أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عبد الإله السباهي - خروف البنجة















المزيد.....


خروف البنجة


عبد الإله السباهي

الحوار المتمدن-العدد: 2684 - 2009 / 6 / 21 - 06:11
المحور: سيرة ذاتية
    


لا أعرف لماذا تفيض الذكريات هذه الأيام، فيدفع بعضها البعض لتظهر القديمة منها على السطح، فتصبغ شتاء شيخوختي القارص البرد بدفء لذيذ. لم أكن بعيدا عن أحداث قصة خروف البنجة ومرت بالذاكرة كما ارويها لكم:
كان خالد يعيش طفولته المتأخرة في محلة الطاطران القريبة من سوق (الشورجة) في رصافة بغداد، في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي.
سكن هذا الحي فقراء اليهود قبل هجرتهم إلى فلسطين. وسكنها معهم فقراء المندائيين وغيرهم من طبقات الشعب المسحوقة.
سوق طويل شبه مسقف. دكاكينه صغيرة فرشت امامها أنواع الخضار في سلال متهرئة تزاحمت عليها أسراب الذباب. توسطت السوق ساقية مفتوحة لتصريف المياه المسودة دائما.
تزدحم البيوت على جوانب الطرق الضيقة التي تتفرع من هذا السوق. أو التي تؤدي إليه.
لا أحد يعرف من أطلق تلك التسميات الغريبة على تلك الطرق الضيقة الملتوية والتي استقلت على شكل حارات واحتفظت ببعض الخصوصية، وراحت تميزها عن جاراتها وكل تلك الخصوصيات وهمية، فهي لا تخص الطرز المعمارية فكلها متشابهة حتى أنك لا تميز بينها، أو قد تتيه في وسطها إن كنت شارد الفكر.
إذا جازفت بقطع السوق من بدايته عند مقبرة اليهود لتنتهي في شارع غازي من الجهة المقابلة لسوق الشورجة، ستكون قد مررت بمحلة أبو دودو ثم الطاطران ثم أبو سيفين، هذا من جهة اليمين، وبمحلة الكولات وبني سعيد من الشمال. من أين جاءت تلك التسميات لا أحد يعرف.
وسط زحام الناس في ذلك السوق وفي طريقهم إلى شارع غازي تجتمع كل يوم كلاب سائبة مرعبة لتتعارك أمام دكان القصاب.
وسط هذه الزحمة كان على خالد أن يجد فرصة للحاق بعمله كل صباح فقد بدأ العمل وهو في سن مبكرة جدا.
كل بيوت هذا الحي البائس مكونة من غرفتين أو ثلاث. وكانت تلك الغرف تؤوي أكثر من عائلة في بعض الأحيان. الكل غرباء لا يجمعهم غير هذا السكن البائس، ولا يلتقون إلا عند باب المرحاض الوحيد الذي يتوسط سلم الدار أو تحت السلم. تغطي بابه قطعة سميكة من قماش حيكت من خيوط القنب حولت السنين لونها إلى لون الرصاص القريب إلى السواد. سكنت هذه المراحيض على مرّ الزمن صراصر حمراء. كثرت وكبرت واسود لون أجنحتها الحمراء بشكل يبعث على الرعب وكأنها الساكن الرئيسي لتلك الدار والناس طارئون عليها.
حشر خالد في غرفة صغيرة مع أمه التي دخلت خريف العمر في بيت فيه غرفتان آيل إلى السقوط بعد أن تقادمت السنين عليه، تنير تلك الغرفة رازونة صغيرة مربعة الشكل في أعلى الجدار.
لم يكن هناك سكن أرخص منه في كل بغداد على ما أظن فكان مناسبا جدا لخالد وأمه. شغلت الغرفة الثانية عجوز طاعنة في السن نادرا ما تخرج منها وكأنها غير موجودة أصلا.
لم يكن خالد قد ودع الطفولة بعد، ولم يعرف حينها بالضبط أين حل الدهر بشباب الأسرة الآخرين.
