العمل الألباني يؤكد على دور الشبيبة المدرسية في النضال السياسي خلال التجربة الألبانية، كما يبرز بشكل عام موقع شرائح البرجوازية الصغيرة الهائلة داخل حزب العمل. ومن خلال استقرائنا للتجربة الألبانية نجد أنه من خلال مرحلة ما قبل التأسيس لحزب العمل، لعبت الشبيبة المدرسية دورا نضاليا هاما، خاصة وأن الطبقة العاملة حينذاك لم تكن تتجاوز عدديا بضعة آلاف، وكان النمط الحرفي للإنتاج واسعا جدا.
وهكذا فإننا نخلص من خلال استعراضنا لعدد من التجارب (ولو في عموميتها) بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية إلى أن دخول الشبيبة المدرسية معمعان النضال السياسي ليست ظاهرة جديدة، وإنما كانت مسألة قائمة تاريخيا في تجارب عدد من البلدان في مطلع هذا القرن. ونخلص أيضا إلى أنه في إمكان الشبيبة المدرسية أن تعبر في ظروف محددة أو في ظل مرحلة بكاملها عن مطالب سياسية مكشوفة تكون القطاعات الجماهيرية الأخرى دون مستوى التعبير عنها في ذلك الظرف أو في تلك المرحلة. إلا أن الشيوعيين تاريخيا لم يعملوا على التنظير لهذا الواقع أو استمرار يته، بل اعتبروه دوما عنصرا سلبيا من مهامهم الأكثر أولوية تجاوزه بإعطاء الطبقة العاملة دورها الطليعي.
إن واقع الصراع الطبقي ببلادنا، أبرز دور الشبيبة المدرسية كأحد المواقع النضالية في مواجهة الاستعمار، وذلك تحت قيادة سياسية طبقية برجوازية الطبيعة مترسخة في عدد من المواقع الجماهيرية الأخرى وملقية مهمتها حتى داخل الحركة العمالية المغربية. ولن نغفل هنا أن المناوشات الأولى للبرجوازية المغربية مع الاستعمار انطلقت في بداية الثلاثينات من "القرويين" ومن تشكل جمعيات للشبيبة بالرباط وفاس تضم شبابا مثقفين. وهذا ليس فريدا من نوعه على الإطلاق، ذلك أن البرجوازية في كافة المجتمعات تعتمد في نشاطها على الفئات المثقفة بشكل كبير.
إلا أن مرحلة الاستقلال الشكلي سجلت منعطفا جديدا، وبداية مسيرة جديدة بالنسبة للشبيبة المدرسية خاصة منذ مؤتمر أزرو في مطلع الستينات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. فلقد ارتبطت الشبيبة المدرسية خلال فترة الستينات بالاتجاه الراديكالي للبرجوازية الصغيرة داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وعبرت عن رفضها للنظام القائم بوضوح.
وفي سنة 1969 برز في صفوف الشبيبة المدرسية اتجاه جديد تجسد في الحركة الماركسية-اللينينية، وعلى قاعدة توجهات سياسية ثابتة لم تعد لها تجليات ظرفية، وإنما تحولت إلى مستوى متطور سياسي عام، عبرت عنه كل من الصراعات التي دارت في الحركة الطلابية في المؤتمر الرابع عشر ومقررات المؤتمر الخامس عشر، والنشاط في صفوف حركة التلاميذ.
إن هذه التوجهات السياسية للشبيبة المدرسية جعلت من حركتها في ظل ظرف محدود زمنيا قوة سياسية لها استقلاليتها النسبية عن باقي القوى السياسية في المجتمع، إلا أنه من اللازم أيضا تسجيل أن حركة الشبيبة المدرسية ستظل دوما، وكانت كذلك تاريخيا حتى في بلادنا، حركة ديمقراطية في إطارها العام، ذات طبيعة برجوازية صغيرة مع بعض الميزات الخاصة الناتجة عن واقعها كفئة اجتماعية لها موقع محدد في عملية الانتاج على مستوى المجتمع. وهذا ينفي إمكانية بروز أطر بروليتارية أو نواة للمحترفين الثوريين من صفوفها. فحركة الشبيبة المدرسية يمكنها أن تفرز مناضلين ثوريين برجوازيين صغار من خلال حركتها الخاصة، ويمكن لهذه الأطر أن تتبنى الماركسية-اللينينية كفكر، إلا أن الأطر البروليتارية ومنظمة المحترفين الثوريين لا يمكنهم التبلور إلا من خلال مسيرة عسيرة لنضال البروليتاريا نفسها. وهذه مرحلة لا يمكن القفز عليها بأية وصفات سريعة مهما كانت ممنطقة.
وإذا كان الطابع السياسي المكشوف لشعارات الشبيبة المدرسية قد ظل يميزها عن باقي القطاعات الجماهيرية العاجزة عن ذلك، فإن تسجيلها كحقيقة وكميزة من ميزات الصراع الطبقي ببلادنا، يلق على عاتق الشيوعيين المغاربة أعباء جسيمة من أجل فتح الطريق الثوري أمام الطبقة العاملة وطليعتها الثورية في النضال السياسي. وهذا يعني الاندماج المباشر بالنسبة لمجموع المثقفين الثوريين المتبنين للماركسية-اللينينية بالحركة العمالية وطلائعها المناضلة من أجل تطوير كفاحيتها ووعيها السياسي والمساهمة في بناء حزب البروليتاريا.
ويبقى في الأخير أن خزان البروليتاريا هو البروليتاريا نفسها.

