أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - طريق الثورة - “حرب على القصور، سلام في الأكواخ” (ضد دغمائية العمل الغير العنيف)















المزيد.....



“حرب على القصور، سلام في الأكواخ” (ضد دغمائية العمل الغير العنيف)


طريق الثورة

الحوار المتمدن-العدد: 2709 - 2009 / 7 / 16 - 08:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لقد حلت عقيدة جامدة جديدة أخرى في تجمع الأفكار السحرية: إنه العمل الغير العنيف (أي العمل السلمي). لا نقول أنها عقيدة جامدة بسخرية. إن عدم العنف في الحركة الاجتماعية (العصيان المدني عن طريق عمليات غير عنيفة) وامتدادها إلى ميدان الدفاع الوطني (...) هي محاولة لبناء نظام انطلاقا من بعض المفاهيم الخيالية ومثالية عن السياسة والسلطة والدولة خصوصا تجاه الواقع عبر خطاب تقني حول وسائل النضال والتعبئة. يتم التغطية على هذه المفاهيم بخطاب تقني يهدف إلى حمايتها. هكذا يتم القبول بها بشكل أعمى وبدون التحقق منها.

الواقع ضد المصطنع

من المهم أن نناقش مسألة إقصاء العنف الطبقي العفوي والعنف الثوري الذي تمارسه بعض التيارات البرجوازية الصغيرة الحالية، وأن نرفض خلفيات هذه السلمية. بالنسبة لنا هذا الإقصاء هو رفض واعٍ للمضي نحو الثورة. إنه أحد رموز الإصلاحية المحدودة بأفق الرأسمالية. يتعلق الأمر في هذا النقاش قبل كل شيء بأن ننطلق من الواقع ضد المصطنع، أي نتبنى الموقف المادي حول مسألة العنف. لقد كتب لينين في حرب الأنصار كيف يمكن الوصول إلى تحديد موقف ثوري حول مسألة أشكال النضال. كان يؤكد إذن أن الماركسية “... تقبل أساليب النضال الأكثر تنوعا؛ لكنها لا تخترعها؛ إنها تكتفي بتعميم، وتنظيم وبث الوعي في أساليب نضال الطبقات الثورية التي تبرز بشكل عفوي في مجرى الحركة بالذات. إنها معادية بشكل مطلق لكل الصيغ المجردة، لكل الوصفات المذهبية، تريد الماركسية أن نعتبر بشكل متأنٍ النضال الجماهيري الذي، كلما تطورت الحركة، وتقدم الوعي الجماهيري، وزيادة الأزمات الاقتصادية والسياسية، تولد بدون توقف طرق جديدة، أكثر تنوعا، للدفاع والهجوم. [...] لا نريد في أي حالة الاكتفاء بأشكال النضال الممكنة والموجودة في حركة معينة. تتعلم الماركسية في هذا المستوى، إذا جاز القول، من المدرسة العملية للجماهير؛ إنها بعيدة عن الادعاء إعطاء الدروس للجماهير باقتراحها لأشكال نضال متخيلة من طرف”صانعي المنظومات“في مكاتب اشتغالهم.” يجب أن نركز على المظاهر التالية: أ) تعمم الرأسمالية أساليب النضال العفوي للطبقات الثورية؛ ب) على هذا المستوى، إنها تتعلم من المدرسة العملية للجماهير؛ ج) إنها لا تتسرع في إعطاء الدروس للجماهير؛ د) لا تخترع أو تصنع منظومة. هذا الوصف الذي يقوم به لينين هو الممارسة المنظمة للثورة عكس الممارسة التصفوية للثورة. حتى في شروط ملموسة وجد مختلفة، تتخلى الأحزاب والمنظمات التحريفية بشكل مستمر عن هذه الممارسة المنظمة (بضم الميم) للثورة. إنهم يتوقفون عن خدمة الشعب. لا يقومون بتعميم الطبقات الثورية. لم يعودوا يتعلمون من المدرسة العملية للجماهير. على العكس، يلقنون الدروس للجماهير ويصنعون “منطومات” استبدال –على الخصوص الطريق السلمي والانتخابية– كوحدة اليسار في فرنسا أو التوافق التاريخي في إيطاليا. لقد بين الحزب الشيوعي الفرنسي في ماي ويونيو 1968 أنه كان بالفعل النموذج القديم للحزب الذي لا يتعلم من المدرسة العملية للجماهير ويفضل على العكس إعطاء الدروس للجماهير. تقودنا هذه الممارسة المنظمة (بضم الميم) التي عرضها لينين إلى طرح التساؤل التالي: انطلاقا من أي جسر مراقبة مباشر أو عبر أي عدسات معدلة أو نظارات مشوهة، وصل أنصار عدم العنف الحاليين إلى رفض العنف العفوي الحاضر في نضال الطبقات والبلدان المضطهدة؟ وخاصة أن المظهر المهيمن في الكفاح الثوري المرافق للمواجهة بين الطبقات الاجتماعية المتناحرة (بين البروليتاريا والبرجوازية) تبقى العلاقة الأساسية التي تهيمن على الحياة الاجتماعية والسياسية. من بين طبقتين متناحرتين، لا يمكن تحرير طبقة دون تحطيم هيمنة الأخرى. والحال أن العنف موجود بشكل مستقل عن الأحاسيس التي تتحرك أو تنهض عند كل شخص، كلما يتعلق الأمر بتحطيم هيمن طبقة معينة، بالتالي الحد من حرياتها ومواجهة حقها وتحطيم مؤسساتها. الحقيقة، كرهناها أم أحببناها، هي أن العنف هو المظهر المهيمن للنضال الاجتماعي في المجتمعات الطبقية، وأن هذه الطبيعة المهيمنة تزداد حدةً كلما تقدمت السيرورة الثورية في التوسع.


