أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - توفيق أبو شومر - قصتان من غزة بمناسبة العيد السعيد














المزيد.....

قصتان من غزة بمناسبة العيد السعيد


توفيق أبو شومر

الحوار المتمدن-العدد: 2490 - 2008 / 12 / 9 - 01:29
المحور: حقوق الانسان
    


كنتُ أسير بجوار أكوام الموظفين الذين يحيطون بباب أحد البنوك المغلقة منتظرين أن يصل ملاكٌ عيد الأضحى ، أو بابا نويل أعياد الميلاد وهو محمَّلٌ بأكياس الشواكل ليصرفوا مرتباتهم ومعي رفيقٌ فقال : انظر أترى تلك المرأة التي تجلس على باب أحد المحلات المغلقة هناك ؟
قلت نعم إنها شبحُ امرأة تلبس السواد. وواصل قائلا : أتعرف لمَ تجلس هناك ؟ فقلت : إنها بالطبع تنتظر راتبها ، فقال : إنها ليست موظفةً ، ولا تتقاضى أي راتبٍ ، إنها إحدى جاراتنا التي حكتْ لي زوجتي بالأمس قصتها .
جارتنا تلك امرأة نكبها الدهر ، وأدمتها الأحداث ، توفي زوجها ، وهي في ريعان شبابها، وترك لها ستة أطفال ، أكبرهم لم يبلغ السابعة عشرة من عمره ، وإذا أضفنا إلى همومها هما آخر ، وهو أن إحدى بناتها مصابة بعاهة خلقية، كانت هذه المرأة تشتغل في مصنع خياطةٍ وتعيلهم ، ولما توقَّف المصنع ،أصبحت تعمل في بيتها على آلة الخياطة القديمة التي تملكها ، ولما فقدتْ الأقمشة من أسواق غزة وأصبح دخلها ومخصصاتها من تموين وكالة الغوث لا يكفي لأيام قلائل ،صارت تعمل في تضييق وتوسيع الألبسة لجيرانها وتتقاضى نظير ذلك مبالغ زهيدة لا تكفي أجرة مواصلات لمدارس أبنائها كما أنها هي وعائلتها ليست محسوبة على حزب من الأحزاب، حتى تصلها بعض المعونات غير المنتظمة .
قلتُ مستعجلا ولكنك لم تفسِّر لي سبب جلوسها بعيدا في مواجهة باب البنك فقال :
بالأمس سألتني زوجتي عن المرتبات ، ولم تكن معتادة أن تسألني ، فلما أبديتُ استغرابي من سؤالها قالت: جارتنا سألتني فاستغربتْ هي أيضا سؤالها لأنها ليست موظفة ، ولا أحد من أبنائها أيضا موظفٌ ، وأضافتْ زوجتي وهي تنقل أقوالها :
أنتظر العيد،كما ينتظر ضالٌ في الصحراء قطرات الماء ، فأقاربي وعائلتي من الموظفين اعتادوا أن يعطونني مبلغا في العيد كعيدية أستعين بها على باقي الشهور، ويحضرون لي من لحوم الأضاحي ما يكفي أولادي شهرا أو أكثر ،أسدد من العيديات جزءا من الدين ،أنا أدعو ليل نهار أن تصل مرتبات الموظفين قبل العيد ، فإذا لم يتلقَ الموظفون من أقاربي مرتباتهم فلن أحصل إلا على جزء يسير من العيديات لا يكفي الديون.
وواصلتْ زوجتي قائلة:
منذ يومين عندما أحسَّتْ باليأس ، ولم تعد ترغب في أن تسأل الجيران سؤالها المكرر ، هل نزلت الرواتب في البنوك ؟ قرَّرت أن تسير على قدميها أكثر من ستة كيلومترات لتصل إلى أقرب البنوك إليها لكي تتأكد بنفسها ، ولتسأل آخرين لا يعرفونها لعلها تعود إلى بيتها آملة أن تحظى بالمبلغ الذي اعتادت أن تأخذه كل عيد من أقاربها الموظفين .
وعندما اقتربتُ منها وحدى دقَّقتُ في ملامحها، كانتْ شبحا جعل اليأس جهها كما الغبار الذي يستقر فوق حائط البنك .
