أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ابراهيم خليل العلاف - هل كان للعراق قدرات نووية ؟!















المزيد.....


هل كان للعراق قدرات نووية ؟!


ابراهيم خليل العلاف

الحوار المتمدن-العدد: 2672 - 2009 / 6 / 9 - 05:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مركز الدراسات الإقليمية-جامعة الموصل -العراق
لعل من الأمور الملفتة للنظر، أن الولايات المتحدة الأميركية نفسها أهدت للعراق أبان العهد الملكي 1921-1958، وبالتحديد في 24 من آذار سنة 1957 أول مختبر للطاقة الذرية كتذكار لاهتمام الحكومة الأميركية في استخدام الطاقة الذرية للغايات السلمية، فتم افتتاح المختبر وقص رئيس الوزراء آنذاك السيد نوري السعيد (17 كانون الأول 1955- 8 حزيران 1957) الشريط وأعلن أن المختبر جاهز للاستعمال بإدارة عالم عراقي متميز هو الدكتور محمد حسين كاشف الغطاء الذي كان قد حصل على منحة من مؤسسة فولبرايت الأمير كية للدراسة في مختبر ارلون الوطني للجنة الطاقة الذرية الأميركية في لامونة بولاية ايلينوي(1).
ويشير الأستاذ محمد نبيل فؤاد طه في دراسة له بعنوان :((الأسلحة النووية وأولويات الأمن القوميٍ في ضوء امكانات بناء قوة نووية عربية))(2). الى أن البرنامج النووي العراقي يرجع الى أوائل الستينات من القرن الماضي. أما السيد وليد خالد احمد حسن فيقول في مقالة له بعنوان ((حقيقة البرنامج النووي العراقي))(3). استناداً الى ما كشفه عالمان عراقيان هما الدكتور جعفر ضياء جعفر والدكتور نعمان سعد الدين ألنعيمي، عملا في هذا الميدان، إن هذان العالمان قالا ((لنا الشرف حيث كنا في طليعة المسؤولين الأساسيين عن برامج الطاقة الذرية العراقية طوال المرحلة الأهم من تاريخها والممتدة من 1965 وحتى 1991)). أما السيد نبيل فؤاد طه فيقول: إن البرنامج النووي العراقي بدأ سنة 1968 عندما شرع بتشغيل مفاعل أبحاث سوفيتي صغير بقدرة 5 ميكا واط. وفي سنة 1980 بدأ تشغيل مفاعل بحثي آخر صغير ليس له أهمية من الناحية العسكرية ، وبنهاية سنة 1981 بدأ تشغيل مفاعل الأبحاث ((اوزيراك = تموز)) بقدرة 40 ميكا واط وهو فرنسي الصنع. ويشير ذلك الى مخطط عراقي متكامل يمكن عند إضافة العمليات السرية التي قام بها لاستجلاب الوقود النووي، التوصل لاستنتاج احتمالات توظيف ذلك لانتاج أسلحة نووية، من وجهة نظر الكاتب، حيث قدر العلماء الإسرائيليون انه بحساب قدرة خرج المفاعل 40 ميكا واط، فانه يمكنه إنتاج كمية من البلوتونيوم كافية نظرياً لتصنيع من (1) إلى 2 قنبلة نووية في السنة.