نعم كانت لخالد أسرة كبيرة، وكانت تلك الأسرة نعيش في بيت يطل على دجلة قبل أن يسود العراق الحكم الإرهابي في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي هذا ما كانت تتخيله ذاكرة الطفل الرجل، يتذكر كيف تفرقت العائلة، فوجد على هذه الحال دون أن يجد تفسيرا لذلك.
كان خالد آخر العنقود، طفلا مدللا، يجب أن نؤكد على كلمة كان، فالعنقود لم يعد كذلك. نضجت حباته فرادا قبل أوانها. وبعضها لم تنضج أصلا.
كان معمل الكراسي الحديدية الذي وجد فيه خالد فرصة عمل بأجور يومية زهيدة لا تسد الرمق، يقع بعيدا عن محلة الطاطران قرب دجلة، وكان الطريق الذي يوصل إلى هناك يأخذ من يومه المرهق ما يقرب الساعة ذهابا ومثلها في طريق العودة، ولكنه كان يجد فيها المتنفس الوحيد في دأبه اليومي.
كان يغادر البيت قبل أن يغادر النوم عيونه، والشمس شديدة السطوع على السطوح، و كان يعود من العمل وقد اقتربت الشمس من أفقها الغربي.
الدرب إلى ورشة عمل خالد تمر عبر أزقة وبيوت شهدت أزمانا كانت بغداد فيها مدينة تغري السياح بزيارتها وصيتها طبق الدنيا!.
أما اليوم فهي بيوت شبه مهدمة وأزقة قذرة ورجال اصفرت أسنانهم من بقايا التبغ، أما النساء فقد أختلط سمارهن بلون العباءات التي اسمرت هي أيضا مع تقادم السنين والكل في عجلة من أمره.
امتدت شناشيل بعض تلك الدور لتقترب جدا من التي تقابلها، فتتيه شمس تموز الحارقة بينها ولا تجد طريقا لها للوصول إلى رؤوس الناس إلا ما ندر.
ظل خالد يتذكر أحد تلك الشناشيل والذي أسند إلى الجدار الذي اعتلاه بقضبان حديدية على شكل زاوية. يتجنب المارّة السير من تحتها خوفا على رؤوسهم من الاصطدام بها.
كان خالد وكل صباح يعبر من تحت تلك الزاوية الحديدية على حذر رغم قصر قامته حينها.
وذات يوم أغراه ذلك القضيب الحديدي فتسلقه وتدلى منه كأنه قردا. راح يؤرجح جسمه الهزيل بلذة فسقط إلى الأرض. ورغم قصر المسافة بين القضيب والأرض، إلا أن ذراعه كانت تحت ثقل جسمه فانكسرت دون أن يدرك ذلك. واصل طريقه إلى محل عمله رغم الألم الذي راح يكبر.
كان واجبه في هذا المعمل بعد كنس أرضيته ورصيف الشارع الذي أمام واجهة المصنع والتي اكتظت بمخلفات الحديد، أن يحمل ما صنع في نهار الأمس من كراسي حديدية إلى مكان كانت تطلى به بمادة النيكل، في محلة سيد سلطان على، والتي تبعد عن المعمل حوالي خمسمائة متر.
كان العمال الذين يصنعون الهياكل لتلك الكراسي، يطوون برشاقة أنابيب الحديد التي تصنع منها، بأدوات حديدية ثقيلة، وكان خالد يقف أمامهم مشدوها مفتونا بعضلاتهم البارزة وهم يلعبون بتلك الأدوات، حاول مرة رفع واحدة منها فلم يفلح وسقطت على قدمه الحافي فآلمته.
كان هؤلاء العمال ضخام الأجسام وهيئاتهم مخيفة، ولم تعرف البسمة وجوههم يوما، فكانوا أشباحا مرعبة في ذاكرة الصبي.
مهمة خالد الرئيسية هو أن يضع مساند تلك الكراسي الحديدية واحدا واثنان في بعض الأحيان على متنه الصغير من كلا الجانبين، ويجري بها ذاهبا إلى معمل الطلاء، مجتازا شارع المستنصر المكتظ دائما بسيدات بغداد الجميلات وبكل حذر، وكان دائما يقارن بينهن وبين نساء محلتهم في الطاطران فيرثي لحال الأخريات، ليعود بعدها بزوج من تلك المساند و التي تكون قد طليت وأصبحت تلمع كأنها الفضة.
