أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزو محمد عبد القادر ناجي - عدم الاستقرار السياسي في القرن الإفريقي (الجزء الأول)






















المزيد.....

عدم الاستقرار السياسي في القرن الإفريقي (الجزء الأول)



عزو محمد عبد القادر ناجي
الحوار المتمدن-العدد: 2378 - 2008 / 8 / 19 - 05:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تشير الأحداث التي شهدتها ولا زالت تشهدها دول منطقة القرن الإفريقي إلى استمرار سلسلة الانشقاقات والخلافات التي عانت منها دول المنطقة داخلياً وإقليمياً عبر تاريخها، وهو ما جعل التنافس والصراع السمة الغالبة على شبكة العلاقات الداخلية والإقليمية لدول هذه المنطقة. ففي الآونة الأخيرة شهدت المنطقة العديد من التطورات التي تمس علاقات الجوار الجغرافي والحدود والموانئ وخطوط أنابيب البترول والأمن المائي.
وغني عن البيان إن هذا الموقع الاستراتيجي الهام أكسبها أهمية كبرى ، جعلها محط أنظار الدول الاستعمارية التي تتطلع إلى بسط النفوذ والسيطرة عليه ، حماية لها وطمعا في تحقيق أسباب المنعة والقوة.
ومن المسلم به فإن باب المندب ، الذي تشرف عليه منطقة القرن الأفريقي وتتحكم فيه ، هو ممر مائي هام له في حسابات الدول خطره ،وله في عصب الحياة أثره ، فمنه تمر تجارة النفط العربي المتجهة من بلاد العرب ، عبر البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط بوساطة قناة السويس ، وما يغنى عن القول فإن هذا الطريق قد قصر المسافة بين الشرق والغرب ،وأغنى التجار وربابنة السفن عن الدوران حول رأس الرجاء الصالح والالتفاف حول قارة أفريقيا ، ومن هنا يدرك المرء ما لهذا الطريق المائي من أهمية بالغة انعكست على الدول الواقعة على تخوم البحر الأحمر ، مما فتح شهية الدول ذات القوة والبأس نحو هذه المنطقة ، ولفت أنظارها إليها ، وليس غريبا والحالة هذه ، أن تتحول هذه المنطقة إلى بؤرة من بؤر الصراع العالمي ، وأن تنعكس هذه الصراعات الدولية على دول المنطقة نفسها ، فتشب بينها الصراعات لتزعزع أمن المنطقة بأسرها ، وتشهد تحولات سياسية مختلفة ، وما من شك أن لهذه الصراعات الدولية وما يتمخض عنها من نتائج أثرها المباشر على أمن منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي ، والتي في الواقع تضم عددا من الدول العربية.
والناظر إلى منطقة القرن الإفريقي يجدها بحق أنها تمثل الحديقة الخلفية للأمن القومي العربي، فقد ظلت منطقة القرن الافريقي منذ القدم محل اهتمام الدول الكبرى نظرا لموقعها الاستراتيجي وقربها من البوابة الاستراتيجية الجنوبية للبحر الأحمر. واليوم بدأت المنطقة تلفت انتباه المراقبين مرة أخرى بعد التدخل الأثيوبي في الصومال لخوض حرب بالوكالة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من أن الصومال تلاشى كدولة بالمعنى السياسي فإنه ظل باقيا ككيان يصعب تجاهله في الصراعات الدائرة في المنطقة.
وقد استهدفت في دراستي هذه تناول هذه الصراعات التي تدور في المنطقة وانعكاساتها على الأمن القومي العربي ، وقد جاءت مقسمة إلى ثلاثة فصول ، مهدت لها بمقدمة عامة أشرت فيها لأهمية المنطقة من حيث الموقع والهوية، وما توالى عليها من المحن والخطوب ، وأعقبت ذلك بالكشف عن أهمية هذه الدراسة فبينت الأهمية الإستراتيجية لهذه المنطقة ، وأبنت أن هذه
الإستراتيجية كانت باعث الدول الكبرى في التسابق على هذه الأهمية ومد نفوذها عليها ، وألمحت في ثنايا هذا كله إلى مراحل تطور الصراع وبداياته وأسبابه ، وكيف أنه تطور عبر الزمن من
صراع دولي إلى صراع إقليمي ، من صراع أيديولوجي ملقن إلى صراع إقليمي مبلقن سيكون له أثره الواضح على الأمن القومي العربي.
وتمثل هذه الدراسة ، من خلال تقسيمها لفصولها الثلاثة ، بلورة بعض القضايا والإشكاليات الخاصة بالصراع في منطقة القرن الإفريقي وانعكاساته على المصالح الحيوية العربية فيها من خلال المحاور التالية:
أولاً: مدخل تمهيدي: الموقع وأهمية دراسة الصراع.
ثانياً: طبيعة وأبعاد الصراع وأسبابه في القرن الإفريقي.
ثالثاً: الصراع في القرن الإفريقي وانعكاساته على الأمن القومي العربي.
وبالنظر إلى خطة تقسيم الدراسة فقد بينت في الفصل الأول من هذه الدراسة أهمية هذه المنطقة ، وحدود رقعتها الجغرافية ، وتحدثت عن تاريخ هذه المنطقة محاولا تقسيم هذا التاريخ إلى حقب زمنية معينة لكل حقبة منها خصائصها ومواصفاتها.أما في الفصل الثاني فتحدثت فيه عن طبيعة الصراعات في منطقة القرن الأفريقي ، فتعرضت للصراع الصومالي الأثيوبي ، والصراع الأرتيري الأثيوبي ، والصراع اليمني الأرتيري على جزر حنيش الكبرى ، ومشكلة الجنوب السوداني والحرب الأهلية فيه ، كما تعرضت للسياسة الإسرائيلية في هذه المنطقة ، وعلاقات إسرائيل بدولها.
أما في الفصل الثالث فتحدثت فيه عن مفهوم الأمن القومي العربي ومصادر تهديده وتناولت محدداته نتيجة لهذه الصراعات ، ثم تطرقت الى التحولات السياسية الدولية التى افرزتها صراعات المنطقة القرن وما ينبغى فعله من قبل الدول العربية لتلافى آثار هذه الصراعات.

