أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - طارق حجي - من دفاتر طارق حجي القديمة : الماركسية - إلى أين ؟















المزيد.....


من دفاتر طارق حجي القديمة : الماركسية - إلى أين ؟


طارق حجي
(Tarek Heggy )


الحوار المتمدن-العدد: 2610 - 2009 / 4 / 8 - 10:56
المحور: في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
    


This text is The Arabic translation of the introduction of my book "The Fall of Socialism" (220 pages, in English, 1st edition 1978, 11th edition by Merit Publishing House, Cairo, January 2009). For extra examples of this book contents, you may like to click on : http://www.tarek-heggy.com/OnImperative.htm

الماركسية : إلي أين ؟



(إن عناصر الفلسفة الماركسية التي استمدت من هيجل كلها غير علمية ! بمعني انه ليس هناك أي سبب علي الإطلاق للاعتقاد بصحتها. يرتراند راسل : مقدمه حديثة للفلسفة، لندن، 1975، ص : 448-447).



تحتوى كتاباتُ الماركسية – عند كارل ماركس و فردريك إنجلز ولينين – وهى الكتابات التي تشتمل علي ما يطلق عليه الدارسون المعاصرون (النظرية الماركسية – الأرثوذكسية) على عده نظريات لا نظريةً واحدة، وهى نظريات تتكامل إلى حد بعيدٍ. ولا شك إن هذا الارتباط بين جوانب النظرية الماركسية الذى يجعل منها في النهاية كلاً شاملاً أو موقفاً شمولياً: اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وقانونياً، بل وأدبياً وفنياً – لا شك إن هذا التداخل نتيجة مباشرة لجدلية هيجل التى وصلت إلى (كارل ماركس) مروراً بالفيلسوف الألمانى (لودفيج فويرباخ) الذى كان
على رأس الجناح اليسارى من الشبان الهيجيليين المنقشين علي (هيجل) والمكونين للتيار الجدلى المادى.

أقول: لاشك أن هذا الارتباط أو التكامل أو التداخل بين جوانب النظرية الماركسية، هو ما جعل المفكرين الماركسيين يتصفون بشمولية النظرية. ولكن لا شك أيضاً أن هذا هو – فى الوقت نفسه – ما يجعل الماركسية – كنظريةٍ – في مأزقٍ حادٍ في وقتنا هذا .

فالمشكل أن النظرية (شموليةُ) متعددة الجوانب، تتناول الحياة لا من جانبها الاقتصادى فحسب، وإنما من سائر جوانبها الأخرى، وأن قطاعاً كبيراً من العالم قد بدأ يطبق نظاماً استقى بأكمله من المفكر الماركسى، وكان بدْء ذلك عشية نجاح البلاشفة في الوصول الحكم – في روسيا – منذ نيفٍ وستين سنة، وأن التطبيق العملى قد أظهر أن جوانب رئيسية وأساسية من النظرية الماركسية الأرثوذكسية لم تسر كما كان المفروضُ – نظريًّا – أن تسير.

وقد أدي ذلك – فضلاً عن إخفاق التجارب الاشتراكية في العالم في تحقيق العديد من التوقعات الماركسية علي جميع المستويات، وفضلاً عن علل أخرى سيأتى ذكرها فى صحف هذا الكتاب إلى ظهور ما يعرف الآن بالأورو – شيوعية(1)، وهى حركة بدأت داخل الأحزاب الشيوعية فى أوروبا الغربية ثم انتقلت إلى الأحزاب الشيوعية في بلاد أخرى غير أوروبية، وتتمثل فى رفض عدد من جوانب النظرية الماركسية الأرثوذكسية، كما تتمثل فى ترك الهدف القديم الذى كانت تلك الأحزاب – الشيوعية – تتوخاه أساساً – وهو اقتفاء أثر المثالِ السوفيتى في بناء الاشتراكية.

