أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل النجار - إبراهيم بن نبي والمفاهيم الخاطئة 1















المزيد.....

إبراهيم بن نبي والمفاهيم الخاطئة 1


كامل النجار

الحوار المتمدن-العدد: 2670 - 2009 / 6 / 7 - 10:51
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مع أني كنت مزمعاً أن أتوقف عن الكتابة لفترة استجمام قصيرة، أثارتي هذا البحث الغريب فقررت أن أفنده على حلقات ربما تصل إلى أربع.
السيد إبراهيم بن نبي أستاذ في علم الفيزياء من الجزائر، ومع أن غالبية علماء الفيزياء يؤمنون بالطبيعة إلهاً، فإنه من حق السيد بن نبي أن يؤمن بالله وبمحمد وبقرآنه. ولكن بدل أن يستفيد من علمه في الفيزياء ليشرح ظواهر الكون الفيزيائية بلغة مبسطة للعامة حتى يستبينوا من أمرهم شيئا، اختار السيد بن نبي أن يكون عضواً في عدة مواقع إسلامية، مثل أهل التوحيد ومعراج القلم، ليرد على الملاحدة، كما يقول في أحد المواقع. والسيد بن نبي يهوى دراسة اللسانيات، ولذلك كتب بحثاً مطولاً من ثلاثين صفحةٍ، عنوانه " ذكورية الخطاب القرءاني وهم بصري أم حقيقة موضوعية؟" يحاول فيه إرساء قواعد جديدة للغة القرآن تزيل عنه تهمة الذكورية في خطابه.
وقد تكرّم السيد أحمد {إبراهيم}، أحد الذين علقوا على مقالي الأخير، وأرسل لي رابط البحث الذي ربما يعتبره قد فتح آفاقاً جديدة لإنصاف القرآن، وطلب مني قراءته كي أستفيد منه.
وهناك عدة مآخذ على البحث، منها بناء البحث على فرضيات مغلوطة، وكذلك بعض الأخطاء في فهم السيد بن نبي لمفردات اللغة العربية وقواعدها، رغم اهتمامه باللسانيات. وحتى عنوان المقال لا يخلو من الخطأ اللساني. فهو يقول (ذكورية الخطاب القرءاني وهم بصري أم حقيقة موضوعية؟)، وبالطبع ليس هناك وهم بصري، إذ الوهم آلية من آليات العقل تجعلنا نعتقد بشي غير حقيقي ونؤمن به، ويقابل كلمة الوهم العربية كلمة Delusion في اللغة الإنكليزية. ولذلك سمى الأستاذ ريتشارد دوكنز كتابه عن الإله The God Delusion، أي وهم الإله، بينما البصر يخدعنا بمنظر مؤقت مثل السراب مثلاً، أو مثل حركات الحواة السريعة، نستطيع بسرعة أن نكتشف زيفها. ويقابلها في اللغة الإنكليزية كلمة illusion أي "الخدعة" والكلمة قريبة من Delusion.
يقول الكاتب في بداية بحثه: (يأيها الناس إنّا خلقناكمـ من ذكر و أنثى و جعلناكمـ شعوبا و قبائل لتعارفوا،إنّ أكرمكمـ عند الله أتقاكم؛ إنّ الله عليم خبير" الحجرات:13. هل خطاب القرءان موّجه للذكور طبيعة و خطاب الأنثى فيه تابع لخطاب الذكر و لا تميّز الأنثى في هذا الخطاب إلاّ بقرينة قوّية دالة على تمييزها بالخطاب. و هل أدوات التمييز بين الجنسين في القرءان من تاء مربوطة و ضمائر متصلة و منفصلة و بنى الجموع المؤنثة و ما قاله اللغويون صحيح في هيكلة هذا التمييز في جعل الأنثى تبع. هل هذه الأيات موجهّة للذكر حصرا :
"و زوجناهم بحور عين"
"أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيد طيبا" المائدة:6
"أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم"
"فانكحوا ما طاب لكم من النساء، مثنى و ثُلاث و رُباع")
ويستمر السيد بن نبي، فيقول: (إنّ القواعد اللغوية متأصلة في عمق ذاكرتنا بحكم تكرارها في المدرسة و الخطاب اليومي و لا نكاد نتنصل منها و تنحو تعابيرنا هذه في صناعة حكمنا على الجنس الأخر و نرتكب خطأ كبيرا في إعتبار أيات القرءان مرأة للغتنا اليومية الذكورية رغم غياب الأدلة الموضوعية على إسقاطنا هذا كما سنرى.) انتهى.
