أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - خالد صبيح - معوقات وحدة اليسار العراقي















المزيد.....

معوقات وحدة اليسار العراقي


خالد صبيح

الحوار المتمدن-العدد: 2609 - 2009 / 4 / 7 - 11:05
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    



يعتقد الكثير من المعنيين بأمر اليسار العراقي بان هناك ضرورة ملحة في توحيد هذا اليسار مستندين بذلك على تحليل يكاد يجمعون عليه جميعا يصف حالة اليسار بالتفكك والتشتت وضعف الفاعلية السياسية في الواقع العراقي الجديد. ويرى البعض من هؤلاء أن هذه الوحدة ممكنة بقدر ما هي ضرورية في حال توفرت النوايا الايجابية من كل الأطراف المعنية، أفرادا وتنظيمات، لتحقيقها. وان ذلك يمكنه أن يتحقق بخطوات عملية تبدأ، بلا شك، بالحوارات واللقاءات وتبادل الآراء وطرح المبادرات، ومن ثم الانتقال إلى الإجراءات الفنية في تحديد الصيغ العملية والتنظيمية ليتم هذا التلاقي أو التوحيد على ارض الواقع.

لكن هذا التصور يشوبه، بتقديري، قصور في فهم الواقع العراقي العام وواقع قوى اليسار بشكل خاص. فهو بالإضافة إلى انه اختزل المسالة بحدودها الإجرائية فانه قد انطلق أيضا بتحديده لقوى اليسار بتصور بالغ في حجمها وأطرها التنظيمية. حيث افترض إن بضع عناوين وتجمعات صغيرة هنا وهناك هي في الواقع ما يشكل اليسار العراقي المنافس أو المجاور للحزب الشيوعي العراقي، باعتباره التجمع الأكبر والأكثر تنظيما لليسار في العراق حاليا، وكذلك افترض هذا التصور أن هذه التجمعات الصغيرة بمقدورها أن تشكل عامل ضغط واستقطاب قادر على تحريك عملية تجميع قوى اليسار ومن ثم توحيدها، وبهذا التشخيص القاصر وقع هذا التصور، برأيي، في خطأ عملي كبير سببه الانطباع الخاطئ الذي تولد لديه عن حجم هذا اليسار المتبلور في بعض التنظيمات التي تعلن عن نفسها هنا وهناك وتطرح المبادرات.

في الواقع إن ما أغفله هذا التحليل لواقع قوى اليسار هو أن القوى البشرية الفعلية لليسار، التي بامكانها لخبراتها وقدراتها الذاتية على أن تشكل تكتل يساري جاد وفعال، هي غير منتظمة في أي إطار تنظيمي، وبعيدة عن أي تجمع، وهي لهذا تشكل كما فرديا متناثرا ومهمشا. وان الحزب الشيوعي العراقي والتنظيمات الصغيرة المتناثرة والمتشظية منه هم غير قادرين على استقطاب هذه القوى، بالإضافة إلى أن هذه التنظيمات الصغيرة الموازية للحزب الشيوعي العراقي والساعية لاستثمار عجز الحزب عن استقطاب أعضائه السابقين، هي في الواقع ليست كلها موضع ثقة وتقدير من الشارع السياسي أو من قاعدة اليسار. فبين هذه التنظيمات يوجد من هم متورطون بارتباطات مع النظام السابق ومشكوك بوضعهم (الأمني)، وحتى بافتراض أن هذا الارتباط قد فكك بفعل انهيار النظام وزواله، فان مصداقيتهم بشكل عام قد انثلمت ومن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التعامل معهم. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فان هذه المجاميع الصغيرة لها تصورات ورؤية للواقع السياسي وطرق معالجته مختلفة فيما بينها لحد التناقض. فبعض هذه المجاميع يتخبط ويتناقض في تصوراته السياسية ويخلط المفاهيم وطرائق العمل بطريقة مربكة، فمن ناحية هو، على سبيل المثال، ضد الاحتلال وضد العملية السياسية برمتها، وينعت الحكومة وكل المشاركين بالعملية السياسية بالعملاء ويطلق الاتهامات الشنيعة بحق كل من شارك ويشارك بالعملية السياسية، لكنه في نفس الوقت يؤيد المشاركة بالانتخابات والدخول إلى البرلمان. ولا ادري ماذا تكون العملية السياسية إذا لم تكن الانتخابات والبرلمان؟. صحيح إن داخل العملية السياسية هناك صفقات الاحتلال ومشاريعه هو والقوى السياسية المنضوية تحت مشروعه، ولكن هناك أيضا مسافة وفروقات بينة بين البعد الوطني في العملية السياسية وبين مشاريع الاحتلال. ولهذا فان العملية السياسية ليست كلها مشروع أمريكي، فليس من المعقول أن يكون الشعب العراقي وقواه السياسية ونخبه المثقفة سلبية ومشلولة ولا تلعب أي دور في إطار هذه العملية ليستطيع المحتل تقرير كل شيء حسبما يشاء. لهذا ينبغي التمييز في هذا الشأن والعمل على وفق هذا التمييز. وهناك أطراف أخرى بين هذه المجاميع منغلقة في أبنية تفكير يمكن نعتها بأنها ذات طابع شيوعي سلفي، وهؤلاء باطروحاتهم وممارساتهم غير مؤمنين بالديمقراطية كأفق إنساني شامل، وبقوا متكلسين في اجترار أفكار عتيقة أثبتت الحياة تراجعها وفشلها من مثل الثورة البروليتارية ودكتاتورية البروليتاريا وسلطة المجالس وغيرها من أفكار انتعشت وأدت دورها وفاعليتها في بداية القرن العشرين ولم تعد بقادرة على مواكبة تحولات الواقع والحياة المعاصرين.

