أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - إلهامي الميرغني - الفردية والاستثناءات وثقافتنا















المزيد.....

الفردية والاستثناءات وثقافتنا


إلهامي الميرغني

الحوار المتمدن-العدد: 2669 - 2009 / 6 / 6 - 09:24
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


ودا....ع
يا أرض الوطن تحت الطوفان
لأني ناوي أغرق مع الغرقان
لأني ناوي أفقر مع الغلبان
وأبحث عن الإنسان
في قلمي وف صوتي
وحافضل أقول الحق
حتى ولو ده كان سبب موتي
عبدالرحمن الأبنودي
منذ قاد السادات الردة الكبرى في السبعينات من القرن الماضي والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تتوالي بشكل دائم فقد سافر أكثر من ثلث السكان المصريين في سن العمل عبر سنوات إلي دول النفط وعادو ليهدموا منازلهم القروية ويقيموا منازل من الخرسانة المسلحة ، وبدأ التطور بالتحول من عصر القيشاني إلي عصر السيراميك والبورسلين ، ومن عصر الطعمية والكشري إلي عصر الكنتاكي والبيتزا، ومن عصر أمل دنقل ونجيب سرور إلي عصر أحمد عز ونجيب ساويرس.
تم إعلاء قيم الحل الفردي وان الحل الجماعي جعلنا نعيش فقراء بينما الفردية ستقودنا للتنوع والثراء وانتشرت قيم " إن جالك الطوفان حط أولادك تحت رجليك " و" أنا ومن بعدي الطوفان" و" إن بيت أبوك خرب خدلك منه قالب" إلي آخر هذه الأمثال.فأصبح المواطن المصري يعيش في شقة نظيفة وأرضياتها سيراميك ومكيفة الهواء بينما لا يهتم بنظافة سلم العمارة التي يسكن بها والشارع الذي يعيش فيه. وتراجعت وسائل النقل العام ليسعي كل شخص لامتلاك سيارة خاصة ونعاني من مشاكل الازدحام وتوفير مواقف كافية للسيارات.فقد انقلنا من ظلمات عصر التروللي باص والترام أبو سنجة إلي بهجة عصر الميكروباص والتوك توك. وأصبح من المعتاد أن تري شخص يركب سيارة ثمنها أكثر من نصف مليون جنيه ويفتح شباك السيارة ليلقي بكيس مخلفات أو علبة مياه غازية فارغة في وسط الطريق ، وأصبح من المعتاد أن تجد سيارة عليها علامة الشرطة أو القضاء أو طبيب وتسير عكس اتجاه السير أو تركن صف ثالث أو رابع أو يتركها صاحبها تعمل وينزل ليتسوق.
عندما تأكد لدينا تلوث مياه الشرب ، لم نطالب بتحسين نوعية المياه وجودتها ، ولم نطالب الحكومة أو حتى نتقدم بشكوى بل اشتري كل مواطن منا فلتر خاص به وبأسرته ، وحين دخلنا عصر الفضائيات لم يتم تركيب مراكز بث مركزي حتى في العمارات الكبرى بل أصبح لكل مواطن طبق التقاط للبث وجهاز استقبال خاص به ، وأصبحت أسطح العمارات والبيوت حتى في أعماق الأحياء الشعبية والقرى غابات لأطباق البث فهذه هي قيم عصر الانفتاح.وانتقلنا من ظلمات عصر البقالين والسلع التموينية والمجمعات الاستهلاكية إلي جنة كارفور وهايبر ومترو لكي لا يشعر المواطن بالغربة وانه يمكنه وهو في القاهرة أن يتسوق علي النمط الأوروبي والأمريكي ويستغني عن السلال التي كان ينزلها من شرفة منزله لشراء علبة رابسوا أو باكو شاي.وضعفت أهمية الأسواق الأسبوعية في الريف والمدن في عصر المولات ومراكز التسوق الكبرى.
كذلك تطورت أنماط الترفيه فانتقلنا من عصر مراجيح المولد إلي عصر دريم بارك وووندر لاند وكريزي واتر وانخفضت أهمية الإسكندرية وتراجعت أسماء مصايف مثل رأس البر وجمصة وبلطيم أمام الغردقة وشرم الشيخ والساحل الشمالي وانقلنا من عصر العشش وحلويات المشبك في رأس البر إلي عصر شاليهات بورتو مارينا وحلويات بوندز والدونات الأمريكية. كما اختفت المقاهي الشعبية لتحل محلها الكافيهات وبدلا من مقاهي الفيشاوي والحرية وريش اصبحنا نعيش عصر استارباكس و تشليز .
كان التعليم هو هدف الأمة ووسيلة الرقي والعمل المنتج أساس لنهوض الأمة فحلت قيم الفهلوة والمادة فوق كل اعتبار وأصبحت قيمة الشخص لا تحدد علي أساس الشهادة الجامعية التي يحملها أو الوظيفة التي يشغلها بل برصيده في البنوك وموديل سيارته وحجم محفظة استثماراته في البورصة .وبعد إن كانت المستشفيات الحكومية مراكز للعلم والخدمة الصحية المجانية أصبحت مرتع للفئران وتلوث التيتانوس والالتهاب الكبدي. وانتقلنا من عصر المستشفي الأميري إلي عصر مايو أكلينيك ودار الفؤاد.وانهارت مكانة المعلم والطبيب أمام مكانة رجل الأعمال وأصحاب شركات الاستيراد والتصدير. وتراجع اهتمام الدولة بالصناعة والزراعة وتزايد اعتمادنا علي استيراد كل احتياجاتنا من الخارج.