ولا شك إن بعض الماركسيين يحاولون – بكل الجهد والطاقة ـ أن يفسروا ذلك بأنه (تطورُ) طبيعى فى النظرية، وأنه تعديلاتُ في جوانب غير رئيسية في الفكر الماركسى، يمليها الواقعُ وتمليها التجاربُ في كل بقعة من بقاع العالم.



ولكن هل الأمر كذلك حقًا ؟

في اعتقادى إن المسألةَ لا تُكيَّف هكذا، فالتعديلات والتغييرات لا تتعلق بمفاهيم ثانوية، ولكنها تتعلق بأسس وركائز غاية في الخطورة فى الفكر الماركسى ، فضلاً على أنها تغيّرات تتعلق بنظريات لم توضع كمقولات معزولة عن سواها داخل البنية الفكرية الماركسيةِ، ولكنها كانت نتيجةً لمقولات أخرى، وفى الوقت نفسه أساساً لمقولات غيرها .

ومن ثم فإن انهيار هذه المقولات الرئيسية أو الأساسية في الفكر الماركسى ـ فى اعتقادي ـ ليس سوى تصدع في البنية الأساسية للفكر الماركسي ـ وبداية النهاية بالنسبة لتلك النظرية ـ وإيذانًا بأن مآلها ـ مثل مآل الكثير من النظريات الوضعية فى تاريخ البشر ـ أن تذهب إلى خزانة التاريخ ومتحف الأفكار(2)، بعد أن أثرت فى عدة مواضع هنا وعدة مواضع هناك فى حياة البشر، دون أن تكون ـ أبدًأ ـ التنظير الشمولى الأخير للحياة البشرية، والصائب ـ بشكل مطلق – دون سواه!

وفى هذا الكتاب نقدم للقارئ دراسة أو بالأحرى دراسات حول الأفكار الماركسية الأرثوذكسية التى نظن أن التجاربُ وتطورُ الفكر والدراسات قد أثبتا بطلانها، والتى ببطلانها وبإثبات مجافاتها للواقع وعدم قابليتها للتطبيق قد أوحت للحركات الشيوعية في عدد كبير من بلدان العالم أن تعدّل من أفكارها، متخلية عن أفكار ونظريات اعتبر الماركسيون الأرثوذكسيون أو التقليديون التخلى عنها بمثابة التخلى عن النظرية بأسرها، فضلاً عن أنه موقفُ يشكل صدعاً في شمولية المذهب الذى لم يقبل دعاته ـ قط ـ إلاَّ أن يقبل برمته أو أن يرفض بكليته: فقد أثبتت الأحداثُ والتجارب أن التاريخ البشرى لا يقبل فكراً وضعياً برمته، وإن وقع هذا من قِبَل قطاع من البشر فإنه لا يدون أكثرمن سنواتٍ قليلة لا تكاد تذكر فى سجلاتِ تاريخِ البشريةِ.

وهكذا، يضع هذا المؤلفُ عرضاً تحليليَّا لأهم تلك الأفكار والجوانب في النظرية الماركسية التي أحيلت ـ أو تحال الآن ـ إلى متحف تاريخ الأفكار البشرية، والتى من بوادر صيرورتها لهذا المآل ـ كما أسلفت ـ ظهور حركة (الأورو ـ شيوعية) المناقضة تماماً للمذهب الماركسى الذى نعثر عليه في كتابات الماركسيين التقليدين، وفى مقدمتهم ماركس وإنجلز ولينين.

ولا ريب أن وجود هذا التيار (الاورو ـ الشيوعية) لا يحتاج منا إلى أىَّ تدليل.
فأبسط متابعة للأحزاب الشيوعية في البلدان الديمقراطية المتقدمة صناعياً تُظهر أن تلك الأحزاب قد خطت خطى حثيثة فى طريق التنائى والافتراق ـ بعد طويل تتبع والتصاق ـ عن النظرية الماركسية الأرثوذكسية.