أما القصة الثانية فقد حكيتُها أنا له نقلا عن صاحبة القصة وهي معلمة في الفترة المسائية قالت المعلمةُ:
في فصلي طالبةٌ مؤدبةٌ وذكية، غير أنها تتأخر دائما عن الحصة الأولى، ذات يوم عنَّفَتها بغير شدة على تأخرها المتكرر اليومي أمام زميلاتها وقلت لها :
دائما لا يكتملُ الحُسن ، ألا تستطيعين الحضور مبكرا عشر دقائقٍ ، حتى يكتمل اجتهادك وأدبك ، فأنت تُحضرين دروسك وتكتبين واجباتك ، ولم أسمع بأن مُعلِّمةً اشتكتْ منك أو عاقبتك يوما ما ؟.
لم تُخفِ المُعلمةُ تأثرها من دمعة رقراقة تلألأت في عيني الفتاة ، فقررتْ أن تُحادثها على انفراد ، وليس أمام الطالبات وواصلتْ المعلمةُ حديثها:
أعترفُ بأن دمعتها التي جعلت عينيها تسبح في ماء شفَّاف نغَّصتْ عليّ حصتي ، ولم أعد قادرة على أن أؤديها على الوجه الأكمل، كنت أستعجل انتهاء الحصة ، غير أنني تمكنتُ أن أسمع منها قصتها على انفراد ، بعد أن طلبتُ من الطالبات أن يقمن بحل التمرينات في دفتر الواجب ، واستدعيتها وقلتُ لها :
لماذا تتأخرين كل يوم عن الحصة الأولى عشر دقائق أو ربع ساعة ؟
فقالت بعد أن تلفتتْ خلفها واطمأنتْ أنها أصبحت بعيدة عن آذان زميلاتها :
أنا أنتظرُ عودة أختي الطالبة من المدرسة حتى أتمكن من أن ألبس حذاءها، فوالدي لا يملك من المال ما يمكنه أن يشتري لنا حذاءين .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,979,331
- الحوار المتمدن شعلة الحرية
- ظرفاء الإنترنت ومقامات بديع الزمان
- أولمرت وموسم السياحة الحزبية في إسرائيل
- إدمان الولاء للحاكم
- مصطلحات إعلامية إسرائيلية ساحرة !
- مسكين باراك أوباما
- مجزرة الأسهم في قلعة النيكي والنازداك
- فاتنات السياسة
- تجارة الرقيق في الألفية الثالثة
- مرتبات القطط السمينة والأزمة المالية العالمية
- تسفي ليفني في الدين اليهودي
- أسمهان ونابليون الحكيم
- مزايا وأفضال الهاتف الجوّال
- هل يُسجن أولمرت كما سُجن أرييه درعي ؟
- أنواع أقلام الكُتَّاب
- الرقابة الذاتية عند الصحفيين الفلسطينيين
- ماذا بقي من اليسار الفلسطيني؟
- موسم القحط الثقافي
- بذرة خضراء.. آخر أُمنيات محمود درويش
- الفضائيات والتلوُّث العقلي


المزيد.....




- “التجديد العربية” تدعم صمود الأسرى الأردنيين في سجون الاحتلا ...
- مصريون يتداولون فيديو لـ-اعتقال سيدة رفضت تفتيش تليفونها-
- احتجاج واعتقالات ومخاوف من إفلات المتهم.. قضية -شهيد الشهامة ...
- ضحايا دارفور: لا سلام بدون مثول البشير أمام المحكمة الجنائية ...
- كارمين وامتحان التأمين
- شهادات مؤثرة لضحايا دارفور.. وإصرار على مثول البشير أمام الم ...
- مئات اللبنانيين يتظاهرون في فرنسا دعما لمواطنيهم المحتجين ضد ...
- برلماني إيراني: اعتقال عدد من موظفي الرئاسة بتهمة التواطؤ مع ...
- بالفيديو.. لبنانيون يتظاهرون أمام سفارة بلادهم في بروكسل
- رايتس ووتش: حفتر يستخف بحياة المدنيين


المزيد.....

- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - توفيق أبو شومر - قصتان من غزة بمناسبة العيد السعيد