ت‌- الحركة الماركسية-اللينينية داخل الشبيبة المدرسية كظاهرة حديثة

إن وجود حركات سياسية تتبنى الماركسية-اللينينية داخل حركة الشبيبة المدرسية أو المتعلمة هي ميزة تكاد تكون عامة سواء في ما يسمى بالعالم الثالث أو حتى في بعض البلدان الامبريالية. وفي الوقت الذي يتميز فيه وضع الحركة العمالية العالمية بانحسار في موقعها على مستوى الصراع السياسي كقوة طبقية مستقلة رغم الأزمة العامة التي تشمل النظام الرأسمالي العالمي والتي تنعكس على أوضاع الطبقة العاملة بشكل حاد.
إلا أن هذه الحركات الماركسية-اللينينية في صفوف الشبيبة المدرسية التي برزت في الستينات وعلى مدى أكثر من خمسة عشر سنة مضت، لم تحصد في تجربتها سوى الفشلات الذريعة، التي تزيد منها أزمة الحركة الشيوعية العمالية العالمية، والغموض السياسي والإيديولوجي القائم فيها.
لقد افتقدت كافة الأحزاب الشيوعية لتوجيه بروليتاري، وتحولت إلى أدوات في يد فئات طبقية لا علاقة لها بالطبقة العاملة، وذلك في غالبية بلدان العالم وتحت أقنعة مختلفة في المظهر، متماثلة المضمون. وسواء على مستوى تلك القوى التي تمكنت من الاستيلاء على السلطة أو تلك التي لم تتمكن من ذلك (الصين، فيتنام، الاتحاد السوفياتي، ألبانيا... ثم أحزاب الأممية الثالثة في أوربا).
ويمكننا القول اليوم بأنه كما جسدت سنة 1914 وما بعدها، مرحلة إفلاس بالنسبة للأممية الثانية والثانية والنصف في ظل تحولات طبقية جوهرية طرأت على البنية الاجتماعية –السياسية –الإيديولوجية للأحزاب الاشتراكية-الديمقراطية بارتباط مع التحولات التي حصلت في صفوف الطبقة العاملة والحركة العمالية وفي علاقة مع التطور الذي عرفه النظام الرأسمالي العالمي نحو الامبريالية. فإن المرحلة الحالية تشكل نهاية فترة تاريخية طويلة من حياة الحركة الشيوعية العالمية، تبقى في ظلها بعض المبادئ الأساسية للماركسية-اللينينية تحتاج بشكل ملح إلى قفزة نوعية تعصف بالعديد من القوالب الجامدة والتصورات السياسية والإيديولوجية التي تبلورت في المرحلة التاريخية الماضية والتي أصبحت اليوم عائقا في وجه تطور آفاق الثورة البروليتارية، ولا يمكن اعتبار الحركات البرجوازية القائمة خارج الحركة العمالية، والتي استحوذت على رصيد الطبقة العاملة الفكري والنضالي إلا أحد منوعات الثوروية (révolutionnarisme) البرجوازية الصغيرة، أفرزها دافع أزمة الحركة الشيوعية العالمية والحركة العمالية، وتلقى لنفسها مرتعا في ظروف الأزمة، بينما هي بعيدة كل البعد عن أن تكون بديلا ثوريا.

ث‌- ولكن هل يمكن أن تشكل الشبيبة المدرسية قنطرة عبور بالنسبة للفكر الثوري الماركسي-اللينيني وإلى الطبقة العاملة والجماهير الشعبية؟