فالشباب الفرنسيون الذى قادوا حركة سنة 1968 فى فرنسا ـ تحول أكبر وأشهر قادتهم عن الماركسية بشكل قاطع.

فمن المعروف أن القادة الفكريين لثورة الشباب والطلاب الفرنسيين عام 1968 تفتحت أذهانهم ونمت أفكارُهم في ظل الفكر الجدلى المادى، وبالذات فى ظل الفكر الماركسى، قبيل وإبان حركة 1968، ثم أخذوا ـ بعد عام 1968 ـ في الابتعاد ـ تدريجياً ـ عن الفكر الماركسى تحت تأثير اكتمال التكوين الثقافى، فضلاً عن الخبرة والنضج، حتى أنهم صاروا يشكلون ـ بعد أقل من عقدٍ واحدٍ من حركة عام 1968 ـ تياراً معادياً للماركسية، وهو التيار الذي يطلق عليه المثقفون الأوروبيون (الفلاسفة الجدد).

وإذا كان هؤلاء (الفلاسفة الجدد) ـ فى الواقع ـ لا يشكلون تيار فكرياً واحداً، وإنما يشكلون اتجاهات عديدة، فإنهم جميعاً يلتقون حول الرفضِ البات لفكرة (النظرية الشمولية) والتى تقدم تطوراً لجميع الظواهر والنظم والأمور، والماركسية هى المثال الأبرز للنظريات الشمولية في عصرنا. كما أنهم ـ أى الفلاسفة الجدد ـ يلتقون أيضاً ويتفقون فى الثورة علي فكر (ماركس) الذي لا يجادل مجادل في تعمقهم الكبير فى دراسته والإجابة به، وهم الذين خرجوا ـ حقيقةً – من جعبته !.

ومن أشهر هؤلاء (الفلاسفة الجدد)، «برنار هنرى ليفى» مؤلف كتاب (البربرية ذات الوجه الإنسانى)، و «ليفى أندريه جلوكسمان» مؤلف كتاب ( الطباخة وأكلة لحوم البشر) (3) وكذلك كتاب (سادة الفكر) الذي ينتقد فيه أقطاب الفلسفة الألمانية، ومنهم كذلك «جان ماري بونوا» مؤلف كتاب (ماركس مات). وقد ذاعت شهرة هؤلاء (الفلاسفة الجدد) في فرنسا بشكل غمر الحياة الثقافية الفرنسية، وغطى على العديد من الأحداث الثقافية بفرنسا .

والحزب الشيوعى الإيطالى الذى هو من أنشط وأقوى الأحزاب الشيوعية فى أوروبا وفى كل البلدان التى لم يصل الشيوعيون فيها للحكم ـ يعلن عن تخليه عن مفاهيم أساسية من مفاهيم الماركسية اللينينية. بل إن « لوشيو لومباردو »، وهو واحد من أكبر وأشهر مفكرى ومنظرى الحزب الشيوعى الإيطالى ـ قد دعا ـ صراحةً إلى تخلى حزبه نهائياً عن تأييده للماركسية اللينينية، ويقول فى حديث بصحيفة (لاستامبا) الإيطالية الشهيرة: (إن تعبير «الماركسية اللينينية » قد اختفى من لغة الحزب بطريقة طبيعية دون فرض حظر علنى عليه، مثله في ذلك مثل تعبير «ديكتاتورية البروليتاريا» ).

والحزب الشيوعي الياباني يعلن في عام 1964 عن قطع علاقاته بالحزب الشيوعى السوفيتى، ثم في عام 1967، يخطوا الحزب خطوة أخري على الطريق نفسه، فتقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعى اليابانى خلال دورة انعقادها السنوية إلغاء النص الذى بلائحة الحزب والذى يشير إلى أن هدف الحزب هو تحقيق النموذج السوفيتى لديكتاتورية البروليتاريا، كما تقرر استعمال مصطلح (الاشتراكية العلمية) عوضاً عن مصطلح (الماركسية اللينينية)، وكذلك تقرر تخليها عن فكرة الأممية أو الدولية العالمية.