لا يجب المضاربة على ما يجب أن يكون عمل الجماهير


بتواجدهم إلى جانب حركة الجماهير، يريد الشيوعيون قيادتها إلى الثورة وقلب الدولة البرجوازية منظمة الرأسمالية. إنهم يعملون جاهدين على توضيح وتوسيع وتعميم الشحنة الإيجابية التي يحتوي عليها العنف الثوري. على العكس، تأخذ التيارات المثالية الاتجاه المعاكس لحركة الجماهير، بل تصبح عثرة في وجهها، إنهم يفضلون المضاربة على ما يجب أن تكون الحركة. تبحث هذه التيارات عن شكل مثالي. العصيان المدني الغير عنيف هو أحد أشكال هذه المضاربة. إنها لا تقبل العنف العفوي للجماهير البروليتارية وتناهضه في الممارسة، الشيء الذي يضعف نضال المضطهدين. يعمل الشيوعيون عكس ذلك تماما. يستند الشيوعيون على النضالات وأشكال النضال الأكثر تقدما في كفاح الطبقة، لكن بدون الاكتفاء بالطبيعة العفوية للعنف الطبقي. ينحو نشاط الشيوعيين في الواقع إلى تعميم العنف الثوري، وتوسيعه وإعطائه هدفا سياسيا موحدا على المدى المنظور، أي الثورة البروليتارية الشيوعية. يعمل الشيوعية بالطريقة التي لا تحد أبدا من الكراهية الطبقية داخل الجماهير ضد المضاربين من كل نوع الذين يرسمون سيناريوهات للحركة الاجتماعية على ذوقهم، سيناريوهات مبهرجة، لكنها مقبولة، سيناريوهات ضجيج، لكنها وديعة، نظيفة وسلمية. إن الكراهية الطبقية موجه vecteur قوي للنضال. إنها تلتقط draine الطاقات المهمة في كل ثورة. لكن المضاربين السلميين، برفضهم بشكل مستمر لكل أشكال العنف، حتى تلك الأشكال التي يقوم بها المضطهدون (بفتح الهاء)، إنهم يخفضون حدة الكراهية الطبقية ويحرمونها من حزمها. يمكن أن يصل ذلك حد ممارسة الرقابة على الكلمة البروليتارية. هكذا مأخراً ففي إطار الحملة السلمية المسماة الخطة “جي” le plan « G »، يؤكد نص للمنظمين أن المشاركين في هذه العملية “...يلتزمون بعدم استعمال بأي طريقة كانت [هكذا!] حركات عنيفة أو كلمات تحرض على العنف” (بيان 15 غشت 1997). هل يمكن أن نعتقد أن بالنسبة لمنظمين الخطة “جي” الكلمة المكتوبة تعادل الكلمة المسموعة، وبالتالي فإن المنشورات أو الجرائد الثورية، الاشتراكية أو الشيوعية أو حتى المناهضة للامبريالية هي تحريض على العنف ولا تتلائم مع العصيان المدني؟ في الواقع، وبفرضية أن العملية السلمية سيكون لها كهدف واقع أو وضع مأساوي لظلم متطرف، يريد منطق المضاربين أن يُحجب الخطاب، أن نحد من تعرية الواقع بأقل قدر، أن لا نحدد المذنب، المسؤول أو العدو في آخر المطاف، أن نفصل العملية على الهدف. التركيز بشكل كبير على الهدف في أي نضال، الكشف عن الحقيقة وإلقاء الضوء عليها هو بالضرورة تحريض على العنف. في تقديرهم للعنف –وكل أشكال العنف– لا يفصل الماركسيون العملية عن الهدف، ولا عن الشكل الذي تتخذه هذه العملية ومضمونها، يمكن تقديرهما فقط في وحدتهما. لنتذكر على سبيل المثال أن انجلز، في الساعات الأولى لما سيصبح منذ ذاك المسيرة الطويلة نحو الشيوعية، عندما كان الشاب الثوري الألماني الغارق في جحيم الصناعة البريطانية، كان يتكلم عن حتمية الحرب القادمة بين الأغنياء والفقراء. لقد اختتم كتابه “وضعية الطبقة العاملة في انجلترا” (1845): “إن حرب الفقراء ضد