لقد انطلقت منظمة "إلى الأمام" من تصور أن الوعي لا تمتلكه الطبقة العاملة من خلال العلاقات الضيقة بينها وبين مستغليها المباشرين وإنما تمتلكه انطلاقا من العلاقة الاجتماعية الواسعة التي تربط هذه الطبقة بمختلف الطبقات الأخرى.
إن هذا الطرح في عموميته، رغم كونه طرحا سديدا، لا يعطينا إمكانية الإجابة بوضوح عن دور المثقفين في بلورة الوعي الطبقي لدى البروليتاريا لكنه يعمل على تعويم هذه المسألة ليصل في النهاية إلى بلورة تصورات خاطئة حول علاقة الشبيبة المدرسية بالطبقة العاملة ومجموع الجماهير الشعبية.
إن العلاقات بين مختلف الطبقات في المجتمع علاقات معقدة ومتشابكة لها أشكال مباشرة وغير مباشرة. والمثقفون هم كما كانوا تاريخيا ولا يزالون، يشكلون ناقلة (vehicules) لمختلف الإيديولوجيات، وبالتالي فإن قيام العديد منهم بإيصال الفكر الثوري الماركسي-اللينيني للجماهير الشعبية والطبقة العاملة، مسألة حتمية بوعي من هؤلاء أو غير وعي من طرفهم، ولهذا تكتسي الدعاية للفكر الثوري الماركسي-اللينيني في صفوف المثقفين، وتعزيز موقع هذا الفكر على مستوى الواجهة الثقافية بخلق حركة فكرية داخل المثقفين تسعى لهذا الهدف. كل هذا يكتسي أهمية لا بد من الإشارة إليها، لكن موقع المثقف الثوري الماركسي-اللينيني هو موقع آخر بالأساس، ذلك أن تحديده كمثقف ثوري لا ينبع إلى من خلال ارتباطه الفعلي بالجماهير الكادحة وحركتها النضالية، وهو يلعب حقا من خلال عملية الاندماج دور القنطرة بين مجموعة من المعارف (الماركسية-اللينينية، تجارب البروليتاريا والشعوب...) وبين الطبقة العاملة. ويمكن لهذا المثقف برجوازيا صغيرا من زاوية أصله الطبقي، كما يمكن أيضا أن يكون مثقفا عاملا، ولا يشكل ما يأتي به هؤلاء المثقفون الثوريون من معارف للطبقة العاملة إلا عنصرا من بين عناصر أخرى متعددة، تجربة الطبقة العاملة الملموسة، الصراع السياسي والإيديولوجي بين مختلف التوجهات الطبقية في صفوف الطبقة العاملة... الخ وهذا كله في ظل تمازج بين الحركة النضالية، تبدأ من خلال عملية فرز الأنوية البروليتارية وتبلور الخط الثوري البروليتاري داخل الحركة العمالية، إن مساهمة المثقف الثوري لا تجعل منه الثوري البروليتاري داخل الحركة العمالية، إن مساهمة المثقف الثوري لا تجعل منه أوتوماتيكيا عنصرا بروليتاريا بل يمكن ألا يستطيع هذا المثقف تجاوز التصورات التي أتى بها للطبقة العاملة وبالتالي يبقى حتى في صفوف الحركة العمالية عنصرا طبقيا غريبا عن الطموحات البروليتارية. بينما يمكن أيضا أن يعرف صيرورة الانصهار الذي تجعل منه حقا إطارا للبروليتاريا في نضالها الثوري.
ومن هنا نخلص إلى أن دور المثقفين الثوريين البرجوازيين الصغار المغاربة يبدأ بعملية الاندماج الفعلي بالحركة العمالية وطليعة البروليتاريا وفي هذا تكمن مساهمتهم في عملية بناء الحزب البروليتاري الثوري المغربي، الشيء الذي حادت عنه منذ انطلاقتها الحركة الماركسية-اللينينية وذلك لاعتبارات ذاتية وموضوعية.