وفي أسبانياً: يعلن سانتياجو كاريّو(4) الأمين العام للحزب الشيوعى الأسبانى دعوته للاشتراكية الديمقراطية المستقلة في أوروبا(5)، وتعلن زعيمة شيوعية أسبانية هى «الباسيوناريا دولوريس أباروري» رئيسة الحزب الشيوعى الأسبانى والتى قضت أكثر من ثلث القرن بالاتحاد السوفيتى رفضها الشديد لتكرار التجربة السوفيتية ـ التى عايشتها في بلادها !

وفي الهند : تطالب قطاعاتُ كبيرةُ من الحزب الشيوعى باتباع سياسية اشتراكية مستقلة عن موسكو وعن اقتفاء أثر التجربة السوفيتية .

وفي فرنسا : مرة أخرى ـ تطل علينا بوادر تصدع ائتلاف اليسار الفرنسى ـ وهو الائتلاف الذى جمع ما بين الشيوعيين والاشتراكيين والراديكاليين، فلما بدا الهدف المنشود ـ السلطة ـ ممكناً تشقق جدارهم !

وفي البرتغال : يفقد اليسار في كل يوم الكثير من قوته وشعبيته، ويصبح مجرد اشتراكية فى ائتلاف حكومى .. حلماً !

وفي بريطانيا : يعلن الحزب الشيوعى البريطانى، فى 14 نوفمبر 1977 تخليه نهائياً عن فكرة (ديكتاتورية البروليتاريا).

والخلاصة : أن الأمم المتقدمة تخرجُ الآن من تجربتها مع الفكر الماركسي بوضع هذا الفكر في حجمه الحقيقى. أما الكارثة الحقيقية فمكانها العالم الثالث الذى يحاول ـ وفى أحيان يتمنى فقط ـ ترك طور التخلف واللحاق بركب العالم المتقدم، فى هذا العالم الثالث وفي ظل انعدام الوعى ينشط منظمون متمرسون في بث أفكار ـ ثبت بطلان معظمها ـ فتتلقاها فئاتُ من الشباب والطلاب ـ لا العمال كما يقتضى التنظيم الماركسى – فئاتُ حتّم عليها نقص الخبرة وهزالةُ التكوين الثقافى والعلمى والطبيعة الفوارة غير المستقرة عضوياً ونفسياً ـ أن تسلم عقولها ووجدانها، لتصبح أبواقاً لنظرية
قوامها أفكار بدأ العالم المتقدم فى التعامل معها كمجموعة لا أكثر ـ من الأفكار قيلت فى القرن التاسع عشر، مثل عشرات النظريات والآراء التى جاد بها هذا القرن على الفكر البشرى، والتى لا تتميز عنها الماركسية بشئ أكثر من أنها ـ دون سواها ـ وجدت دولة ـ وهى روسيا بقيادة لينين ـ تطبيقها (6) .

وفى اعتقادنا أن التباين الأزلى الذى عرفته البشرية بين الأجيال، ولا سيما بين جيل أو أجيال الناشئة والمراهقين والشباب، وبين جيل أو أجيال الكهول والشيوخ من الآباء والجدود ـ أقول : إن هذا التباين ظل طيلة أحقاب البشرية قائماً، إلاَّ أنه كان يأخذ ـ فقط ـ شكل التطلع ـ من قِبل الجيل الناشئ ـ للتحرر ولعدم المضى فى الحياة بالخطى التى يطالب بها جيل الآباء والجدود، ومن ثم فإنه كان تمرداً على القديم دون إدراك ـ أو التصور ـ لما يجب أن يكون عليه الحال. وسرعان مالا يبقى من هذا (التمرد) أثر لاكتشاف أصحاب أنه كان صورة لقلقهم ـ العضوىّ والنفسىّ – فى فترة
المراهقة ومطلع الشبابِ.

