أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - اذار/ نيسان 2004 - مرور عام على الغزو/ الاحتلال الأمريكي للعراق وانهيار النظام البعثي الدكتاتوري - كريم كطافة - فقهاء الأجراس















المزيد.....

فقهاء الأجراس


كريم كطافة
الحوار المتمدن-العدد: 800 - 2004 / 4 / 10 - 10:56
المحور: ملف - اذار/ نيسان 2004 - مرور عام على الغزو/ الاحتلال الأمريكي للعراق وانهيار النظام البعثي الدكتاتوري
    


ما بال الإنسان.. وماذا يريد؟
جميع الأديان ومعها المذاهب الأخلاقية في العالم، قديماً وحديثاً ترتد إلى جذر وحيد، قوامه: على الإنسان أن يحب الفضيلة، وأن يتجنب الرذيلة. هل هناك ما هو أبسط من هذا؟ لكن مع هذا تطلعوا بأنفسكم إلى الكم الهائل والمخيف من الرذائل التي ترتكب يومياً.. رذائل تتناسل من بعضها.. وأخرى تتناسل من الفضيلة ذاتها.. قد لا تلد الرذيلة فضيلة، إنما الأخيرة بدت قادرة وبمهارة على فعل ذلك.. في ذهن كل منكم كم من الفضلاء القادرون على توليد هذه من تلك.
أعتقدَ (دستويفسكي) يوماً في رواية المراهق، وعلى لسان مراهقه: أن أفضل معرفة توصل إليها الإنسان على مر تأريخه هي معرفة الله. أنه بذلك الاكتشاف الفذ حاول النفاذ من معضلة ألوهية البشر.
لكن هل مكنت تلك المعرفة البشر من النفاذ من المعضلة..؟
لنجعل عصور الفراعنة والملوك أنصاف الآلهة والسلاطين والخلفاء وكل الناطقين باسم الخالق، خلف ظهورنا، لنزعم أنها سداة ماض مضى وأنقضى ونتمعن في الحاضر. لنستقطع من حاضرنا تلك الأشرطة التلفزيونية الطويلة، المعمولة على ما يبدو خصيصاً لنا، نحن غير المصدقين بعد بقدرة ومهارة الإنسان على اجتراح جريرة العبودية. كانت مشاهداً لجموع مليونية، بحت أصواتها بهتاف عبودي: بالروح بالدم نفديك يا.... كان اسماً لأله بشري، يتدافعون لنحر أرواحهم على مذبح نزواته وحروبه.. كان وثناًً استمد ألوهيته على مدى سنين طويلة من ضعفهم وخنوعهم وعجزهم.
في التاسع من نيسان سقط ذلك الوثن ـ الإله.. تبعثرت هالته.. وبان للهاتفين بألوهيته ما هو إلا بشر مثلهم، له ضعفه وتعلقه بالحياة، الذي يجعله مثلهم تماماً يفعل الأفاعيل من الذل والهوان، فقط للحفاظ على رأسه. خرج الناس في ذلك اليوم بلا راع.. لأول مرة بلا رقيب.. غير الضمير.. ماذا بوسع هذا المسكين أن يفعل، عليه إزاحة كتل من الصدأ والطحالب من عوالق سنين العبودية كان فيها تهمة وبلاء لحامله.. لفحت وجوههم لأول مرة لذاذة شيء كان كالخرافة خارج ممالكهم يدعى الحرية.. تخففت أجسادهم ورؤوسهم من أوزار السنين.. مالوا بها ومالت بهم.. ثمة هدير سيل جارف كامن في النفس يريد الانفلات، لا يهمه كيف يخرج، بل ليخرج، ليزمجر، ليعلو صراخاً، بكاءاً، ضحكاً، تحدياً، وعيداً، ترحيباً، شكراً.. ها هم كبار يستعيدون سعادة الأطفال اللاهين بلا رقيب غير براءة الطفولة في ملاعب العمر.. تلبستهم حالات وانخطافات لم يألفوها من قبل.. كانوا سعداء.. لكنهم ولأول مرة كذلك كانوا حيارى.. لأول مرة لم يهتفوا لأحد.. كانت أصواتهم المتعالية مع تعالي ذرات الهواء المختنق بدوي ودخان الانفجارات، لا تعدو أصواتا متنافرة، تبحث عن من يضبط لها خروجها، تعالت، هدرت، صرخت، شتموا الوثن، شتموا المحتل، مدحوا المحتل.. لكنهم ظلوا حيارى.. لأول مرة أن من حررهم لم يطلب منهم أن يهتفوا له.. لم يكن يعني الغزاة من يهتف أو لا يهتف لهم.. لم يشاهدوا متعهدي الهتاف في صفوفهم.. أحد لم يرتق كتف الآخر ليهتف ويجرجر الجموع بهدير صوته.. أنوفهم تتشمم في الجو رائحة هتاف ضائع.. المحتل ـ المحرر وبدلاً من تلقينهم الهتاف فتح لهم أبواب القصور والوزارات والخزائن ملوحاً بيده.. هي لكم!! ..go..go.. أيكون هو الهتاف!؟ فهمت الأنوف رطانة الجنود .. .go..go. هو الهتاف الضائع.. رددوه فرادى.. ثم جموعاً.. ردده المحتلون معهم.. صار هتافاً يبحث عن الحناجر.. حل المحتل المحرر لغز الجموع المذهولة من غياب الهتاف.. دشن تحرير الرقاب بوليمة الـ go..go نهشت الحشود لحومها وشربت من دماءها ورفعت الصوت عالياً بالهتاف الجديد.. كانوا منتشين وهم يسرقون أنفسهم.. كانوا فقراء، محرومون، متعبون.. لكنهم ظلوا حيارى.. كانوا يسرقون وعيونهم على ذلك العجوز الواقف على الرصيف(1).. ما باله قابضاً على صورة الوثن كأنها لقيته الوحيدة من تلك الأنفال.. كان العجوز يصرخ بأصوات لا تنتمي لتلك الـ go، عدته فردة نعاله يخرج بها مع كل ضربة، كدساً من احتصارات من تحت طبقات كادت أن تصدأ وتتقرن لتقادم السنين.. لم يبال برطانة المحررِين.. ولا حيرة المحَرَرين.. لم يسرق شيئاً.. الشيء الوحيد الذي سرقه من تلك الوليمة، كان كاميرات الصحافة والتلفاز.. كان يصرخ بفقرات من بيان الإنعتاق الأول.. ظل الهتافون يتقاسمون ولائم go..go .. يتقاسمون لحومهم.. وظل العجوز قابضاً على ناصية حقه في الانتماء للأرض التي يقف عليها.. ظلت الحشود الهائجة الدائرة في المدينة حائرة، مشدوهة، تائهة.. وكان ثمة رأس سؤال ينغز في الخواصر الراقصة حول الوليمة.. رأس صغير تحول إلى طير يحوم فوق الرؤوس.. لقد سقط الوثن.. تبعثرت رؤوس تماثيله في الجهات.. لكن ماذا بعد! لمن نهتف بعد الآن..!؟ خبرناه وخبرنا، عرفناه وعرفنا، حتى تداخلت الملامح في الملامح.. ها هو يرحل ويتركنا.. (ماذا نفعل بعد رحيل البرابرة..)(2) وهذا الفرح الباذخ ماذا نفعل به.. على مدار السنين كان الفرح يُقسط علينا مكارماً، والهتاف عرفان بالجميل.. يا لحسرتي.. يا لحظ الإنسان العاثر.. لم تطل بشعبي الحيرة.. تلقفها فقهاء الأجراس، ذاتهم متعهدو الحشود القديمة.. متعهدو الهتاف والصراخ.. بدلوا القمصان بالجبب.. لفوا العمائم.. وشموا الجباه.. أنبتوا لهم أرومات جديدة.. وبدئوا العمل على عجل.. بدلوا الصور بالصور، الشعار بالشعار، الهتاف بالهتاف.. وقادوا الحشود الحائرة التائهة.. إلى آلهة جديده.. أوثان جديدة.. صور جديدة.. ما زال التعدد سمة الآلهة الجديدة.. إنما خميرة قرون العبودية الطويلة قادرة على توليد التوحيد.. سيصلون إلى التوحيد.. عادت الجموع من جديد تهتف بالروح بالدم نفديك يا... اسم جديد بملامح جديدة.. ذات الهتاف.. ذات الهوان.. ذات العجز.. ذات الخوار.. كل شيء على حاله جاهز للاستعمال.. المتغير هو الاسم الذي سيكمل الإنشوطة على الرقاب.. والرقاب متدلية عشقاً للسكين ولطلعة الجزار. ترى ما سبب كل هذا الخراب..؟ أزعم أنه الإنسان بذاته.. أزعم أنه الفقر.. الشيطان الأمرد.. القادر على استلاب جمال روح الإنسان.. قد لا يموت الإنسان من الفقر.. إنما كرامته ستظل تحت تهديد نصل السكين.. هل ما زلنا نعجب بتلك الحكمة القديمة التي أطلقها يوماً إمام عادل (لو كان الفقر رجلاً لقتلته..)(3) هل كان ذلك الإمام جاحداً بعدالة ربه!! الذي قال عنه (ما عبدتك خوفاً من نارك.. ولا طمعاً في جنتك.. إنما وجدتك كُفئاً للعبادة)(4).. لندخل محراب التعقيد، لنتسلل كاللصوص خلال الأنابيب. ولنحتمل فحيح الأسئلة.. أنه الإنسان.. الكائن العجيب، المذهل والبائس، العظيم والوضيع، هذا الحفار المدهش.. وصلت حفرياته إلى أعماق الأرض وغزا (السماء).. هذا الوعاء الممتلئ بكل الشرور والفضائل.. ذو الشعور بالكبرياء العالية والاحترام الشديد للنفس، الشعور إياه الذي قاده إلى الله.. والشعور بالضعف والخوار والعجز حيث يقاد يومياً إلى تأليه الأقوى.. القوة كامنة في الإنسان، وإلى جوارها تماماً الضعف.. الكبرياء هناك، وإلى جانبها الشعور بالضعة.. القدرة هناك، يجاورها العجز.. أنه الإنسان..
25/2/2004