تتكرر العملية كل يوم. ولا يجد خالد خلال هرولته اليومية تلك راحة إلا عند ساعة الغداء، والذي ظل عبارة عن لفة من الخبز البارد الذي تخبزه أمه مع بعض الخضار والمخللات، وفي بعض الأحيان يطل منها بياض البيض أو صفاره والمسلوق بشدة.
جازف مرة بالوقوف قرب محل للمرطبات يقع في شارع الرشيد وراح ينظر بشراهة إلى علب الدوندرمة( الإيس كريم) المتعددة الألوان، محاولا تخيل طعمها في فمه، فظل واقفا فاغرا فمه مدة من الزمن رغم ثقل الكراسي التي على كتفه دون أن يفلح في تكوين فكرة عن طعمها إلى أن طرده صاحب المحل معنفا.
بعد أن سقط خالد من تلك الأرجوحة واصل طريقه إلى المعمل رغم الألأم التي أخذت تزداد عليه، وهناك رفض صاحب المعمل أن يباشر خالد بعمله، وأقنعته بالذهاب إلى مستشفى المجيدية الواقع في باب المعظم.
ركب خالد باص المصلحة رقم واحد، الأحمر اللون ذو الطابقين و الذي يربط بين الباب الشرقي لبغداد بالباب المعظم، حيث يقع المستشفى بالقرب من باب المعظم.
ظل خالد يراوغ ويتهرب من محصل التذاكر بين زحام الركاب صاعدا فوق نازلا تحت وذلك كونه لا يمك عشرة فلوس ثمن التذكرة، ولكن بعد منطقتين أو ثلاث أمسك به قاطع التذاكر من يده التي تؤلمه وقذف به خارج الباص.
حاول أن يعيد الكرة مع الباص الثاني الذي أتى بعده، ولكن الألم الذي تركه محصل التذاكر في المرة السابقة منعه من تكرار المحاولة، فواصل السير مشيا على الأقدام.
وصل المستشفى ظهرا. و بعد أن قطع تذكرة مجانية جلس في صف طويل من المراجعين للدخول على الطبيب المختص في قسم الكسور.
جاء دور خالد فأخذ الطبيب يفحص يده ثم أرسله مع المساعد إلى قسم ثاني غير بعيد عن غرفة الطبيب وهناك أدخل إلى غرفة العمليات.
كانت تلك المرة الأولى التي يدخل فيها خالد إلى المستشفى وإلى غرفة عملياته المرعبة. فراح يتطلع فيها وهو يفكر بالهروب.
فقد أدخل إليها وهو متردد أصلا.
في غرفة العمليات والتي انتشرت فيها روائح غريبة. مدد على سرير حديدي غطي بجلد أسود اللون. جاء طبيب بملابس بيضاء وأخذ يرش في أنف خالد مادة ذات رائحة مقرفة لم يجد وسيلة للهرب منها. و بعد عدة رشات من تلك المادة ودع خالد الدنيا وهو ينعم بخدر لذيذ.
أجرى له طبيب آخر العملية الجراحية وأعاد العظم المكسور إلى مكانه الطبيعي.
أفاق خالد من المخدر ليجد نفسه ممددا على إحدى المساطب في الممر المجاور لغرفة العمليات، وكانت يده ثقيلة بعد أن لفت مرات عديدة بالجبس وعلقت في رقبته.
نهض من على المسطبة بتثاقل و غادر المكان دون أن يرى الطبيب مرة ثانية، ولكن المساعد الذي يقف بباب الطبيب أخبره بأن عليه أن يعود بعد عشرين يوما ليرفعوا الجبس عن ذراعه.
كان أثر المخدر غريبا على خالد، فقد وجد فيه متعة ولذة وفي ذات الوقت شعورا بالقيء.