إطار ومنهجية الدراسة

الدراسات السابقة:
لقد حظى موضوع الصراع فى منطقة القرن الأفريقى بالعديد من الدراسات والبحوث والمقالات ، وقد أولت العديد من مراكز البحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية ، خاصة العربية منها ، اهتمامها المتزايد حول الموضوع لما له من أهمية بالغة فى مستقبل الأمن القومى العربى.وكما تزخر المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات حول هذا الموضوع ، ويضاف لهذا فقد تناولت عددا مقدرا من الدوريات والصحف والمواقع الالكترونية على شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت) موضوع الدراسة بالشرح والتحليل.
يمكن للباحث أن يستند فى هذا البحث على عدد من المؤلفات والدراسات أبرزها الدراسة التى نشرتها نجلاء محمد مرعي الباحثة بكلية العلوم السياسية والاقتصاد بجامعة القاهرة فى مجلة البيان بعنوان : الصراع في حوض النيل والقرن الإفريقي وأثره الأمني على المنطقة وتعتبر من أميز الدراسات التى نشرت حول الموضوع لأنها تحوى تحليلا شاملا للصراع وأبعاده المختلفة والحلول الواجبة اتخاذها من قبل العالم العربى. كذلك مقال الدكتور حمدي عبد الرحمن المنشور بمجلة المستقبل العربى بعنوان: " الصراع في القرن الإفريقي وانعكاساته على الأمن القومي العربي"، والذى فيه تناول المؤلف أبعاد الصراع وتداعياته فى المنطقة العربية . ويضاف الى هذا مؤلف لـ أمل حمد علي العليان حول: " الأمن المائي العربي" وفيه تبرز ماهية الأمن المائى العربى واتجاهاته.. ويضاف كذلك الدراسة المنشورة فى دورية "التقرير الاستراتيجي العربي" عام 2000م والتى تتناول "انواع الصراعات فى القرن الافريقى" .وفى مؤلف د. صلاح حليمة الذى هو بعنوان: "النزاع الإريتري ـ الإثيوبي: رؤية تحليلية" يتعرض الباحث لطبيعة النزاع الدائر بين ارتريا وأثيوبيا واتعكاساته على المنطقة وذلك من خلال التحليل العميق المقدم من المؤلف . وأيمن السيد عبد الوهاب يتناول فى مقاله المنشور بمجلة السياسة الدولية ، عدد يوليو 2002 "أبعاد الأزمة السودانية ودور دول الجوار فيها وأثرها على المنطقة" .. وكتاب الباحث محمد عثمان ابوبكر بعنوان " التحديات السياسية والوحدة الوطنية التى تواجه منطقة القرن الأفريقى" وغيرها من المراجع سيتم التعرض لها عند إعداد هذه المشكلة البحثية.
مشكلــة البحث:
يتعرض هذا البحث أولا الى التعريف بطبيعة ونوع وأبعاد الصراعات الدائرة في منطقة القرن الأفريقى ، وثانيا لأثر هذه الصراعات على أمن المنطقة العربية وما ينبغى فعلها.والنقاط التى تتناولها هذه الدراسة هى:
* طبيعة ونوع الصراعات في منطقة القرن الأفريقى.
* تطور الصراع وتداعياته على الأمن القومى العربي.
* نماذج من محددات الصراع على أمن ووحدة واستقرار بعض الدول العربية.
فرضية البحث:
يرتبط الأمن العربي بالصراع الدائر في منطقة القرن الأفريقى ويتأثر به وفق المتغيرات التي تنجم عن هذا الصراع.
هدف البحث:
يهدف هذا البحث الى التنبيه بنوع الصراع الذى يدور فى منطقة القرن الأفريقي وأثره على أمن المنطقة العربية ، وفهم أبعاده المختلفة والتفاعل معه والتأثير به ، وما ينبغى فعله لتلافى أثره على المنطقة العربية ، وذلك من خلال الدعوة الى اعتماد موقف عربي يحمل فى طياته استراتيجية الحل والذى يجب ان ينبنى على عدد من الركائز الواقعية والموضوعية على النحو الموصوف فى هذه الدراسة.
أهمية البحث:
أن دراسة الصراعات في هذه المنطقة أمر على جانب كبير من الأهمية لما لها من مردودات مباشرة وغير مباشرة على الأمن القومي العربي وذلك بالنظر الى عدة اعتبارات أبرزها:
1 - الموقع الاستراتيجي الهام لهذه المنطقة جعل منها محل أطماع الدول القومية في مختلف عصور التاريخ؛ فالقرن الإفريقي يحاذي الممرات البحرية الاستراتيجية في كل من البحر الأحمر والمحيط الهندي. ومنذ افتتاح قناة السويس عام 1869م ازدادت القيمة الاستراتيجية للأراضي المطلة على البحر الأحمر، وهو الأمر الذي يؤدي بالتبعية إلى زيادة إمكانية التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للإقليم.
2 - اتسام صراعات القرن بطبيعة بالغة التعقيد نابعة من تعدد أبعاد ومستويات الصراع في المنطقة، وهو ما يبدو واضحاً في أن الخلافات الحدودية بين دول المنطقة تختزل في داخلها صراعات ضارية بين قوميات متناحرة في إثيوبيا والصومال وكينيا. كما تتداخل أيضاً في هذا
الصراع أبعاد حضارية ودينية وعرقية واقتصادية. أما التعدد في مستويات الصراع فيبدو واضحــاً أن المنطقــة شــهدت أشــكالاً شتى من الصراعات تراوحت ما بين الحروب النظامية واسعة النطاق والحروب الأهلية والانقلابات العسكرية. وتجدر الإشارة إلى أن نتاج ذلك كله أن تصبح هذه الصراعات هاديا للسياسات الداخلية ، وتؤدى إلى خلق نوع من المشكلات المحلية والإقليمية تستعصي بطبيعتها على استراتيجيات إدارة الأزمات المعتادة.
3- ورثت منطقة القرن الأفريقي عددا من القضايا التي ترجع جذورها إلى مرحلة ما قبل الاستقلال ومن أمثلة ذلك:
(أ) الدولة الإمبراطورية الإثيوبية التي قامت أساسا على التوسع، وضمت أقواما من أمم مختلفة يتحدثون لغات مختلفة وذوى سبل عيش اقتصادية مختلفة.
(ب) تركة من التدخل الخارجي والتغلغل الإقتصادى منذ الحرب العالمية الثانية ، إذ ركزت الأطراف الخارجية الفاعلة على إثيوبيا باعتبارها قوة إقليمية كبيرة في المنطقة.

التعريفات الإجرائية:
الصراع: يعنى به النزاع القائم في المنطقة.
القرن الأفريقي: يقصد به الرأس الناتئ من اليابسة في البحر على شكل قرن يشق الماء شطرين: الشمالي منه هو البحر الأحمر والجنوبي منه هو المحيط الهندي.
قوس الأزمة: يقصد به المنطقة التي تضم القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج.
حوض النيل: يقصد به الدول التي تقع على مجرى نهر النيل من منبعه إلى مصبه.


مناهج الدراسة:

المنهج التاريخي: ينبغي الاستعانة به في هذه الدراسة لمعرفة بدايات نشوء هذه الصراعات في المنطقة وتتبع مراحل تطورها والنظر في الوثائق والمعاهدات ذات الصلة بالموضوع.
المنهج التحليلي: يسهم هذا المنهج في تحليل طبيعة الصراعات في المنطقة وتحديد نوعها وأبعادها ومعرفة الظواهر المتصلة بالصراع وتداعياتها وإثبات فرضية الدراسة.

أدوات الدراسة:
المصادر الأولية: وتشمل المعاهدات الإقليمية والدولية والوثائق والتقارير الرسمية.
المصادر الثانوية: وتشمل الكتب والدراسات والدوريات والمجلات والإحصائيات والمقالات الصحفية.
الحدود الزما نية والمكانية:
الحدود المكانية: تشمل الواقع الجغرافي والسياسي الراهن لكل من إثيوبيا ، الصومال، جيبوتي ، اريتريا ، السودان ، اليمن والسعودية.
الحدود الزما نية: :تغطى الفترة من بداية ثمانينات القرن العشرين وحتى تاريخ تقديم الدراسة.



الفصل الأول

القرن الأفريقي: الموقع والهوية والأهمية الاستراتيجية

بعد تصفية الوجود الاستعماري، وتحرر دول القرن الأفريقي من قيوده دخلت المنطقة في إشكاليات داخلية ذات أبعاد متعددة: عرقية، وثقافية، وسياسية.
ونتيجة للتخلف الاقتصادي، والفوارق الثقافية بين السكان، بالإضافة للسياسات الاستعمارية التي تأسست على منهجية (فرق تسد) بتفضيل قوم على قوم، وبإثارة النعرات العرقية والقبلية، والإلحاقات القسرية الاستعمارية التي شطرت القبيلة الواحدة إلى شطرين أو أكثر، وضمت فريقاً منها إلى كيان فريق مغاير من قوم آخرين على غير رغبة منها وتشاور معها شهدت دول القرن الأفريقي كغيرها من دول أفريقيا بشكل عام حالة من التوترات الحادة والاستقطابات المتباينة الأمر الذي فجر فيها ثورات تحررية وأخرى تظلمية؛ مما أقحمها في شباك تحالفات أيديولوجية مع هذا المعسكر أو ذاك خلال حقبة الحرب الباردة، وأشعل فيما بين شعوبها حروباً قبلية دامية حرمتها حتى هذه اللحظة نعمة الأمن والاستقرار.
ويقتصر هذا الفصل بتناول الموقع من حيث الجغرافية والهوية العرقية والسكانية والثقافية والأهمية الاستراتيجية.

المبحث الأول :

الموقع الجغرافي للقرن الأفريقي

القرن الإفريقي هو ذلك الرأس النائي من اليابسة الناطح من البحر على شكل قرن يشق الماء شطرين: الشمالي منه هو البحر الأحمر والجنوبي منه هو المحيط الهندي. وعليه فإن القرن الإفريقي من الناحية الجغرافية يشمل إثيوبيا والصومال وجيبوتي. بيد أن بعض الجغرافيين قد وسع الرقعة التي يشملها هذا القرن لتضم كينيا والسودان. بل الأكثر من ذلك أنه في عام 1981م وجهت فرنسا الدعوة إلى كل من السعودية واليمن إضافة إلى دول القرن الإفريقي لحضور مؤتمر إقليمي يهدف إلى حل مشكلات المنطقة. يعني ذلك أن الدلالة السياسية لمصطلح القرن الإفريقي تتعدى حدود الدلالة الجغرافية حتى في معناها الواسع. وربما يعزى ذلك ولو جزئياً إلى أن هذه المنطقة تقع داخل الإقليم الذي أضحى يعرف باسم «قوس الأزمة» والذي يضم القرن الإفريقي وشبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج.
ويضم القرن الأفريقي كذلك المنطقة الواقعة على رأس مضيق باب المندب من الساحل الأفريقي، وهي التي تتحكم بمضيق باب المندب ، وهى منطقة استراتيجية بالنسبة لآسيا وأفريقيا. وتشتهر المنطقة بزراعة الموز و قصب السكر و تربى من الحيوانات الماعز و الإبل .وتوجد فيها كذلك عددا من الأنهار أشهرها "جوبا" و "شيبلي" ومن الموانئ ميناء "كسمايوا" و ميناء "جيبوتي".
لكن التسمية اكتسبت بعداً سياسياً على حساب الدلالة الجغرافية فأضحت تشير إلى مساحة شاسعة من مناطق الصراع على النفوذ والأزمات والتطلع الاستعماري المطل على ضفاف البحر الأحمر والمحيط الهندي والممتد إلى تخوم العمق الأفريقي.وفي وثائق الخارجية الأمريكية في عهد كلينتون طرحت وزارة الشؤون الإفريقية فكرة مشروع القرن الإفريقي الكبير الذي يشمل منطقة القرن بالمفهوم الجغرافي التقليدي، ويضيف إليها منطقة البحيرات العظمى ووسط إفريقيا.