ج‌- لماذا تبنت الحركة الماركسية-اللينينية طرح المقدمة التكتيكية؟

إن طرح المقدمة التكتيكية هو انحراف عن الماركسية-اللينينية باعتبار أنه يعوض مرحليا بالنسبة لمهمات الماركسيين-اللينينيين المغاربة عن طليعة الطبقة العاملة بتنظيرات طليعية فئة اجتماعية وطبقية أخرى غيرها. ولكن لا يكفينا اليوم نقد مجموعة من الأطروحات الخاطئة التي اتخذت موقعا خاصا في تجربة الحركة الماركسية-اللينينية، بل يجب كذلك البحث عن جذورها الطبقية من جهة أخرى. ولقد حددنا في البداية بعض المعالم حول الجذور الطبقية التي أفرزت الحركة الماركسية-اللينينية، ولقد تفاعلت هذه الحركة مع شروط طبقية سنحاول الإشارة إليها باعتبارها خطوط عامة جدا، من الواجب التعمق فيها لاحقا. ولقد عرفت الحركة الماركسية-اللينينية في المرحلة ما بين 70-1972 تجربة سياسية تجلى فيها فشل محاولاتها القليلة في النفاذ إلى مواقع الجماهير الثورية الأساسية خاصة وأن المد الذي عرفته الحركة الجماهيرية منذ مطلع 1968 كان قد تجاوز أوجه وبدأ في الانحسار التدريجي. ونظرا للتخلف الذي عبرت عنه الحركة الماركسية-اللينينية التي لم تكن ملائمة للنشاط خارج المثقفين والشبيبة المدرسية.
وهذا في الوقت الذي كان تأثير الحركة الماركسية-اللينينية داخل الشبيبة المدرسية يتعاظم ويمتد من صفوف الحركة الطلابية إلى صفوف حركة التلاميذ بشكل واسع، وبارتباط مع تمادي المد النضالي لحركة الشبيبة المدرسية، هكذا برزت أطروحة المقدمة التكتيكية بحدة في سنة 1970 نظرا لعدة اعتبارات منها:
 واقع تقبل الشبيبة المدرسية لأطروحات الحركة الماركسية-اللينينية والانتشار السريع لأفكارها في صفوف هذه الشبيبة، والعزلة القائمة على مستوى الارتباط بالجماهير الأساسية.
 ولكون حركة الشبيبة المدرسية في مدها كانت ترفع فعلا الشعارات السياسية المكشوفة الطابع، على عكس مواقع الجماهير الأخرى.
 لقد كان خط الحركة الماركسية-اللينينية وبرنامجها السياسي العام يكتنفه الغموض، وهكذا أصبحت الشبيبة المدرسية بالنسبة لبعض اتجاهات الحركة الماركسية-اللينينية أداة لتفجير الثورة المغربية انطلاقا من اعتبارها "رأس الرمح" الذي يدفع بالحركة الجماهيرية إلى انتفاضة فاشلة على نمط ثورة 1905 الروسية تسمح بالارتباط بالجماهير من طرف الحركة الماركسية-اللينينية في ظل عملية سريعة نتيجة للظروف التي ستخلفها هذه الانتفاضة بمساهمة الحركة الماركسية-اللينينية.
 ولقد لعب تأثير انتفاضة البيضاء في 1965 دورا كبيرا في هذا الطرح خاصة وأن التقييم الذي كان لدى الحركة الماركسية-اللينينية لهذه الانتفاضة يعتبر بالضبط أن الشبيبة المدرسية لعبت دور المفجر لها، وانطلقت الجماهير كافة الجماهير، حول الشبيبة المدرسية، فيها الشيء الذي يفتقد في الواقع لنظرة موضوعية لهذه الانتفاضة التي لم تساهم فيها الطبقة العاملة المغربية إلا بشكل ثانوي.
إلا أن هذه الأطروحات حول الانتفاضة الفاشلة، سيتم التخلي عنها في نهاية 1972 دون أن تنسف الأسس التي أدت إليها، وكان هذا التخلي ناتجا عن تطورات الصراع الطبقي، وبالنسبة لحركة الشبيبة المدرسية نفسها التي بدأت بدورها مسيرة الانحسار، وذلك مع بداية ترتيب الأوضاع الذي دخل فيه النظام بعد الهزات التي عرفها خلال 70-1972، ثم تأثير الاعتقالات الواسعة التي شملت الشبيبة المغربية سنة 1972.
هكذا بدأت تتبلور المفاهيم التي عالجناها في هذا النص حول الشبيبة المدرسية وعلاقتها بالحزب والجماهير انطلاقا من عملية نقد سطحية تفترضها هذه التطورات، وكتبرير إيديولوجي لاستمرارية الحركة الماركسية-اللينينية في صفوف حركة الشبيبة المدرسية. وعلينا أن نسجل أن كافة اتجاهات الحركة الماركسية-اللينينية قد تخلت نظريا عن أطروحة الشبيبة المدرسية دون إعطاء أي تحليل لذلك له طابع الموضوعية، كما أن هذا التخلي النظري يتوافق مع واقع التواجد العملي الوحيد للحركة الماركسية-اللينينية في الشبيبة المدرسية والمثقفين مما يؤكد طبيعة هذا التخلي اللفظي.

4- حول مسألة الوحدة

إن الحركة الماركسية-اللينينية تنظر للوحدة بين المنظمات الماركسية-اللينينية المغربية باعتبارها خطوة على طريق بناء "حزب البروليتاريا المغربي" وقبل 1972، كانت الوحدة رغبة حارة وعامة، لعبت فيها شروط مد الحركة الجماهيرية وأساسا الشبيبة المدرسية دورا كبيرا، خاصة بالنسبة لمنظمة "إلى الأمام" التي كانت ترى أن تبني الماركسية-اللينينية هو قائم مشترك كاف للتوحيد، وانطلاقا من أن جميع الماركسيين-اللينينيين يسعون لبناء حزب البروليتاريا التي سيتم التوصل إليها بسرعة أكثر وبعمل أفضل، إذا ما تضافرت جهود الحركة الماركسية-اللينينية في منظمة موحدة. إلا أن فترة ما بعد 1972 التي شكلت بداية الانحسار في هذا المد للحركة الشبيبية، فجرت في صفوف الحركة الماركسية-اللينينية خلافات بارزة مباشرة حول السرية والاحتراف والحزب والجبهة... وفي هذه المرحلة تبلور طرح لدى منظمة "إلى الأمام" حول مسألة الوحدة، يرى ضرورة قيامها على قاعدة خط سياسي سديد وموحد مع بقاء اعتبارها خطوة ضرورية على طريق بناء الحزب البروليتاري الذي تمثل الحركة الماركسية-اللينينية نواته الأولى. فما هي منزلقات هذا الرأي الذي مازال قائما لحد الساعة وسط الحركة الماركسية-اللينينية؟