من هنا يمكن القول انه بات من الصعب بل ومن المستحيل على هذه المجاميع أن تشكل بديلا موضوعيا للحزب الشيوعي العراقي يصلح كمدخل لتأسيس حركة يسارية مؤثرة يمكنها أن تفرض الوحدة السياسية، وذلك لانعدام قدرتها أولا على استقطاب العناصر الساخطة والرافضة لخط وسياسة الحزب وثانيا لأنها هي بالأصل، ولنكن صريحين، خارجة من معطف الحزب ولا تختلف في أنماط تفكيرها وسلوكها وتصوراتها للعمل السياسي والتنظيمي كثيرا عن العقلية والروحية التي يدير فيها الحزب عمله السياسي. وما خلاف بعضها أو بعض أفرادها مع واقع الحزب إلا بسبب طلبها للزعامة وطموحها للقيادة.
غير أن الإشكال والمعوقات لا تقف عند هذا الحد فهناك معضلة عملية مهمة هي واقع الحزب الشيوعي العراقي نفسه وموقفه من مسالة وحدة اليسار. فالحزب الشيوعي العراقي أو قل قيادته ليست على استعداد للقبول بالارتباط بعلاقة مع أي طرف أو شخص إلا على أساس عودته فرديا للحزب. فهذه القيادة لا تعترف عمليا بوجود أي كتلة أو مجموعة خارجها ولا تقر حتى بوجود شريحة المنسحبين الكبيرة من تنظيمات الحزب على أنها مجموعة متسقة في تفكيرها وتصوراتها، بمعنى اخر ان هذه القيادة تتعامل مع الجميع على أنهم أفراد تركوا التنظيم أو ابعدوا عنه ولاتتم العلاقة معهم إلا عن طريق عودتهم إلى التنظيم. إن قيادة الحزب الشيوعي ترفض رفضا مطلقا الاعتراف بوجود أي قوى تنتمي لليسار غيرها. وما شجعها على ذلك هو غياب كتلة ضغط حقيقية من خارج التنظيم يمكنها أن تفرض عليها تغيير قناعاتها وسلوكها، وما يصدر من داخل التنظيم من مواقف نقد واحتجاج في هذا الاتجاه وغيره لايمكنها ان تشكل كتلة ضغط حقيقية على الحزب لان قيادة الحزب قادرة على استيعابه وتذويبه طالما هو لا يرقى إلى مسالة الانشقاق أو المنافسة على المواقع القيادية.