المبحث الثاني

الهوية العرقية والسكانية والثقافية للمنطقة

ارتبطت جزيرة العرب مهد الإسلام، ومنبع رسالته، ومولد نبيه (ص) بالقرن الأفريقي منذ وقت مبكر من فترات التاريخ؛ حيث حكم أبرهة الحبشي اليمن، وسعى في خراب الكعبة، وكما في الحديث أن هدم الكعبة سيكون على يد رجل من الحبشة ومن قَبْل ذلك هاجرت قبائل حبشات العرب الجنوبية إلى المنطقة، وأنشأت دولة الحبشة ناقلة معها ثقافتها وحضارتها، كان ذلك في «عام 1000 قبل الميلاد، أو عام 600 قبل الميلاد».
ثم لاحقاً توثقت صلاة قريش الاقتصادية بالمنطقة؛ حيث كانت تردها قوافلهم التجارية من قَبْل البعثة قاصدة بلاد الحبشة، كما يحكي ذلك ابن الجوزي.
وبعد البعثة النبوية أمّها المستضعفون من الصحابة فراراً من أذى قريش إلى ملك عادل لا يظلم عنده أحد، ومنذ ذلك الحين والوجود الإسلامي في القرن الأفريقي يتنامى ويتعاظم شأنه إلى أن صارت له شوكة وغلبة، لكن بالمقابل ازدادت حدة التدافع بينه وبين خصومه؛ حيث تنادت كل قوى الشر المتربصة به للتحالف ضده؛ فتدخلت القوى الأوروبية بأساطيلها وجيوشها للحيلولة دون تفرده بالهيمنة على القرن الأفريقي والتحكم في أهميته الاستراتيجية، وأقامت فيما بينها تحالفاً ضم الأقلية الدينية في الحبشة ممثلة وقتها في (عرقية الأمهرا) ذات الأغلبية النصرانية، والمحاصرة في نطاق ضيق من بلاد الحبشة؛ وذلك حين كتبت (هيلينا) ملكة الحبشة حينها إلى (عمانويل) ملك البرتغال عام 1510م تشكو إليه تخوفها من مصر، وممالك الطراز الإسلامي في القرن الأفريقي، كما أن الحبشة في عهد (لبنا دنقل) وقّعت وثيقة اتفاق عام 1520م مع القوى الأوروبية المتآمرة على الوجود الإسلامي بصفة عامة نصت على أن «يحتفظ ملك فرنسا بقوة عسكرية في (سواكن)، ويحتل ملك أسبانيا (زيلع)، ويتخذ ملك البرتغال من (مصوع) قاعدة لقواته..»
وفيما بعد سقوط الخلافة وزحف الاستعمار الغربي شهد القرن الأفريقي استيطاناً استعمارياً؛ حيث احتل الإيطاليون الصومال، وإرتريا والفرنسيون جيبوتي والإنجليز كينيا، والسودان، لكن وجهوا بحركات مقاومة إسلامية؛ إذ وقف الإمام (محمد أحمد المهدي) قبال الإنجليز في السودان، وناوش أتباعه الإيطاليين في إرتريا، وكذلك السيد (محمد عبد الله حسن) في الصومال (وهو تلميذ السيد محمد صالح مؤسس الطريقة الصالحية في مكة المكرمة).
وعلى أساس من هذا الرصيد التاريخي من النضال والمجاهدة ما زالت الحركة الإسلامية في القرن الأفريقي تنشط بمختلف مدارسها العلمية والحركية، وهي اليوم جزء من معادلة الصراع والتحالفات الجارية في منطقة القرن الأفريقي.
وهو وبهذا التحديد قرن إسلامي الهوية للكثافة السكانية المسلمة التي تقطنه، والتي تتشكل في غالبها من قبائل الأرومو، والجالا في إثيوبيا، والصوماليين في الصومال وجيبوتي، وأوجادين بإثيوبيا، وإينفدي بكينيا، والعفر في جيبوتي وإرتريا وإثيوبيا والبجة الموزعين بين إرتريا وشرق
السودان، ومن عداهم من القبائل والمجموعات الإسلامية الأخرى من العرقيات المختلفة .
هذه القبائل ذاتها هي التي طوقت في العصور الوسطي الهضبة الحبشية بما عرف في تاريخ المنطقة بـ (ممالك الطراز الإسلامي)، وعزلتها تماماً عن المنافذ البحرية إلى حد أن (الحيمي) الذي زار الحبشة عام 1648م على رأس بعثة يمنية موفدة من إمام اليمن وقتها وصف بلاد الحبشة «بأنها البلاد الجبلية التي تبعد عن البحر الأحمر مسيرة شهر».

المبحث الثالث:

الأهمية الإستراتيجية للمنطقة

أولا: الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي:
يكتسب القرن الأفريقي أهميته الاستراتيجية من كون دوله تطل على «المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية؛ ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة. كما أنها تُعدّ ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية قادمة من أوروبا، أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي.
ولا تقتصر أهمية القرن الأفريقي على اعتبارات الموقع فحسب وإنما تتعداها للموارد الطبيعية، خاصة البترول الذي بدأ يظهر في الآونة الأخيرة في السودان، وهو ما يعد أحد أسباب سعي واشنطن تحديداً لإيجاد حل لقضية الجنوب، وكذلك في الصومال».
أضف إلى ذلك قربه من جزيرة العرب بكل خصائصها الثقافية ومكنوناتها الاقتصادية، علاوة إلى ما فيه من جزر عديدة ذات أهمية استراتيجية من الناحية العسكرية والأمنية.
وتكتسب منطقة القرن الأفريقي أهمية خاصة للدول الكبرى نظرا لموقعها الإستراتيجي (سواء أكان الحديث عن المنطقة بمفهومها التقليدي الذي يضم 4 دول فقط، هي أثيوبيا وجيبوتي والصومال وإريتريا)، أو بمعناها الواسع أو الجغراسياسي؛ حيث يدخل في إطار هذا المعنى الدول ذات المصالح أو النزاعات مع دول القرن التقليدية.
وفي هذا الوضع يمتد نطاق القرن الأفريقي ليضم السودان وكينيا وأوغندا. ولعل هذا المعنى الأخير هو الذي يدخل في إطار سياسة الولايات المتحدة التي تروج في الآونة الأخيرة لإقامة منطقة القرن الأفريقي الكبير.
فالقرن الأفريقي يكتسب أهمية حيوية من الناحية الجغرافية؛ نظرا لأن دوله تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية. ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوربا والولايات المتحدة. كما أنها تُعد ممرا مهما لأي تحركات عسكرية قادمة من أوربا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي.
ولا تقتصر أهمية القرن الأفريقي على اعتبارات الموقع فحسب، وإنما تتعداها للموارد الطبيعية، خاصة البترول الذي بدأ يظهر في الآونة الأخيرة في السودان، وهو ما يعد أحد أسباب سعي واشنطن تحديدا لإيجاد حل لقضية الجنوب. وكذلك في الصومال.
ولعل أحد تفسيرات تدخّل واشنطن في الأزمة الصومالية بعد نشوبها عام 1990، هو بداية ظهور البترول في الأراضي الصومالية، خاصة أن واشنطن لم تتدخل منذ بداية الأزمة، وإنما تدخلت بعد عام ونصف من اندلاعها.
واكتسبت منطقة القرن الأفريقي أهمية ثالثة بعد بروز القوى الإسلامية في العديد من دول المنطقة، ومطالبتها بتطبيق الشريعة الإسلامية، سواء أكان ذلك في السودان أو الصومال، أو حتى في إقليم الأوجادين الصومالي المحتل من قبل أثيوبيا.
وازداد الاهتمام بالمنطقة بعدما تردد أن هذه القوى الإسلامية الداخلية لها اتصالات ببعض القوى الإسلامية الخارجية، مثل تنظيم القاعدة. وبدأ الحديث مثلا عن علاقة الاتحاد الإسلامي الصومالي بتنظيم القاعدة، وأن الأخير هو السبب في تفجير سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا عام 1998. ولعل هذا كان سببا في الحديث عن إمكانية قيام واشنطن بضرب الصومال بعد الفراغ من الحرب في أفغانستان.
ويحتل القرن الأفريقي موقعا مهما في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية؛ فهو من 4 مناطق تدخل في نطاق اهتمام القيادة المركزية الأمريكية، وهي مسئولة عن الأمن في المنطقة الواقعة من كازاخستان شمالا وكينيا جنوبا، ومن مصر غربا حتى باكستان شرقا.
ثانيا: الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البحر الأحمر :