أ‌- مسألة الوحدة في تجربة الحركة الشيوعية العالمية؟

سنضطر هنا لانتقاد بعض النماذج من تجربة الحركة الشيوعية العالمية لإلقاء الضوء على هذه المسألة، وهكذا فبالنسبة لماركس وانجلز طرحت هذه القضية حول علاقة مجموعة إيزناخ الاشتراكية-الديمقراطية الألمانية (ليبنخت...) وبين مجموعة اللاساليين داخل الحركة العمالية الألمانية، وكانت مسألة التوحيد رغبة حارة لدى الحركة العمالية الألمانية وهدفها بالنسبة للاسال ومجموعته من أجل إعادة الاعتبار لحزبه بعدما عرف انحسارا كبيرا نتيجة النزعة السلطوية والحلقية التي كانت تتجلى في تعامله مع الحركة العمالية الألمانية، وكان الصراع حينذاك يدور حول برنامج الحزب الاشتراكي-الديمقراطي الألماني (برنامج غوته). ولقد عبر ماركس وانجلز على رفضهما لهذه الوحدة التي تقوم على قاعدة برنامج غير بروليتاري، وكانا يريان أن الوحدة بين هاتين المجموعتين يجب أن تشكل خطوة متقدة في نضال البروليتاريا، ولهذا من اللازم أن تتوفر فيها الشروط اللازمة لذلك، وفي استحالة هذا يمكن الاكتفاء باتفاقات عملية تستهدف مواجهة العدو المشترك، بدل الغوص في صنع برامج غير مفيدة أو اتفاقات حدود دنيا تجسد تراجعا عن المستوى الذي وصلت إليه نضالات البروليتاريا والوضوح الذي امتلكته على المستويين السياسي والإيديولوجي.
أما بالنسبة للينين، فلقد طرحت قضية وحدة الماركسيين (أو الاشتراكيين الديمقراطيين الروس) مرات متعددة نذكر منها مرحلة 1902 في "ما العمل" "حيث كانت حركة الاشتراكية-الديمقراطية الروسية تعرف اتساعا وتقدما سريعا يمس الطبقة العاملة الروسية التي بدأت العديد من شرائحها تنحاز للنضال البروليتاري، في الوقت الذي ينعدم فيه برنامج واضح للاشتراكيين-الديمقراطيين الروس، ويعرفون فيها تشتتا وتذبذبا كبيرا، وجسده بروز عدد من الاتجاهات التي تنظر للعفوية والاقتصادوية لدى قادتها". ولقد كانت الوحدة بالنسبة للينين ضرورة لتقديم النضال البروليتاري ضدا على الاتجاهات الانتهازية داخل الحركة الاشتراكية-الديمقراطية العمالية الروسية، وخطوة متقدمة ملازمة لتأسيس حزب البروليتاريا الروسية. ولقد طرحت مسألة الوحدة من طرف لينين من جديد بعد تأسيس الأممية الثالثة، وذلك حين معالجة الانشقاقات عن أحزاب الأممية الثانية. ولقد كان الموقف الذي اتخذته الأممية الثالثة في مؤتمراتها الثلاث الأولى في هذه القضية (حيث ساهم لينين في مقرراتها) يقول بأن الاتجاهات الشيوعية المتواجدة في صفوف أحزاب الاشتراكية الديمقراطية يجب أن تتحد على قاعدة توجيهات الأممية الثالثة في جوانبها السياسية والإيديولوجية والتنظيمية من جهة وأن تعمل على بناء الأحزاب الشيوعية في بلدانها على قاعدة عمل جماهيري واسع في صفوف الحركة العمالية من طرف أنوية شيوعية داخل حركة الطبقة العاملة. وكانت الأممية الثالثة تناضل من أجل ألا تتحول العناصر الشيوعية المتواجدة في صفوف الطبقة العاملة إلى مجموعات معزولة عن حركة الطبقة العاملة، وألا تؤسس الأحزاب على قاعدة جماهيرية واسعة في صفوف الحركة العمالية.
أما التجربة الألبانية فهي تبين أن عملية توحيد الشيوعيين الألبان وعملية تأسيس الحزب كانتا في نفس الوقت. فالشيوعيون الألبان تواجدوا داخل الحركة العمالية منذ 1928، إلا أن الوحدة لم تتم إلا سنة 1941 مع تأسيس الحزب. وكانت عملية التوحيد رغبة تجسد إحدى ضرورات النضال المباشر الملموس في مواجهة الاحتلال الإيطالي النازي من جهة، كما أنها كانت نتيجة صراع طويل حاد ومرير بين مختلف الاتجاهات داخل الشيوعيين الألبان. ولقد تمت عملية التوحيد السياسي للعناصر الطليعية المنتمية لمجموعة كوركسي (أنور خوجه) وضدا على مواقف القيادات التقليدية لهذه المجموعات.