سافر المصري للخليج ليعمل وعاد إلينا برصيد في البنك وجهاز لتكييف الهواء ولبس جلباب ابيض وأطلق لحيته وسافرت زوجته محجبة لتعود إلينا منقبة . وانتقلنا من عصر الأسرة هي اللبنة الأولي في المجتمع إلي عصر الزواج العرفي والمتعة والمسيار.حتي رجال الدين اختلفوا فانتقلنا من عصر الشيخ شلتوت والشرباصي إلي عصر الشيخ حسان وعائض القرني وعمرو خالد. كانت مصر أكثر تديناً في الخمسينات والستينات فلم أري والدتي تخرج من المنزل عارية الرأس وكذلك تفعل جارتنا أم ميشيل فهذه طبائع الأمور في صعيد مصر. كنا نعيش في نسيج متلاحم ولا نعرف فرق بين مسلم ومسيحي. ألان انتشر النقاب والحجاب واستطالت اللحى والملابس ولكن قل التدين الحقيقي وساد التدين الشكلي، وعلي الطرف الآخر انتشرت المخدرات والتحرش الجنسي.
لكن أهم ما يجمع المصريين منذ الخمسينات وحتى الآن هو غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية الفاعلة.ربما استطاع النظام في الخمسينات والستينات تقديم بعض المكتسبات الاجتماعية ولكن ظل العداء للديمقراطية هو السمة السائدة منذ عصر هيئة التحرير وحتى عصر لجنة السياسات.وتحولت عضويات تنظيمات الحكومة وسيلة للصعود الاجتماعي وتولي المناصب القيادية وأخيرا الدخول والتقدم في عالم البيزنيس ودولة رجال الأعمال.
رفعت الثورة شعار القضاء علي الإقطاع وقلصت الملكية الزراعية لكنها أحلت رجالها محل بهوات الإقطاع واستخدمت نفس العصبيات القبلية لنجاح مرشحيها ، واستمرت في تعيين العمد والمشايخ لتضمن ولائهم وظل الفلاح المصري مفعول به سياسياً تخضع إرادته لإرادة العشيرة والقبيلة وأصبح التحديث مجرد وصلة دش لمشاهدة المسلسلات التركية وجهاز هاتف محمول ، بينما ظل الفلاح يعيش في نفس المكان مع الحيوانات والطيور ولا يزال البعض يحتفظ بأفران للخبيز داخل البيت الريفي بجانب جهاز التليفزيون وذهبت كل أحاديث بناء وتنمية القرية أدراج الرياح.
أما المدن المصرية فليست بأفضل حالاً من الريف حيث العزوف عن المشاركة السياسية سواء من خلال عدد حاملي البطاقات الانتخابية إلي من هم في سن الانتخاب أو من حيث المشاركة في الانتخابات العامة أو الانتماء للأحزاب السياسية.وأصبحت المصالح الحكومية والشركات تحشد موظفيها في حافلات تنقلهم للجان الانتخاب لتأييد ممثلي الحكومة وأصبحنا نعيش في حلقة جهنمية .
ورغم خصخصة الحكومة للكثير من أصولها حتى أصبحت تفكر في بيع الهرم وقناة السويس إلا أنها لا تزال متمسكة بالملكية العامة للأعلام والصحافة لتظل تبث داعيتها التي ملها الناس وأصبحت مكشوفة بشكل فج ومثير للسخرية. وضاع المواطن في طوفان صحف مستقلة وحزبية منها ما يحاول نقل هموم الوطن ومنها من يتاجر بهموم الوطن وسادت الصحف الصفراء. والفضائيات أصبحت في سباق محموم بين قنوات الجنس وقنوات التشدد الديني الإسلامي والمسيحي.وسيل الإعلانات التي تبحث عن الاستهلاك بغض النظر عن وسيلة توفير الأموال اللازمة لهذا الاستهلاك.
عند قيام ثورة يوليو جاء في بيانها الأول انها جاءت للقضاء علي الفساد والرشوة والمحسوبية والآن بعد مرور أكثر من نصف قرن علي ثورة يوليو هل قضي علي الفساد ؟! ولو تمت مقارنة فساد الملك فاروق بفساد مبارك وفساد أسرة محمد علي بفساد أسرة مبارك ولجنة السياسات سنعرف لماذا انبهرت الناس بمسلسل الملك فاروق!!. لقد أصبحت الرشوة مقننة وتسمي عمولة أحيانا ، وأصبحت الواسطة والمحسوبية وسيلة لالتحاق بالكليات العسكرية وكلية الشرطة والقضاء والسلك الدبلوماسي الأمر الذي دفع عبدالحميد شتا الأول علي كلية الاقتصاد للانتحار لعدم التحاقه بالسلك القنصلي لأنه غير لائق اجتماعياً.
أصبحت المرأة تسعي للحصول علي كوته في مجلس الشعب وكأنها بذلك ستنال حريتها ، ويطالب الأقباط بالمعاملة بالمثل لتتحول الديمقراطية المصرية إلي حصص تبعا للجنس والدين ومن يعلم ربما نجد فئات أخري مثل الشيعة والنوبيين والامازيغ يطالبون بحصة لتستمر التجربة المشوهة ويزيد الانفضاض عن المشاركة السياسية.
ولو رجعنا لكتابات المقريزي وابن إياس والجبرتي عن المجاعات والأوبئة في مصر سنعرف كيف كان فساد الحكم هو المدخل لكل هذه المشكلات.
لذلك فإن العودة للعمل الجماعي وروح الأسرة والمصلحة الجماعية هي الطريق الوحيد لاستعادة مصر التي نكاد نفقدها. ذلك ما أدركه قضاة مصر وأساتذة الجامعات في حركة 9 مارس وهو ما أدركه عمال المحلة وموظفي الضرائب العقارية وسكان طوسون والحرية . ورغم الغياب شبه الكامل للأحزاب السياسية تولد من رحم الأزمة مصر الجديدة في وردان في إمبابة وحركة الدفاع عن أرض مطار إمبابة وفي رابطة المرضي في بني سويف ولجنة الدفاع عن البيئة في ميت يعيش دقهلية وفي حركة أطباء بلا حقوق وروابط المعلمين. هكذا تولد مصر الجديدة بوعي جديد يطرد الوعي الزائف وتستعيد الوعي الذي شوهته قوي رجال الأعمال ورياح العولمة .
وقد صدقت مقولة الخواجة لامبو العجوز بطل قصيدة الأبنودي التي كتبها سنة 1964 حين قال :
فيه في قلب الظلم حتة نجم بيضا
العمل مش حاجة ضايعة في الهوا
برد اسبانيا استوي