بعد أن سار خالد بضعة أمتار في حديقة المستشفى وجد نفسه أمام ساقية صغيرة تسقي الزرع في تلك الحديقة فجلس على ركبتيه وراح يتقيأ، لقد أرعبه القيء وظل خائفا منه طول الطريق الطويلة إلى البيت.
حزنت أمه كثيرا على مصاب ابنها ولكنها كانت غاضبة عليه كونه قد عرّض حياته للخطر وكون أجوره اليومية ستنقطع طيلة بقاءه في البيت ورأت في تلك الحادثة علامة شؤم لم تجد تفسيرا له.
عيد البنجة لدى المندائيين مناسبة ينحر فيها الموسرون والقادرون الخراف التي يربونها في بيوتهم قبل شهر من تلك المناسبة على الأقل.
والبنجة مناسبة لأم خالد تتذوق فيها لحم الخراف بعد أن تركت تلك الممارسة منذ أن سجن ابنها الكبير والذي كان يعيل الأسرة بكفاءة
في تلك المناسبة درجت ابنة خالتها الساكنة قرب شارع الرشيد بتذكرها وإرسال حصة لها من خروف البنجة كل سنة.
كانت أم خالد تذهب كل سنة في مثل هذه الأيام بحجة العيد لزيارة قريبتها التي أنعم الله عليها فتعود بحصة صغيرة من اللحم فيكون عندها العيد عيدا حقا.
كان اليافع خالد قد ورث القوة من أبيه الذي تركهم منذ أمد بعد أن ملّ من هذه الدنيا ليجاور ربه.فلم تمض أيام عدة حتى استعاد خالد قواه وراح يصر في العودة إلى العمل على الرغم من أن يده لا تزال معلقة في رقبته.
ولتشغل الأم فتاها عن فكرة الذهاب الآن إلى العمل خوفا على يده من ذلك العمل المضني، كلفته بالذهاب إلى بيت أبو خلدون ليجلب ما تيسر من خروف البنجة فهذا هو اليوم الأول للعيد المقدس عند المندائيين، فهم يعتبرون أيامه الخمسة بلياليها كلها أيام نور مباركة.
ذهب خالد إلى هناك على مضض، مارا بتلك "الأرجوحة" المشؤمة فشتمها وتعداها مسرعا. وعندما وصل بيت خالته طرق الباب ففتحت له لبنى ابنة أم خلدون الصغرى. وكانت الفتاة أصغر سنا بقليل من خالد.
جمعت تلك الفتاة رغم حداثتها كل سمات الجمال التي كانت تميز أمها بين المندائيات.
راحت تتطلع بخالد الذي ظل واقفا صامتا أمامها.
لم تكلمه ونادت أخاها وظلت واقفة في الباب تتطلع بخالد الذي ظل جفلا مشدوها، خلدون هذا ولد واقف بالباب يريدك.
جاء خلدون مسرعا فعرف خالد ورحب به وأدخله الدار معرفا أخته بأنه خالد قريبها.
لم ير خالد معالم العيد في دار خالته ولم يشم رائحة اللحم ولم ير خالته كما كان يسميها، فظل بحيرة من أمره لا يعرف كيف يتصرف.
سأل عن خالته فأخذوه إليها وهي ممدة في سريرها.
ها خاله سلامتك كل سنة وأنت بخير ماذا جرى؟ ولماذا أنت راقدة ألف سلامة .
آنه زينه خاله اشلون أمك؟ ما جاءت معك؟ اشبيها ايدك ملفلفه؟
كنت ألعب وسقطت عليها فانكسرت ولكن جبروها في المستشفى والآن جيده.
