أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فهد راشد المطيري - خطر الفلسفة














المزيد.....

خطر الفلسفة


فهد راشد المطيري

الحوار المتمدن-العدد: 2643 - 2009 / 5 / 11 - 05:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


كان الفيلسوف اليوناني العظيم «سقراط» يصر على أنه لا يدافع عن آرائه الخاصة لأنه لا يمتلك آراء خاصة، بل إن مهمته تنحصر فقط في اختبار صحة آراء الآخرين، ومن يقرأ «حوارات أفلاطون» يكتشف فعلاً أن سقراط ينجح دائماً في إثارة عقول محاوريه عن طريق إجبارهم على مراجعة الآراء التي يتبنونها وإعادة فحصها تحت مجهر العقل، لكن إذا أردنا أن نكون تلاميذ أوفياء لسقراط، فعلينا ألا نصدق كل ما يقوله سقراط نفسه! مهما أصر هو على أنه لا يمتلك آراء خاصة به، فإن له في حقيقة الأمر مجموعة من الآراء «الخطيرة»، لعل أهمها هو ذلك الرأي الذي أفصح عنه خلال محاكمته الشهيرة بتهمة «إفساد عقول شباب أثينا»! عندما طلب القضاة من سقراط أن يدافع عن نفسه، أجاب قائلاً: «إن الحياة التي لا نختبر صحتها عن طريق العقل لا تستحق أن نعيشها»! أرجو من القارئ أن يتوقف قليلاً عند هذا الرأي السقراطي، فهو رأي يتضمن أهم وظيفتين لهذا النشاط الإنساني الذي نسميه «فلسفة».

الوظيفة الأولى للفلسفة هي اختبار المفاهيم، فعندما نقول إن السرقة فعل غير أخلاقي، وإن العدل فضيلة، وإن الاغتصاب الجنسي فعل محرم، فإن الفلسفة تطلب منّا أن نحدد بوضوح المقصود بمفاهيم مثل «السرقة» و«العدل» و«الاغتصاب الجنسي». مثلاً، هل سلب أموال الأغنياء ومنحها للفقراء يدخل ضمن باب السرقة، أي هل إعادة توزيع الثروة على طريقة «روبن هود» تعتبر سرقة؟ ماذا لو كانت السرقة هي الطريقة الوحيدة لإعادة توزيع الثروة، فهل من الممكن في هذه الحالة اعتبار إعادة توزيع الثروة عدلاً؟ أخيراً، عندما يكون المقصود بالاغتصاب الجنسي هو إكراه إنسان على ممارسة الجنس، فهل إكراه الزوج زوجته على المعاشرة الجنسية يقع ضمن دائرة الاغتصاب الجنسي؟ ثم هل يكفي وجود عقد زواج شرعي كي نهمل مشاعر المرأة الجنسية، وهل يكفي عدم وجود عقد شرعي كي ندين مشاعر إنسانية حقيقية؟!

عندما لا نتفلسف، أي عندما لا نفحص المفاهيم التي تتضمنها آراؤنا، فإننا سنظل نردد ما نسمع من دون أن نفحص حقيقة ما نسمع، وقد يكون ما نسمعه من الآخرين صحيحاً أو خاطئاً، لكن عندما نحرم أنفسنا من الفلسفة، فإننا في واقع الأمر نحرم أنفسنا من أن يكون لنا دور في عملية تمييز الصواب من الخطأ، وهنا تحديداً يقع الخط الفاصل بين مرحلة الطفولة ومرحلة البلوغ!

الوظيفة الآخرى للفلسفة هي اختبار ما يترتب على آرائنا إذا قبلنا بصحتها، فقبل أن أؤمن بصحة آرائي، ينبغي أولاً أن أطرح على نفسي السؤال التالي: هل يؤدي رأيي إلى نتائج متناقضة؟ لنفرض، مثلاً، أني أؤمن بمقولة أن «كل الحقائق نسبية، فليست هناك حقيقة مطلقة»! في هذه الحالة، ينبغي أن أطرح على نفسي السؤال التالي: ماذا عن حقيقة المقولة نفسها، هل هي نسبية أم مطلقة؟ إذا كانت المقولة تعبّر عن حقيقة مطلقة، تصبح المقولة ذاتها غير صحيحة، وإذا كانت تعبّر عن حقيقة نسبية، فهذا يعني أنني يجب أن أكون حذراً عندما أدافع عن صحة هذه المقولة، فهي لا تعبّر الا عن حقيقة نسبية فقط، وليست مطلقة!