ومع استمرار وتصاعد الحرب العراقية- الإيرانية ((حرب الخليج الأولى))، تم في الثلاثين من أيلول سنة 1980 مهاجمة المفاعل العراقي بطائرات إيرانية لكنها لم تصب أي منشآت مهمة في المفاعل، ثم جاء القصف الإسرائيلي للمفاعل في حزيران سنة 1981 الذي أدى الى خسائر بالغة بالمفاعل، وباستمرار تصاعد الحرب سحبت فرنسا معظم خبرائها وفنييها لإبعادهم عن الخطر لكنهم لم يأخذوا معهم اليورانيوم المخصب الناتج من المفاعل والذي يمكن استخدامه لتصنيع القنابل الذرية. وفي تموز سنة 1987 نشرت مجلة ساوث (South) خبراً مفاده أن العراق انشأ مراكزا للأبحاث النووية العسكرية بشكل سري تحت الأرض. أما العنصر البشري فالعراق يملك قاعدة متطورة من العلماء والفنيين الذين تم إعدادهم في الخارج، فضلاً عن استعانته ببعض الخبرات العربية، أمثال الدكتور يحيى المشّد المصري الجنسية. ويعد النشاط النووي العراقي احد الأسباب الرئيسة لحرب الخليج الثانية (1990-1991) والتي تم خلالها تدمير البنية التحتية النووية للعراق تماماً، وفرض لجان تفتيش دائمة عليه، ومن ثم فقد عاد العراق نووياً الى نقطة الصفر.
كان البرنامج النووي العراقي يطلق عليه في الأدبيات المحلية اسم (البرنامج الوطني). وكان ، من وجهة نظر رواده الأوائل ((مدرسة لتأهيل العلماء وتدريب الملاكات الهندسية والتقنية)). وقد بدأ البرنامج بعدد قليل من العاملين فيه ثم وصل العدد قبل تدمير البرنامج سنة 1991 الى أكثر من (8000) منتسب. وقال العالمان العراقيان اللذان كتبا عن البرنامج ((ان من سوء حظنا إننا كنا في قمة هرم المجابهة بين الحكومة العراقية من جهة والوكالة الدولية للطاقة الذرية من جهة أخرى وهي المعنية بتطبيق ما يخص الجانب النووي من قرار مجلس الأمن رقم 687 الصادر في نيسان 1991، فلقد تولى المفتشون الدوليون إجراء تحر شامل وقاسٍ وظالم ولمدة طويلة عن أسلحة لا وجود لها، وعندما يئسوا من بحثهم لجأوا الى التنقيب بأدق التفاصيل عن البرامج العراقية السابقة التي تندرج ضمن تصنيفها لأسلحة الدمار الشامل، على الرغم من ان جميع مكونات العمليات العسكرية سنة 1991، أو في صيف سنة 1991 بالضبط عندما تولت ما كانت تسمى (قوات الحرس الخاص) تدمير ما تبقى منها وبأمر مباشر من رئيس الجمهورية الأسبق شخصياً، ومن ثم تدمير البقية الباقية من أبنية ومكاتب وأثاث وخدمات من قبل لجان التفتيش. ولم يبق لدى العراق، أي شيء من تلك البرامج، حتى مسودات التقارير التي كانت بحوزة العلماء والتقنيين والتي تعد من ممتلكاتهم الشخصية.
لقد تحدث العالمان وبشكل موضوعي ومحايد عن الأساليب القسرية واللامهنية التي انتهجتها لجان التفتيش طوال المدة 1991-2003، وكيف أن أعضائها كانوا قد توصلوا يقيناً الى جميع مكونات البرنامج النووي العراقي، وحصلوا على القصة بحذافيرها وسيطروا على جميع الوثائق والتقارير العلمية والتقنية ما لم يترك أي مجال لإعادة العمل بهذا البرنامج أبان تلك المرحلة او حتى بعد ذلك، غير أنهم أحجموا لأمر ما عن ذكر الحقائق في تقاريرهم الى مجلس الأمن الدولي، وغلَف المسؤولون في الوكالة الدولية للطاقة تصريحاتهم بجمل دبلوماسية تقبل كل تأويل فالدكتور محمد البرادعي مدير عام الوكالة صرح قبل احتلال العراق وإسقاط نظامه في 9 نيسان 2003 إن وكالته تحتاج الى ثلاثة اشهر ليتم التحقق من النقاط القليلة العالقة، وكأن، السنوات الثمانية من التفتيش والتحري لم تكن كافية، غير انه في تقرير رسمي أرسله الى مجلس الأمن في التاسع من نيسان سنة 2003، أي يوم احتلال بغداد، قال بان العراق لم يكن قد أعاد العمل بالبرنامج النووي بعد سنة 1998، وان النقاط العالقة يمكن حلها في مرحلة التحقق والرقابة المستدامة. اما الدكتور هانز بليكس رئيس لجنة التفتيش (انموفيك) فقد صرح بعد فوات الأوان كذلك بان لجنته كانت تواجه ضغطاً كبيراً من حكومة الولايات المتحدة الاميركية.