أولاً: الآية التي بدأ بها السيد إبراهيم بحثه، والتي تقول "أيها الناس" هي من الآيات المدنية القليلة التي تخاطب الناس عامة. أكثر من تسعين بالمئة من آيات القرآن التي تبدأ ب "أيها الناس" هي آيات مكية، عندما لم يكن لمحمد أتباع ولذلك كان يخاطب الناس عامة. وكل آيات المدينة، ما عدا القليل منها، يخاطبهم ب "المؤمنون" أو "يا أيها الذين آمنوا". فكلمة "الناس " خطاب موجه للجميع ولكن "المؤمنون" موجه للرجال لأنهم عدة الحرب. وفي آيات مدنية أخرى عندما يتحدث محمد عن النساء المسلمات يقول (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن) (الممتحنة 10). فهو هنا، لا شك، يخاطب الرجال المؤمنين ويطلب منهم امتحان النساء المؤمنات. وكذلك الآيات التي ذكرها السيد بن نبي أعلاه، خاصة التي تقول "فانكحوا ما طاب لكم من النساء" تخاطب الذكر دون الأنثى لأن الله لا يٌعقل أن يخاطب الجنسين ويقول لهم انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، لأن هذا يعني إما أن الله أراد أن يقول للنساء كذلك: أنكحن أربعةً من الرجال، أو أربعةً من جنسكن، أي كنّ سحاقيات، ولتنكح كل منكن أربع نسوة. أو أن الله أراد أن يقول للذكر: انكح أربعة رجال أو أربع نساء. فليس هناك أي تفسير آخر لهذه الآية غير الخطاب الذكوري القرآني.
ثانياً: أغلب لغات العالم الحية تخاطب الذكر بغير خطاب الأنثى، وحسب علمي، لا تشذ إلا لغات معدودة عن هذه القاعدة، منها اللغة الإنكليزية التي يتوحد فيها خطاب المذكر والمؤنث. ولا أشك أن السيد بن نبي يتحدث اللغة الفرنسية التي هي أكثر اللغات تعقيداً في مخاطبة الجنسين. فاللغة ما هي إلا وسيلة للتخاطب بين مجموعة من البشر اتفقوا على تعريف معاني الكلمات التي يتداولونها، حتى يسهل التفاهم بينهم. وإذا اتفقوا على معاني الكلمات المتداولة، يكون من الغباء تغيير معنى بعض الكلمات كما يحلو لنا. وتوكيداً لهذا المعنى يقول القرآن (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) (إبراهيم 4). فالقرآن نزل على أعراب تعارفوا على مخاطبة الذكر بغير خطاب الأنثى. وهذا كان لسانهم، ولذلك جاء رسولهم بلسانهم ليبين لهم. وأعتقد أنه يكون ضرباً من العبث لو أرسل الله رسولاً للأعراب بلغتهم، ثم أنزل لهم قرآناً تختلف فيه صيغة المخاطب عما ألفوه وتحدثوا به. والقرآن نفسه يقول (بلسان عربي مبين) (الشعراء 195). وكررها فيما لا يقل عن عشر آيات أخرى. وقواعد اللغة العربية لم تأتِ من فراغ، إنما أتت من محاولة النحاة استنباط القواعد من لغة المخاطبة اليومية ومن شعر الشعراء الجاهليين، الذي كان محمد يستسيغه ويفهمه ويحث حسان بن ثابت على قرضه. وحسان استعمل نفس لغة العرب في مخاطبة الأنثى التي تختلف عن مخاطبة الذكر، ولم يقل له محمد إن لغة القرآن تقول بمخاطبة الأنثى كالذكر.
