أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق حجي - أدب المنشقين السوفييت قبل إنهيار جبل الجليد.






















المزيد.....

أدب المنشقين السوفييت قبل إنهيار جبل الجليد.



طارق حجي
الحوار المتمدن-العدد: 2620 - 2009 / 4 / 18 - 10:17
المحور: الادب والفن
    


هذا النص القديم : منذ سن صغيرة ؛ ولعت بالأدب الروسي وهمت حبا بأعلامه وبالذات بشاعر روسيا العظيم بوشكين (الذى كنت فى متحفه فى موسكو منذ أسابيع قليلة أى خلال شهر فبراير 2009 ) وغوغول وعمالقة الرواية الروسية وبالذات ديستوفيسكي وتولستوي وتورغينيف وليرمنتوف وغوركي ؛ والشاعر العبقري الذى وقفت تحت تمثاله منذ أسابيع بموسكو ووضعت أمامه زهورا طلبت مني تقديمها له الكاتبة والشاعرة السورية الموهوبة مرح البقاعي . وخلال الأعوام من 1976 و 1979 كان كاتب هذه السطور مولعا بالحركة الأدبية التى ذاعت وشاعت تحت الأرض السوفيتية والتى عرفت بحركة سميزدات (أي "إطبعها بنفسك") ... وفى صيف 1981 كتبت نصا مطولا (فى أكثر من 360 صفحة) أقتطع منه اليوم لقراء "الحوار المتمدن" جزءا عن هذه الحركة الأدبية التى ربما يصح أن أقول أن نجمها الأكثر تألقا كان الأديب والروائي الروسي العظيم ألكسندر سولجينيتسن الذى مات سنة 2008 عن تسعين سنة ؛ والذى عرفني عليه (فى الويات المتحدة) فى أواخر الثمانينيات (من القرن الماضي) أكبر مستشرق / مستعرب فى عالمنا اليوم ؛ وأعني البروفيسور ذائع الصيت برنارد لويس كاتب مقدمة الطبعة الأولي من كتابي بالإنجليزية "الثقافة والحضارة والإنسانية " طبعة فرانك كاس ؛ لندن ؛ 2003 ؛ فى 400 صفحة من القطع الكبير... ونصيحتي لأوركسترا القطط والنمور التى ما أن أنشر نصا قديما يمس الماركسية إلا وتشرع فى أداء سيمفونيتها الصاخبة "عويل أبناء ماركس" من مقام زئير الكبير أن تنظر لهذا النص كنص أدبي كتب منذ قرابة ثلاثين سنة شهدت الدنيا خلالها نفوق الديناصور الذى يعبده كاتب السيمفونية المذكورة وأعضاء جوقته الثكالي ... طارق حجي من جنيف ومن أمام بحيرة ليمان التى طالما تمشي بمحاذاة ضفتيها منذ سني دراسته بجامعة جنيف وخلال السنوات الثلاثين الماضية - علما بأنه سيكون من العسير علي ِ مواصلة النشر بهذا الموقع المتميز قبيل إنتهاء رحلة المحاضرات المقبلة لأستراليا بدعوة من جامعة ميلبورن والتى ستستمر إلى نهاية الشهر القادم (مايو) . ==============================================================================================

وإذا كان هذا ليس موضوع الحديث باستفاضة عن أدب المنشقين السوفيت وكفاحهم ومعاناتهم المريرة من أجل الحرية وحقوق الإنسان، فإننا نكتفي بضرب مثال واحد هو مثال الروائي المبدع ألكسندر سولجينيتسن الذي يعد ما مر بحياته منذ مولده في الاتحاد السوفيتي سنة 1918 وحتى طرده في سنة 1974 مثالاً صارخاً على تفشَّي القمع السوفيتي المرعب المرهب في المجتمع الاشتراكي الذى يعد المثال الأكبر لتطبيق النظام المستقى من الماركسية (ديكتاتورية البروليتاريا) وعلى درجة رهيبة من انعدام الحريات بكل أنواعها وانعدام أدنى درجات وأبسط حقوق الإنسان.

ولد ألكسندر ايزايفيتش سولجينيتسن([1]) في 11 ديسمبر 1918 في مدينة كيسلوفودسك([2]) وبعد ست سنوات من مولده، وعلى أثر وفاة أبيه في حادث، انتقلت به أمه إلى مدينة رستوف([3]) حيث عملت ككاتبه على الآلة الناسخة. وكانت الحياة القاسية إلى أقصى حد على الجميع في تلك الفترة في مستهل العهد الستاليني، أشد قسوة ـ لا ريب ـ على تلك الأرملة الشابة ووحيدها اليتيم. ومنذ عهد المدرسة الابتدائية، عرف عن التلميذ الصغير «ألكسندر» نبوغه الذى لازمه عبر كل سنوات الدراسة، ثم انتقل معه إلى جامعة روستوف حيث لمع نبوغه أكثر في دراسة الرياضيات والفيزياء، مما أهل الطالب العبقرى للحصول بسهولة على منحة للدراسات العليا. وفي نفس الوقت، لم ينس السكندر حبه العميق الذى لازمه منذ طفولته للثقافة بوجه عام وللأدب بوجه خاص، فالتحق ـ عن طريق المراسلة ـ بمعهد موسكو للفسلفة والأدب والتاريخ «Moscow Institute of Philosophy, Literature & History» والذى حصل على شهادته في عام 1941، بعد عام واحد من بدء مزاولة وظيفته كأستاذ للرياضيات بثانوية مدينة روستوف.

وفي هذه الفترة أخذ يحاول نشر أعماله الروائية والقصصية التي كان قد انتهى من كتابتها في تلك الفترة، وتركزت محاولاته في جريدة زناميا (Znamya)، والتي رفض المشرف على تحريرها نشر كل تلك الأعمال وقتذاك.

وعندما بدأ هتلر غزوه الاتحاد السوفيتي، التحق ألكسندر في 18 أكتوبر 1941 بالجيش الأحمر كضابط بسلاح المدفعية، حيث خدم في سائل المواقف من كيرسك([4]) إلى كونيجزبرج([5]).