لقد مثل البحر الأحمر منذ القدم حلقة وصل بين الحضارات التي قامت بمحاذاة سواحله من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.. فمن حضارات اليمن القديمة وأرض الشام إلى حضارات حوض النيل وبلاد القرن الأفريقي.
وهو يمثل اليوم جسر عبور بين أوروبا وشمال أفريقيا المطلتان على البحر الأبيض المتوسط وبين جنوب وجنوب غرب آسيا وشرق أفريقيا المطلة على المحيط الهندي؛ حيث تنتقل سفن البضائع التجارية وناقلات النفط والغاز وسفن النقل والسياحة والصيد.. بل وحتى السفن والقطع الحربية الغازية، فقد وجدت في البحر الأحمر أقصر طريق!
وقد أخذ البحر الأحمر أهميته في العصر الحديث عقب افتتاح قناة السويس (عام 1869م)، ولا نبالغ إذا قلنا أنه من أنشط البحار العالمية في مجال الحركة والملاحة البحرية، إلى الحد الذي أصبحت معه قناة السويس مصدر دخل قومي مهم لدولة مصر التي تتحكم منفردة بهذا الممر البحري الحيوي.
وقد جاءت أهمية البحر الأحمر للمنطقة العربية من كونه معبراً مهماً للملاحة الدولية.وقد تنافست الدول الاستعمارية في سبيل التحكم بمنافذه والاستيلاء على أهم المدن المطلة عليه، كما وضعته إسرائيل في أجندتها الإستراتيجية منذ قيامها، لكنها بدأت في توسيع نفوذها عليه بعد حرب أكتوبر 1973م.
ولعل أهم نقطتين إستراتيجيتين فيه هما قناة السويس ومضيق باب المندب، لأنهما تتحكمان في دخول السفن إليه وخروجها منه، وهما لذلك بوابتاه الأمنيتان.
ويأخذ البحر الأحمر أهميته في الأمن القومي العربي في ظل تهديدات التوسع الإسرائيلي والاحتلال الأمريكي القادم إلى المنطقة والتنافس الأوروبي في إيجاد موطن نفوذ عليه. وإذا كان الأمن القومي العربي قد تعرض للتهديدات نظرا لأسباب كثيرة منها الثروات الطبيعية التي تتمتع بها الأراضي العربية، والموقع الجغرافي الذي بموجبه تسيطر المنطقة العربية على جسور
بحرية وبرية مهمة تربط قارات العالم، بل وتشكل معابر إستراتيجية مهمة فيما بينها، فإنه اليوم
يواجه أشد هذه التهديدات على دوله المحيطة بالبحر الأحمر ليفقد قدرته على التحكم بخطوط التجارة بعد أن فقد مصادر الثروة في العراق!
لقد أصبح الوجود العسكري الأجنبي في البحر الأحمر ضمن الإستراتيجيات الكبرى للقوى الدولية وبالذات منها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل.
ويتفق الباحثون على أن أهم أهداف القوى الاستعمارية في البحر الأحمر اليوم هي:
1/ تأمين استمرار تدفق النفط والغاز من الدول المنتجة في الخليج العربي.
2/ تأمين طرق الملاحة العالمية بالمنطقة لصالح الغرب.
3/ تحقيق النفوذ الاقتصادي في المنطقة واستغلال الموارد الخام والثروات الطبيعية والوصول إلى الأسواق العالمية بيسر وسهولة.
4/تكريس الوجود الأمني والعسكري وتسهيل حركته في سبيل تحقيق الرؤى السياسية والخطط الاقتصادية.
وبالتالي عززت الإدارة الأمريكية إبان حرب الخليج الأولى من وجود أساطيلها البحرية على منافذ البحر الأحمر وبالأخص منفذه الجنوبي؛ وقد سعت مرارا في الضغط على اليمن للحصول على تسهيلات وقواعد بحرية في جزرها المتحكمة بباب المندب أو قبالة عدن أو في جزيرة سقطرة!
وهي أيضا في مقابل سعيها الحثيث لإقناع دولة كاليمن للحصول على تسهيلات أو قواعد عسكرية، تدفع بالنزاعات الإقليمية التي تهدد قدرة حكومة كاليمن على التأثير والسيطرة على منافذها المطلة على باب المندب وخليج عدن.. وما منازعة إريتريا لجزر حنيش إلا جزءا من هذا السيناريو، الذي يراد من ورائه تدويل هذه النزاعات وفرض وجود القوى الدولية -والتي غالبا ما تكون في مثل هذه الظروف أمريكية وأوروبية!
وفي حين تمهد الولايات المتحدة لبناء قواعد إستراتيجية في المنطقة العربية بالبحر الأحمر، أبدت واشنطن اهتماماً مكثفاً في الآونة الأخيرة بالقرن الأفريقي باعتبار تأثيره الأمني على المنطقة وأمن الملاحة فيها! لذا جاءت تحركات الإدارة الأمريكية مع المجتمع الدولي –الذي تحركه من ورائها- لإنجاح المصالحة الصومالية وإعادة الأمن والاستقرار وإقامة دولة مركزية.
ثالثا: الأهمية الاستراتيجية للمنطقة من المنظور الأمريكى:
ان المتغيرات الدولية التى سارت تجاه العولمه الامريكية ادت الى اعادت توجيه السياسة الامريكية تجاه شرق افريقيا وخاصة بعد تفجير سفارتيها فى كينيا وتنزانينا عام 1998م، ويمكن ان تعزى الاهتمام الامريكى بشرق افريقيا الى الاسباب الاتية :ـ
I- الوجود الاسلامى القوى فى المنطقة ، حيث توجد دول اسلامية مثل الصومال وجيبوتى ، فضلاً عن تكتلات اسلامية قوية فى دول مثل كينيا وتنزانيا ، ونظراً لهشاشة بناء الدولة فى هذه المجتمعات فان القوى الاسلامية عادة مات تتجاوز البناء الرسمى للسلطة .
II- أهمية دول معينة في شرق أفريقيا ضمن الإستراتجية الأمريكية الخاصة بالاحتواء والمحاصرة للنظم غير الموالية ولاسيما في السودان وليبيا ومن هنا تركز الإدارة الأمريكية على دول مثل كينيا ، وتنزانيا ، وجيبوتي .
III- من الناحية الامنية تمثل المنطقة تهديداً محتملاً للمصالح الامريكية ومصالح الدول الحليفه لها ،ولا سيما (اسرائيل) فثمه علاقات وفقاً للاعتقاد الامريكى بين التنظيمات الاسلامية فى بعض دول المنطقة وبين تنظيم القاعدة.
ولتحقيق الاهداف والمصالح الامريكية سعت الولايات المتحده الى انتهاج الوسائل الاتية :ـ
1/ محاولة انشاء بنية اساسية تربط مابين شرق افريقيا ومنطقة البحيرات العظمى فى وسط افريقيا وهو ما يسمى فى الفكر الاستراتيجيى الامريكى اسم (القرن الافريقى الكبير) وهو مايسهل بسط الهيمنة الامريكية وسيطرتهت على مناطق الثروة الطبيعية ويشجع الاستثمارت الامريكية فى هذا المجال .
2/ التركيز على جيل من القاده الجدد الذين يدافعون بشكل مباشر او غير مباشر عن المصالح الامريكية فى المنطقة.
3/ الوجود العسكرى فى المنطقة ، وقد بدأت الولايات المتحده بجيبوتى التى تعد اكبر قاعدة فرنسية فى شرق افريقيا وربما يكون اختيار جيبوتى لايخلو من اكثر من مغزى ودلاله وواحده فهى من الناحية الجيوبوليتكية قريبة من باب المندب ، وتتحكم فى بعض الجزر المهمة مثل سيبا موليله كما انها تصلح كقاعدة للابرار العسكرى يفيد الوجود العسكرى الامريكى فى منطقة الخليج ثم هى اخيراً تتمتع بقدر نسبى من الاستقرار السياسى ، حيث لم تشهد اى تغيرات عنيفة فى بنية السلطة الحاكمة منذ الاستغلال عن فرنسا عام 1977م.
4/ التعاون الاستخباراتى مع دول المنطقة ، وذلك بحجة محاربة الارهاب ، وعادة مايتم الربط بين حركة الاتحاد الاسلامى الصومالية وبين تنظيم القاعدة.
5/ وضع تصور امريكى لتسوية الصراعات والتواترات التى تشهدها المنطقة وقد وضح ذلك بجلاء فى التدخل المكثف فى الشأن السودانى من خلال تعيين مبعوث خاص امريكى للسودان ، وتاييد مبادرة (الايجاد)على حساب المبادة المصرية الليبية، واخيراً دعم الجهود الكينية فى رعاية المفاوضات السودانية فى (مشاكوس )