يحاول السيد بن نبي طمس وقائع التاريخ عندما يقول: (و إذا الموءودة سُئلت (8) بأي ذنب قُتلت ) (التكوير 9). لا يسعنا إلاّ أن نقول أنّ الموءودة أنثى بحكم وجود التاء المربوطة في الأيات و نشرح الوءد بجعله مرادفا للدس في التراب و قتل الوليدة، والأية في الحقيقة تتحدث عن أمر أشمل و أعمق وقبل الدخول في التفاصيل اللغوية ألخص دليلي للأية في أنّ من يوءد في الحرب أو في السلم ويردم في الحفر ليس جنسا واحدا إسمه الأنثى بل هو الإنسان. يُردم في الحفر أو يُلقى في الأبار أو يُحرق في الأفران أو تُحفر له الأخاديد العميقة ليلقى هناك و ينطفأ بردمها ذكر الجريمة هو الإنسان ذكرا و أنثى و أيات التكوير تتحدث عن هذا تحديدا وهذا هو مفهوم الوءد فيه. أليس إعتبار الموءدة أنثى إتهام للقرءان من حيث نسيانه لوءد الذكور) انتهى.
وإذا تركنا اشتقاق كلمة "وأد" وركزنا على الحروب التي يقول السيد بن نبي إن الموءود فيها هو الإنسان من ذكرٍ وأنثى، نجد أن هذا القول ينافي حقائق الفترة الزمنية التي جاء فيها القرآن. ففي تلك الحقبة لم يكن النساء جزءاً من جيوش العرب المتقاتلين، بل كان القتال أصلاً لحماية المرأة من السبي أو لسبي المرأة من القبائل المهزومة. فالمرأة كانت تلزم الخدر حين يذهب الرجال إلى الحرب. وحتى في زمن غزوات محمد لم يخبرنا التاريخ عن نساء قُتلن في الحرب. فالذي يُردم في الحفر ويُلقى في الآبار هو الرجل، كما حدث في موقعة بدر عندما رمى محمد جثث القرشيين في القليب، ولم تكن بينهم ولا امرأة واحدة. فقول إن الموءودة أنثى ليس اتهاماً للقرآن، وإنما إحقاقاً للحق. والقرآن نفسه عندما أراد أن يتحدث عن وأد الصبيان، قال: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) (الأنعام 151).
يستمر بن نبي فيقول (قرأت في النت في إحدى المنتديات هذا النص الذي أنقله حرفيا:
"الإسلام يخاطب ذكرا في الأساس، و الأنثى عرض بالنسبة له، لذا نجد سورة تسمى بالنساء لإحتواءها على الكثير من الأحكام الخاصة بهنّ، و لا نجد سورة تسمى بالذكور، لأنّ القرءان كلّه خطاب للذكور و أمّا النساء فاستثناء، و الإله الإسلامي ذكر و لو على المستوى اللغوي، وقد فرّق بين الذكر و الأنثى في الشهادة و الميراث و التعدد و الطلاق. هي ليست شبهات كي لا ينبري لنا البعض مدافعا أنّ هذا ليس في الإسلام، ولكن الإسلام ليس بكائن حي ينطق شارحا نفسه، و إنّما ينطق به رجال، و هذه رؤيتنا للقراءة السائدة و بعض آثارها") انتهى.
ويرد بن نبي بالآتي: (كلام منطقي جدّا و عيبه الوحيد أنّه يستند إلى مفاهيم الكهنوت في إصدار حكمه. فالإسلام عند هذا الكاتب هو من يخاطب. مع أنّ الإسلام أرضية و ليس حقائق، فالإسلام في مفهومه القرءاني هو أرضية السلم الإجتماعي تحديدا كما أنّ الديموقراطية أرضية و الديكتاتورية كذلك. و الإسلام بهذا لا يُنشأ الحقائق و لا التنمية و لكنّه أرضية لنشوءهما. و يطلق هذا الكاتب لفظ النساء على جمع الأنثى و يراه مرادفا و هو في هذا يخالف عربية القرءان فما علاقة لفظ النساء بلفظ أنثى و إناث على مستوى الجذر ؟ و لم يدر الكاتب أنّ الذكر في القرءان يمكنه أن يكون من النساء و أنّ الأنثى يمكنها أن تكون من الرجال و أنّ مفهوم النساء متعلق بالتأخر في أمر ما سعيا و كسبا و قوامة أو حركة و لا علاقة له بجنس) انتهى.
