أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اراء في عمل وتوجهات مؤسسة الحوار المتمدن - دياري صالح مجيد - هواجس الكتابة في الحوار المتمدن















المزيد.....

هواجس الكتابة في الحوار المتمدن


دياري صالح مجيد

الحوار المتمدن-العدد: 2480 - 2008 / 11 / 29 - 07:15
المحور: اراء في عمل وتوجهات مؤسسة الحوار المتمدن
    


كثيراً ما أتردد في كتابة مقالاتي ضمن موقع مهم مثل موقع الحوار المتمدن الذي أطالع ما يكتب فيه باحترام شديد، ويأتي ذلك التردد في ظل هواجس تنتاب كاتب هذه السطور من أن يوصف بأوصاف قد تقود جهلة القوم إلى تهديده في يومٍ من الأيام في مصدر رزقه وعمله وإن شاءت خسة ونذالة أولئك فقد يصل الأمر إلى تهديد حياته التي لم ينعم فيها بعد بشيء من الراحة أو الاستقرار. وهي هواجس تصحو وتنام معي وتسكن ثنايا السطور التي أخط فيها بعضاً من أفكاري إلى الحد الذي أصل فيه أحياناً إلى رؤية كلماتي وهي ترتجف خوفاً في هذه السطور بقوة أكبر من ارتجاف القلم بين يدي أو ارتجاف قلبي بين ضلوع لم تهنأ بعد بطعم الراحة النفسية، فلم كل ذلك ياترى؟

لا أدعي أبداً أنني وحدي من يعيش هذه الهواجس اللعينة فهنالك المئات والآلاف من مبدعي العراق وبالذات في الوسط الأكاديمي ممن يفكرون ويحسبون حسبتهم ألف ألف مرة قبل أن يقدموا على كتابة مقالة ما ينشرون فيها آراءهم ويعبرون فيها عن تصوراتهم حيال ما يعيشون فيه من أوضاع، والخشية تأتي من خطر ما يقف وراء الأبواب ليقتحم حياتنا دون استئذان أو استحياء شاهراً بوجهنا سلاحاً أبيض لرجل ملثم مكتسح بالسواد ليقطع أيدينا وأرجلنا من خلاف، لماذا لأننا ببساطة نصنف ضمن قوائم المارقين. هذا ما أخشاه وما يخشاه الآلاف مثلي.

كما لا أدعي الشجاعة المطلقة في أنني اتخذت قراري في أن أكتب فليس للأمر علاقة حقيقية بالشجاعة بقدر ما يتعلق الأمر بجرعة مخففة من الشجاعة مضافاً إليها أولاً وقبل كل شيء إحساس عالٍ بالمسؤولية حيال ما يجري سواء أكان ذلك في العراق أم في العالم المجاور أو البعيد، لكن هواجسي لازالت تطاردني ولا زالت تثبط عزيمتي وتستلب جزءً كبيراً من شجاعتي التي بدأت تتنامى مع كل مقال أكتبه، لكن كم خانتني تلك الشجاعة حينما تسلمت رسائل من أخوة أعزاء في الحوار المتمدن تدعوني إلى المشاركة في ملف عن تراجع دور الأحزاب الدينية في العراق خلال الانتخابات القادمة، فقد كتبت مقالتي حول هذا الموضوع ودونت أفكاري التي يحق لي أن أحكم عليها بالقول أنها لم تعتدِ على حرمة الدين أبداً لكنها حاولت أن تطرح رؤيتي حول هذه القضية، وهنا هبت هواجسي اللعينة من قبورها لتكبل كلماتي لتمزق مقالتي وتشوهها، فالخوف المجهول الأبعاد البشع المنظر بدأ يداهمني، كيف سيفهم من يقرأ هذه المقالة من المنتمين للأحزاب الدينية أنني لاأسيء إليهم؟ وهل سيناقشونني فيما كتبت؟ أم سيطلقون رأيهم بفتوى تكفرني وتلحقني رغماً عني إلى حيث دفن والدي وأجدادي في تراب النجف الأشرف الطاهر المبارك؟ وماذا سيحل بعملي ووظيفتي إن فعلت كذلك وبحت بأفكاري علانية؟ خاصةً وأنا الذي يخشى كما يخشى الآلاف من أمثالي أن نناقش أموراً كهذه لأنها خطوط حمراء لمن أراد العيش بسلام ولمن أراد الحفاظ على مصدر قوته وقوت عياله أن لا يقترب منها. وكم أحببت أن أكتب أيضاً استجابة لدعوة أخرى أرسلها الحوار المتمدن لي مثلما أرسلها لمئات من الذين يكتبون في هذا الموقع حول الاشتراكية بمناسبة ثورة أكتوبر لعام 1917 وحاولت بصدق أن أكتب مقالة وكتبت فعلاً مقالة بعنوان "هل انتهت الاشتراكية؟" لكني تراجعت أمام هواجسي خشيةً من أن يصمني من سيقرأ هذا المقال بأنني من أولئك الذين يناصرون الشيوعية وهي تهمة غير سهلة في مجتمعنا العراقي فهي تعني أن دمك مباح لجهات معروفة للجميع، لتعود هواجسي التي أرسلت وفوداً مدججة بكل أشكال التحذيرات التي تقطر منها الدماء، من أولئك الملثمين الذين نخشى ظهورهم في حياتنا ونحسب خطأً أن نفوذهم قد تلاشى وهو أقوى من أن ينسحب من حياتنا بهذه السهولة طالما تتملكنا تلك الهواجس التي تنوب عن غيابهم المؤقت ليس إلا.