ولا يعنى هذا ـ بالطبع ـ تكريس القديم، وإنما الواقع أن رفض الناشئة للقديم كان عبر سائر الأجيال رفضاً وجدانيًّا تعوزه الخبرة والدراية والتجربة والفهم، وأن تغييرالقديم لم يحدث ـ قط ـ في تاريخ البشرية تحت ضغط وإلحاح رغبات الناشئة من المراهقين (7)، وإنما وقع ـ ويقع ـ هذا التغيير تحت ضغط أجيال أخرى أكثر خبرة ودراية ومعرفة.

ظلت هذه هى الحال حتى بزوغ الفكر الماركسى، ولما كان هذا الفكر (ثورة) ـ على الأوضاع في أساسه ـ فقد أصبح لدى فريق كبير من مراهقى وشباب وطلبة العالم المعاصر إطاراً فلسفياً لقلقهم الأزلى وثورتهم العتيقة علي كل وضع قائم.

وقد رجَّحت كفة الماركسية ـ كإطار لثورة ورفض الشباب ـ دعوتها الصريحة لقلب الأوضاع، وهى فكرة سكنت ـ منذ كان الإنسان ـ عقول القطاع الأكبر من الناشئة، فضلاً عن اقتران الماركسية بالدعوة الصريحة إلى الحرية الجنسية وإلغاء النظام الأسرى (البرجوازى)، وعموم الشيوعية الجنسية في الطور الأعلى للمجتمع الشيوعى، وهى دعوة يصعب للغاية أن تجد رفضاً من الناشئة في أىّ بقعة من بقاع العالم.

ولا شك أن جنوح الشباب المتعلمين للفكر الماركسى فى العالم المعاصر لا يفسر لمصلحة النظرية الماركسية وإنما يفسر ضدها : فالاستجابة الكبرى لم تكن من قبل الطبقة العمالية كما كان يتصور ـ وينظر ـ دعاةُ الماركسية، وإنما كانت من قبل شباب المدارس والجامعات فى بقاع كثيرة من العالم، وهى استجابة لا مضمون لها فى الحقيقة : فواقع الأمر أن الأغلبية العظمى من قطاعات الشباب المعاصرين لا دراية علميه لها بالماركسية. وقد خالط كاتبُ هذه السطور قطاعات أكبر من شباب
الماركسيين ـ في بلدان شتى ـ كطالب منذ سنوات غير بعيده، وكمحاضر جامعى، ولمس بنفسه عدم إحاطتها بأى أصول علمية للماركسية، فضلاً عن عدم مطالعتها لأى أصولٍ من كتابات أقطاب هذه الدعوة. والأمر بالنسبة لهؤلاء الشباب لا يخرج عن أنهم وجدوا الإطار الفكرى أو الفلسفى الذي يمكن أن يسوغ وينظر رغباتهم العميقة فى الرفض والثورة على كل ما هو قائم، فضلاً عن تبريره لما يسعدهم كثيراً أن يبرر لهم.

وإذا استعملنا ـ جدلاً ـ المنهج الماركسى جاز لنا أن نقول إن الماركسية قد انتشرت في العالم في طوائف ـ طلابية في الأساس ـ من المحتم أن المستقبل يحمل لها انتماء طبقياً يحتم عليها الانفصال عن الأفكار الماركسية تدريجاً والانتقال من رصيف الرفقاء إلي رصيف الفرقاء.

وهكذا : لا يحسب انتشار الماركسية فى الأوساط الطلابية لها، وإنما عليها. فما الربح فى أن يدعو أحد الدعاة للنظام، فيستجيب له من لا يعلم، ومن هو بالضرورة تارك كل هذا عند أول احتكاك بالواقع؟ (والحديث مره أخرى عن السواد الأعظم، والاستثناء لا ينفى أبداً القاعدة) .