فالسيد بن نبي قد قالها بنفسه: الإسلام أرضية وليس حقائق. وهذا هو عين الصواب. فالإسلام ميثولوجيا كهنوتية تعوزه الحقائق، لكنه أرضية خصبة لزراعة الدجل والغيبيات في عقول النشء. أما قوله "إن الإسلام في مفهومه القرءاني هو أرضية السلم الاجتماعي تحديداً كما أن الديمقراطية أرضية" قولٌ يجانبه الصواب. فالإسلام لم يكن في يوم من الأيام سلماً اجتماعياً. أين السلم الاجتماعي من غزوات محمد وخلفائه الذين دمروا الحضارات المجاورة، وحتى البعيدة عنهم، مثل الهند؟ أين السلم الاجتماعي في استرقاق الناس وبيعهم في سوق النخاسة؟ الإسلام لا يمكن أن يقارن بالديمقراطية. وكما قال هو "الإسلام لا يُنشيء الحقائق ولا التنمية" وهذا واضح جداً من حال المجتمعات الإسلامية اليوم بعد مرور ألف وأربعمائة عام على بدء الإسلام. أما قول السيد بن نبي (و لم يدر الكاتب أنّ الذكر في القرءان يمكنه أن يكون من النساء و أنّ الأنثى يمكنها أن تكون من الرجال و أنّ مفهوم النساء متعلق بالتأخر و لا علاقة له بجنس)، فيعجز عقلي عن فهمه. المرأة أصبحت رجلاً والرجل أصبح أنثى في لغة القرآن. ولكن كيف نفسر آيات في القرآن كالتي خاطبت نساء النبي (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)؟ فواضح هنا أن القرآن قصد الأنثى في الخطاب عندما قال يا نساء النبي، اللهم إلا إذا كان السيد بن نبي يريد أن يقول لنا إن النبي كان له نساء من الذكور. وهناك آيات أكثر صراحةً (ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذاً قسمة ضيزى) (النجم 21). وكذلك (فلما وضعتها قالت ربِ إني وضعتها أنثى، والله أعلم بما وضعت، وليس الذكر كالأنثى) (آل عمران 36). فالقرآن نفسه يقول لنا ليس الذكر كالأنثى. وعندما قالت الأعراب إن لله البنات، قال الله تلك إذاً قسمة ضيزى، أي غير عادلة. فكيف يكون الذكر مساوياً للأنثى والله نفسه يحتج على ذلك ويقول لنا "ليس الذكر كالأنثى؟
ولا أفهم كيف يكون مفهوم النساء متعلقاً بالتأخر في السعي والكسب والقوامة والحركة. فعند ظهور القرآن كانت خديجة متقدمة على محمد في الكسب والقوامة، فهي التي كانت توظفه، فهل يعني هذا أن خديجة كانت الرجل ومحمد كان من النساء لأنه كان متأخراً في الكسب؟ وفي أغلب البلاد العربية الآن نجد أن حوالي ستين بالمئة من طلبة كليات الطب من الإناث، وكلهن سوف يصبح كسبهن متقدماً على الرجل، فهل نعكس الأمور الآن ونقول إن النساء هن الرجال لأنهن يملكن القوامة المادية، أي التقدم على أزواجهن، والرجال هم المتأخرون في الكسب، وبذا يصبحون من النساء؟
ثم يقول السيد بن نبي: (و يستفتونك في النّسآء؟ قل الله يفتيكم فيهن و ما يُتلى عليكم في الكتاب في يتامى النسآء الّتى لا تؤتوهنّ ما كتب لهنّ و ترغبون أن تنكحوهنّ و المستضعفين من الولدان و أن تقوموا لليتامى بالقسط؛ و ما تفعلوا من خير فإنّ الله كان به عليما"
النساء :127هل هناك "يتامى الإناث"!! هذه الأية وحدها تنسف زعم الكهنوت أنّ النساء هي جنس الإناث دون أن يغوص القارئ في بنية القرءان اللفظية و أنّها عربية أي جذرية و أنّ إنتفاء العلاقة في الجذر بين النساء و الإناث يجعلهما مفهومان مختلفان. كل هذا لا يأتي دون تحوير شامل لقواعد كهنوتية لغوية علينا هدمها لإستحالة تطابقها مع موضوعها إذ هي تؤسس قواعد كثيرا ما تتجاوزها لتتعذر بالشذوذ اللغوي و السماعي و القياسي. و عبارة الكاتب الأخيرة تؤكد أن قراءة النص القرءاني الذي يسميه خطأ الإسلام هي قراءة بشرية مرحلية تاريخية) انتهى.