الأغنياء التي تجري بطريقة متفرقة وغير مباشرة، ستُخاض بشكل عام وشامل ومباشر في كل انجلترا. لقد فات الأوان لأجل حل سلمي. تتعمق الهوة التي تفصل الطبقات يوما بعد آخر، ينفذ روح المقاومة داخل العمال أكثر، يصبح السخط أكثر حدةً؛ تتركز مناوشات العصابات المعزولة لتصبح معارك ومظاهرات أكثر أهمية، قريبا سيكفي تصادم صغير ليسبب الانهيار. إذن في الحقيقة سيتردد صدى صرخة في البلاد كلها:”حرب على القصور، سلام في الأكواخ!“، لكن سيكون قد فات الأوان، ليأخذ الأغنياء حذرهم.” لم يقم انجلز بالمضاربة رغم أن توقعاته لم تتحقق. لقد كان محققاً فطنا في قلب الوحش، وقد استنتج بدون صعوبة أن العنف الفظ الذي ينشره كل التنظيم الرأسمالي يؤسس للنضال العنيف للبروليتاريا. في مقال آخر، يصف انجلز أشكال هذا النضال: معارك لا تنتهي ضد أرباب العمل، إضرابات بمسيرات عنيفة، الانتفاضات المدمرة، حرائق، اعتداءات مسلحة وجرائم، اعتداءات متفرقة ضد شخص رب العمل وممتلكاته، تمردات، وانتفاضات 1839 و1842 الخ. (انظر مقال “الكراهية الطبقية”، الجريدة الرينانية الجديدة، 31 يوليو 1848). كان غالبية الليبراليين محطمين بالعنف الجاري في العلاقات الاجتماعية. كان الكثير منهم يبحثون عن السياسة والوسيلة والخطاب الذي يضع القليل من الحضارة في كل ذلك. بينما اكتسب انجلز القناعة أن سيلاً جارفا آتٍ، ثورة “...التي لا يمكن مقارنتها مع أيٍ من سابقاتها.” بل لقد كتب: “ستكون هذه الحرب، حرب الفقراء ضد الأغنياء، الأكثر دموية التي لم يسبق لها أن كانت.” ما يهم هنا ليس معرفة لماذا لم تتحقق هذه الثورة في انجلترا كما كان يتوقع انجلز، ولا ما سيقع لهذه الثورة وحدتها. ما يهم هو الموقف الثوري الذي يرفض الذهاب عكس اتجاه العنف العمالي الذي يظهر في نظام الاضطهاد. كونه مادي، يعترف أولا بمقدمات هذه الثورة، وسينهمك 50 عاما على وضع النظرية والتنظيم والحزب، الذي يرى في الثورة “قابلة المجتمع القديم الذي يحمل في أحشائها مجتمعا جديداً”. يمكن أن نخرج بنفس الدروس من التمرد الفلاحي في روسيا بداية ربيع 1917. سيقوم الفلاحين الفقراء والجنود الفارين بأكبر ثورة فلاحية عرفها البلد. استحوذ الفلاحون بالقوة على أراضي الإقطاعيين. ألف استحواذ في شهر سبتمبر. “في سبتمبر وأكتوبر، تمت سرقة وحرق حوالي ألف منزل إقطاعي، خصوصا في مقاطعتي تومبوف وبنزا (حرق 250 قصرا على 1200 المتواجدة)...”. (ن. ويرت، 1917، روسيا في ثورة). لقد أخذ حزب الفلاحين، الاشتراكيين-الثوريين، الذين يشاركون في الحكومة المؤقتة مسافة من هذا التمرد. يعتبر الاشتراكيين-الثوريون أن تقسيم الأراضي يجب أن يكون في الشرعية والعمل أولا من الهيئات أي الجمعية التأسيسية (أي الدولة). في الواقع، تخاف كل القوى السياسية ذات الأفق المحدود في الديمقراطية البرجوازية، العنف وتريد تلجيم التقسيم الوحشي للأراضي، الخطوة الأولى نحو الثورة الشعبية. في تلك اللحظة “تتحول المسألة الفلاحية إلى الحرب الأهلية” (لينين، الفلاحين، تايلور) كما كتب روبيرت لينهارت. على العكس سيدعو لينين البلاشفة إلى الاصطفاف إلى جانب التمرد الفلاحي. Aiguiseur للوعي الثوري، سيقنع لينين من حوله أن موقف المضاربين