استفادت الولايات المتحدة الأميركية من أحداث 11 أيلول 2000 لتفتح الطريق واسعاً أمام إحكام سيطرتها على العالم تحت ذريعة محاربة الإرهاب الدولي.. وقد اتخذت من عدم التزام النظام السابق في العراق بالتخلي عن أسلحة الدمار الشامل، بشكل واضح وعلني، حجة لحملتها، فبدأت الإدارة الأميركية تقول بان العراق قد أعاد النشاط لبرنامجه النووي منذ سنة 1998 وانه على وشك امتلاك السلاح النووي وقد أصرت على استصدار القرار رقم 1441 من مجلس الأمن قبل عودة المفتشين، وتنفيذاً لهذا القرار، اعد العراق تقارير شاملة وصلت أعداد صفحاتها الى (12000) صفحة. ولكن حال وصول التقارير الى نيويورك استولت عليها وزارة الخارجية الاميركية، وبحجة توافر الإمكانيات لديها لاستنساخها وتوزيعها على أعضاء مجلس الأمن. وقيل في حينها إنها شطبت كل ما يرد في التقارير من ذكر لأسماء شركات اميركية وبريطانية ساعدت العراق في برامجه السابقة للتسلح النووي، ووزعت النسخ المصححة على الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن فقط ثم أعلنت، وبسرعة ان لا جديد في هذه التقارير. ومما ساعد على ذلك أن الدكتور البرادعي أحجم في تقريره الى مجلس الأمن الدولي في السابع عشر من آذار سنة 2003، وعند حضوره جلسة مجلس الأمن، عن ذكر الحقائق كاملة وقال في استحياء: ((ان الوثائق تبدو غير صحيحة))، ولم يقل صراحة ان العراق لم يعد النشاط لبرنامجه النووي بعد سنة 1998، غير انه وبعد زوال الضغط الأميركي تحرر من خوفه وأعطى في 9 نيسان 2003 لوسائل الأعلام تصريحاً مفاده ان العراق لم يعد النشاط للبرنامج النووي بعد سنة 1998، ولا يمتلك أية مقومات لبرنامج نووي بعد ان تم تدمير جميع مكونات برنامجه السابق.
تناول الدكتور احمد عبدالحليم ، قدرات العراق النووية وتساءل قائلاً : هل يمتلك العراق قدرات نووية؟ وأجاب مستعيناً بأحد التقارير المهمة التي كتبتها لجان التفتيش الدولية، والذي يصف ويحلل قدرات العراق النووية، بان الولايات المتحدة الاميركية التي دعت الى إزالة ترسانة أسلحة الدمار الشامل من العراق، قامت بتدمير شامل لهذا البلد بأسلحة تقليدية متقدمة تكنولوجيا فلو كانت الولايات المتحدة قد أستخدمت قنبلة نووية ضد العراق في عملياتها التي أطلق عليها بعملية (ثعلب الصحراء 1998)، ما كانت أحدثت مثل هذا التدمير الذي أحدثته عن طريق استخدام الصواريخ البالستية التقليدية، وقاذفات قنابلها الثقيلة التي تستخدم كذلك أسلحة تقليدية، ومجموعة طائراتها القاذفة الأخرى(4)..