وإن كان مما يجدر بالذكر هنا، إن الركود والجمود الفكرى الذى أصاب جهات أخرى ـ كان من الممكن أن يؤدى دوراً مناهضاً للدعوة الماركسية عند الطلاب ـ عامل آخر من عوامل انتشار الفكر الماركسى فى الأوساط الطلابية التى لا تجد عند الآخرين سوى حصيلة مهترئة لمخالفات الماضى المتسم بالتخلف العميق، وبالجمود التكلسَّى المطلق، وبالعجز التام عن متابعة أطوار الزمان(8).

إن العالم المتحضر المتقدم قد أخذ مؤخرا ًفى التعامل مع الماركسية، كمجموعة من الأفكار التى قيلت في القرن التاسع عشر، والتى أثبتت التجربة بطلان الكثير منها، كما ساهم بعضُها فى التعجيل بإيقاظ الاهتمام بجوانب اقتصادية واجتماعية معينة، مما دفع بعض الدول ـ بطرق أخرى تماماً ـ لأن تحث الخطى فى طريق كفالتها للطبقات الضعيفة ما لن تجد فى دولة واحدة من تلك التى
ترفع الراية الحمراء.

وفى اعتقادنا أن هذه الاهتزازات الكبرى في الأرضية التى يقف عليها الفكُر الماركسى، والتى أدت ـ مؤخراً ـ إلى انبعاث حركات يسارية ـ تقودها الأحزابُ الشيوعية الأوربية على وجه الخصوص ـ ترفض العديد من جوانب النظرية الماركسية الأرثوذكسية، أقول : فى اعتقادنا أن هذه الاهتزازات غير جديدة، ولكنها صاحبت وأعقبت ماركس وإنجلز مباشرة، غير أن وصول البلاشفة للحكم فى روسيا طغى على تلك الأفكار المعارضة والمنبثقة من داخل الدعوى الماركسية ذاتها، حيث بدأ للبعض أن النظرية توشك أن تتحقق، وأن التوقعات تكاد تصدق. فلما طال الزمنُ على التجربة، وأثبت ـ وهو أقوى الأدلة ـ بطلان جوانب عديدة من بنيتها الأساسية، عاد المفكرون يرفضون
أسساً مهمة من أسس تلك البنية، وقد أصبح نتاجُ التجربة في جانبهم يدعمهم، ويدلل على صحة ما يذكرون من مثالب.

أما هذه الاهتزازات القديمة ـ التى أشرت إليها آنفًا ـ فمعلومة لدى المتخصصين فى دراسة المذهب الماركسى، ومثالها الأكبر « إدوارد برنشتاين » ( 1912-1850 ) الديمقراطى الاشتراكى الألمانى الذى طالما كسب تقدير « كارل ماركس » و « فردريك إنجلز » شخصيًّا إبان رئاسته لتحرير جريدة (اللامجازاة) أيام « بسمارك » والذي عاد تحت تأثير الاشتراكية الإنجليزية ـ في زمن لاحق ـ فتخلى عن معظم أفكاره الماركسية، ونقدها نقداً شديداً، حتى وصل في كتابه (الاشتراكية النظرية والاشتراكية العملية ) إلى قولة المأثور :

(إن وظيفته باتت هي تنقية الماركسية من آثار الفكر المبنى في الخيال والذى يطبعها)، كما ميَّز ـ بحق ـ فى مؤلفات وأعمال « ماركس » بين أقوال رجل العلم المبنية على الحقيقة الاجتماعية، وبين أقوال رجل يعالج الأمور بغير علمية وبلا موضوعية (9). كما يعلن « برنشتاين » في مناسبة أخرى ـ وهو قطب الحزب الاشتراكى الديمقراطى الألمانى كما أسلفنا ـ أنه يطالب حزبه بأن (يمتلك شجاعة التخلص من تعبيرية تجاوزتها الوقائع)(10).