يختفي أمام العنف العفوي للجماهير. لقد دحرتهم حركة الجماهير نفسها. إذن لم يعد من الممكن إلا الدعم أو الخيانة. في “الأزمة ناضجة” (7 أكتوبر 1917)، يكتب لينين إذن: “في هذا البلد الفلاحي، في ظل الحكومة الجمهورية الثورية التي تتمتع بدعم الحزبين الاشتراكيين-الثوريين والمناشفة، الذين كانوا يسيطرون البارحة فقط داخل الديمقراطية البرجوازية الصغيرة، يكبر تمرد فلاحي. لا يمكن تصديق ذلك، لكنه واقع.” الواقع الأساسي الآخر هو أن الحكومة المؤقتة تتأهب لمعارضة العنف الثوري للفلاحين بعنف الثورة المضادة. عدم دعم وتعميم وتوسيع الانتفاضة هو خيانة. “سيكون البلاشفة خونة، لأن التسامح مع حكومة [...] تسحق الثورة الفلاحية، هو خسارة كل الثورة، خسارة للأبد وبدون رجعة. يصرخ العديد على فوضى والحيادية المتنامية للجماهير: كيف للجماهير أن لا تكون حيادية في العلاقة مع الانتخابات، عندما لا يبقى للفلاحين إلا التمرد، وعندما تساند الديمقراطية الثورية المزعومة بصبر على أن يتم سحق هذا التمرد بالسلاح.” يمكن أن يكون الدرس الأكثر قوة هو درس ماو. في “تقرير عن تحقيقات في حركة الفلاحين في خونان” (1927)، يستنتج ماو التقدم الضخم لحركة الفلاحين المطبوع بتطور اتحادات الفلاحين وقلب القوى الإقطاعية. على مستوى لم يسبق له مثيل، يخوض الفلاحون الفقراء هجوما ضد الشرذمة الرجعية للوجهاء المحليين والملاكين العقاريين. بالنسبة لماو إنها ثورة تبدأ في تحطيم الأشكال القديمة آلاف السنين لاضطهاد الفلاحين. لكن ما يراه ويسمعه عند الطبقات المتوسطة في الكيومينتانغ وحتى لدى الثوريين، هو نفس الإدانة لتجاوزات الفلاحين. ما كان يسمعه هو فظيع جداً ما يحدث في الأرياف! يقول ماو أن هذه التجاوزات هي ضرورية للثورة. “فظيع جداً”! للرجعيين. في الحقيقة، “شيء رائع جداً”! يقول ماو “فإن الألوف المؤلفة من العبيد، أعني الفلاحين، يجندلون هناك الأعداء الذين يأكلون لحومهم. و ما يفعله الفلاحون هو شيء صحيح تمام الصحة، هو شيء رائع جدا! و تعبير”شيء رائع جدا“هو نظرية الفلاحين و سائر الثوريين.” يدافع ماو بشكل واضح على ضرورة أن يكون الثوريون إلى جانب الجماهير المضطهدة، ليس تقريبا، ولا النصف، بل بشكل كامل. إنه يدين أولئك الذين يمرون بشكل عابر على مسرح العمليات من فوق، الذين يطرحون شروطاً قبل الدخول إلى الماء، وخصوصا الشرط التالي: أن لا يكون ذلك عنيفا بشكل مبالغ فيه. لن يكون العنف الثوري هو هو حسب أن نفصل أو لا نفصل العمل عن الهدف. لا ننظر بنفس الطريقة حسب الاهتمام بوحدة العمل والهدف –العنف الثوري للفلاحين/العنف الرجعي للإقطاعية والاستبداد– أو حسب نمر عابرين (كمضاربين) على العمل المفصول عن الهدف. في الحالة الأولى نتقدم إلى نظرية الثورة. في الحالة الثانية، نعيد إنتاج الفراغ المضارباتي للمثالية. وحتى لا نخلط بين الواحد والآخر، جعل ماو من الصورة حقيقة: “إن الثورة ليست مأدبة و لا كتابة مقال و لا رسم صورة و لا تطريز ثوب، فلا يمكن أن تكون بمثل تلك اللباقة و الوداعة و الرقة، أو ذلك الهدوء و اللطف و الأدب و التسامح و ضبط النفس. إن الثورة انتفاضة و عمل عنف تلجأ إليه إحدى الطبقات للإطاحة بطبقة أخرى.”