ب‌- فما هي خلاصاتنا من هذه التجارب؟

لم تكن الوحدة بين الشيوعيين رغبة ذاتية أو مبدءا مجردا، وإنما كانت تطرح في شروط تواجد اتجاهات ماركسية ثورية داخل الحركة العمالية، يشكل توحدها خطوة متقدمة في نضال البروليتاريا. ولقد توفرت في كل التجارب التي استعرضناها شروط ذاتية وموضوعية داخل الحركة العمالية. جعلت من عملية التوحيد ضرورة ملموسة (وليس مبدأ مجردا أو نظريا) بالنسبة للأنوية البروليتارية الثورية المتواجدة في صفوف مختلف الاتجاهات الماركسية داخل الحركة العمالية. هذه الأنوية لم تكن تتجسد بالضرورة في القيادات السياسية التقليدية لهذه الاتجاهات. وإذا كانت الوحدة من خلال التجارب التي استعرضناها ملازمة لتأسيس حزب البروليتاريا. وليست خطوة على طريق بنائه، فإننا لن نغامر هنا باستخلاص قانون عام، ولكننا نرى أن وحدة بين الماركسيين-اللينينيين داخل الحركة العمالية يجب أن تعمل على تقديم المسيرة الثورية للبروليتاريا بشكل ملموس ولا تؤدي إلى تخلفها، وألا تؤدي الوحدة إلى إجهاض مسيرة تطور الوعي السياسي بالإيديولوجي للطبقة العاملة.

ت‌- فما هو موقع الحركة الماركسية-اللينينية من وحدة الماركسيين اللينينيين طبقا لتجربة الحركة الشيوعية العالمية

أولا: إن أحد الشروط الأساسية كما رأينا في مسألة الوحدة هو التواجد في صفوف الحركة العمالية كاتجاهات عمالية ماركسية ثورية، وهذه الشروط مفقودة في واقع الحركة الماركسية-اللينينية تاريخيا وحاضرا، ولهذا فإن توحيد الحركة الماركسية-اللينينية لا يمكنه أن يقود إلى خطوة البناء الحزب الثوري للبروليتاريا وإنما هو يدخل ضمن صيرورة أخرى، أي تلك التي تقود إلى تأسيس منظمة تضم مجموعة من الثوريين البرجوازيين الصغار المتبنين للأفكار الماركسية-اللينينية.
ثانيا: ولكن الحركة الماركسية-اللينينية لم تقف عند حدود كونها تجمعا للثوريين البرجوازيين الصغار المتبنين للفكر الماركسي-اللينيني، بل كان لكل اتجاه من اتجهاتها منذ البداية برنامج عام، وتنظيم وأساليب عمل، وكذلك ممارسة سياسية في الواقع الطبقي القائم في البلاد، ولم تكن الوحدة لتتم إلا على قاعدة "خط سياسي موحد وسديد"، وهذا يعني أن هذه الوحدة لم تكن إلا عملية تأسيس لمنظمة ثورية برجوازية صغيرة خطا وممارسة وتنظيما لا تقود إلى حزب البروليتاريا، وإنما عملية تأطير وتوظيف الطبقة العاملة في مسيرة ثورية برجوازية صغيرة.