هامش رقم (1) ا لمقصود هو الشيوعي الكادح (أبو تحسين)
هامش رقم (2) مطلع أو وسط قصيدة للشاعر اليوناني الحزين كافافي
هامش رقم (3) و (4) من المأثورات المنقولة عن الإمام علي بن أبي طالب





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- توريات عراقية في زمن الاحتلال
- لكم أن تكذبوا أمريكا الدهر كله.. إنما صدقوها هذه المرة!!
- قصة طف معلن
- لماذا لا يكون لنا طريق ثالث..!!؟
- ماذا تعرفون عن العلمانية لتطردوها..!؟
- أيها الإسلاميون من كل الأطياف.. رفقاً بدينكم!!
- هل يتحول مرقد الإمام علي (ع) إلى لجنة اولمبية جديدة!!!!
- ألفت انتباه السادة المشاهدين..إلى حلقة الاتجاه المعاكس القاد ...
- من أجل أن لا يضحك علينا الفرنسيون..
- انتخابات.. نعم.. لكن ليس بأي ثمن وبأي شكل
- خواء المستنقع
- ماذا نريد..؟


المزيد.....




- صحفي يخاطر بحياته لإنقاذ مصابين في كركوك العراقية
- بعد خسارة كركوك.. الأكراد يلقون باللائمة على إيران
- القوات العراقية تسيطر على سنجار والدبس وحقول نفطية
- الحبس 6 سنوات لمسنّة ألمانية نفت الهولوكوست
- أسانج يعرض مكافأة مالية للكشف عن قتلة الصحفية المالطية!
- ولايتي ينفي لـ RT ضلوع إيران في القضاء على -مؤامرة بارزاني- ...
- المروحيات العسكرية تختبر كاسحة جليد روسية
- أوكرانيا تغضب إسرائيل
- بالفيديو: حصان يتقاسم مع سيدة غرفة فندقية!
- مقتل جنديين تركيين في انفجار شمال العراق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف - اذار/ نيسان 2004 - مرور عام على الغزو/ الاحتلال الأمريكي للعراق وانهيار النظام البعثي الدكتاتوري - كريم كطافة - فقهاء الأجراس