نادت أم خلدون على ابنها وراحت تهمس في أذنه. بعد أن أصبح خالد وخلدون ولبنى في وسط الدار فلتت من بين شفاه الفتاة ضحكة خجلة، نهرها أخوها على أثرها وخالد في حيرة فيما يجري من حوله. وأخيرا تجرأ وسأل ألا يتفضل أحد منكم ويخبرني ماذا يجري هنا ؟
أجابته لبنى وهي لا تزال تضحك خجلة:
بالأمس صعد خروف البنجة الدرج للطابق الثاني،ليش محد يعرف، عجبه، ودخل غرفة ماما وبابا، وراح ينظر في مرآة خزنة الملابس، فشاهد خروفا ثاني " وهنا أخذت تضحك بصوت عالي" فراح يناطحه فكسر المرآة العزيزة على ماما. وعلى أثر الضجة صعدت ماما إلى الغرفة حيث مصدر الضجة، فرأت الخروف كسر المرآة ولا يزال يناطح بقاياها، فلم تتمالك نفسها، وفي ثورة غضبها حملت الخروف الثقيل وألقت به من فوق على الأرض فانخسف صدرها من ثقل الخروف، ومات الخروف من أثر الارتطام ببلاط الدار.
جاء أبي في تلك الأثناء وثارت ثائرته وعنف أمي بشدة وترك البيت غاضبا. وكما ترى لا نعرف ماذا نفعل أنا وخلدون. رمينا جثة الخروف خارجا في القمامة وطلبنا الطبيب ليعالج ماما، ثم عاد أبي ولكنه ظل غاضبا لا يكلم أحد وكل عام وأنتم بخير . قالتها بجرأة و دلع ثم توارت في غرفتها .
هم خالد بالخروج من الدار فاستوقفه خلدون داسا بيده بعض النقود حسب أوامر أمه على ما يبدو، لكن خالد رفضها شاكرا وخرج مسرعا ضاحكا بعد أن أصابته عدوى الضحك الذي لم يترك لبنى..
في طريق عودته إلى البيت لم تفارقه صورة لبنى وضحكتها الغنجة رغم صغر سنها، وظل يستعيد روايتها متخيلا خروف البنجة الأبيض وهو يرتقي سلالم الدار، وكيف راح يناطح صورته ليكسر المرآة الجميلة وإلى آخر القصة وهو يبتسم ويقهقه أحيانا غير مبال بنظرات المارة.
كانت أمه قد أعدت كل شيء لشواء اللحم فخاب أملها عندما قص خالد عليها قصة الخروف مرددة عرفت أنه يوم مشئوم وشلون خالتك؟ هل حالتها خطرة؟
"لا ماكو شي سلامتك"! .
كبر خالد سريعا وراح يتنقل من عمل لآخر وفي ذات الوقت راح يتابع دراسته المسائية وخيال لبنى لم يفارقه محاولا أن يجعل من نفسه إنسانا يستحق تلك المهرة الجامحة. فقد رسم صورة لمستقبله للبنى فيه حصة الأسد.
انخرط خالد في السياسة بعد أن شعر بعدالة قضيته، وقاده حسه المرهف للانخراط في صفوف الحزب الشيوعي السري، والذي لم يكن غيره على ساحة النضال ضد الظلم في تلك الحقبة.
ولكونه من عائلة لها ماضي معروف في إخلاصها للحزب ولذكائه الشديد و شجاعته شق طريقه سريعا في قيادات الحركة الشيوعية وأصبح من الكادر المتقدم رغم صغر سنه.
يذكر خالد بفخر أولى مساهماته في الكفاح من أجل البائسين في وطنه.
فبعد أن ازداد اضطهاد الحكام العراقيين لشعبهم عام 1952 فجر طلبة كلية الصيدلة في بغداد الوضع بعد أن اعتصموا وتظاهروا ضد قانون أصدرته كلية الصيدلة، ويقضي بأن يعيد الطالب كل المواد إذا رسب بواحد منها، واضطر لإعادته.
كان هذا القانون الذي أصدرته عمادة الكلية قانونا مجحفا وغير منطقي، وتطور مطلب الطلبة هذا إلى مطالب شعبية واسعة تطالب بالحرية بعد أن انضم للمضربين طلبة كليات أخرى وشرائح شعبية واسعة،
كان الشيوعيون على رأس شرائح الشعب الثائرة.
أبلغ المسئول الحزبي خالد بأنهم سوف ينطلقون في مظاهرة تضامن مع الطلبة في باب المعظم قرب منطقة الفضل، وطلب منه أن يتسلح بهراوة أو (مكوار) أو أي شيء يدافع به عن المتظاهرين.