وأظن أن العكس هو الصحيح هنا، وأنّ هذه الآية تكفي لنسف نظرية السيد بن نبي الجديدة. ونعم هناك يتامى الإناث، أي البنات الأيتام وهناك يتامى الصبيان أي الولدان، كما تقول الآية. كل ما فعله كاتب القرآن هو حذف التعريف من الكلمتين، فبدل أن يقول "اليتامى الإناث" قال يتامى الإناث. فاليتامى لا بد أن يكونوا صبياناً أو فتيات، ولذلك ذكرت الآية النوعين. ولو تمعن السيد بن نبي في الآية لوج (يستفتونك في النساء...وترغبون أن تنكحوهن.. ولا تؤتوهن ما كُتب لهن) فهل قرأ السيد بن نبي في تاريخ العرب أن المرأة تدفع المهر وتنكح الرجل الذي تريد؟ فمقولة إن انتفاء الجذر بين النساء والإناث تنفي أن يكون النساء إناث، مقولة لا معنى لها. فليس هناك أي علاقة جذرية بين كلمة صبي وبين كلمة رجل، ولكن الجميع يعلم أن الصبي إذا كبر أصبح رجلاً وليس امرأةً. وحسب علمي كل القراءات، سواء للقرآن أو غيره هي قراءة بشرية، والقرآن أتى به محمد ليقرؤه البشر بلسانهم، ولم يأت به ليقرأه الله أو الملائكة، أما كونها قراءة مرحلية تاريخية، فالقرآن نفسه، بل الأديان عموماً ما هي إلا مرحلة تاريخية مرّ بها الإنسان في طفولته العلمية، وقد بدأ يتخطاها الآن بعد أن بلغ مرحلة الشباب العلمي وهو في طريقه إلى النضوج الكامل الذي سوف يقود إلى فناء الأديان عموماً.
وبعد أن تحدث السيد بن نبي عن نشوء قواعد اللغة العربية وجدال أهل الكوفة وأهل البصرة في القواعد، قال: (هذه القواعد اللغوية أصبحت بحكم تكرارها كتابة و نطقا سننا جارية في حياتنا كسريان السنن الكونية الموضوعية و من هذه القواعد التي وضعها هذا الكهنوت قواعد التذكير و التأنيث. و يظهر أنّ هذه القواعد محكمة البناء و لكنّها في بناءها الداخلي متهافتة كما سنرى في بقية البحث و أول ضربة قاضية توّجه لهذه القواعد هو إفتقادها للعَلْمانية Universality. و ليسمح لي القارئ أن أستعمل لفظ العلمانية في سياق معرفي لا علاقة له بالإطار الأيديولوجي و إن كان في نظري يحمل نفس المفهوم. فالعلمانية معناها في إستعمالي لها في البحث إحاطتها بكل جزئيات القاعدة أي بالتعبير البسيط لا يمكن لقاعدة أن تكون علمانية إن لم تستطع إحتواء كل الأمثلة التي تدّعي سريان القاعدة عليها. فلا يُمكننا أن نقول أنّ الفاعل إن كان جمعا مذكرا سالما يُرفع بالواو و النون و نجد فاعلا جمعا مذكرا سالما منصوبا بالياء و النون. فإمّا أن تعريفنا في تقسيمنا للجملة خاطئ من حيث إعتبار وجود فعل و فاعل و مفعول و ...و أو أنّ الخطأ في قواعد الإعراب أو أنّ الخطأ في كل هذا. و لا يمكن إعتبار قاعدة في القرءان إن لم تكن علمانية و هذا هو الفرق بين البنية و القواعد تحديدا.) انتهى
وكما قلتُ سابقاً، فليس هناك لغة حية تخلو من القواعد، كما أن الظواهر العلمية الطبيعية لها قواعد تحكمها. ويدعي السيد بن نبي أن قواعد التأنيث والتذكير في اللغة العربية ضعيفة البناء الداخلي، ويستمد سنده من أننا لا يمكن أن نقول إذا كان الفاعل جمعاً مذكراً سالماً يُرفع بالواو والنون، ونجد فاعلاً جمعاً مذكراً سالماً منصوباً بالياء والنون. وأظن أن السيد بن نبي أراد أن يقول "لا يمكن أن نجد فاعلاً مرفوعاً بالياء والنون" وليس منصوباً بالياء والنون كما جاء في جملته، إذ أن الفاعل دائماً مرفوع، وإذا نُصب أصبح مفعولاً به.