وبسبب ما قام به من أعمال بطولية فذة خلال الحرب، فقد رقى عدة مرات في
فترة وجيزة كان آخرها في سنة 1945 عندما رقى إلى رتبة نقيب، كما منح نجمة «ستالين» تقديراً لإسهاماته البطولية من أجل الدفاع عن وطنه.

فجأة في يوليو 1945 ألقى القبض عليه، وحوكم بواسطة الجيش السرى
(NKVD) بتهمة نقد ستالين في رسائل خاصة بعث بها لصديق وفي مذكرات
شخصية دونها في مفكرته اليومية. والحق أنه لم يحاكم، حيث أنه أودع سجن Lupyanka في موسكو، وأثناء ذلك نظر مجلس خاص بالبوليس السري حالته والتهمة الموجهة إليه وحكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات مع الأشغال الشاقة. وقد وصفه حكم المجلس الخاصة الذى نظر «جريمته» بأنه خائن للاشتراكية اللينينية وللمجتمع الاشتراكي المؤسس على تلك الفلسفة.

وقد قضى ألكسندر بالفعل السنوات الثماني في العديد من السجون السوفيتية.
وفي عام 1953 وعندما حان موعد انقضاء العقوبة بتنفيذها، قرر البوليس السياسي ـ دون الرجوع لأى سلطة قضائية ـ نفيه لفترة أخرى استمرت حتى سنة 1956. وخلال فترة النفي هذه في مدينة Kok-Terek ثم في مدينة Dzampul في جنوب كازاخستان اكتشفت إصابته بمرض السرطان، فأرسل إلى إحدى مصحات مدينة طقشند للعلاج بالأشعة.

وخلال أكثر من إحدى عشرة سنة من السجن والنفي لقى ألكسندر صنوفاً من العذاب الوحشي صورها بإبداع عبقري في روايته الفذة «يوم واحد في حياة إيفان دينيزوفتش» (One Day in the Life of Denisovich) وتعبر هذه الراوية من أعظم الأعمال الأدبية العالمية في وصف حياة البؤس والعذاب والتنكيل التي يلقاها مئات الألوف من المعتقلين في الدول الاشتراكية وإن كانت رواية (My Testimony) للأديب أناتولي مارشينكو تعد ـ في رأىَّ الشخصى ـ أبدع عمل أدبي حياة السجون والمعتقلات ومعسكرات العمل في الاتحاد السوفيتي، وإننا لنشارك المحرر الأدبي لجريدة الديلي تلغراف البريطانية رأيه تماماً عندما قال بأنه ربما منذ رواية (منزل الموتى) لديستويفكسي فإن عملاً أدبياً لم يقدم لنا هذا الوصف الشمولي الواقعي المفصل
المبدع الذى قدمه لنا مارشينكو في روايته العظيمة (My Testimony) ، وكذلك سولجينيتسن في مسرحية(The Tender Foot and the Tramp) أما تجربته التي جمع فيها بين النفي ومواجهة الموت عن قرب عند إصابته بالسرطان، فقد أبدع أيضاً تصويرها في روايته الفذة «عنبر السرطان» (Cancer Ward).

وإبان سجن سولجينيتسن وأعتقاله، لم يتح لأى من أهله أو زوجته أن يعرف أى
شئ عنه، مما حدا بزوجته للأعتقاد بموته والزواج بغيره، ثم العودة إليه بعد إخلاء
سبيله (سنة 1956) وإنقضاء فترة تأهيله (1957).

وجدير بالذكر أنه في عام 1956 أصدرت المحكمة العليا للأتحاد السوفيتي حكمها
رقم 4 ن/ 083/56 الذى جاء فيه (أنه بتاريخ 6 فبراير 1956 فقد قامت هيئة المحكمة بدراسة وفحص الاحتجاج المقدم من قبل المدعى العام العسكرى ضد قرار المجلس الخامس المنبثق عن البوليس السري للاتحاد السوفيتي (NKVD) والمؤرخ في 7 يوليو 1945، والذى حكم استناداً إلى نص الفقرتين العاشرة والحادية عشرة من المادة الثامنة والخمسين من التقنين العقابي الجمهورية روسيا الاشتراكية السوفيتية (RSFSR) بالسجن لمدى ثماني سنوات في معسكرات العمل الإصلاحي على ألسكندر ايزايفتش سولجينتيسن المولود سنة 1918 في مدينة كيسلوفودسك والحاصل على أعلى المؤهلات العلمية ، والذى كان يشغل قبيل توقيفه (اعتقاله) وظيفة قائد وحدة مدفعية، والذى شارك فى الحرب ضد جيوش ألمانيا الفاشية والذى منح نوط الوطن الأب الحربى
(The Order of the Fatherand War ) من الدرجة الثانية والذى منح أيضاً وسام
النجمة الحمراء (Order of the Red Star) وبعد سماع تقرير الرفيق كونيف (Konev)
وبيان نائب المدعى العام العسكرى الكولونيل القضائى تيريخوف ( Terkhov ) فإن هيئة المحكمة قررت ما يلي :

أن الاتهام الموجة لسولجينيتسن عما نسب إلية القيام به مـا بين1940، وتاريخ
القبض عليه (سنة 1945) من أعمال دعائية ضد الاتحاد السوفيتى بين أصدقائه واتخاذ خطوات نحو إنشاء تنظيم عدائى للنظام السوفيتى، كان اتهاماً ـ وفق احتجاج المدعى العام العسكرى ـ يجب إلغاؤه نظراً لانعدام أى دليل أو إثبات للجرم المدعى به عليه،
وذلك للأسباب التالية :

أنه من الواضح من أدلة قضية سولجينيتسن ومن أجل التحقق من صحة التهمة الموجهة لسولجينيتسن فإن الأشخاص التالية قد سئلوا وهم :

ريشيتوفسكايا، سيمونيان، سمونيانتس، وهم الذين اتهم سولجينيتسن ( سنة
1945) بأنة قام قبلهم بأعمال دعائية ضد الاتحاد السوفيتى، وقد وصف هؤلاء جميعاً سولجينيتسن للمحكمة بأنة بطل سوفيتى ونفوا تماماً ما نسب إليه من القيام بأعمال
عدائيه للاتحاد السوفيتى أمامهم وبدرسه ملف سولجينيتسن العسكرى وكذا تقرير
الكابتن ملينكوف Melinkov الذي خدم معه، فقد اتضح أنة بين سنة1942 وتاريخ
القبض عليه ( 1945) فإن سولجينيتسن قد خدم فى العديد من الجبهات الحربية
للدفاع عن أرض الوطن الأب العظيم وأنة قد حارب في تلك المواقع بشجاعة فائقة
عن وطنه.