يبدأ التقرير الذي أعدته لجان التفتيش بقوله: كشفت أعمال لجان التفتيش عن تفاصيل البرنامج النووي العراقي وحيث تبين ان العراق كان يتبع برنامجين اولهما البرنامج طويل المدى لإنتاج الأسلحة النووية Long-range clandestine nuclear program ويركز البرنامج هذا على تطوير المعدات والخبرة اللازمة لإنتاج اليورانيوم عالي التخصيب من الموارد المحلية المخزنة وخصصت لهذا البرنامج عدة ملايين من الدولارات الأميركية. أما البرنامج الثاني فهو برنامج أسلحة نووية عاجل crash nuclear weapon program وقد بدأ العمل به في شهر آب سنة 1990، وبعد الاجتياح العراقي للكويت مباشرة. وكان هدف البرنامج، الذي كان إضافة للبرنامج الأول وموازيا له، هو إنتاج رأس نووية واحدة تحفظ التوازن الإستراتيجي للموقف العراقي وكان من المفترض ان ينتج العراق من هذا البرنامج مواد انشطارية كافية لإنتاج الرأس المطلوبة في ربيع سنة 1991.
ثم يضيف التقرير قائلاً : ((وقد أوقف نشاط البرنامجين، نتيجة القصف الجوي لقوات التحالف خلال حرب الخليج الثانية والتي كان من ثمارها إخراج الجيش العراقي من الكويت. كما استمر تعطيل الإدارة الأميركية لذلك النشاط نتيجة لعمل لجان التفتيش الدولية التي شكلت بناء على قرار مجلس الأمن بهذا الخصوص، ومنذ ذلك الوقت لم تستطع اللجان اكتشاف أي نشاطات عراقية جديدة في هذا الاتجاه، وطبقاً لهذا التقرير فان النشاط النووي العراقي انتهى منذ منتصف كانون الثاني 1991.
وينقل الدكتور احمد عبد الحليم عن التقرير المشار إليه آنفاً، إن واضعي التقرير أكدوا بان العراقيين سلموا لجان التفتيش أكثر من (140) صندوقاً من الوثائق، يتعلق بعضها بالبرنامج النووي. وقد أشارت الوثائق الى أن برنامج العراق النووي، بما فيه البرنامج العاجل، كان يسير ببطء شديد نتيجة لبعض مشاكل الإدارة المزمنة، والصراعات الداخلية، ونقص القدرات الفنية، والبنية التحتية التكنولوجية وبهذا الخصوص هناك نقطتان مهمتان أولاهما انه إذا لم يكن العراق قد غزا الكويت، فقد كان من الممكن أن ينتج برنامجه الطويل المدى كميات كافية من اليورانيوم المخصب لإنشاء ترسانة نووية صغيرة في عام 1996. أما النقطة الثانية فان العديد من المشاكل الفنية والفكرية كانت تكتشف البرنامج وتعطل بالفعل محاولة الحصول على يورانيوم عالي التخصيب.
وفيما يخص البرنامج العاجل، فقد أشار التقرير الى انه في أيلول سنة 1990، أي بعد شهر من اجتياح الكويت، لم تستطع القدرة العراقية السيطرة على أي من تكنولوجيات التخصيب المتعددة التي كانت تستخدمها لعدة سنوات سابقة، ولم تكن قد أنتجت بعد كميات كافية من اليورانيوم عالي التخصيب التي تسمح بإنتاج السلاح النووي، ولكن نظراً لاجتياح الكويت فعلياً، فقد خططت لتحويل جزء من مخزون وقود اليورانيوم الذي حصل عليه العراق من فرنسا وروسيا لاستخدامه في مفاعلات الأبحاث النووية لصالح البرنامج العاجل، وكان من المفترض تخصيب جزء من هذا الوقود ليصبح صالحاً لإنتاج الأسلحة مع تعديل بعض وسائلها النووية لتصبح صالحة لمثل هذا الهدف. وبالطبع كانت هذه الخطة غير قابلة للتطبيق، فلم يكن العراق قد أعد المنشآت اللازمة لذلك، كما لم يكن قد استوعب تكنولوجيا التسليح النووي اللازمة لبناء قنبلة، أو رأس نووية، وبذا لم يتيسر الحكم الدقيق على المدى الزمني اللازم للعراق لتنفيذ برنامجه العاجل، وقد يكون قد قطع مسافة تجاه تحقيق ذلك، إلا أن القصف الجوي للقوات الأمريكية أحبط تلك الجهود.