التصور السياسي أو الشكل التقني للنضال


سيكون من الجميل الغرق في قراءة كتيبات “كيف نقاوم”، “كيف نتحرك”، “كيف تعصي” بدون تصور سياسي صحيح، سيكون العمل محكوما عليه بالفشل. السلمية هو بالضبط تصور سياسي خاطئ يستفيد من واقع أنه يختبئ وراء خطاب تقني حول العمل بشكل أساسي. تتوجه النظريات السلمية الحالية إلى مناضلين ومناضلات منخرطين في مختلف الحركات، والتي بالنسبة للكثيرين منهم يحسون بالحاجة الملحة للتحرك لأنهم متوجهين للعمل ضد الظلم. لكن وبما أن هذه النظريات تستند إلى تصور مثالي للسلطة والدولة، وتفصل الحركة عن الهدف بدل تصورهما في وحدتها، تتحرك في الحركة الاجتماعية ككُلاب ميتافيزيقي يستخلص بعض القوى من النضال الواقعي، وتربيهم في نظرة مفصولة عن الواقع وتقودهم إلى تبديل النضال الاجتماعي الحازم بنضال مثالي، يتشكل من ضربات مسرحية وحلقات في الغالب بدون غد، حلقات لا تملك في الغالب المغزى التاريخي الذي يدعيه المنادين بها