كما شهد ملفه العسكرى أن وحدة سولجينيتسن كانت أفضل الوحدات من
حيث الانتظام والفعالية في المعارك ، وتأسيساً على ما سلف ذكره من أدلة، فإن المدعى العام العسكرى اعتبر أن اتهام سولجينيتسن كان اتهاماً غير صحيح وطالب بإغلاق
ملف قضيته، عملاً بنص المادة الخامسة من المادة الرابعة من قانون الإجراءات الجنائية لجمهورية روسيا السوفيتية الاتحادية الاشتراكية، وبتمحيص وقائع الدعوى والتحقيقات التي أجريت، وما ورد فى الاحتجاج الرسمى (المقدم من المدعى العام الاشتراكى)
وبالأخذ في الاعتبار أن الأعمال المنسوبة لسولجينيتسن لا تكون واقعة إجرامية (جُرماً)، فإن المحكمة تقرر إغلاق ملف هذه القضية بسب انعدام توافر أدلة الإثبات، واعتبار قرار المجلس الخاص المنبثق عن البوليس السرى (NKVD) بتاريخ 7 يوليو 1945 بخصوص ألكسندر سولجينيتن ملغى وأن قضيتة تعد منتهية ) ([6]).

وخلال كل تلك الأعوام، قوبلت المحاولات التي بذلها سولجينيتسن لنشر أعمالة
الأدبية والقصصية بالرفض الصارم، ولكن بسب الهجوم الضارى الذى شنه الزعيم السوفيتي خروشوف على سلفه الطاغية الدموي «ستللين» وعلى تجاوزات عهدة التي
راح ضحيتها ـ على حد قول خروشوف ـ عدة ملايين من أبناء الشعب السوفيتي
والتي فرضت خلالها على الشعب السوفيتي ـ على حد تعبير خروشوف أيضاً ـ سياسة تجويع وإذلال متعمدة فضلاً عن الإرهاب الذى استمر لمدة ثلاثين سنة هي مدة حكم جوزيف ستالين الرهيب والذى تجاوز في دمويته وإرهابه وقمعه للحريات أضعاف ما اقترفه أسلافه من القياصرة أمثال إيفان الرهيب ونيقولاى الدموى وغيرهما من قياصرة آل رومانوف الذين اشتهر عدد غير قليل منهم بالدموية والشذوذ في هذا الاتجاه القمعي.

بسب هذا الهجوم الذى شنه خروشوف على ستالين وعهده، أتيح لعمل واحد لا
غير من أعمال سولجينيتسن هو رواية (يوم واحد) أن ينشر فى نوفمبر 1962.

ولكن بمجرد سقوط خروشوف في سنة 1964، أصبح سولجينيتسن وكتاباته مرة أخرى محط هجوم عنيف من الكتاب الرسمين السوفييت، ولكن منذ ذلك الوقت
تكون لسولجينيتسن أنصار ومعجبون به وكان ذلك بمثابة ولادة حركة أدب المنشقين السوفيت .

ومنذ سنة 1964 أخذ الهجوم على سوليجينيتسن وأعماله يتجدد ويتزايد بشكل ضار استمر قرابة عشر سنوات وصف فيه سولجينيتسن واتهم مراراً بالخيانة للاشتراكية والعمالة الإمبريالية الأمريكية .

ولم يقتصر الآمر على ذلك، بل تعداه إلى ملاحقته واضطهاده في حياته الخاصة، وتكرار نقلة نقلاً يساوى النفي أكثر من مرة. ثم بلغ الهجوم علية أقصاه عندما منحت جائزة نوبل في الأدب للأديب العبقرى سولجينيتسن حيث شن الإعلام الرسمي السوفيتي علية هجوماً ضارياً استمر إلى تاريخ مغادرته الاتحاد السوفيتي سنة 1974.

ويجزم المتابعون لحالة سولجينيتسن بأنة لولا الظروف العصيبة المحيطة بالحالة، ولولا موقف العالم الحر وكذلك موقف الأحزاب الشيوعية الأوروبية (خاصة الحزب
الشيوعي الإيطالي والحزب الشيوعي الفرنسي) ولولا تحول القضية لقضية تهم الرأى العام العالمي حيث اتجهت عيون الغرب إلى الشرق تتابع ما يحدث لسولجينيتسن، لكان الكسندر سوليجينيتسن قد قتل غيلة أو أودع ـ ما بقى من عمره ـ عنبراً يشبه الزنزانة بإحدى المصحات العقلية التي أودع فيها الملايين من أمثالة.

ونحن لا نقص قصة سولجينيتسن كحالة فردية، ولكن لنستخلص منها العبرة
التى نريد استخلاصها أساسا وهى أنه لا ضمان للحريات ولا أمان في المجتمعـات التي يحكمهـا الشيوعيون، ففي ظل انعدام الشرعية القانونية وتفشى ما يطلق عليه الشرعيـة الثورية والروح المعهودة لدى تلك النظم والتي تعتبر كل رأى مخالف هو رأى معاد وشـرير وعميل وإمبريالي يقابل صـاحبه بالقتل والقمع، في ظل ذلك تكون حرات أفراد المجتمع بمنأى عن كل استقر ومأمن بطش لا سند له الإ إرادة الجالسين على سدة الحكم .

ولنا في سيرة سولجينيتسن عبرة ظاهرة، فقد تقلب وضعة تقلباً مريعاً بتقلب
الأوضاع السياسة :

1- ففى طور كان بطلاً أسطورياً حارب بفروسية نادرة المثال عن وطنه الاشتراكي العظيم، ومن أجل ذلك رقى عدة مرات ترقيات استثنائية، ومنح وسامين
عظمين لا يمنحان إلا لأبطال الحروب المغاوير.