وهكذا، فإن هذا الكتابَ يعرضُ ـ فى فصول ـ تلك الأفكار الماركسية كما صاغها أقطاب المذهب، ثم نقفى على ذلك بتحليلها تحليلاً يعريها من كل سندٍ أو دليلٍ، فضلاً عن إقامته البينة ـ بجلاء ـ على تهافتها أمام التحليل الموضوعى المستند للمنطق الواضح من جهة، وأمام التجربة العملية المستقاة من الواقع المعاش من جهة أخرى.



ـــــــــــــــــــ

1- الاورو – شيوعية (Euro Communism) مصطلح مختصر لكلمتى (الشيوعية الأوربية) (European Communism) ، وقد أفردنا فصلاً كاملاً فى نهاية هذا المؤلف لعرض أهم ملامح واتجاهات هذا التيار الفكرى والسياسى فى آن واحد، ولبيان أوجه التناقض الرئيسية بين الأورو ـ شيوعية والماركسية التقليدية.



2- استاء بعض الماركسيين من هذه العبارة عند الطبعة الأولى؛ برغم أن عبارة (خزانة التاريخ ومتحف الأفكار) هى عبارة (كارل ماركس)... وليست صيغة ابتكرناها!... كما أنها لا تبلغ المدى الذى تبلغه كلمات (إنجلز) عندما وصف فكر (سان سيمون) و (فوربيه) و (أوين) بأنه (ينبغي القذف به هو أيضاً في مقلب النفايات)!

ملاحظه: كلمة (إنجلز) ـ آنف الإشارة إليها ـ وردت في كتابة ( الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية) ضمن المجلد الثالث من (مختارات ماركس ـ إنجلز)، دار التقدم، موسكو (بدون تاريخ). صفحه 81.



3- يبدو أن « جلوكسمان » قد قصد أن يطلق علي الشيوعيين تسمية « أكلة لحوم البشر » وهوالتعبير نفسه الذى استخدمه «ماركس » من قبل علي أعداء الشيوعيين الذين قادوا كومونه باريس سنة1871 راجع التسمية في :

ماركس : الحرب الأهلية في فرنسا، دار التقدم، طشقند 1976 ، صفحة 82 .



4- يكتب الاسم في الصحافة العربية « كاريللو » ولكننا آثرنا كتابة الاسم كما ينطق باللغة الأسبانية « كاريو ».



5 - طالع فصلاً عن أفكار « كاريّول » في النهاية هذا الكتاب بعنوان (الأورو –شيوعية).



6 – في اعتقادي أن قطاعاً لا يستهان بــه مــن (الحجم) الحـــالى الماركسى إنما يعزى لهذه الجزئية بالذات، فلو لم يتبين « فلاديمير أوليـانوف »« لينين » أفـــكار ماركس وإنجلز، ولو لم يصل إلى السلطة في روسيا، ويبـــدأ ـ إثر ذلك ـ في تشييد نظام مستقى ومستوحى من الأفكار لظل ماركس وإنجلز ولظلت مـؤلـفـاتهما تدرس بالقدر من الاهتمام الذى تُولاه أعمال هيجل وفويــــرباخ وبوردون وسان سيمون وســيسموندى، وســائر مفكري القرن التاسع عشر.



7- بل إن حركات الشباب كلها قادها أفرادا ليسوا من الشباب، مثل « هربرت ماركوز » فيلسوف الشباب المعاصر الذى يبلغ السبعين من عمره! ومثل « جان بول سارتر » إبان ذيوع الفكر الوجودى فى الخمسينات و« سارتر » قد تجاوز الخمسين !



8-راجع مقالنا بعنوان « حول الإسلام والاصطلاح في الواقع العربى »، الذى نشرته جريدة « المسيرة الخضراء » المغربية بتاريخ 3 من يوليو 1977 ثم عادت جريدة « العلم » المغربية فنشرته من جديد بتاريخ 10 من يوليو1977.