بالنسبة للمناضلين المنحازين لعدم العنف، ليس هناك اتصال حقيقي continuum، لا في هدف النضال، ولا في النضال نفسه. على سبيل المثال، الاستعمار؛ أيضا هيمنة الأوطان الأولى في أمريكا؛ نفس الشيء بالنسبة للفاشية؛ أيضا الصراع بروليتاريا/برجوازية؛ الخ. هذه الوقائع هي كسلسلة واسعة مكونة من حلقات عديدة. وجهة نظرنا هي أن العنف هو الطبيعة المهيمنة لهذه السلسلات التاريخية الطويلة. لكن بالنسبة للسلميين، تقريبا لم تعد توجد هذه السلسلة، إنها تختفي. لا توجد إلا حلقات مفصولة بدون رابط حقيقي يربط بينها. تبعا لذلك، لا يدخل العمل السلمي في تطور تاريخي يفسر هذا العنف. العمل السلمي هو بالأساس فرصة، إنه لحظة. لا يمكن أن يكون له كهدف حل المشكل الاجتماعي بما أن المجتمع الطبقي في هذه الحالة هو سلسلة واسعة من الحلقات تنبني على العنف والتي لا يمكن القضاء عليها إلا بالعنف. بهذا المعنى، من الخطأ التكلم عن ثورة سلمية. أنصار عدم العنف هم في الوقت أنصار اللاثورة. الأمريكي جين شارب Gene Sharp هو أحد أعلام الرئيسية للعمل السلمي. لقد كسب جمهورا واسعاً من الجمهورية الصغيرة المناضلة، الجامعية والجمعوية من خلال العديد من الكتب والمقالات. يدافع عن فكرة أن الحاكمين مرتبطين بالمحكومين. بالنسبة لشارب، يوجد حل كل مسألة بالضرورة في العمل السلمي الذي يكمن في “عزل المستبد”، ذلك الفعل الذي يكشف، عندما يكون مُسيطرا عليه، التبعية القصوى التي توجد فيها حكومة لا شعبية أو غير شرعية. شارب هو مكمل لا بويتي La Boétie عندما كان يؤكد: “لا نعطي شيئا للمستبدين، لا نخضع لأوامرهم قط، بدون قتال، بدون ضربات، سيجدون نفسهم عارين ومهزومين، غير قادرين على المضي أبعد من ذلك.” هذا التصور لطبيعة الحكومات والسلطة والدولة هو تصور كلاسيكي لليبرالية السياسية. يتمتع الشعب بالسيادة ويمنح للدولة أهم سلطاته. الشعب هو مصدر سلطات الدولة. في حالة فك العقد أو الغضب أو فعل غير شرعي يجب أن يؤكد الشعب على سيادته ويعيد سلطاته، يجب أن ينضب المنبع حتى يعطش المستبد (عزل الحكومات). هل نحن خاطئون عندما نقول أن هذا التصور يحافظ ويغذي أسطورة الدولة الشعبية: الدولة، دولتنا! كتاب جين شارب "الحرب الحضارية، الدفاع بعمليات حضرية هو جرد لعمليات العصيان المدني يستعيرها من مختلف البلدان ومختلف الحقب. لكنه جرد بلا رابط وغير مقنع تماما. ككتاب آخرين الذين يريدون البقاء بعيدا عن المنهج الماركسي، لقد أصبح جين شارب خبيراً في فن تقسيم التاريخ والسياسة. لا يقدم لنا إلا قطعاً وبعض الأحيان قطعاً صغيرة جداً: قطعة من المقاومة النرويجية ضد كيسلينغ Quisling؛ قطعة للحملات البوذية جنوب الفييتنام؛ قطعة لحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. قطعة من الكل، ولكنه لا يقدم أبداً الرغيف كاملاً! حلقة أو حلقتين من حرب الفييتنام، لكن أبدا لم يقدم كل حرب الفييتنام، الواقعية كثيراً، والعنيفة جداً. حلقة أو حلقتين من مقاومة النازية، لكن أبدا لم يقدم كل المقاومة، الواقعية كثيراً، والعنيفة جداً. إضراب أو ممكن إضرابين، لكن أبداً كل الإضرابات، الواقعية كثيراً، والعنيفة جداً. يقارب هذا الدفاع عن العصيان المدني المستوى الصفر من التحليل. يطرح التساؤل كيف لمناضلي القاعدة ينضمون حاليا لهذه المواقف. إنه دفاع لا علاقة له بالسياسة يهرب من أي شكل للحصيلة (تركيب إجمالي، وأي تحليل تناقضات النظام، لفترة أو لوضع. إنه تلبيق (بالمغربية)... ويبقى تلبيقا. لا يمكن الخروج بأية خلاصة: من القرن العشرين مثلا، من الفاشية، من السنوات الساخنة (60-75) أو من الفترة الحالية.

رغم هذا المظهر المغري، لا تستحق أطروحات شارب أية التزام. إنها ليست بأطروحات ثورية، بل أطروحات تشرعن الديمقراطية الليبرالية:

* إنها تخفي أسباب وميكانيزمات الاستغلال والقمع، هكذا تحول دون أن تستهدفها الحركة الاجتماعية؛
* إنها تربي عبادة للشكل التقني والحركة المعزولة على حساب المضمون؛
* إنها تعزو التأثير الكبير للعصيان المدني إلى الهيئات الكبيرة، إلى المنظمات المحيطة بالدولة. سيكون الفاعلون الذين يمكنهم عزل المستبد هم التجمعات المهنية الكبيرة، والإعلام، والنقابات الكبيرة، البلديات، والحكومات المعزولة والتي لازالت لها إمكانيات الدخول إلى أجهزة الاتصال، شبكات المثقفين، الخ. من جانب الجماهير الغير مرتبطة بالدولة، البروليتاريا في القاعدة والطبقة العاملة التي تعول على قواها الذاتية والتي لا ترتبط معركتها بجهاز كبير أو بهيئة كبيرة (وهو الحال بالنسبة للنضالات البروليتارية حاليا في البلدان الامبريالية) لا تعتبر كقوة رئيسية للعصيان المدني المنظم. كتب شارب أنه من “الأساسي أن يأتي عدم التنسيق والعصيان من المنظمات والهيئات، وليس من الأفراد المعزولين. القدرة التي ستكون لهذه الهيئات المكونة لقطع منابع السلطة تصبح إذن المسألة الرئيسية clef de voûte في المقاومة.”

من الجلي بالنسبة لنا أن هذه المضاربة حول عدم مشاركة الهيئات كمسألة رئيسية في المقاومة هي غريبة عن الأشكال الحقيقية للنضال البروليتاري.