2- وفى مرحلة ثانية ، وبسبب مذكرات شخصية فى مفكرته اليومية أصبح بطل الأمس حامل النجمة الحمراء، خائناً لوطنة وللاشتراكية وعميلاً إمبرياليا يعمل من أجل تحطيم الماركسية والشيوعية، ومن أجل كل ذلك يقضى إحدى
عشرة سنة فى أبشع ظروف السجن والنفى والتشريد ( راجع وصف
سولجينيتسن البارع التى كان يحاول بها تدفئة أصابع قدميه المتجمدة
فى صقيع سيبيريا دون أن يحن علية سجانوه بجورب حين كان يحشو حذاء السجن الضخم بأوراق الأشجار اليابسة).

3- وفى مرحلة ثالثة، وبعد إحدى عشرة من السجن والنفى والعذاب والتشـريد تتحول الظروف السياسية، ويختفى ستالين الذى فقد سولجينيتسن إحدى عشرة سنة من عمره لأنه كتب فى مذكراته اليومية (التى لم تنشر) ما اعتبر نقـداً له ولعهده، ويجئ نظام جديد يكشـف سوءات ستالين ويشن عليه أشـد موجات الهجوم الضارية، فيبرأ سوليجينتسن بحكم من المحكمة العليا للاتحاد السوفيتى من التهمة التى سجن بسببها، وتقول له المحكمة مـا يشبه (عفا الله عما سلف)، ثم يرد إلية اعتباره، ثـم تنشر روايتـه (يوم واحد في حياة إيفان ..) وترشح لنيـل جـائزة لينين فى الأداب سنة 1963 كل ذلك لا لأن القمع
والإرهاب قد اختفيا، ولكن لأن العهد الجديد يرفع رايات تخدمها كتابات
سوليجينيتسن، ولا أدل على ذلك مما حدث بعد انقضاء هذه العهد.

4- وفى مرحلة رابعة، وقد تم إقصاء خروشوف عن الحكم، يتبدل الحال، فيعود سولجينيتسن عميلاً وخائنا وأديبا تافهاً وعدواً للاشتراكية ...الخ

وهكذا لاضمان ولا أمان إلا ضمان الحكم وأمانة، فإن تقلب تقلبت الأحوال
وإن زمجر زمجرت وأن رضى رضيت .. وهكذا دواليك.

ولو كان بإمكاننا هنا لترجمنا للقراء العرب دراسة ليوبولد لابيدز الوثائقية الرائعة
عن سولجينيتسن([7]) . ولترجمنا لهم رواياته ومسرحياتة الرائعة وفى مقدمتها روايتة الفذة «يوم واحد في حياة إيفان دينيزوفيتش».

ولكن عملاً كهذا يحتاج لفريق متكامل من الباحثين والمترجمين، وهو ما نأمل
أن يتاح تحقيقه ذات يوم .

وقد جرتنا متابعتنا التفصيلية لحالة الكسندر سولجينيتسن، وخاصة فى السنوات
1967 ـ 1974، والإطلاع كل ما كتب عنه داخل وخارج الاتحاد السوفيتى إبان
تلك الفترة العصبية من حياته، إلى التعرف على حقيقة السلبية الكبرى التى يؤول إليها الأدب والفكر والفن فى ظل حكم يقوده حزب شيوعى، أى حزب اشتراكى يهتدى ـ
إن جاز اللفظ لغة ـ بالماركسية. ونحن نربط هنا بين حالة الأدب فى الاتحاد السوفيتى
بوجه عام منذ ثورة أكتوبر1917 وحتى وقتنا هذا، والموقف الرسمي للأدب السوفيتي
من حالة سولجينيتسن، ربطاً وثيقاً، فهما وجهان لواقع واحد هو واقع يفرغ الفكر
والأدب من الحرية ويسخرهما بالكامل لخدمة النظام وترديد شعاراته ورفع راياته، وتوظيفهما توظيفاً عسكرياً للطنطنة للنظام وتمجيده وتبرير مسالكه والهجوم على
ناقديه، وأعدائه، وبالإجمال تجريدهما من جوهر الفكر والأدب والفن. فماذا يعنى
الأدب، وماذا يعنى الفكر، وماذا يعنى الفن، إذا تحولت تلك المنابر السامية لأبواق دعاية أحادية العقل والفكر؟

ويكفى لإثبات صحة ما نقول أن يراجع المرء الروايات والمسرحيات والمجموعات القصصية والمقالات الأدبية التي نشرت في الاتحاد السوفيتي منذ أكتوبر 1917 وللآن، ليرى كيف أدى (التوظيف الديكتاتورى السياسي للأدب والفكر والفن) إلى تحولها
إلى مسوخ لا تزيد في قيمتها عن بوق من أبواق أى نظام استبدادى في التاريخ.

ويكفى لإثبات صحة ما نقول أن ينظر الإنسان في دائرة المعارف السوفيتية ـ تحت أعمدة الأدب والثقافة ـ ليطالع أسماء الآدباء السوفيت منذ 1917 وحتى الآن ويقارن بين أولئك، وجيل الأدباء السابق على الثورة.

وتحت أيدينا من النصوص الرسمية الصادرة عن اتحاد الكتاب السوفيت وغيرها من المقالات الرسمية المنشورة بجريدة برافدا ما يؤيد صحة ما نقول، ويثبت أن مفاهيم
الأدب والفكر والفن في الاتحاد السوفيتي قد أضحت في ظل التجربة الماركسية
الكبرى مفاهيم سقيمة لا يمكن أن تقارن بنظائرها في العالم الحر، حيث يشكل
الأدب والفكر والفن منابر عملاقة للحرية ولمناهضة الظلم والأخطاء والانحرافات.