إلهامي الميرغني
4/5/2009
eme55@hotmail.com





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,224,131,888
- الرأسمالية المصرية تجدد نفسها بإعدام الفقراء
- لماذا نخاف من الأوبئة ؟
- حرب الخنازير
- الطريق لتحرير النقابات المهنية
- اليسار .. الأزمة و الفراغ السياسي
- السكة الحديد مرفق حيوي وكفاح عمالي متواصل
- المعلمون بين الاقتصاد و التعليم
- الحرية النقابية ومشروع قانون النقابات العمالية
- الشيوعيون المصريون .. ويناير و مسيرة العطاء المتواصل
- هل يتأثر المواطن المصري العادي بالأزمة العالمية؟!
- التمييز الايجابي والمرأة وقضية الديمقراطية في مصر
- الحرية النقابية والتعددية هي الحل
- رؤية لما حدث في 6 أبريل
- ارتفاع الأسعار إلي أين؟!
- ياحلاوة ياحلاوة ضحكوا علينا بالعلاوة
- عمال مصر لن ينتظروا اليسار
- العشوائية والفوضى وإعادة تقسيم المحليات
- الجهاز المركزي للمحاسبات بين الاستقلالية والتبعية
- انتخابات المحليات بين المشاركة والمقاطعة
- خصخصة الرياضة وهروب عصام الحضري


المزيد.....




- سعيد الإمام ينعي بكلمات مؤثرة الرائد الإذاعي بنعبدالسلام
- بنداود عن الكبير بنعبد السلام: دار البريهي فقدت علما كبيرا
- تحطم مروحية عسكرية ومقتل اثنين من طاقمها غربي الجزائر
- فيديو.. لكمات حبيب نورمحمدوف خلال التدريبات
- موسكو تحث زعيم المعارضة الفنزويلية على الاستجابة لمبادرات ال ...
- -يديعوت أحرونوت-: نتنياهو سيزور المغرب قبل الانتخابات الإسرا ...
- أردوغان: أولويتنا منطقة آمنة شمال سوريا
- تفكيك عصابة مخدرات يتزعمها مغربي في إسبانيا
- كالاشنيكوف تكشف عن نموذجها المحدث AK-204
- أردوغان: لن نوقف أنشطة التنقيب عن النفط في شرق المتوسط


المزيد.....

- برنامج الحزب الاشتراكى المصرى يناير 2019 / الحزب الاشتراكى المصري
- القطاع العام في مصر الى اين؟ / إلهامي الميرغني
- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - إلهامي الميرغني - الفردية والاستثناءات وثقافتنا