الدفاع عن الأفكار التي تعيد تنظيم الحركة الاجتماعية


خلال أزمة أوكا Oka سنة 1990 حينما هاجم موهاوك الكانيساتاك والكانويك بشكل بطولي القوى السياسية الرجعية وهيئات قمع الدولة، وضعت “الحيادية” المخزية العديد من المناضلين السلميين الذين كانوا يضعون على نفس المستوى عنف الحكومة (وداعميها الحاقدين) وعنف الموهاوك (متاريس، مواجهات مسلحة، محاربين منظمين في شبه ميليشيات) حركة التضامن في وضع محرج. رغم أن ذلك على مستوى ضيق، من الجلي في تلك اللحظة بالنسبة للكثير أن التصورات السلمية كانت مواقف انسحابية بالنسبة لتحديات اللحظة. اليوم أيضا وأمام حرب الأغنياء ضد الفقراء الضارية في كندا وفي كل مكان، لا يُعد المضاربون السلميون الحركة التي نحتاجها، الحركة الضرورية لحرب الفقراء الضرورية ضد الأغنياء. يتقدم منظمو ومنظمات الخطة “جي” أو حملات أخرى مشابهة خطوة جيدة إلى الأمام عندما يقولون إنهم ينطلقون من أرضية غير شرعية باقتراح العصيان المدني. نحن نعترف بذلك بما أننا لا نرفض العصيان المدني عكس التيارات السلمية التي ترفض جميع أشكال العنف. على العكس إنهم يتراجعون بشكل كبير إلى الوراء باصطناع تحدٍ غير عنيف للسلطات، ببساطة تحدٍ لا يوجد. يوضح منظمو الخطة “جي” في وثائقهم كيف يرون هذا التحدي: “بتجاهلهم لهذا التحدي المفتوح للعصيان المدني، تترك السلطات للحركة فضاءات جديدة للمقاومة. باختيارهم للقمع، يطلقون للحركة تعاطفاً تستفيد منه المقاومة.” إنه مأزق dilemme جميل [وقعت فيه السلطات]... على الورق فقط! في الممارسة، لقد قامت السلطات بما أرادت القيام به. لقد تجاهلت بالكامل التحدي المزعوم، لم يقمعوا العرقلة الحكيمة والسلمية للمركب “جي” في الكيبيك، بل ولم يفتحوا فضاءات جديدة للمقاومة. في الحقيقة لقد ضاربوا بكل بساطة أفضل مما فعل المضاربون! كان ذلك سهلاً. على العكس لا يمكن للدولة ولن تسمح بنفس الحرية حركة العنف للجماهير، وبقوة أكبر في مواجهة العنف الثوري. “للسلطات” كما يُقال تحدي حقيقي أمامها. يوجد في إعادة التنظيم الحالي للنضال البروليتاري، في العمل الثوري الذي يصبح شيئاً فشيئاً، بعد فترة من الكسوف، مهمة محمسة، هدفاً للمناضلين والمناضلات. ذلك بعيد كل البعد عن المضاربة.


سيكون القرن الواحد والعشرين قرن الانتفاضات!


أعطى الحلف الأطلسي مؤخراً في بريطانيا عددا من التوقعات عند الخروج من اجتماع استراتيجي. سيكون القرن الواحد “قرن الثورات”. “إنه ليس المستقبل الذي نتنبأه [بل] لقد بدأ قرن الثورات.” “ستكون الثلاثين سنة من القرن العشرين فترة التمردات الثورية.” للدخول إلى هذه الفترة بروح مكافحة، بحزم وبثقة، يجب رفع أفكار حقيقية تعيد تنظيم النضال البروليتاري. يجب أن نتجرأ على النضال! لكن من أجل التجرؤ على النضال، يجب التجرؤ الذهاب ضد التيار! يجب أن ننشر تربية طبقية حقيقية لم يسبق لها مثيل. يجب كنس كل الأكاذيب التي تحطم البروليتاريا، والتي تجعل الفقراء والعمال حزينين. نحن نساند بجدارة عمليات العصيان المدني التي تهاجم معسكر العدو ولكن يجب أن نكون واضحين، لا يُعتبر عدم العنف جزءاً من الأفكار التي تحتاجها الطبقة العاملة. إنها فكرة مضرة تشجع الضبابية وتساعد العدو. إنها فكرة يجب إبعادها طالما لم يزل أولا عنف البرجوازية، عنف الطبقات المستغلة (بكسر الغين). للفصل بشكل واضح ما أمكن الكفاح بالطريق الثوري من رموز السياسة البرجوازية العديدة، بدءاً بالتــحريفية الفاسدة حتى النخاع، يجب أن ننشر التربية والدعاية حول هذه المسألة المركزية للعنف الثوري. لقد قال لينين حقاً بالتأكيد: “ضرورة تعليم هذه الفكرة، وبالضبط الثورة العنيفة، هو قاعدة كل مذهب ماركس وانجلز.” هذه هي الفكر الحقيقية [التي تعيد تنظيم النضال البروليتاري]. لسنوات وعقود، نشرت التحريفية أقبح البشائع. لقد بثت أبشع الأفكار المذهلة كقرار التحريفيين البلجيكيين الذي يقول أن هدف الشيوعيين هو “تصفية طلاق البرلمان والجماهير الكادحة”. كتلك الفكرة الأخرى المنافية للماركسية للقيادات البوليسية في الحزب التحريفي الإيطالي: “الهدف الذي يجب أن نتبع بحزم وبدأب هو العزل السياسي والثقافي والأخلاقي والمعنوي للتخريب والعنف وعمليات الكومندو ونقد السلاح.” لقد دعى ماركس إلى نقد الأسلحة وخلال 150 سنة احتفل به كأول الثوريين. يريد البوليس التحريفي عزل وإسكات نقد الأسلحة. سنحارب هذه الأفكار حتى تصفيتها! سنعارضها اليوم وغداً بتلك الرسالة الملموسة لماو: يجب على كل شيوعي أن يفهم الحقيقة التالية: السلطة تنبع من فوهة البندقية!