ولكننـا نكتـفي مـن بين هذه النصـوص التي لا تحصى عدداً بترجمة بيان م.ف زيمانين، رئيس تحرير «البرافدا» الذى أدلى به يوم 5 أكتوبر1967 فى دار الصحافة بمدينة ليننجراد، وهى كلمة كافية ما أل إليه الفكر والأدب والفن في الاتحاد
السوفيتى، وكيف جردت هذه المنابر العليا من جوهرها الذى اكتسبته عبر تطور تاريخى طويل، وبسب جهاد ونضال عقلى وثقافى فذين، لا سيما خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين.

يقول زيمانين: (امتلأت الصحافة الغربية ـ مؤخراً ـ بالعديد من المختلفات الكاذبة، وقد استعمل العديد من كُتابنا الذين وصلت أعمالهم لأيدى أعدائنا، فالمعسكر الذى
كونته الصحافة الغربية للدفاع عن تارسيس (Tarsis) انتهى فقط من عمله عندما
ذهب تارسيس للغرب، وهو أى تارسيس ـ قد أثبت بذلك أنه لم يكن في حالة
عقلية سليمة.

وفى الوقت الراهن، فإن سولجينيتسن يشغل مكانة هامة في دعاية الحكومات الرأسمالية، وهو أيضاً شخص غير متزن (غير سوى) نفسياً، ومريض بانفصام الشخصية([8]) وكان ـ سابقاً ـ سجيناً، كما كان ـ عن استحقاق أو غير استحقاق ـ موضع قمع. أما الآن، فإنه ينتقم من الحكومة السوفيتية من خلال عملة الأدبى، والموضوع الوحيد الذى يستطيع الكتابة عنه هو الحياة في معسكرات العمل([9])، وقد أصبح هذا الموضوع بمثابة شبح يتقمصه([10]). وتستهدف أعمال سولجينيتسن الهجوم على النظام السوفيتي، والذى لا يجد فيه إلا مرارات وأوراماً سرطانية فهو لا يرى أن هناك شئ إيجابى في مجتمعنا.

وقد أتيح لي أن أطالع أعمالاً غير منشورة، بمقضي مهامي، ومن بينها مسرحية سولجينتسن (عيد المنتصرين) ([11]) والمسرحية تتناول القمع الذى مورس مع العائدين من الجبهة، وهى عمل يمثل حقيقة الأدب المعادى للسوفيت. وفى الأيام السابقة، كان
الناس يوضعون في السجون بسب أعمال كهذه.

وبوضوح، نحن لا نستطيع نشر أعمالة، وهو مطلب سولجينيتسن الذى لا يمكن
أن نلبيه. أما إذا كتب قصصاً تتلاقى مع مصالح مجتمعنا، فإن أعمالة ـ عندئذ ـ
سوف تنشر. إن سولجينيتسن لن يحرم من الخبز والزبد. إن سولجينيتسن معلم فيزياء.. دعه يعلم .. وهو يحب الإدلاء بأحاديث عامة، وغالباً ما يظهر أمام بعض السابلة ليقرأ أعمالة .. وقد منح هذه الفرص .. وهو يعتبر نفسه كاتباً عبقرياً) ([12]).

لاشك أن «النص» على اقتضابه يعبر بوضوح عن الشكل الذى آل إلية الأدب
في البلد الذى أنجب للبشرية ـ في عهد سابق ـ عباقرة الأدب الروائي العالمي وأفذاذ الموسيقى الكلاسيكية الشوامخ ..

فالأدب الذى لا يلتزم بالخطط العامة والتأييد للنظام، هو أدب معاد للسوفيت،
وعميل للرجعية الإمبريالية ولا مكان له في الاتحاد السوفيتي.

لكن خطط النظام تنقلب من عهد إلى عهد: من عهد لينين إلى عهد ستالين
إلى عهد الانتقال من الستالينية إلى الخروتشييفية (1956-1953). إلى عهد
برجينيف .. وهلم جرا..

فأى مسخ يكونه الأدب والفكر ـ إذن ـ في ترديده الببغاوى في كل عهد
لشعارات ذلك العهد في شكل أعمال أدبية مفتعلة وسقيمة؟

وأى دور تنويرى وتوجيهي وتعليمي وتثقيفي وتصحيحي يقوم به الأدب إذن في
إطار هذا (الإلزام) العسكرى المقيت؟

أما العبقرية والموهبة، فلا مجال للحديث عنهما ـ بالطبع ـ في إطار هذا الأدب العسكرى الملتزم بما لايسمح ـ إطلاقاً ـ ببروزالعبقريات الموهوبة التي يتناقض بروزها مع دور الأدب المرسوم فى الاتحاد السوفيتى وتبعية الأدب والفكر للحزب، تلك التبعية العسكرية التي لاتختلف عن تبعية الجندى لقائدة.

وعلى كل فالذى يعنينا هنا ليس هو جانب (العبقرية) و(الإبداع) فى الأدب
والفكر، وإنما هو دور الفكر والأدب الذى أطلقنا عليه فيما سلف الدور التنويرى والتصحيحي، الذى يتمثل فى تسليط الضوء على كل السلبيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويتحول مع الزمن لآلة ديمقراطية لا تكل ولا تمل في أدائها لعملها
الدؤوب لمصلحة المجتمع ككل، وعلى جميع المستويات.

وتقودنا متابعة حركة الانشقاق وأدب المنشقين للتيقن من تفريغ الفكر والأدب من
هذا (الجوهر) الأصيل فيهما وتحويلهما إلى مسخين وآلتين للتصفيق والتهليل للنظام.

وقد نجح القمع في المجتمعات الاشتراكية ـ وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي ـ لا في إرهاب الناس فقط، بل في تحويلها إلى (نموذج أخلاقي) جديد، تتمثل فيه قيمة
السلبية والأنانية الاجتماعية. وقد قادتنا متابعتنا لحركة الانشقاق السوفيتية، ولقاءاتنا والعديد من السوفيت ولاسيما من طبقة الإنتليجنتسيا السوفيتية إلى رؤية الواقع المؤلم والذى نجم عن النظام القمعي الرهيب الذى هو بدوره نتيجة حتمية لأفكار الماركسية
عن دورالحزب الشيوعي والليبرالية والديكتاتورية والديمقراطية وتصفية الطبقات الأخرى غير العمالية .. الخ.