في واقع الحال إن اليسار العراقي لديه كتلة بشرية كبيرة، منهم من هم داخل تنظيمات الحزب الشيوعي ومنهم من هم خارجها، وهؤلاء بمجموعهم يشكلون قوة مادية وخميرة عمل ممتازة يمكن لها أن تؤثر وتنتج خطابا وتنشئ تنطيما يساريا متماسكا وفعالا لولا المعوقات التي تحول دون نضوج طاقاتها الآن، وتحول بالتالي دون السماح لها بالتحرك العملي لإنتاج وتنفيذ مشروع بناء يسار عراقي جديد ومعافى. وما يعيق هذا المشروع وهذه الكتلة على التبلور والنضوج هو بالإضافة إلى ما ذكر أعلاه عن التشرذم ودور الحزب الشيوعي العراقي المعوق للعملية فان الظروف الاجتماعية والثقافية في المجتمع العراقي لم تنضج بما فيه الكفاية بعد لتمهد الأرضية الاجتماعية لعمل ونشاط اليسار. أو قل أنها خربت للحد الذي أعادها إلى نقاط ارتكاس متراجعة كثيرا عن مستوى التطور الذي يمكن أن ينتعش فيه نشاط اليسار وتبرز فاعليته. وعليه فان قوى اليسار هي قوى مستقبلية إذ لا يمكنها أن تقدم الكثير في الظروف الحالية المضطربة والمختلة، لان اليسار كفكر حداثي وطليعي في المجتمع يزدهر غالبا في ظروف الاستقرار والسلم وانتعاش أجواء التعليم والثقافة وما تفرزه من متغيرات وتأثيرات على بنية وعي الفرد والمجتمع وعلى مستواه الحضاري بشكل عام. وينبغي التنبيه هنا إلى أن كتلة اليسار البشرية هذه، بالإضافة إلى خبرتها الطويلة في العمل السياسي، فان تجاربها العقلية والثقافية نضجت في مجتمعات متقدمة حضاريا وراسخة في قيم الديمقراطية والحداثة، وهذا يجعلها قادرة على لعب دور في عملية بناء الوعي وبناء المؤسسات القادرة على تطوير مجتمع مدني ومتحضر في العراق. ولكن ذلك لا يعني بطبيعة الحال أن المعنيين بهذا الأمر عليهم أن ينتظروا نضوج المجتمع وقدوم اللحظة التاريخية المناسبة. فالمنطق الجدلي يفترض دائما أن الحراك الاجتماعي هو عملية ديناميكية تلعب القوى المحركة فيها ادوارا تتبادل فيها التأثير وتكون سببا ونتيجة في حركة تصاعدية في وقت واحد.
مطلوب المزيد من الانفتاح والمزيد من الحوار لفتح الطريق أمام تغيير المفاهيم وبناء تصورات واقعية يبنى عليها بموضوعية وإلا فلا عزاء لليسار.


2009/4/5





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,183,278
- صناعة الخصوم
- معضلتان يساريتان
- تعرف الأشياء بأضدادها
- عبء التاريخ
- طرائف ديمقراطية
- قراءة اولية في انتخابات مجالس المحافظات
- شارة النصر
- عالمية القضية الفلسطينية
- في إنصاف النقد
- إحراجات غزة
- أدوات العدوان الإسرائيلي
- غزة والعرب
- حذاء الزيدي ووجوه البعثيين
- لماذا اتحاد لكتاب الحوار المتمدن
- اتحاد كتاب الحوار المتمدن
- الحوار المتمدن رتوش في طريق التطور
- دكتاتورية مبطنة بحرير الديمقراطية
- عذرية البنادق
- صحوة اليسار
- بشتاشان بين نارين


المزيد.....




- موسكو ضمن أكثر عواصم العالم تزودا بكاميرات الرصد
- العراق.. فقدان ما يقارب 60 مليون دولار من ميزانية محافظة نين ...
- من هي "جماعة التوحيد" المشتبه بتنفيذها تفجيرات سري ...
- من هي "جماعة التوحيد" المشتبه بتنفيذها تفجيرات سري ...
- الملوثات الكيميائية خطر على الحيوانات المنوية
- حملة -مي تو- في غزة.. محاربة التحرش أم إساءة لسمعة الرجل؟
- إخفاقات على جبهات -الشرعية- باليمن.. ما أسبابها؟
- لوبوان: السيسي المشير الذي يحلم أن يصبح فرعونا
- عربية تفيق من غيبوبتها بعد 27 عاما... تركت خلفها أطفالا لا ي ...
- بعد فشل الحوار... انتخابات موريتانيا تشعل أزمة بين الحكومة و ...


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - خالد صبيح - معوقات وحدة اليسار العراقي