وفي الموعد المحدد تجمع العشرات من العمال ورفعت الشعارات المطالبة بالحرية والديمقراطية، وانضمت مجاميع أخرى للمظاهرة حتى جاوزت المائة حسب تقدير مسئول المظاهرة.
سارت المظاهرة مسافة قصيرة وإذا بجدار طويل من رجال الشرطة المسلحين بهراوات جديدة لامعة لم تختبر بعد، وفي مقدمتهم يسير ضابط شرطة برتبة عالية. اقترب من المتظاهرين طالبا منهم التفرق. وهنا دوى صوت مسئول المظاهرة آمرا:
حرس استعد. برز خالد وأربعة شبان من عمره تقريبا ومع كل واحد منهم عصا هزيلة مقارنة بما في يد الشرطة. سادت دقائق صمت وربما هي ثواني عندها التحم الطرفان في معركة غير متكافئة،
كانت أعداد الشرطة كبيرة ومسلحة ومدربة لمثل تلك المعارك، أما المتظاهرون فلم يملكوا غير الجرأة والتصميم.
كيف جرت المعركة ؟ لا يتذكر خالد إلا أنه قد شاهد الشرطة بعد المعركة على مسافة لا تقل عن مئة متر عن المتظاهرين. تملكه شعور بالفخر كونه ظل صامدا ولم يجبن أو يخاف من رجال الشرطة. أما المتظاهرون الآخرون فلم يبق منهم أحد، فالجمع قد انفض راكضا سوى مسئول المظاهرة وخالد واثنان آخران. أمرهم المسئول أن يتفرقوا بعد ما راحت الشرطة تطارد الفلول.
وتعتقلهم. ركض خالد باتجاه سدة ناظم باشا وفي طريقه صادف كوخا تسكنه عائلة فقيرة فلجأ إليهم مستنجدا. آوته تلك العائلة وضمدت جرحه بقطعة قماش عتيقة. وهكذا نجا من الاعتقال. ولكن المظاهرات لم تنتهي وإنما استمرت في مناطق متفرقة من بغداد وراحت الجموع فيها تزداد.
ففي اليوم التالي انطلق خالد في مظاهرة أخرى في شارع غازي بالقرب من باب الشيخ. وعندما وصلت المظاهرة إلى حضرة الشيخ عبد القادر الكيلاني، وشاهد سياجها المرتفع تذكر بائع (النبق) الذي كان يجلس هناك فوق السياج العالي ويدلي بسلة صغيرة، يضع فيها الأطفال ما توفر لديهم من نقود لترتفع إلى الأعلى وتعود بنبق من النوع الذي لا ينسى مذاقه.
وخالد وهو في تأمله وذكرياته عن النبق سمع صوت أطلاقات نارية منطلقة من مركز الشرطة الذي يقع في الشارع المجاور للحضرة الكيلانية،
سقط أحد المتظاهرين بقربه ودماءه تنزف، ثم دوى طلق آخر وخر شاب آخر جريحا، واستمر الشرطي القناص الذي تمترس في مركز الشرطة يمارس هواية القتل بتلذذ. فأنطلق خالد ومجموعة من الشباب معه في الهجوم على مركز الشرطة وتحولت جموع المتظاهرين إليهم مساندة.
سقط مركز الشرطة بيد المتظاهرين واستولوا على سلاح المركز بعد أن فرّ أفراده عدا ذلك القناص الذي ظل يطلق النار على المتظاهرين، فما كان من المتظاهرين إلا أن هجموا عليه وأمسكوا به ثم سكبوا عليه صفيحة من النفط لا يعرف أحد من أين أتوا بها وأضرموا النار بذلك الشرطي وهو حيّ فمات محروقا.
وبعد أن تكرر الهجوم على مراكز الشرطة انسحبت الشرطة من الشوارع تاركة إياها بيد المتظاهرين.
حاول المتظاهرون إسقاط تمثال الجنرال مود الذي كان شامخا في الكرخ أمام السفارة البريطانية في محلة الكريمات، ثم أحرقوا المركز الثقافي الأمريكي في شارع الرشيد قرب ساحة الرصافي اليوم. بعد أن رموا محتوياته في شارع الرشيد.