فالذى يظن أن الشعب السوفيتي كله منشقون علناً أو خفية هو مخطئ لا ريب. فمجموع الشعب السوفيتي ـ باستثناء فئة محدودة ـ تحول بفعل النظام القمعي
البوليسى الرهيب ـ وعبر أكثر من ستين سنة ـ إلى نموذج أخلاقى فريد من نوعه:

فالمواطن السوفيتى من جهة أولى وبفضل الإعلام الشيوعى ذى السلطان الشديد
على العقول والآذان، قد تكونت لديه فكرة عن (العالم الخارجي) لا علاقة إطلاقاً لها بالوقع: ففى الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا الغربية وكندا وبريطانيا يعذب العمال ويعيشون فى بؤس وفقر وذل ويعانون معاناة شديدة ضنك الحياة التي يفرضها عليهم المُسْتَغِلّونَ ويمتد هذا البؤس من عملهم إلى حياتهم الخاصة إلى مسكنهم الردئ ومأكلهم السيئ وأحط درجات الرعاية الصحية .. الخ. والإعلام السوفيتى ـ كما ذكرنا فى كتابنا »الشيوعية والأديان« ـ هو أقوى وأخطر أسلحة الشيوعية، سواء فى حركتها كأحزاب شيوعية لم تبلغ السلطة بعد، أو كأحزاب شيوعية حاكمة كما هو الأمرفى الاتحاد السوفيتى والبلدان الاشتراكية.

فالمواطن السوفيتي ـ وكما تقول الكاتبة الروسية ـ Lidiya Chukovskaya يوجد حائط هائل بينه وبين الحياة خارج الاتحاد السوفيتي، ومن الأمور ذات القدرة الكبيرة
في التدليل على مدى قدرة الإعلام السوفيتي على تشكيل عقول المواطنين السوفيت
تشكيلاً يساير خطى الحزب الشيوعي الحاكم مهما كان ذلك مخالفاً للحقيقة ما رواه
الكاتب الأمريكي هيدريك سميث في كتابه (الروس). حيث روى أنه أثناء إقامته في موسكو ـ كمراسل لجريدة النيويورك تايمزـ في مطلع السبعينيات ـ جمعته معرفة وثيقة مع أعظم علماء الذرة السوفيت وهو العالم المنشق (ساخاروف)([13]). الذى اعتبر
في وقت سابق أباً للقنبلة الهيدروجينية السوفيتية كما كان عضواً بأعلى أكاديمية
علمية فى الاتحاد السوفيتى([14]).

وكان ساخاروف قبل ذلك بقليل قد تبرع بكل أمواله (حوالي 140 ألف روبل
هي حصيلة المزايا المالية الكبيرة التي يحظى بها أكبر علماء الذرة السوفيت على
خلاف معظم المواطنين، ومن خلال العلاوات التي قال ساخاروف إنها كانت تدفع له خفية فى أظرف مغلقة).

وشاءت الظروف أن يلتقي هيدريك سميث وأحد علماء الطب السوفيت في عام
1974 ويتطرق الحديث بينهما إلى (ساخاروف) الذى كان عالم الطب السوفيتي لا
يعلم أن (سميث) يعرف معرفة وثيقة ولأكثر من عامين، فيتطوع الطبيب السوفيتي بأن يخبر الصحافي الأمريكي بأن (ساخاروف) مختل عقلياً ومريض لا بأمراض نفسية



فحسب بل وبعاهات عقلية أيضاً. وعندما كاشفه سميث بأنه يعرف ساخاورف شخصياً معرفة وثيقة، انحنى عليه وسأله بصوت خافت: (هل ساخاروف مجنون بالفعل؟
وكيف وجده عندما لاقاه؟).

وقد حدث نفس الشيء لساخاروف وهو يصطاف على شواطئ البحر الأسود،
حيث جمعه المصيف مع عدد من المثقفين السوفيت. وكان ساخاروف قد أخفى
شخصيته عنهم، وقد ظل هؤلاء الناس يحدثون ساخاروف يومياً عن العالم السوفيتى الكبير (أندريه ساخاروف) الذى اخترع القنبلة الهيدروجينية السوفيتية ثم أصابه مرض عقلى جعله يهذى هذيان مُختلِّى العقول.

ولعل ما قاله ساخاروف سنة 1973 في حديثه مع Olle Stenholm مندوب الإذاعة السويدية يعتبر أفضل تعبير عما نتحدث عنه هنا.

يقول ساخاورف في حديثه هذا مع Stenholm: (أنا كافر بالاشتراكية عموماً، فأنا
لا أجد أن الاشتراكية قد أتت بأى جديد (إيجابي) على مستوى النظرية أو في أى
شكل نظام اجتماعى أفضل فلدينا نفس المشاكل مثل العالم الرأسمالى: الإجرام.

أما الفارق الأساسي فهو أن مجتمعنا حالة خاصة في تطرفها، مع حد أقصى من الجمود العقائدى وحد أقصى من الادعاء بأننا أفضل مجتمع، رغم أن هذا ـ
بالتأكيد ـ غير صحيح).

وهذا الإدعاء الكذوب الذى أشار إليه ساخاروف، هو ثمرة طبيعية للدور الذى
رسمه الحزب للفكر والأدب والإعلام فى التحاد السوفيتى.

ولا أدل على هذا الطابع العسكرى للإعلام السوفيتي، من الحملة التي شنها على (ساخاروف) ووصفه فيها بأنه (قد باع روحه للغرب).

ولم تتساءل هذه الأبواق ـ بالطبع ـ مقابل ماذا باع (ساخاروف) روحه للغرب؟ أمقابل المال الذى تبرع به ـ كله ـ لمعاهد أبحاث السرطان السوفيتية؟ وهل يتبرع
الذين يبيعون أرواحهم وضمائرهم بكل ما لديهم من مال لمجتمعهم؟ ..وعوض ماذا ـ إذن ـ غير المال يكون البيع؟! ولكنه الإعلام الذى برع في الاتهامات والتشويه والدفاع عن كل ما هو سوفيتى والهجوم على كل ما هو غير سوفيتى ..