المبحث الرابع
أبعاد السياسات الغربية والإسرائيلية
تجاه منطقة القرن الأفريقي ودوافعها
أولا: الدول الغربية
إن الدوائر الأمنية في الدول الغربية كانت تنطلق في سياساتها تجاه منطقة القرن الأفريقى من عاملين أساسين:
الأول: إبعاد النفوذ الشيوعي في منطقة القرن الأفريقي، عن منطقة الخليج العربي والجزيرة مستودع البترول العالمي وحيث المصالح الغربية المباشرة في تلك المنطقة. وقد تمثل هذا النفوذ في إثيوبيا واليمن الجنوبي، وتطور في مرحلة من مراحله إلى تحالف ثلاثي بين إثيوبيا واليمن الجنوبي وليبيا.
والعامل الثاني: هو تأمين سلامة الدولة الصهيونية في فلسطين من خلال سلخ إريتريا من انتمائها الطبيعي للعالم العربي الذي يترتب عليه تطويق النفوذ الصهيوني في البحر الأحمر، وخلق ثغرة في خاصرة العالم العربي الجنوبية، وتطوير هذا الحصار ليشمل إبعاد السودان عن ساحة الصراع العربي – الإسرائيلي، وذلك من خلال تدويل قضية جنوب السودان وإدخال السودان في دوامة الحرب الأهلية، وذلك بالاعتماد محليًّا على إريتريا وإثيوبيا وأوغندا.
وبعد انتهاء الإمبراطورية السوفييتية وبالتبعية حلفائها في منطقة القرن الأفريقي، أصبح التركيز على الهدف الثاني المتمثل في حصار العالم العربي والإسلامي في المنطقة.
لذا نجد أن توثيق العلاقات الإستراتيجية بين كل من إريتريا وإثيوبيا في جميع المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وتوثيق العلاقات مع الدولة الصهيونية، وخلق مصاعب حقيقية للدولة السودانية من خلال دعم الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وتصعيد الخلاف بين كل من إريتريا واليمن وجيبوتي، كل ذلك شكل التعبير الحقيقي للسياسات الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال أدوار في منطقة القرن الأفريقي بهدف محاصرة العرب والمسلمين، حضاريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا.
ثانيا: إسرائيل:
من المعلوم ان اهتمام (اسرائيل ) بمنطقة شرق افريقيا يسبق تاسيس الدولة العبرية فقد كان التفكير اولاً يدور حول انشاء وطن قومى لليهود فى كينيا او اوغندا وكانت فكرة الاستيطان فى افريقيا احد الحلول المقترحة لترحيل يهود روسيا .
ويلاحظ ان (اسرائيل) ركزت بشكل خاص فى سياساتها على دول شرق افريقيا ولاسيما دولاً مثل كينيا واثيوبيا فقد حافظت اسرائيل على وجودها فى اثيوبا بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم حيث انها تاثرات تقليدياً بعدد من المتغيرات المهمة مثل وجود جالية يهودية كبيرة (يهود الفلاشا) صحيح ان (اسرائيل ) تمكنت من نقل معظم يهود الفلاشا ، الا ان بعض الاحصاءات تؤكد وجود نحو خمسة عشر الفاًَ من هولاء اليهود لايزالون يعيشون فى اثيوبيا . ومن جهة أخرى فان
ترتيب التوازن الاقليمى فى المنطقة يرتبط بالامن القومى العربى عموماً والمصرى خصوصاً وذلك على ضوء العلاقات الصومالية الأثيوبية والإريترية الأثيوبية ولاشك ان الوجود الاسرائيلى فى المنطقة يساعد عل تحقيق اهداف (اسرائيل) الامنية.
واذا كانت اسرائل تسعى الى تامين البحر الاحمر وخاصة عند مدخله الجنوبى فانها كما ذكرنا من قبل تركز على قضية مياه النيل واستخدامها ورقة للضغط على الارادة المصرية والعربية نظراً لحساسية موضوع المياه لدى كل من مصر والسودان فثمه سعى (اسرائيلى) حثيث لتقديم الدعم والمشورة الفنية لاثيوبيا وغيرها من دول حوض النهر وخاصة فى مجال انشاء السدود وتعظيم الاستفاده من موارد النهر .
وعلى صعيد اخر تسعى( اسرائيل ) الى الوقوف فى وجه الحركات والمنظمات الاسلامية القوية فى منطقة شرق افريقيا وهى تسعى من جراء ذلك الى تحقيق اكثر من هدف واحد فهى تقدم نفسها للولايات المتحده واوربا على انها المدافع الاول عن القيم الديمقراطية العلمانية فى مواجهة الحركات الاصولية الاسلامية وهى من جهه اخرى تحاول مساعدة الدول الافريقية فى ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية وهى مجالات كانت (اسرائل) موجودة فيها (اصلاً) وتمتلك مصداقية كبيرة لدى الدول الافريقية .
وليس بخاف ان اسرائيل تركز فى وجودها المكثف بمنطقة شرق افريقيا على سلاح المساعدات الفنية والعسكرية وهى تشتمل منذ البداية على ثلاثه مجالات اساسية وهى نقل المهارات التقنية وغيرها من خلال برامج تدريبية معينة وتزويد الدول الافريقية بخبراء اسرائليين لمدة قصيرة او طويلة وانشاء شركات مشتركة او على الاقل نقل الخبرات والمهارات الادارية للشركات الأفريقية .
واياً كان الامر فان (اسرائيل) بتعويلها على السلاح والمساعدات الفنية والتقنية فى الوقت نفسه الذى تعثرت فيه مسيرة التعاون العربى والاسلامى مع افريقيا وقد ارست دعائم استراتيجية جديدة بعيدة المدى لتحقيق الهيمنة الاقليمية وانشاء (اسرائيل الكبرى ) وذلك هو التحدى الذى يواجه عملية بناء اسس جديدة لدعم الوجود العربى والاسلامى فى دول شرق افريقيا .