الاشتراكية الآن! عدد 4، ربيع 1998.





لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,887,254,926
- المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الصيني
- حوار مع المعتقل السياسي الرفيق توفيق الشويني
- تقرير عن أوضاع المعتقلين السياسيين بسجن بولمهارز -مجموعة زهو ...
- حوار مع المعتقل السياسي توفيق الشويني
- اللينينية و التحريفية المعاصرة
- الماوية سلاحنا في القتال 3- الثورة الثقافية الكبرى: ثورة داخ ...
- حول الجريدة المركزية - تراث الحركة الماركسية اللينينية المغر ...
- الماوية سلاحنا في القتال 2: أسس الماوية
- خط بناء أدوات الثورة الثلاث - الحزب الشيوعي للبيرو
- الماوية سلاحنا في القتال 1 -المراحل الكبرى للثورة الصينية:
- بصدد الماركسية –اللينينية- الماوية (الحزب الشيوعي للبيرو)
- الصراع الأيديولوجي و مسألة وحدة الحركة الشيوعية


المزيد.....




- تغير مفاجئ في درجات الحرارة يهدد بكارثة في إيطاليا
- صور مؤثرة تكشف كيف تمس الأمراض العديد من جوانب الحياة
- سرير ذكي يجعل الطفل يعود إلى النوم خلال الليل دون استيقاظ وا ...
- هل يقلب انفجار بيروت الموازين السياسية في لبنان؟
- حمد بن جاسم يدعو السعودية لإغلاق ملفي الجبري وخاشقجي.. والتو ...
- الولايات المتحدة تحاول تمديد الحظر على إيران
- المدفعية الإسرائيلية تقصف مواقع في قطاع غزة
- شاهد.. جلسة تصوير حفل زفاف تتحول إلى كابوس جراء انفجار مرفأ ...
- أفغانستان: الجمعية الكبرى توافق على الإفراج عن 400 سجين طالب ...
- مصدر أمني عن خبراء فرنسيين: الانفجار في مرفأ بيروت أحدث حفرة ...


المزيد.....

- نشوء الاقطاع ونضال الفلاحين في العراق* / سهيل الزهاوي
- الكتاب الثاني من العقد الاجتماعي ، جون جاك روسو / زهير الخويلدي
- الصين: الاشتراكيّة والاستعمار [2] / عامر محسن
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (1-2) / غياث المرزوق
- الصين-الاشتراكيّة والاستعمار / عامر محسن
- الأيام الحاسمة التي سبقت ورافقت ثورة 14 تموز 1958* / ثابت حبيب العاني
- المؤلف السوفياتي الجامع للإقتصاد السياسي، الجزء الرابع (الاش ... / الصوت الشيوعي
- الخلاف الداخلي في هيئة الحشد الشعبي / هشام الهاشمي
- نحو فهم مادي للعِرق في أميركا / مسعد عربيد
- قراءة في القرآن الكريم / نزار يوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - طريق الثورة - “حرب على القصور، سلام في الأكواخ” (ضد دغمائية العمل الغير العنيف)