وعندما يقارن المرء بين هذا الدور الإعلامي السوفيتي ودور الإعلام الأمريكي
عندما أسقط رئيس أكبر دولة في العالم بسبب ما سمى بفضيحة (ووترجيت)، فإنه
يستطيع أن يرى بوضوح الفارق بين ما يسميه السوفيت بالديمقراطية البرجوازية وما يسمونه بالديكتاتورية الديمقراطية.

وعندما يأخذ المرء مثالاً آخر بسيطاً من الواقع فإنه يستطيع أن يتمثل بشكل أفضل هذا الفارق:

أفرزت الديمقراطية الغربية في الولايات المتحدة الأمريكية في مجال مهنة الطب
مهنة جديدة، حيث يوجد ممثل لوسائل الإعلام على صلة بكل مستشفى أو كلية طب
أو مركز طبي، وظيفته هي البحث عن الأخطاء المهنية للأطباء لاسيما الأخطاء التي تؤدى إلى موت مريض أو إصابته بما دون ذلك أو تعقيد حالته. وبمجرد التقاط هذا المندوب لخيط حالة ما، فإن جهاز الإعلام الذى يتبعه هذا المندوب يشرع على الفور
في التقصي وجمع المعلومات والأدلة، فإذا ما اكتملت الصورة وتوافرت (حالة) لأى
نوع من الخطأ أو الإهمال في ممارسة مهنة الطب أو التمريض، اخذ هذا الجهاز في
شن هجوم إعلامي يؤدى إلى عواقب وخيمة بالنسبة للجهة الطبية التي اقترف فيها الخطأ([15]) أو الإهمال، وغالباً ما ينجم عن ذلك سحب ترخيص مزاولة مهنة الطب أو التمريض من واحد أو أكثر من الأطباء، يصاحب ذلك ـ غالباً ـ مسئولية قانونية مدنية
تتمثل في مبالغ تعويض كبيرة، هذا فضلاً عما يصيب الجهة الطبية المعنية من أضرار من جراء فقدانها للسمعة الطبية التى هى أساس إقبال الناس عليها.

هذا النظام ـ وهو واحد من آلاف النظم المماثلة في آلاف المجالات الأخرى ـ هو نتاج طيب لنمو الديمقراطية، ولتغلغل آلة الديمقراطية في سائر جوانب الحياة في تلك المجتمعات الديمقراطية([16]).

ولا تكتمل الصورة إلا عندما نقرأ العمل الأدبي العملاق (عنبر سرطان)
لألكسندر سولجينيتسن، فمن خلال الصفحات الستمائة لهذه الرواية الفذة، التي نال
صاحبها جائزة نوبل في الأدب سنة 1970، تتضح لنا الصورة المريرة للخدمات الطبية في دول يفخر إعلامها ـ ليل نهارـ بأنها تقدم أحسن خدمة طبية في العالم لكل الشعب السوفيتى، مجاناً.

عندئذ، يبدأ المرء في التعرف على جانب بالغ السلبية من جانب انعدام الدور التنويرى للأدب والفكر والإعلام، وهو ما ينجم حتى في المجتمعات السوفيتية عن مفاهيمها الخاصة عن الديمقراطية وموقفها الذى لم يتغير من (الآراء الأخرى)
بوصفها آراء عميلة ومأجورة وخائنة.

ومن جهة ثانية، فإن المواطن السوفيتي، قد أصبح بفضل نفوذ الإعلام الشيوعي ـ وعلى حد تعبير ساخاروف ـ يؤمن بأنه لا يجود إنسان على وجه الأرض يعبر عن الحقيقة ـ كما نقول بالعربية ـ لوجه الله، فكل من يقول ذلك هو كاذب، فالإنسان السوفيتي يعتقد ـ على حد تعبير ساخاروف ـ أن العالم بأسره مقسم إلى عدة أحزاب، وكل إنسان في عالمنا هذا ينتمي لحزب من تلك الأحزاب، وهو يؤمن بآراء وقيم حزبه، أما (الأمانة الحقيقية) فكذبة كبرى لا وجود لها، وكل إنسان يدعي أنه يعبر عن آراءه التى يؤمن بها دون تبعية لحزب ما، هو كاذب حتماً.

وكما يقول (ساخاروف) فإن هذا الاعتقاد الذى أوجدته أجهزة الإعلام
والأدب والفكر السوفيتية، هو أكبر معين للنظام على الاحتفاظ بطبقة المثقفين
(The Intelligentsia) منتظمة فى الصفوف التى رسمت لها.

بل إن ساخاروف يعتقد، أنه بفعل هذا التكوين الأخلاقي الجديد للإنسان
السوفيتي، فإن النظام قد نجح في (تحصين) معظم الشعب السوفيتي من تأثير أى شيء يسمعه من العالم الغربى أو يراه فيه إن قدر لمواطن السفر.

ومما لا ريب فيه أن احتكار السلطة السياسية لأرزاق الناس بوصفها (رب العمل الوحيد) ([17]) في المجتمع السوفيتي إنما يساعد بقوة على التزام الناس بالإطار العام المرسوم لهم، والإيمان بصحة كل ما يقال ويذاع سواء عن نعيم الحياة في الاتحاد السوفيتى أو جحيم الحياة في العالم الرأسمالى.

وعندما نتأمل مأساة الحياة والتشرد والجوع التي تلحق بامواطن السوفيتي الذى
يخرج عن حدود النظام المرسومة بدقة متناهية، من متابعة عشرات الحالات، كحالة
عالم العقول الإلكترونية السوفيتي الكبير Valentin Turchin وحالة الأديبين الروسيين Sinyavsky وDaniel والشاعرة Natalya Gorpanyevskaya التي فقدت عملها وأودعت في مصحة عقلية لاشتراكها في مظاهرة بالميدان الأحمر سنة 1968
للاحتجاج على الغزو السوفيتي لتشيكوسلوفاكيا وحالة المؤرخ الروسي ـAnatoly Ptrovesky الذى شرد وجاع من جراء توقيعه بياناً يناصر الأدبيين المنفيين سينيافيسكي ودانيال. وما أصاب أبناء وأحفاد العالم الكبير ساخاروف من اضطهاد وظلم بسببه
وبسبب آرائه([18])، وما أصاب كل إنسان سولت له نفسه أن يوقع على بيان يتضمن احتجاجاً واعتراضاً على قرار أو مسلك النظام السوفيتى.