وتوسع التقرير في إيضاح مصادر الحصول على اليورانيوم، وتفاصيل مخزون العراق منه، ونسب التخصيب لمجموعات التخزين طبقاً لمصادرها، والكميات التي كان العراقيون ينوون استخدامها، وأساليب تحويله فنياً لمواد جديدة، ثم اختتم التقرير هذه الفقرة قائلاً: ورغم بدء تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية على العراق في تشرين الثاني سنة 1990، فقد كان في نية العراق إنتاج القنبلة في نيسان 1991 ومواجهة العالم بالأمر الواقع، وبالطبع كان ذلك غير واقعي وغير ممكن التطبيق، لصعوبات فنية وتكنولوجية متعددة.
ولقد كان على العراق أن يمر بمراحل كثيرة من البحوث والتطوير قبل أن ينجح في إنتاج المواد اللازمة للأسلحة النووية ولم تكن هناك اية احتمالات للنجاح في مثل تلك الأبحاث بالسرعة اللازمة للوفاء بالموعد المذكور. هذا فضلاً عن ان كافة العمليات الفنية التي تمت في هذا السياق أدت الى فقد الكثير من المواد النووية التي كان يحتاج إليها الإنتاج الفعلي. كما إن البرنامج النووي العراقي كان كبيراً ومنتشراً على مساحات واسعة، إلا أن نتائجه كانت محددة، فضلاً عن تعدد الصراعات الشديدة بين مجموعات متعددة كان كل منها يحكم سيطرته على جزء من البرنامج.
لقد انتهى البرنامج النووي العراقي عملياً في منتصف كانون الثاني سنة 1991، وخلال الفترة التالية لذلك أحكمت لجان التفتيش الدولية قبضتها على البرنامج وحالت دون إعادة مجرد التفكير بإحيائه.
لقد استمرت لجان التفتيش في عملها واستمر فرض الحصار الاقتصادي طيلة (13) سنة ومن الطبيعي ان الهدف الحقيقي من وراء ذلك إضعاف العراق وإخراجه من ساحة الصراع العربي- الإسرائيلي وتحجيم قدراته العسكرية وقد عبر عن ذلك الدكتور مارتن أنديك مساعد وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى حينما أعلن من خلال التلفزيون المصري مساء يوم 15 كانون الأول 1998، أي قبل حوالي اربع وعشرين ساعة من بدء ضرب العراق (عملية ثعلب الصحراء)، بان الولايات المتحدة الأمريكية تسعى في هذا الشأن لحماية مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة، وان الحصار على العراق سوف يستمر، حيث يمكن للعراق في حالة رفعه إعادة إنتاج قدراته فوق التقليدية.
بعد احتلال العراق في التاسع من نيسان سنة 2003، قررت الإدارة الأميركية تكليف فريق مسح مؤلف من 1400 اميركي من منتسبي المخابرات والمؤسسات الأميركية المعنية بشؤون نزع السلاح، ولكن بعد تسعة اشهر من التحري والتحقق في عموم أراضي العراق، أعلن رئيس الفريق ديفيد كاي، عدم امتلاك العراق لأي برنامج نووي للتسلح(5). وجاء فريق آخر وخرج بالاستنتاجات ذاتها. وبدأت عندئذ حملة جديدة في الولايات المتحدة قوامها حقيقة أساسية وهي ان المعلومات التي وصلت الإدارة الأميركية عن البرنامج النووي العراقي وكل ما قيل عن أسلحة الدمار الشامل، لم تكن صحيحة وكان كولن باول وزير الخارجية الأميركية الأسبق من أوائل الذين اعترفوا بذلك.