ربما سيعيب علي بعض المثقفين من الذين يعيشون خارج العراق بأنني أفتقد إلى الشجاعة الكافية في طرح ما أفكر به رغم بساطته، لكن لا يحق لي إلا أن أعذرهم فهم لا يعرفون معنى أن تتلاعب بك عواطف مزعجة من هواجس تقفز أمام عينيك كلما راجعت ما كتبت وكلما فكرت في نشر ما كتبت حتى تضطر إلى حذف هذه العبارة وتلك الفكرة وتعدل هنا وهناك وأنت تتخيل هذا العملاق المجرم من هذا الطرف أو ذاك بأنه سيقرأ مقالتك وسيطلع على سريرتك ويفتش في ضميرك ليحكم على مدى إخلاصك وإيمانك، ليأتي بعدها الحكم أما بالحياة القاسية المشبعة بالمراقبة أو الموت بأبشع صوره وأشكاله السادية، فهل يستحق أمثالي أن يعذروا ياسادتي الأعزاء أم لا؟ .

أما لماذا تتملكني هواجس الكتابة في الحوار المتمدن رغم إيماني بأنه موقع متمدن يهدف إلى إشاعة قيم وأفكار نبيلة، فيأتي من الرؤية الضيقة للبعض من الذين ينظرون إلى عنوان مؤسسة الحوار المتمدن "أول صحيفة يسارية، علمانية، ديمقراطية، ...الخ" ليحكم عليها أنها صحيفة معادية للإسلام فهي صحيفة علمانية والعلمانيون والليبراليون قوم مفسدون يدعون في نظر أولئك المتطرفين "وليس المعتدلين" إلى إشاعة روح فاسدة وقيم منحطة داخل المجتمع الإسلامي، ولا نستبعد أن يصنف كل من يكتب هناك على انه كافر خارج عن الملة وحكمه الشرعي معروف لا داعي إلى الخوض فيه، لكن ياسادتي هل الأمر كذلك، هل عندما نكتب في الحوار المتمدن نكون كفرة وملحدين؟ نكون خائنين للوطن والدين والقيم والهوية؟ هل نكون مفسدين ومروجين للفساد والانحلال والضياع والمتاهة في بلداننا الحبيبة ومنها العراق؟ أجيبوني بالله عليكم، لقد مللت هواجسي ومللت اتهاماتكم ومللت العيش بينكم يادعاة التكفير، ألا يمكن لكم أن تفهموا أن أغلب الليبراليين في العالم العربي لا ينكرون ولا يرفضون الثقافة الإسلامية مطلقاً وأنهم لا يفصلون بشكل كامل بين الدين ومجمل عناصر الحياة الأخرى كما تفعل الأحزاب الليبرالية الغربية مثلاً، بل تسعى قدر جهدها إلى محاولة تصحيح مسار الشعوب الإسلامية في عقيدتها وهذا حق مشروع لها وإلا لماذا وصف مفكر عظيم مثل فريدريك نيتشه الفلاسفة "بأنهم أطباء حضارات" ألا يعني التخلف والتردي في حياة شعوبنا أنها تعاني من حالة مرضية ما؟ ألا يعني أن تكفيركم لم يفد الأمة شيئاً؟ ألا يعني أن علينا أن نتفحص هذا الجسد المريض ونشخص علاجه؟ ألا يعني أن التفسير الإسلامي للأمور بحاجة إلى مراجعة لأنه جزء من مرض الحضارة في بلداننا؟ هذا ما نسعى إليه في الحوار المتمدن وغيره وهي مهمة ملقاة على عاتق كل من يعمل في ميدان الثقافة لكن تبقى الهواجس دائمة طالما أن الآخر لا يعرف لغة الحوار، وعندما أقول الآخر لا أقصد أبداً الإسلامي المعتدل وإنما المتطرف الذي ينظر لنفسه على انه الحق المطلق فكراً وممارسةً وأن الآخر لابد وأن ينفى إلى جهنم عاجلاً أم آجلاً، فهل سيأتي يوم تموت فيه تلك الهواجس؟ وهل سيأتي يوم أرى فيه مقالات زملاء مبدعين لم ترَ أفكارهم وكتاباتهم النور بفعل تلك الهواجس؟ أمراً لا يعلم إجابته إلا الله الذي خلقني وخلقكم وأعطاني القدرة على الكتابة وإعمال العقل في أمور الدنيا والدين حتى بت لا أجيد عملاً آخر في الدنيا سوى الكتابة، لذا أنهي مقالتي هذه المليئة بالهواجس بهذه الكلمات لرائع من روائع الأدب العربي انكوى بنيران التكفير لكونه لم يكن يحب شيئاً في الدنيا إلا الكتابة من أجل هدفٍ سامٍ وهو الارتقاء بالإنسان، إنه المبدع نجيب محفوظ الذي يقول "لست بطلاً بالتأكيد أنا شخص ما يحب الأدب شخص ما يؤمن بعمله ويخلص له ويحبه أكثر من حبه للمال والشهرة، لو أتى المال وأتت الشهرة فمرحباً بهما، لكنهما لم يكونا غايتي أبداً، فأنا أحب الكتابة أكثر من أي شيء آخر".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,553,400,758
- تضارب المصالح الأمريكية-الروسية في القوقاز
- حرية المرأة في العراق وأثرها في المنطقة
- انتخاب أوباما وأوهام التغيير
- هل ستساهم روسيا في تقسيم جورجيا؟
- هل يمكن للنظم العربية ان تؤثر في السياسة الأمريكية؟
- حرب القوقاز وعسكرة البحر الأسود
- حرب القوقاز من وجهة نظر الإدارة الأمريكية
- حرب القوقاز وأثرها على أذربيجان
- نظام الأمن الجماعي في القوقاز... بين الفكرة والتطبيق
- العلاقات الجورجية - الأبخازية
- خط الأنابيب باكو-جيهان وحرب القوقاز
- القواعد العسكرية وحرب القوقاز
- الإصلاح السياسي والمجتمع المدني...هل من دور حقيقي ؟
- السلب والنهب... ثقافة السلطة أم الشعب؟
- الطريق إلى صراع الحضارات
- مثال لمعاناة عراقية مع مرض السرطان
- الفن والحد من التطرف الديني
- شر البلاء ان تكون فقيرا ضعيفا
- الخطاب الديني والإرهاب
- ارهاب الثقافة في العراق


المزيد.....




- تركي الفيصل: قرار ترامب -غير حكيم- لكنه ليس أول من انسحب
- تركي الفيصل: لدينا حسن نية تجاه إيران لكنها لم تظهر ذلك
- أردوغان عن العملية التركية بسوريا: 440 قتلوا.. ولا -رفاهية ر ...
- قيس سعيّد رئيسا جديدا لتونس بنسبة 76 في المئة
- مباشر: تغطية خاصة للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية التو ...
- شاهد: الجزائريون في الشوارع للتنديد بقانون المحروقات
- قيس سعيد يعلن فوزه برئاسة تونس
- تونس: نسبة المشاركة العامة في الانتخابات الرئاسية بلغت 57.8 ...
- استطلاع: المرشح الرئاسي قيس سعيد يحقق نسبة 76% من أصوات النا ...
- تركيا تعلن أنها ستواجه الجيش السوري في حال دخوله شمال سوريا ...


المزيد.....

- الفساد السياسي والأداء الإداري : دراسة في جدلية العلاقة / سالم سليمان
- تحليل عددى عن الحوار المتمدن في عامه الثاني / عصام البغدادي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اراء في عمل وتوجهات مؤسسة الحوار المتمدن - دياري صالح مجيد - هواجس الكتابة في الحوار المتمدن