ث‌- لماذا لم تتم عملية التوحيد؟

لقد عرفت الحركة الماركسية-اللينينية منذ 1972 على الخصوص مسيرة تشتت ما فتئت تتعمق باستمرار، فما هي أسباب هذه الظاهرة؟ إن الاتجاهات المغربية المختلفة توعزها المسألة التنظيمية أو القمع أو الانتهازية اليسارية أو اليمينية أو العدمية الوطنية... الخ، من التبريرات التي لا تشكل في نظرنا إلا عملية تغميض للأسباب الأساسية التي حالت دون توحيد الحركة الماركسية-اللينينية الذي لم يتم ولن يتم في ظل البنى السياسية والإيديولوجية والتنظيمية الطبقية التي بلورتها ولا زالت كذلك اتجاهات الحركة الماركسية-اللينينية المختلفة.
إن وجود حركة سياسية ترتكز قاعدتها الاجتماعية على فئات من المثقفين أو من الشبيبة المدرسية لا يمكن أن يكون إلا انتقاليا، ذلك أنه في الشروط الخاصة للصراع الطبقي ببلادنا كان هذا البروز مبررا بسبب تخلف عملية الفرز ظرفيا بين الطبقات الشعبية على المستوى السياسي والإيديولوجي، وتخلف هذه الطبقات عن صياغة برنامجها وأهدافها الخاصة والمتميزة في النضال كطبقات أو كفئات طبقية (وهذا هو واقع البرجوازية الصغيرة المغربية بالأساس)، كل هذا جعل من الشبيبة المدرسية ظرفيا قوة سياسية لها استقلاليتها النسبية التي عبرت عنها الحركة الماركسية-اللينينية، كما عبرت عنها النضالات السياسية المختلفة لهذه الشبيبة منذ 1965.
إن العشر سنوات التي مضت جسدت مرحلة مخاض بالنسبة لمجموع الطبقات الاجتماعية، انعكست تأثيراتها على الشبيبة المدرسية وعلى الحركة الماركسية-اللينينية، وعرفت الصراعات السياسية والإيديولوجية تطورا في صفوف الحركة الماركسية-اللينينية تحت تأثير التطورات الطبقية الحاصلة في المجتمع وتأثير الحركة النضالية للجماهير والتطورات التي عرفتها هذه الحركة الجماهيرية، خاصة على مستوى البرجوازية الصغيرة والطبقة العاملة المغربية.
ومن بين عملية الفرز المستمرة، الفرز المتواصل بين الاختيارات الإصلاحية والراديكالية داخل الحركة الماركسية-اللينينية، ومع تعاظم الدور السياسي للمواقع الطبقية الأخرى خارج الشبيبة المدرسية، أصبحت عملية الفرز هذه تقوم اليوم على أساس استقطاب سياسي طبقي بين قوى البرجوازية الصغيرة ذات القواعد الاجتماعية الواسعة والثابتة وبين اتجاهات المختلفة في أوساط الشبيبة المدرسية. هذا التقاطب الذي لازال جنينيا والذي تتجلى معالمه في ثلاث اتجاهات عامة:
1. القطب الإصلاحي البرجوازي الصغير والذي يمثله داخل الحركة الماركسية-اللينينية اتجاه "23 مارس" والذي لا يشكل إلا رافدا من روافد الأحزاب الإصلاحية التقليدية تحت غطاء "الواقعية الثورية" مع حفاظه على اللفظ الماركسي اللينيني وبحثه على توطيد روابطه بالفئات المثقفة من البرجوازية الصغيرة.
2. القطب الراديكالي البرجوازي الصغير والذي يعرف لحد الآن غموضا كبيرا فهو يبرز أساسا مع تنامي النضال الجماهيري، حيث يتجسد في بعض توجهات الحركة الماركسية-اللينينية والاتجاهات الجذرية في صفوف الأحزاب التقليدية والنقابات.
3. القطب الراديكالي الفوضوي (إن الفوضوية لا تعني أية مطابقة مع الاتجاه الفوضوي المعروف تاريخيا) والذي يتجلى فيما تبقى من منظمة "إلى الأمام" على مستوى الحركة الماركسية-اللينينية ويجد قاعدته التقليدية في توجهات الحركة الطلابية والشبيبة دون غيرها لحد الآن. ويعيش وضعية التشتت والعزلة الخانقة عن الجماهير.
إن غياب قاعدة اجتماعية ثابتة خارج الشبيبة المدرسية أدى إلى عزلة العناصر الثورية المنبثقة فيها ولعب دورا في مسيرة التخلف والتشتت التي عرفتها الحركة الماركسية-اللينينية خاصة وأن الحركة قد حددت لنفسها مشاريع ثورية يمكنها أن تنجز إلا بمساهمة أوسع الجماهير، الشيء الذي يصبح مستحيلا في غياب الارتباط بهذه الجماهير.
وبقدر ما عرفت الشبيبة المدرسية انحسارا في مدها النضالي وبقدر ما تعمقت تعقيدات الصراع الطبقي تعمقت أيضا مسيرة التشتت والعزلة. إن هذا النهج داخل الحركة الماركسية-اللينينية يجد أسبابه العميقة في هذه العناصر نظرا لطبيعة القاعدة الاجتماعية التي أفرزت هذه الحركة، كما يجد جذوره أيضا في ضعف الرصيد السياسي والإيديولوجي للحركة الثورية المغربية عموما منذ الاستقلال الشكلي إلى يومنا هذا، والتي كانت من ميزاتها الأساسية الأمية المدقعة.
هذه هي الأسباب التي تبدو لنا بشكل أولي كعناصر في وجه عملية التوحيد داخل الحركة الماركسية-اللينينية والتي تدفعنا إلى اعتبار استحالة قيام هذه الوحدة خارج الأقطاب التي تعرف صيرورة التشكل حاليا.