وبرغم عدم العثور على أسلحة الدمار الشامل حتى اليوم إلا أن كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة (2006) ظلت تعتقد أن النتائج على المدى الطويل في العراق أكثر أهمية، وان المسألة، كما نقل عنها الكاتب الأميركي بوب وود وارد Bob wood ward، تتجاوز أسلحة الدمار الى التسوية السياسية الشاملة وهذا الأمر يتطلب وقتاً، وهي تشعر بالارتياح لان الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش نفسه أيضاً يعتقد بأهمية النتائج على المدى الطويل، وقد أتضح ذلك أثناء زيارته لليابان في تشرين الأول 2003 عندما قال لرئيس وزراء اليابان كريزومي ((لو لم نحسن التصرف في سنة 1945 ولو لم نساعد على بناء اليابان كدولة ديموقراطية ومزدهرة اقتصادياً، لما أمكن أن يحدث هذا الحوار بين رئيس اميركي ورئيس وزراء ياباني، ويوما ما سيجلس رئيس اميركي ورئيس عراقي للحديث وحل المشكلات وسيكون الاثنان سعداء لأننا خلقنا عراقاً ديموقراطياً مزدهراً))!! وقد سأل وولفوتيز نائب وزير الدفاع الأميركي الأسبق نفسه عدة مرات هل كان غزو العراق واحتلاله يستحق؟ أجاب بأن الحرب كانت لها مبرراتها، وان اتخاذ القرار كان يتطلب شجاعة كبيرة من الرئيس، أما تقييمه للحملة العسكرية نفسها فهو يرى إنها كانت حملة رائعة، تم إنجازها بأقل قدر من الخسائر البشرية الأميركية، كما إن الحرب جرت دون تدخل إسرائيلي ولم يتم استخدام أسلحة دمار شامل، ولم يحدث تدخل خارجي من قبل إيران أو تركيا، ولم تقع اضطرابات عرقية في الشمال بين العرب والكورد والأتراك ويضرب وولفوتيز المثال بما جرى في أوربا الشرقية خلال الخمسة عشر عاماً الماضية ويقول ((انه خلال 15 الى 20 عاماً في المستقبل سيعاد النظر الى هذه الحرب باعتبارها مرحلة أساسية في المسيرة الإنسانية نحو الحرية والديموقراطية))(6).
بقي أخيراً رأي جورج تينت رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية الأسبق (CIA) الذي لا يشعر بالقلق كما يقول (بوب وود وارد) في كتابه (خطة الهجوم) Plan of Attack وهو يؤكد سنعثر عليها بالتأكيد، ومن قبل قال تينت ان الأمر قد يستغرق شهوراً، ولكن في ايلول 2003 وبعد 6 شهور من الحرب قال قد يستغرق الأمر عشر سنوات، ولكنه على أية حال مقتنع بان المعلومات التي حصلت عليها وكالته كانت جيدة وفي تشرين الثاني 2003 قال تينت ان الأسئلة الخاصة بأسلحة الدمار الشامل العراقية قد لا يكون لها أية إجابة، وذلك بسبب سرقة الوثائق العراقية وتدميرها عشية الحرب، ولكن استقالة ديفيد كاي رئيس الفريق الأميركي للتفتيش عن الأسلحة في العراق وضعت تينت في مأزق، فقد قال كاي في استقالته: ((كنا جميعاً مخطئين))!! واليوم 2009 يتساءل كاتب هذه السطور: ومن يدفع ثمن ما حل بالعراق والعراقيين؟!!


الهوامش والمصادر
ـــــــــــ
(1) للتفاصيل انظر : والدمار غلمن، عراق نوري السعيد، (لا . م. لا. ت)، ص 193؛ بشار فتحي جاسم العكيدي، صراع النفوذ البريطاني الأميركي في العراق: دراسة تاريخية- سياسية، رسالة ماجستير بإشرافنا قدمت الى قسم التاريخ بكلية التربية- جامعة الموصل 2003، غير منشورة، ص 112.
(2) انظر مجلة المستقبل العربي، بيروت، السنة (9)، العدد (271)، 2001 صص 109-110.