9- راجع: بيار ومونيك فافر: الماركسية بعد ماركس: ترجمة نسيم نصر، منشورات عويدات ـ بيروت، الطبعة الأولى، أكتوبر 1974 ، ص 29 ، ص 30.



10- المرجع السابق: صفحة 38. ** This text is The Arabic translation of the introduction of my book "The Fall of Socialism" (220 pages, in English, 1st edition 1978, 11th edition by Merit Publishing House, Cairo, January 2009). For extra examples of this book contents, readers may like to click on : http://www.tarek-heggy.com/OnImperative.htm









رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,553,767
- لو كنت كرديا من سوريا ... : سلسلة - لو كنت ..... - الحلقة ال ...
- برقية تلغرافية لكل لبناني حر ...
- طارق حجي : من المؤلفات الأولي : الإقتصاد الماركسي .
- شكر وإمتنان لموقع الحوار المتمدن وقراءه.
- ماذا فعل 23 يوليو 1952 بمصر؟ (1)
- عبقرية سعد زغلول .
- هلوسات 1- 2
- هلوسات ثقافية
- مرة أخري (وليست أخيرة) : -عن مظالم الأقباط أكتب- ...
- رسالة لوزير الأوقاف المصري .
- الأحزاب الدينية : محض وهم ومخادعة
- سجون الثقافة العربية : السجن الثالث : الرعب من الحداثة
- سجون الثقافة العربية : السجن الثاني : المفاهيم السلبية الشائ ...
- إصلاح التعليم : ماذا يعني ؟
- سجون الثقافة العربية السجن الأول : الثقافة الدينية السامة.
- هل من تفسير ؟
- مرة أخرى: مسيحيو مصر (عرض لمرض مجتمع).
- العقلية العربية المعاصرة : عقلية خارج مسيرة التمدن !
- الشرق والغرب : الفهم المفقود.
- بمثل هذا الموقع (الحوار المتمدن) -قد- نستطيع بدء نهضة ثقافية ...


المزيد.....




- رحلة شويغو فوق سوريا (فيديو)
- خبيرة تكشف كمية البيض الصحية التي يمكن تناولها
- أستراليا حول تصريحات أردوغان: متهورة ومشينة!
- بوروشينكو يعتبر روسيا مسؤولة عن مشاكل عمل مترو كييف
- مصر.. لائحة لتنظيم الإعلام أم تكبيله؟
- غرينغوتس.. جديد هاري بوتر
- بركان في لحظة ثوران
- ميركل ترفض الانتقادات الأمريكية بشأن النفقات العسكرية
- الاتحاد الأوروبي يحذر بريطانيا: إرجاء البريكست سيكون له ثمن ...
- بدء دفن ضحايا حادث إطلاق النار بمسجدين في نيوزيلندا


المزيد.....

- الحزب الشيوعي العراقي... وأزمة الهوية الايديولوجية..! مقاربة ... / فارس كمال نظمي
- التوتاليتاريا مرض الأحزاب العربية / محمد علي مقلد
- الطريق الروسى الى الاشتراكية / يوجين فارغا
- الشيوعيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- الطبقة الجديدة – ميلوفان ديلاس , مهداة إلى -روح- -الرفيق- في ... / مازن كم الماز
- نحو أساس فلسفي للنظام الاقتصادي الإسلامي / د.عمار مجيد كاظم
- في نقد الحاجة الى ماركس / دكتور سالم حميش
- الحزب الشيوعي الفرنسي و قضية الجزائر / الياس مرقص
- سارتر و الماركسية / جورج طرابيشي
- الماركسية السوفياتية و القضايا العربية / الياس مرقص


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - طارق حجي - من دفاتر طارق حجي القديمة : الماركسية - إلى أين ؟