خاتمة

1. إن نقد الأطروحات التي عالجناها هنا لازال ناقصا، ولم نتطرق هنا لعدة قضايا مرتبطة به، نذكر على سبيل المثال منها خطط الحركة الماركسية-اللينينية في العمل داخل الطبقة العاملة، مسألة السرية، الاحتراف كتصور، وممارسة عملية عند الحركة الماركسية-اللينينية، مسألة مناطق الصدام لدى منظمة "إلى الأمام" وموقعها من مسألة الحزب، مسألة الجبهة وعلاقتها بالحزب، علاقة الحزب بالنضال الديمقراطي ومسألة العنف...الخ كما أننا نعتبر النص حتى لو عالج هذه القضايا، لا يمكن أن يشكل تقييما إلا من خلال استيعاب الشروط الطبقية التي أنتجت كافة التصورات، وهذا شيء لا يمكن أن تعوضه بعض "الفلاشات" الواردة هنا.
2. إن أهمية هذا النص تكمن في محاولته نقد بعض التصورات الأساسية في أطروحات الحركة الماركسية-اللينينية، ذلك باعتبار أنه إذا كان الوعي بفشل الممارسة السياسية للحركة الماركسية-اللينينية اليوم حاصلا بالنسبة لأغلب اتجاهاتها، إلا أن عملية نقد الفكر السياسي الذي برر هذه الممارسة لازالت متخلفة ولازالت الأطروحات الأساسية للحركة الماركسية-اللينينية تشكل قاسما مشتركا لمجموع اتجاهاتها القديمة والجديدة.
3. إن الحكم التاريخي على تجربة الحركة الماركسية-اللينينية يستلزم وضوحا نظريا بالنسبة للثوريين حول المهمات الراهنة الشيء الذي يغيب في هذا النص نظرا لما يتطلبه هذا من انطلاقة ممارسة ثورية نقيضة في ساحة الصراع الطبقي وهو شيء يجب تسجيل غيابه لحد الآن وبشكل حاد.
وفي الأخير إن هذا النص وجهة نظر متواضعة تبحث عن الحقيقة الثورية، وهي موضوعة أساسا للنقد والصراع.

انتهى في 12/12/1979
هاني أبو رشاد


http://voieliberte.olympe-network.com/




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,883,703,372
- محاكمة مجموعة زهور بودكور - محاكمة داخل محاكمة -
- “حرب على القصور، سلام في الأكواخ” (ضد دغمائية العمل الغير ال ...
- المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الصيني
- حوار مع المعتقل السياسي الرفيق توفيق الشويني
- تقرير عن أوضاع المعتقلين السياسيين بسجن بولمهارز -مجموعة زهو ...
- حوار مع المعتقل السياسي توفيق الشويني
- اللينينية و التحريفية المعاصرة
- الماوية سلاحنا في القتال 3- الثورة الثقافية الكبرى: ثورة داخ ...
- حول الجريدة المركزية - تراث الحركة الماركسية اللينينية المغر ...
- الماوية سلاحنا في القتال 2: أسس الماوية
- خط بناء أدوات الثورة الثلاث - الحزب الشيوعي للبيرو
- الماوية سلاحنا في القتال 1 -المراحل الكبرى للثورة الصينية:
- بصدد الماركسية –اللينينية- الماوية (الحزب الشيوعي للبيرو)
- الصراع الأيديولوجي و مسألة وحدة الحركة الشيوعية


المزيد.....




- العراق يسارع لجرد حاويات كيميائية -خطرة- متكدسة داخل منافذه ...
- الكاظمي يلتقي الخريجين من المتظاهرين ويعد بتلبية مطالبهم
- الثورة الدائمة: الفصل التاسع
- أسرة الزعيم المصري جمال عبد الناصر تتقدم بالتعازي والمواساة ...
- اعتقال القيادي اليساري السيناوي أشرف أيوب وابنه شريف فجر أمس ...
- بيـــروت تحتـــرق
- رائد فهمي يعبرّ عن تضامن الشيوعيين العراقيين مع الشعب اللبنا ...
- شبح الحزب الشيوعي يثير الرعب لدى عبد الحسين شعبان
- فيديو حول السياسة التعليمية في المغرب:الرفيق براهمة مصطفى
- الكاظمي للمتظاهرين: كل ما طرحتموه من مطالب هو حق مشروع ودستو ...


المزيد.....

- نبدأ من الأسس في أي تنمية مستقبلية..... الجزء الأول / محمد الحنفي
- الرغبة القومية والمطلب الأوليكارشي-الجزء الرابع / نجم الدين فارس
- برنامج طوارئ ضد وباء “كورونا” والأزمة الاقتصادية / الرابطة الأممية للعمال
- فريدريك انجلز والمسائل المُعاصرة المتعلقة بتاريخ المجتمع الب ... / مالك ابوعليا
- الحزب الشيوعي السوداني (1946 – 1971) / محمد سيد رصاص
- الأمل في الحزب الثوري، أمل في حياة مستقبلية كريمة..... / محمد الحنفي
- بمناسبة الذكرى ال 150 لميلاده / لينين منظر الثورة ومنفذها * / رشيد غويلب
- ماركس، العبودية السوداء والعنصرية / هشام روحانا
- دراسات اجتماعية-اقتصادية معاصرة / هاشم نعمة
- إضطهاد السود فى الولايات المتّحدة الأمريكيّة و الثورة الشيوع ... / شادي الشماوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - طريق الثورة - نقد تمهيدي لأطروحة الحزب لدى الحركة الماركسية-اللينينية المغربية