الفصل الثاني

طبيعة الصراعات وتطوراتها وأسبابها

منذ قرون عديدة وحتى نهاية القرن التاسع عشر وطبيعة الصراع في منطقة القرن الأفريقي عقائدية ثقافية، حيث المسلمون في السواحل والسهول، والمسيحيون في الهضاب والمرتفعات ومركزها هضبة الحبشة. وأبرز دليل على صحة هذا الأمر استدعاء حكام هضبة الحبشة في القرن الخامس عشر البرتغاليين في مواجهة إمارات الطراز الإسلامي التي كادت أن تسيطر على الهضبة الحبشية لولا الدعم والمساندة البرتغالية، وبالقدر نفسه، عندما كانت المجتمعات الإسلامية في تلك المنطقة تتعرض للخطر كان يتم الاستنجاد بالدولة العثمانية لمناصرة المسلمين وحمايتهم، وقد توَّلت هذا الدور مصر في عهد محمد علي.
ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، جاء المستعمر وجلب معه مفهوم الوطنية لتلك المناطق التي حددتها الدول الاستعمارية على الأرض، دون الاعتبار لعلاقات الترابط العديدة بين شعوب منطقة القرن الأفريقي. وعلى مدى الحقبة الاستعمارية وحتى نهاية الخمسينيات، كان العامل الديني يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة سياسات الاستعمار في منطقة القرن الإفريقي ؛ ولذلك لا نجد غرابة عندما شكلت الرابطة الإسلامية خط الدفاع الأول عن الوطنية والاستقلال في العهد البريطاني من حكم إريتريا في الأربعينيات.
وتعد مشكلة الحدود من ابرز مخلفات الخبرة الاستعمارية فى افريقيا ، فالحدود السياسية فى افريقيا هى تقسيمات مصطنعة ، حيث انه رسمت خارج افريقيا فى مؤتمرات اوربا وقد روعى فى هذه التقسيمات المصالح والمآرب الاستعمارية وترتب على ذلك تقسيم القبائل الواحده والشعوب التى تتحدث اللغة الواحدة دون اعتبار للتاريخ او التقاليد المشتركة او حتى للحدود الطبيعية الجغرافية وعلى هذا اسهم الاستعمار الاوربى فى خلق عدم الولاء القومى بين هذه القبائل ، وتقليب الانحيازات والولاءات الاولية على الانتماءات القومية. ولعل منطقة شرق افريقيا تعكس بجلاء اهمية المتغير الحدودى ، بوصفه بؤرة تؤثر على التعامل الحركى بين الدول العربية والافريقية .
ويمكن ان نشير الى هذا السياق الى النزاعات الاتية :ـ
- النزاع الصومالى الاثيوبى .
- النزاع الصومالى الكينى
- النزاع السودانى الاثيوبى الاريترى
- النزاع الارتيرى الأثيوبى (والذى تمت تسويته بمقتضى اللجوء الى التحكيم الدولى)
- النزاع اليمنى الأريترى.
عليه يمكن القول ان دول المنطقة تعاني في معظمها من مشكلات الحدود والتداخل الإثني حيث لا
تخلو حدود أي من دول المنطقة من مطالبات بأحقية هذا الطرف أو ذاك في أراضي تابعة للطرف
الآخر على أسس تاريخية أو قومية أو إثنية.
وتشير الأحداث التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي إلى استمرار سلسلة الانشقاقات والخلافات التي عانت منها دول المنطقة داخليًّا وإقليميًّا عبر تاريخها، الأمر الذي جعل التنافس والصراع هما السمة الغالبة على شبكة العلاقات الداخلية والإقليمية لدول هذه المنطقة، يعبر عن ذلك اختلاف الهويات الثقافية الوطنية الرسمية لهذه الدول ما بين العروبة والأنجلوفونية والفرانكفونية والصومالية والأمهرية والتيجرينية..
يساعد على ذلك ويفاقمه اختلاف توجهات أنظمة الحكم وممارساتها الداخلية بين دول المنطقة، الأمر الذي جعل من منطقة القرن الأفريقي ساحة للتوتر والحروب، علاوة على ما شهدت من آنٍ إلى آخر من كوارث طبيعية كالجفاف والتصحر والمجاعات، الأمر الذي يلقى بظلاله الكثيفة من الشك حول مستقبل المنطقة كلها في ظل تلك الظروف وهذه السياسات والصراعات التي تستنزف الموارد في أتون الصراعات الداخلية والحروب البينية التي تحد من إمكانيات التعاون والتنمية بها.
ويتناول هذا الفصل طبيعة هذه الصراعات التي شهدتها ولازالت تشهدها منطقة القرن الأفريقي والأطراف اللاعبة فيها.

المبحث الأول:

طبيعة الصراعات


أولا: الصراع الإريتري ـ الإثيوبي:

رغم العلاقات المتينة والروابط المتعددة بين إريتريا وإثيوبيا، فقد انفجر الموقف بينهما عسكرياً في مايو 1998م، على خلفية حدود مشتركة وبطريقة لم تكن متوقعة جعلت من الصراع في منطقة القرن الإفريقي ينقل نقلة نوعية من الصراع العرقي والديني إلى صراع دول وطنية ذات خطط واستراتيجيات قومية. مما مثل مفاجأة للمجتمع الدولي؛ ليس فقط لأن الحرب جاءت متعارضة مع توجهات النظام العالمي الذي تضاءل خلاله اندلاع الحروب النظامية الواسعة، وإنما لكون قائدي النظامين في البلدين: آسياس أفورقي ومليس زيناوي ينتميان إلى نفس المجموعة العرقية (التيجراي) كما أن زيناوي يعود إلى أصول إريترية من جهة الأم، فضلاً عن ذلك فهما رفيقا سلاح؛ فقد خاضا الحرب معاً ضد نظام منجستو في إثيوبيا الذي تم القضاء عليه عام 1991م ، مما ساهم في إرساء أسس علاقة قوية بينهما ساعدت على حصول إريتريا على استقلالها عن إثيوبيا عام 1993م. منذ ذلك اليوم وقع البلدان على عدة اتفاقيات للتعاون في مختلف المجالات. ويرى بعض المراقبين أن بداية التراكمات تعود إلى مرحلة ما قبل استقلال إريتريا؛ ففي غمرة الانتصارات على عدوهم المشترك منجستو ترك الطرفان العديد من القضايا والأمور المشتركة بين الدولتين دون حسهم. وفي ذلك الحين لم يتصور أحد أن هذه القضايا المعلقة كانت بمثابة قنبلة موقوتة سرعان ما تفجرت وأشعلت الحرب بين البلدين.
والمتتبع لمسار العلاقات الإثيوبية - الإريترية، سيجدها لم تخل خلال السنوات الخمس السابقة على الحرب من خلافات عديدة منها الخلاف الحدودي الذي تعود جذوره إلى فترة استقلال إريتريا عام 1993م؛ حيث كان الجانبان قد اختلفا بشأن السيادة على عدد من المناطق الحدودية وهي: زالامبيا، يوري، ويام مي، وشيراو، ومثلث برجا - الحميرة، وعفر، وبعض ولاية تيجراي وأبيجي وأنداكيدا ولبتينا وأردى ماتيوس. ويتمحور الموقف القانوني للبلدين في رؤية مشتركة لمبدأ يقضي بضرورة الاعتراف بالحدود المتوارثة عن الدول الاستعمارية وعدم تغييرها، ولن تختلف الدولتان حول أي الاتفاقيات التاريخية التي يجب الأخذ بها.
ونتيجة لهذه التراكمات بدأ النزاع الحدودي يظهر في أغسطس 1997م، عندما بدأت إثيوبيا في ممارسة بعض مظاهر السيادة على الأقاليم المتنازع عليها، بنشر بعض الخرائط التي تظهر تبعية إقليمي بادمي، وزالامبيا لها ؛ مما أفضى إلى قيام إريتريا يوم 6/5/1998م، باقتحام
الحدود المشتركة وتوغلت داخل الأراضي المتنازع عليها. وبهذا تكون إريتريا قد بادرت باحتلال الأراضي المتنازع عليها بالقوة العسكرية، وتحقيق النصر على إثيوبيا في هذه الجولة. ثم انفجر القتال بين الجانبين خلال شهر فبراير 1999م مرة ثانية، ودار القتال في ثلاث مناطق هي: بادمى التي شهدت العمليات العسكرية في مايو 1998م، ومنطقة تسورنا، وزالامبيا ومنطقة يوري جنوب غرب ميناء عصب. واستطاعت القوات الإثيوبية تحقيق بعض الانتصارات غير الحاسمة، وهو ما أجبر إريتريا على الموافقة على خطة السلام التي أعدتها منظمة الوحدة الإفريقية، مما ساعد على إيقاف القتال مؤقتاً بين الطرفين. والجدير بالذكر أن الجولة الأولى والثانية من الحرب لم تساعدا في تسهيل عملية التسوية؛ بل على العكس استمر التباعد في المواقف بين الجانبين، وبدا واضحاً أنهما يستعدان لجولة ثالثة فاصلة. وهذا ما حدث؛ حيث اندلعت مواجهة جديدة خلال شهر مايو 2000م، والتي كانت أكثر شراسة، واستطاعت إثيوبيا التي امتلكت المبادأة في هذه الجولة تحقيق انتصارات حاسمة على القوات الإريترية.
فلم تكتف إثيوبيا باسترداد المناطق التي احتلتها القوات الإريترية عام 1998م، فحسب بل إنها توغلت داخل الأراضي الإريترية.
ومن الملاحظ أن الحرب الإريترية الإثيوبية وخاصة في جولتها الثالثة، أنها الحرب الأكثر عنفاً ودموية في الصراعات الإفريقية؛ ففي التاريخ الحديث لإفريقيا لم يحدث أبداً أن تصاعد أي صراع بين دولتين إلى هذه الدرجة من العنف.
وحسب التقارير فقد تكبد فيها البلدان الكثير من الخسائر البشرية والمادية؛ وبالرغم من أنها انتهت بهزيمة إرتريا، ووضعت أوزارها بتوقيع قيادة البلدين اتفاق الجزائر في 8 يونيو من عام 2000 م، ثم بتوقيع اتفاق سلام شامل في الجزائر في 12/12/2000م برعاية (منظمة الوحدة الأفريقية)، وبحضور الأمين العام للأمم المتحدة «كوفي عنان» والرئيس الجزائري (عبدالعزيز بوتفليقة)، وصدرف 14 أبريل 2001 لم قرار لجنة ترسيم الحدود بين البلدين لكن إثيوبيا ما زالت ترفض القبول بهذا القرار، وترى فيه إجحافاً في حقها.
إن إثيوبيا تريد إسقاط (نظام أفورقي) وإزاحته من الوجود؛ فهوالمسؤول الأول في نظرها عن تفجير الأزمات مع الجيران، وأنه يريد أن يفرض ذاته «كسوبرمان في المنطقة عن طريق الضغط على جيرانه بالقوة» حسب تعبير وزير الخارجية الإثيوبي (سيوم مسفن) في مجلة المجلة عدد 1002 تاريخ 25/ 4 ـ 1/5/1999م، وهذا مؤشر واضح في أن الصراع الحالي بين إسياس أفورقي، وملس زناوي ليس هو صراع حدود وإنما هو صراع وجود، كل منهما يستهدف منه وجود الآخر.