كل ذلك يجعلنا نؤمن بصحة ما قاله المفكر السياسي الإنجليزى الشهير »هارولد لاسكي« من أن الشعب الذى يتنازل عن حقوقه السياسية في مقابل وعود بالأمن الاقتصادى، سيكتشف بسرعة أنه قام بمساومة فاشلة لأنه لا يستطيع عمل أى شيء إذا لم تتحقق هذه الوعود.



[1]- Alexander Isayvic Solzhenitsyn

[2]- Kislovodsk

[3]- Rostov-on-Don

[4]- Kursk

[5]- Konigsperg والتى أصبح بعد سنوات Kaliningrad نسبة إلى كالينين Kalinin رئيس الدولة السوفيتية
لسنوات طويلة خلال عهد ستالين (اغتاله ستالين بدس السم له لاختلاف بينهما في الرأى).

[6]- انتهت ترجمتنا لنص حكم المحكمة العليا للاتحاد السوفيتى رقم 083- ن 4 لسنة1956.

[7]- ليوبولد لابيدز Leopid Lapedz محرر جريدة درسات الشرق والعزب، متخصص فى الشئون السوفيتية
والأوربية الشرقية، حيث نشر عدة مؤلفات عن هذا الجزء من العالم. حاضر فى العديد من جامعات العالم
كأستاذ زائر سنة 1962/1963 عمل كأستاذ زائر بجامعة كولومبيا الأمريكية بنيويورك وفى عام 1971 أصبح
أستاذاً زائر بجامعة Stanford الشهيرة بكاليفورينا وقد نشر دراسته الوثائقية المشار إليها أعلاه عن سولجينتسن
لأول مرة سنة 1970 ثم أعيد طبعها عدة مرات ذلك بواسطة دار النشرPenguin Books البريطاينة
ذائعة الصيت. Leopld Lapedz Solzhenitsyn-A Documentry Record

[8]- Schizophrenic

[9]- المعتقلات التى عاش فيها سولجينيتسن.

[10]- Obsession

[11]- The Feast of the Victors

[12]- نشر النص الحرفى لهذا البيان فى كتاب ليوبولد لابيدز (سولجينيتسن: سجل وثائق صفحتى 156-157).

[13]- Andrei Dmitriyeivich Sakharov

[14]- طرد من عضويتها بعد ذلك.


[16]- راجع كمثال لنظام آخر أفرزته الديمقراطيات الغربية لحماية الحريات الفردية على أعلى مستوى دراسة الدكتور محمد أنس قاسم جعفر عن »الامبودسمان« في السويد.

[17]- Monopoly Employer

[18]- تضاعف هذا الحصار على عائلة وأصدقاء ساخاروف عندما منح جائزة نوبل للسلام سنة 1975.







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,580,109,019
- لو كنت كرديا من سوريا ... : سلسلة - لو كنت ..... - الحلقة ال ...
- ثقافتنا: ... بين الوهم والواقع
- بين الإستقرار والفوضى.
- العربي النمطي ... فى الشعر النبطي
- مستقبل العقل المسلم.
- الحالة الإيرانية فى كبسولة.
- من دفاتر طارق حجي القديمة - مسألة ديكتاتورية البروليتاريا
- من دفاتر طارق حجي القديمة : مسألة الدولة فى الفكر الماركسي.
- من دفاتر طارق حجي القديمة : الماركسية - إلى أين ؟
- برقية تلغرافية لكل لبناني حر ...
- طارق حجي : من المؤلفات الأولي : الإقتصاد الماركسي .
- شكر وإمتنان لموقع الحوار المتمدن وقراءه.
- ماذا فعل 23 يوليو 1952 بمصر؟ (1)
- عبقرية سعد زغلول .
- هلوسات 1- 2
- هلوسات ثقافية
- مرة أخري (وليست أخيرة) : -عن مظالم الأقباط أكتب- ...
- رسالة لوزير الأوقاف المصري .
- الأحزاب الدينية : محض وهم ومخادعة
- سجون الثقافة العربية : السجن الثالث : الرعب من الحداثة


المزيد.....


- مغربيات / سعدي يوسف
- تعبت يا صاحبي / حسين عجيب
- فيلم حين ميسرة : أكشن العالم الأسفل / دلور ميقري
- يا غايتي في هذه الدنيا / محمد الرديني
- قفل قلبي(رواية)4 / تحسين كرمياني
- ملحمة حزينة / فدوى أحمد التكموتي
- الموت , بطعم الخجل و الزيتون / علاء كعيد حسب
- اشجارنا / سالم الياس مدالو
- تهيؤات حلم وارد / ابراهيم السراجي
- وحشة / / عبون فلسطين


المزيد.....

- حركية مغاربة الخارج على المستوى الدولي في ندوة بمارسيليا
- الحسن الثاني في أمريكا - فيديو (1963)
- كاريكاتير.. مصطفى الشيخ
- كاريكاتير
- شكيب بنموسى: معرفة الجالية المغربية بالخارج ببلدها الاصلي يم ...
- سفير المغرب بالأراضي المنخفضة يقرر مقاضاة الأمن الهولندي
- «الثقافة السينمائية» يعرض 3 أفلام تسجيلية.. الأربعاء
- كاريكاتير
- بالفيديو.. وزير الثقافة: مهرجان «سماع» للإنشاد مواجهة للإرها ...
- أبو عوض والسينما المغربية


المزيد.....

- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ
- رواية -الصراصير- محمد عبد الله البيتاوي / رائد الحواري
- رواية -شهاب- صافي صافي / رائد الحواري
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- قلم وفنجان / بشرى رسوان
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- ما بعد الجنون / بشرى رسوان
- تياترو / ايفان الدراجي
- دفتر بغلاف معدني / ناصر مؤنس
- الجانب الآخر من الفردوس / نصيف الناصري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق حجي - أدب المنشقين السوفييت قبل إنهيار جبل الجليد.