انتهت وثبة تشرين بعد أن نزل الجيش إلى الشوارع وسيطر على المدينة وتشكلت حكومة عسكرية أعلنت الأحكام العرفية وزجت بالآلاف في السجون.
أنتقل خالد وأمه من محلة الطاطران ليعيشوا في كرخ بغداد بعد أن ازدادت مسؤولياته الحزبية ولم يعد يزور بيت خالته رغم شوقه الشديد، ولكنه كان يتابع أخبار لبنى التي أنهت دراستها الثانوية والتحقت بكلية الصيدلة.
وبحكم عمله القيادي في الحزب علم أنها منخرطة في صفوف الحزب بشكل نشط مما أفرحه وجدد أمله في لقياها.
بعد أن سقط النظام الملكي في العراق وأطلقت الحريات، توسع نشاط الحزب الشيوعي وأصبح الحزب الجماهيري الأكثر سطوة على الشارع. تعددت تنظيماته وبذلك توسعت مسؤوليات خالد الذي لم يترك الدراسة طامحا بأن يصبح محاميا على الرغم من كثرة مسؤولياته.
حضر خالد ذات يوم اجتماع حزبي للجنة الطلبة الحزبية بناء على تعليمات القيادة. ليشرح خط الحزب للمرحلة الجديدة.
من عادة خالد أن يكون متأنقا دائما ولم يخالف هذه القاعدة هذه المرة.
حضر الاجتماع الذي انعقد في بيت أحد أعضاء اللجنة، وهناك تفاجأت لبنى والتي كانت عضوه في هذا التنظيم بأن المشرف الذي طال انتظاره هو خالد قريبها بعينه. راحت تتأمله بإعجاب ظاهر مستعيدة لقاءه معها عندما مات خروف البنجة قبل سنين عدة.
حاول خالد أن يكبح جماح فرحته يلقياها ثانية، وأدهشه جمالها الأخاذ وحلاوة حديثها وتمسكها بآرائها وحدة ذكائها.
لم يبدو عليه ولا هي بأنهم يعرفون بعض أو أقارب هذا ما يقتضيه العمل السري الذي اعتادوا عليه.
وهكذا انتهى الاجتماع دون أحاديث خاصة بينهم، ولكنهما ظلا مشدودين لبعضهما طيلة الاجتماع. فلم تنزل هي نظرها عنه وكان هو يسرق النظرات من مدة لأخرى.
بعد أن تأكد من حبه للبنى وإعجابها به، أخذ خالد يرتب ويخطط لخطبتها، فأخذ أمه ذات يوم لبيت خالته بقصد توثيق وتجديد العلاقة، وقد شعرت الخالة بميل ابنتها لخالد ولكن الأب كان جافا معه ومترفعا عن مجاملة خالد ناهيك عن فكرة زواج ابنته لهذا الشاب الفقير.
دار حديث بين أم خلدون وزوجها حول زيارة خالد وأمه لهم، ورغبتهم بخطبة لبنى. و راحت تطنب في مدح خالد وعائلته، لكن الأب انزعج كثيرا، كيف يرضى بخالد خطيبا لابنته وهي التي يتهافت شباب المندائيون الموسرون بطلب يدها. من هذا خالد الذي تردينه زوجا لابنتك؟ ولم تنفع مع الأب كل الأعذار التي ساقتها أم خلدون. لقد كانت مؤمنة بمستقبل هذا الشاب ومعجبة جدا بأخلاقه الرفيعة و وسامته، كما إنها تعرف حب ابنتها له وإصرارها على أن لا تقترن بغيره.
مرت الأيام مسرعة، استطاع خالد خلالها أن يلتقي بلبنى مرة أو مرتين وبحجج مختلفة في الغالب.
صارحها بحبه لها وتعاهدا أن يكونا لبعض مها كانت الظروف.
وكما جرت عليه العادة فإن أيام السعادة قليلة وتمر سريعا،
لم تدم أيام الحرية طويلا في جمهورية 14 تموز فقد دبر المستعمرون القدامى والجدد انقلابا دمويا ضد الجمهورية الفتية وأسقطوها بعد أن قتلوا قادتها والآف من المدافعين عنها وعلى رأسهم الشيوعيين.