(3) جريدة الزمان (اللندنية)، 4 أيار 2006 وفي هذا المقال عرض لكتاب كل من الدكتور جعفر ضياء جعفر والدكتور نعمان سعدالدين النعيمي الموسوم: ((الاعتراف الأخير، حقيقة البرنامج النووي العراقي، الذي نشره مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، ايار 2005.
(4) انظر : مجلة السياسة الدولية (المصرية)، العدد (135)، كانون الثاني 1999، ص ص 267-269 وانظر كذلك دراسته الموسومة ((خريطة القوى النووية في الشرق الأوسط في أوائل القرن الحادي والعشرين، حقائقها واحتمالات تطورها)) في مجلة المستقبل العربي، بيروت، السنة (9) العدد (7)، 2001، ص ص 127-130.
(5) انظر: وليد خالد أحمد حسن، ((حقيقة البرنامج النووي العراقي: عالمان عراقيان يكشفان أسرار أول محاولة عربية لدخول النادي النووي))، جريدة الزمان، 4 أيار 2006.
(6) انظر : نهال الشريف، ((كتاب جديد للكاتب الاميركي بوب وود وارد يكشف أسرار الحرب))، مجلة المصور (القاهرية)، العدد 4152، 7 أيار / مايو 2004، ص 36.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,330,399,864
- قاسم المفتي 1924-1988 ودوره السياسي في العراق
- خيارات العراق في اقامة افضل العلاقات مع دول الجوار !!
- مجلة الثقافة الجديدة : فصل من تاريخ العراق الثقافي المعاصر
- صحافة مركز الدراسات الاقليمية بجامعة الموصل -العراق
- محمد عطاالله 1945-2007 والطواف حول مملكة الحلم
- محمود مفتي الشافعية وجريدة نصير الحق !!
- مع مقالات علي الجميل في الاقتصاد والتجارة !!
- الحياة الاجتماعية في ولاية الموصل 1515 -1918
- أحمد سعد الدين زيادة وأول جريدة عمالية عراقية !!
- محمد قاسم مصطفى 1938-2006 كما عرفته !!
- يوسف سلمان يوسف (فهد ) والاتحاد العربي
- عماد الدين خليل واسهاماته في مجال الكتابة التاريخية المعاصرة
- عبد العزيز الدوري وريادة المدرسة التاريخية العربية المعاصرة
- نبيلة عبد المنعم داؤد وتوثيق التراث العلمي العربي
- رمزيةالاطراقجي وجهودها العلمية في التوثيق لتأريخ بغداد
- الدكتورة واجدة الاطرقجي والتأريخ للادب العربي في العصر العبا ...
- مليحة رحمة الله والريادة في دراسة التأريخ الاجتماعي العربي
- جمعية التراث العربي في الموصل 1973-1984 فصل من تاريخ العراق ...
- صديق بكر توفيق اغوان وتجربته الذاتية في الترجمة
- سليم حسون 1871-1947 والصحافة العراقية المعاصرة


المزيد.....




- ماذا قال وزير خارجية البحرين عمن -يسب الشيعة-؟
- مادورو بدور القذافي
- أبرز أحداث الأسبوع في صور
- المعتصمون وعسكر السودان وهواجس الانتقال
- وزير النفط الإيراني: السعودية والإمارات تبالغان في تقدير احت ...
- وزير دفاع روسيا يتوعد برد يذعر مختلقي الخطر الروسي
- الاتفاق على أسماء اللجنة الدستورية السورية خلال جولة أستانا ...
- بعد إعلان ترشحه رسميا لانتخابات الرئاسة... بايدن يفاجئ أوبام ...
- قطر: ما زلنا نسمع أصواتا تصر على أن هناك إمكانية لحل هذه الق ...
- اجتماع عسكري في السعودية بمشاركة 10 دول عربية... ماذا يحدث ف ...


المزيد.....

- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء السادس / ماهر جايان
- المنظور الماركسى الطبقى للقانون - جانيجر كريموف / سعيد العليمى
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ابراهيم خليل العلاف - هل كان للعراق قدرات نووية ؟!