ثالثا:الصراع في الصومال :
تكشف متابعة تطورات المشكلة الصومالية عبر السنوات التسع الماضية عن شيوع حالة من الاعتياد واللامبالاة تجاه المشكلة؛ وأن أخبارها لم تعد تسترعى الانتباه لتشابهها وتكرارها، الأمر الذي يعبر عنه تضاؤل حجم ما ينشر عنها وتراجع أهمية أخبارها. وهو أمر يمكن تفهمه فيما يتعلق بالعالم الغربي وإعلامه، ولكنه يثير العديد من علامات التعجب والاستفهام بشأن الإعلام
العربي والإسلامي ذلك أن المشكلة ما زالت قائمة ومتفاقمة، ومع ذلك لا يبدو أنها تحظى
باهتمام يوازي خطورتها. ولذا فإنه مع اقتراب مرور عقد من الزمان على نشوب المشكلة يجدر بنا التوقف للتعرف على طبيعة المشكلة وأسبابها الفعلية، ووضعها الراهن، ومسارها المستقبلي.
أولاً: أسباب المشكلة الصومالية
أوردت الدراسات والتحليلات المختلفة التي تناولت المشكلة الصومالية الكثير من الأسباب الداخلية التي ساهمت في بروز المشكلة وتفاقمها. فعلى الصعيد السياسي: كان الحديث عن أثر المواريث الاستعمارية، وفشل التجربة الديمقراطية البرلمانية، ودكتاتورية الحزب الواحد والاستئثار بالسلطة، وتراجع قوة الدولة وسيادتها على إقليمها في ظل تصاعد الصراع على السلطة. وعلى الصعيد الاقتصادي: تواتر الحديث عن فقر الصومال وضعفه الاقتصادي ومؤشرات ذلك في القطاعات المختلفة (زراعية - صناعية - تجارة وخدمات …). وعلى الصعيد الاجتماعي: ركزت التحليلات على أسباب مثل: تفشى الروح القبلية، وإعلاء الولاءات التحتية على الولاء للدولة، وغياب الهياكل الاجتماعية اللازمة لقيام واستمرار الدولة الحديثة. والواقع أنه يمكن إجمال تلك الأسباب في ثلاثة ملامح أساسية شابت المشكلة الصومالية وهى:
1/الضعف الإداري:
فمنذ نشأتها عانت الصومال من الافتقار إلى الفهم الواضح لإدارة مؤسسات الدولة في مرحلة الاستقلال، ذلك أن فترة إعداد الصومال بقيادة هذه المؤسسات كانت قصيرة ولم تتجاوز عشر سنوات (الفترة من 1950 - 1960) خضعت خلالها للوصاية الدولية، ولم تكن تلك الفترة كافية لتكوين الكوادر اللازمة لإدارة البلاد وتخليصها من نمط الإدارة التقليدي القبلي. فالشعب الصومالي لم تكن لديه تقاليد إدارية ثابتة لأمور الدولة بالنظر إلى واقع المجتمع الصومالي قبل الاستقلال الذي حكمته القواعد والأعراف القبلية. وهو الملمح الذي فشلت جهود احتوائه وتطويره فظل قائماً ومعبرًا عنه بانتشار الولاء القبلي والمحسوبية في أنحاء البلاد.
2/ضعف علاقات الصومال مع الغير:
حيث بدأت دولة الصومال حياتها الدولية باستعداء المحيط الإقليمي لها ممثلا في (أثيوبيا - كينيا - جيبوتي) من خلال المطالبة ببعض أقاليم الدولتين وكامل إقليم الدولة الثالثة باعتبار تلك المناطق أجزاءً من الأمة الصومالية الكبرى، الأمر الذي أدخل الصومال في مواجهات مع تلك الدول وصلت إلى الحرب الشاملة على نحو ما تكشف خبرة العلاقات الصومالية الأثيوبية. وهو ما أنهك البلاد واستنزف قدراتها الضئيلة. وزاد من وطأة الأمر إخفاق النظم المتعاقبة في تحقيق أمل الوحدة الصومالية. وكأنما كل إخفاق في تحقيق الوحدة الكبرى يصب في خانة المزيد من تفتت دولة الصومال. لا سيما مع فشل الصومال في إدارة علاقتها مع العالم الغربي إبان الحرب الباردة؛ حينما أفسد نظام "سياد بري" علاقته مع المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفيتي آنذاك) وفشل في التحالف التام مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ذات الأمر الذي حدث على الصعيد العربي الذي ظل ينظر بتوجس لتوجهات الصومال العربية، في ظل أصوات المعارضة لذلك التوجه داخل الصومال، رغم انضمامها للجامعة العربية، وفى ظل الإصرار على جعل اللغة الصومالية لغة الإدارة والتعليم في البلاد.
3/الاعتماد على المساعدات الخارجية:
فمع مجيء الدولة ومؤسساتها، فإنها قد حلّت محل الأغنام والماشية في إعالة الأفراد، حيث
أصبح أهل البادية يعتمدون على أهل المدن، وكذا مع فتح أبواب الهجرة إلى الخارج برزت ظاهرة اعتماد أهل الداخل على تحويلات ذويهم في الخارج. أكثر من ذلك أن دولة الصومال نفسها اعتمدت بدرجة كبيرة في تمويل مشروعاتها على المساعدات الخارجية، وفى ظل ذلك الوضع، وأخذًا في الاعتبار تفشى ظواهر المحسوبية والقبلية لم يكن من المستغرب أن يعمد رئيس الجمهورية إلى الإغداق على البرلمان لضمان ولائه وإغداق الاثنين (رئيس الدولة ونواب البرلمان) على القواعد القبلية الرئيسية لذات السبب.
تلك هي أبرز الملامح الداخلية التي مثلت أسباباً جوهرية لبروز واستمرار مشكلة الصومال. والتساؤل الجدير بالإثارة هو لماذا لم تُثَر المشكلة الصومالية قبل التسعينات على الرغم من أن الملامح سالفة البيان قديمة الوجود في بناء الدولة الصومالية؟
والإجابة أنه حتى مطلع التسعينات نجح نظام "سياد برى" (1986 - 1991م) في الاستفادة من توازنات القوى بالمنطقة، وموقع دولته الاستراتيجي على الممر الملاحي الرئيسي لبترول الخليج العربي. فاستطاع الحصول على مساعدات ومنح خارجية دعمت قدرته على إحداث توازن ما بين أدوات الإغراء والمنح من ناحية، وأدوات القسر والقمع من ناحية أخرى. ويُضاف إلى الدعم الغربي الدعم العربي الخليجي سواء في صورة تجارة (حيث يمثل السوق الخليجي أبرز شركاء الصومال في تجارة الأغنام) أو في صورة مساعدات ومنح مباشرة وتحويلات العاملين الصوماليين بتلك البلدان. ومع بداية التسعينات تغيرت ملامح الصورة على مختلف الأصعدة سالفة الذكر. حيث تراجعت عائدات الصومال من المساعدات الغربية في ظل انشغال الغرب بتداعيات الأحداث في آسيا الوسطى والبلقان، كما تراجعت عوائد البلاد من تجارتها مع دول الخليج وتحويلات العاملين بها في ضوء تداعيات الغزو العراقي للكويت وما تبعه من تقلص قدرات بلدان الخليج؛ أكثر من ذلك تراجع أهمية الصومال الاستراتيجية كدولة مطلة على الممر الملاحي الرئيسي لبترول الخليج؛ في ظل وقوع بترول الخليج تحت الحماية المباشرة للقوات الغربية (الأمريكية تحديدًا) المتمركزة في دول الخليج الرئيسية، يضاف إلى ما سبق انعكاسات التوازنات الإقليمية ومحاولات إعادة تشكيل القرن الإفريقي والتأكد من مستقبل أثيوبيا ومسار إريتريا الوليدة -آنذاك- كل ذلك أدى في مجمله إلى تداعى الأوضاع في الصومال على النحو الدرامي، حيث تصاعدت المطامع في السلطة باعتبارها السبيل الأمثل للاستحواذ على ما تبقى من فتات كعكة السلطة الذي لا يكفى بحال احتياجات كافة الزعماء الطامحين، الأمر الذي أسفر عن ما يشبه متوالية حسابية للفصائل والجبهات المتنازعة.