عندما لا نتفلسف، أي عندما لا نختبر ما يترتب على صحة آرائنا، فإنه من المحتمل جداً أن نصبح ضحية آراء تفضي إلى نتائج متناقضة، والآراء المتناقضة تؤدي إلى سلوك متناقض، والسلوك المتناقض يدل على حياة خاوية من التفكير، وهي حياة لا تستحق أن نعيشها حسب رأي سقراط!

نأتي الآن إلى عنوان المقال لنتساءل: إذا كانت الفلسفة تعني اختبار المفاهيم أولاً، واختبار ما يترتب على آرائنا ثانياً، فلماذا حوكم سقراط بتهمة «إفساد عقول شباب أثينا»؟ لماذا تحظر بعض الدول الرجعية تدريس الفلسفة، ولماذا تتدخل بعض الدول القمعية في مناهج الفلسفة؟ الجواب يكمن في نوعية السلطة المشروعة، فبينما لا تقبل الدول الرجعية إلا بسلطة النصوص، وبينما لا تقبل الدول القمعية إلا بسلطة الدكتاتور، فإن الفلسفة لا تقبل إلا بسلطة العقل. لم تكن تهمة «إفساد عقول شباب أثينا» هي السبب الحقيقي وراء محاكمة سقراط والحكم عليه بالموت، بل إن السبب يكمن في أن سقراط أتاح لجيل الشباب نوعاً آخر من السلطة، وهو نوع يتعارض مع دكتاتورية الأغلبية التي هي نتاج الديمقراطية المباشرة في النظام الأثيني.

الفلسفة نقيض التلقين، وعندما يكون التلقين هو الهدف الأساسي من نظامنا التعليمي، أي عندما نجبر التلاميذ على الإيمان بمفاهيم من دون فهمها، وعلى تبني آراء من دون فحص ما يترتب عليها، فإن من الحماقة تدريس منهج الفلسفة! نعم، الفلسفة خطر، لكنها ليست خطراً على عقولنا، بل على مَن يريد أن يتحكم في عقولنا!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,704,675
- جماعة الدعوة والتبليغ على الطريقة المسيحية
- التفكير الدائري
- طفل يبحث عمّن يتبنّاه
- العقل والمرأة
- الشقاء في السراء والضراء
- من يجب أن يحكم؟
- الحرية بين الشرق والغرب
- آفة الطاعة وأنواعها
- خرافة علم الأنساب
- تشويه المفاهيم الغربية
- انحسار الخطاب العلماني
- العدل والديمقراطية
- الثنائية المزيفة: إما حكم الأغلبية...وإما حكم الأقلية
- الوطنية و حلبة الصراع من أجل السلطة
- الديمقراطية و استبداد الأغلبية
- حوار في الدين و السياسة و التعليم
- الرقابة في عصر -الأنوار- الإسباني
- نقد العقل الجبان
- التفكير النقدي: طريق الخلاص
- الأفكار الجديدة و التقاليد الموروثة


المزيد.....




- -إكسير الشباب- في أذربيجان فوائد صحية فريدة لا توفرها أي ميا ...
- حديث ترامب عن أردوغان يتغيّر بعد -تعليق نبع السلام-
- مصر على سطح القمر بمشروع -أنا عايز أعيش في كوكب تاني-
- -المدينة الضائعة- تظهر أخيراً..وهنا موقعها
- جونسون سيبدأ معركة صعبة لإقناع البرلمان بإقرار الاتفاق بشأن ...
- الاتحاد الأوروبي يعتزم فرض عقوبات ضد تركيا على خلفية أعمال ا ...
- سماع قصف في رأس العين شمال سوريا بعد يوم من إعلان أميركي ترك ...
- ترامب يفتح جبهة حرب تجارية جديدة ويفرض رسوما جمركية بقيمة 7, ...
- شاهد: الجيش الروسي يطلق صواريخ بالستية في تدريبات عسكرية بحض ...
- سماع قصف في رأس العين شمال سوريا بعد يوم من إعلان أميركي ترك ...


المزيد.....

- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فهد راشد المطيري - خطر الفلسفة