غصت سجون بغداد ومدارسه وملاعبه الرياضية بالموقوفين وكان المئات منهم يموتون تحت طائلة التعذيب.
بعد قتال شرس في حي الأكراد وسط الرصافة غير بعيد من محلة الطاطران دار بين الحرس القومي الذي جندته سلطة الانقلاب ومجموعة من القيادات الشيوعية التي تحصنت هناك تم إلقاء القبض بعدها على خالد وأغلب قيادات الحزب.
اقتاد الحرس القومي خالد إلى قصر النهاية وعذب هناك بوحشية إلى أن مات تحت التعذيب، وكما روي أحد معذبيه متلذذا أنهم علقوه في المروحة السقفية وظلوا يلعبون برأسه كرة قدم إلى أن فارق الحياة دون أن يتخاذل أو يشي برفاقه.
كانت لبنى تقود مجموعة من الشباب في الدفاع عن الجمهورية وتقاتل معهم ضد قوات الحرس القومي من حيّ إلى حيّ ولكن بعد أن سيطرت قوات الانقلاب على مجريات الأمن في البلاد أخذت تتعقب كل الشيوعيين وأصدقائهم ، فتمكنت من إلقاء القبض على لبنى في يوم البنجة وزجت في أحد المعتقلات العشوائية.
كان المعتقل عبارة عن دار عادية في كرخ بغداد. وكانت لبنى محبوسة في غرفة في الطابق الثاني مع مجموعة كبيرة من الطالبات.
وهناك وصلها خبر مقتل خالد تحت التعذيب، فقنطت ولم تكلم أحدا وراح الحزن يفتك بقلبها الصغير.
جاءت مجموعة من أفراد الحرس القومي لتحقق معها، وحاول أحدهم الاعتداء عليها واغتصابها فما كان منها إل أن ألقت بنفسها من الطابق الثاني ليرتطم رأسها ببلاط الدار، ولم تنفع الإسعافات في إنقاذ حياتها وآخر ما أوصت به هو ادفنوني بجوار خالد وبسمة رقيقة على شفتيها متذكرة خروف البنجة .



عبد الإله السباهي
الدنمارك 1/5/2009


















كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,968,963
- جذور واهية...قصة قصيرة
- الخل والخمرة والصديق
- دردشة عجائز مغتربات
- كشف الأسرار عن سحر الأحجار *(4)
- كشف الأسرار عن سحر الأحجار *(3)
- كشف الأسرار عن سحر الأحجار *(2)
- كشف الأسرار عن سحر الأحجار
- أولاد المهرجان
- هكذا تسقط الأنظمة
- لعبة في الطبعة الأخيرة


المزيد.....




- -هيئة الانتخابات- في تونس تعلن فوز قيس سعيد بالرئاسة رسميًا ...
- بريكسيت: ما هي أبرز مضامين الاتفاق الجديد بين بريطانيا والات ...
- رياضي محترف يتحدث عن سر تحقيق اللياقة البدنية
- -قسد- تطالب بممر إنساني في رأس العين
- الأسد يتعهد بمواجهة الهجوم التركي "بكل الوسائل المشروعة ...
- قائد قوات سوريا الديمقراطية: "روسيا هي الضامن الوحيد لل ...
- الأسد يتعهد بمواجهة الهجوم التركي "بكل الوسائل المشروعة ...
- وصول سفينة تحمل مشتقات نفطية إلى ميناء الحديدة وثلاث أخرى في ...
- 56 مزرعة محلية تشارك في معرض التمور المحلية الثاني بالدوحة
- احتفالا بالرئيس الجديد.. التونسيون يتطوعون لتنظيف شوارعهم


المزيد.....

- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى
- ذكريات المناضل فاروق مصطفى رسول / فاروق مصطفى
- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني
- ست محطات في حياتي / جورج طرابيشي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عبد الإله السباهي - خروف البنجة