والشخص الذي يُقدم بحثاً مطولاً في بُنية لغة القرآن ويريد أن يلقي باللائكة على النحاة، لا بد أن يكون ملماً بقواعد اللغة النحوية والإملائية. ولكن السيد بن نبي لا يعطي القاريء الانطباع بأنه ملمٌ بتلك القواعد، نسبةً لكثرة الأخطاء التي وردت في هذا الجزء من البحث، فمثلاً، نجده يقول: "نشرح الوءد بجعله مرادفا للدس في التراب." والكلمة الصحيحة هي الوأد. ويقول: "أو تُحفر له الأخاديد العميقة ليلقى هناك و ينطفأ بردمها ذكر الجريمة". والكلمة الصحيحة هي ينطفيء. ويقول: "أليس إعتبار الموءدة أنثى إتهام للقرءان من حيث نسيانه لوءد الذكور"، والصحيح هو وأد الذكور، وكذلك كان عليه أن يقول "اتهاماً للقرآن" بدل "اتهام للقرآن" لأن كلمة "اتهام" هنا خبر ليس منصوب. ويقول: "الإسلام بهذا لا يُنشأ الحقائق و لا التنمية و لكنّه أرضية لنشوءهما". والصحيح هو لا ينشيء الحقائق، وأرضية لنشوئهما وليس لنشوءهما. ويقول: . "و يظهر أنّ هذه القواعد محكمة البناء و لكنّها في بناءها الداخلي متهافتة." والصحيح هو في بنائها الداخلي.
وسوف أناقش في الحلقة القادمة خطأ الفرضيات العلمية التي بنى عليها نظريته الجديدة في لغة القرآن.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,470,657,273
- أفتخر بأني أنثى
- إجابات للقراء عن موضوع الدفاع عن القرآن
- السيد المرداني ودفاعه البائس عن القرآن
- الصحوة التي تسبق الموت
- مع القراء مرة أخرى
- من هو كامل النجار
- لندنستان والإخوان 2-2
- لندنستان والإخوان 1-2
- تعقيبات القراء على الرسل والأنبياء
- الرسل والأنبياء مضيعةٌ للوقت- كما يقول القرآن
- نظرة جديدة على -مجمع البحرين- القرآني
- زغلول النجار وزرقاء اليمامة
- الذين يكرهون الحياة
- الصلاة ليست إيحاءً إلهياً
- الأديان تجرد الإنسان من إرادته
- نشر الإسلام على حساب الأيتام
- رسالة مفتوحة إلى رب السماء
- نقد الأديان والتعصب
- إله السماء مهندس فاشل
- ثورة الحسين والتجارة التي لا تبور


المزيد.....




- إزالة أجزاء في ساحات المسجد الحرام للاستفادة من مواقعها كمصل ...
- “شباب الإخوان” في رسالة الهزيمة واليأس والندم إلى قياداتهم : ...
- باحث في شؤون الإسلام السياسي لـ RT: مبادرة شباب الإخوان للخر ...
- «التجمع» يدين العدوان الصهيوني على المصلين في المسجد الأقصى ...
- الأوقاف المصرية: لا مانع من نقل مكان المسجد أو الضريح للمصلح ...
- الخارجية الفلسطينية تدين مشاركة موظفين من البيت الأبيض في اق ...
- #إغلاق_النوادي_الليلية.. الأردنيون يتجادلون والإخوان يتدخلو ...
- نيوزيلندا بعد المذبحة.. لماذا البطء في محاكمة منفذ جريمة الم ...
- نائب أردني: أوصينا بطرد السفير الإسرائيلي ردا على اعتداءات ا ...
- بعد نصف قرن من الغياب..عودة الأقباط إلى السياسة السودانية عب ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل النجار - إبراهيم بن نبي والمفاهيم الخاطئة 1