ثانيًا: الوضع الراهن للمشكلة الصومالية:
استمرت أزمة تفكك الدولة وغياب الحكومة المركزية لعامها التاسع على التوالي، حيث وصلت القضية الصومالية بعد فشل اتفاقية القاهرة إلى حالة من التشاؤم السياسي لا سيما بعد إخفاق مساعي عقد مؤتمر المصالحة الوطنية في "بيدوا" الذي نص عليه إعلان القاهرة، وهو الفشل الذي أرجعه "حسين عيديد" إلى المخططات الأثيوبية لتقويض اتفاق القاهرة وسعيها لاستقطاب بعض القبائل الموقعة على هذا الاتفاق، فضلا عن نقص التمويل اللازم لعقد المؤتمر الذي يتكلف انعقاده 4.5 مليون دولار، فرغم استعداد مصر لتدبير مليون دولار، وكذلك إعلان ليبيا استعدادها للإسهام بمليون دولار لم يستطع الصوماليون تدبير المبلغ الباقي.
ولذا لم يكن من المستغرب استمرار الاشتباكات المسلحة بين الفصائل المتنازعة والتي من أهمها (المؤتمر الصومالي الموحد) برئاسة "حسين عيديد" والذي تتمثل قاعدته الإقليمية في وسط البلاد وخاصة حول العاصمة مقديشيو وحول نهر شبيلي، والتي ينتمي إلى بطونها المختلفة حسين عيديد (هبر جدر) وعلى مهدى (ابجال)، وهما الفصيلان المتناحران على العاصمة مقديشيو الأمر الذي أدى إلى إلقاء المزيد من الغموض على إمكانات استمرار إدارة محافظة "بنادر" التي تم تشكيلها في 26 يوليو 1998 لإدارة العاصمة مقديشيو. حيث ظل "حسين عيديد" الذي يتقاسم مع على مهدى رئاسة المجلس الأعلى لهذه الإدارة -غائبًا عن البلاد منذ إعلان تشكيلها، وهو ما انعكس سلبا على مصداقية هذه الإدارة، فضلاً عن تفجر النزاع بين الزعيمين لعدم اعتراف كل منهما بجدارة الآخر بمشاركته السلطة.
وفى مواجهة إدارة "بنادر" تبلورت مجموعات أخرى -غير متجانسة- يجمعها معارضة إدارة "بنادر" ومحاولة تشكيل تكتلات سياسية جديدة مناهضة لمحور على مهدى -حسين عيديد. ومثلت "المحاكم الإسلامية" أحد أبرز التنظيمات المعارضة لسلطة زعيمي شطري العاصمة: الجنوبي "حسين عيديد"، والشمالي "على مهدى محمد" وتحظى هذه المحاكم بتأييد ودعم التجار المناوئين لحسين عيديد، كما لقي هذا التنظيم الترحيب من جانب خطباء المساجد في العاصمة مقديشيو، فضلا عن تزايد شعبية تلك المحاكم لما حققته من أمن واستقرار في المناطق الخاضعة لها.
والجدير بالذكر أن الخريطة السياسية للقوى المتنافسة غير ثابتة، بل قابلة للتحرك تبعا لتوازنات المعارك العسكرية، خاصة وأن الخلافات بين هذه القوى وبعضها لا تعبر عن اختلافات فكرية وإنما هي في جوهرها صراع على السلطة.
مزيد من التفتت:
وفى حين تركزت المساعي الداخلية والإقليمية في ضرورة إقامة حكومة مركزية موحدة تسيطر على جميع أنحاء البلاد، شهدت الفترة التالية لانهيار إعلان القاهرة المزيد من مساعي التفتت في البلاد حيث تم الإعلان عن قيام حكومة إقليمية في الشمال الشرقي للصومال بعنوان "بونت لاند" وعاصمتها "جروي" برئاسة عبد الله يوسف. ومحاولات ما زالت جارية لإقامة حكومة إقليمية أخرى بالجنوب الصومالي بعنوان "جوبا لاند". إضافة إلى أول حكومة انفصالية وهى حكومة جمهورية أرض الصومال التي أُعلن عنها في 1991م برئاسة عبد الرحمن تور، ويرأسها حاليا إبراهيم عقال وعاصمتها "هرجيسا" في الشمال الغربي للصومال، لتضيف بذلك مزيدًا من التفتت والتجزئة، وهو ما يهدد كيان الدولة الموحدة، ويعرقل الجهود الرامية لتشكيل حكومة مركزية موحدة بالصومال، في حين يرى بعض قادة تلك التنظيمات والحكومات الإقليمية أنها خطوة على طريق إقامة الحكومة المركزية، إن هدف المرحلة هو حفظ تلك الكيانات الإقليمية من انتشار الفوضى وعوامل الأزمة فيها.
ففي حديث له أعلن عبد الله يوسف رئيس ولاية "بونت لاند" التي أعلنت استقلالها في أغسطس 1998، رفضه الاعتراف بـ "جمهورية أرض الصومال" برئاسة إبراهيم عقال باعتبار أن الأخيرة تمثل انفصالاً سافرًا عن الصومال، وأكد عبد الله يوسف معارضته الانفصال حيث أكد أن دستور "بونت لاند" الذي تم إقراره في مايو 1998 ينص على أن "بونت لاند" جزء لا يتجزأ من دولة الصومال، وأعلن عبد الله يوسف تأييده للخيار الفيدرالي كسبيل لحل المعضلة الصومالية بدلا من تناحر الفصائل والمليشيات الصومالية.
وعلى الجانب الآخر تمسكت حكومة جمهورية أرض الصومال بحقها في الانفصال عن الصومال استناداً إلى أسس تاريخية وإثنية يجملها وزير خارجية هذه (الجمهورية) السيد / محمود صالح نور الذي أكد أن القضية الصومالية لا يمكن حلها إلا عن طريق الصوماليين، وأشار إلى أن أرض الصومال واحة سلام وأمن في منطقة تسودها الخلافات والنزاعات الداخلية والحروب الأهلية، وأرجع ذلك إلى تجانس قبائل الجمهورية التي مثلت في المرحلة الاستعمارية الصومال الشمالي الذي خضع للاستعمار البريطاني وحصل على استقلاله في 26 يونيو 1960، ثم انضم باختياره إلى الصومال الجنوبي ليشكلا معا دولة الصومال، إلا أن الثلاثين عامًا التالية بما شهدته من حروب وممارسات قمعية ضد الشمال دفعت الشماليين إلى خيار استعادة الاستقلال. وانطلاًقا من ذلك يرفض الشماليون اتهامهم بأنهم انفصاليون.
ومع فشل جمهورية أرض الصومال في الحصول على اعتراف أي من دول العالم أعلن محمد إبراهيم عقال زعيم الجمهورية "أن التجمعات العشائرية لا يمكن أن تؤسس أركان دولة معترف بها عالمياً". وأضاف في حديثه في ندوة حول مستقبل المحافظات الشمالية الغربية قائلاً "لقد بات أمرًا مفروغًا منه إخفاقنا في تأمين اعتراف دولي بحكومتنا، وهذه الحقيقة تشخص عدم إمكانية تأسيس حكم ثابت الأركان في محيط تسوده عشائر متناحرة تفعل كل منها ما يحلو لها؛ مما يفقد عنصر التناغم والتوافق اللازم لتصريف شئون الحكم وإقامته".
وذلك على الرغم من دأب مسئولي جمهورية أرض الصومال على التقليل من أهمية الاعتراف الدولي بدعوى أن الجمهورية لم تطلب من أية دولة الاعتراف بها. ويذكر أن حسين عيديد قد وجه اتهامًا لإبراهيم عقال زعيم جمهورية أرض الصومال بالتعاون مع كل من أثيوبيا وإسرائيل، وادعى وجود رسالة منشورة أرسلها إبراهيم عقال إلى "بنيامين نتنياهو" رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق- بشأن ما سُمِّى الوفاق الجديد بين الصوماليين وإسرائيل.

ثالثًا: مسار المشكلة ومصيرها:
تكشف التطورات الداخلية للمشكلة عن بروز قوى فاعلة على الساحة الصومالية يصعب تجاوزها بشأن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل الصومال، وفى مقدمة تلك القوى "جماعة التجار" الذين تصاعدت أسهمهم مؤخراً بفضل قدرتهم الاقتصادية التي مكنتهم من تكوين مليشيات خاصة بهم لتأمين مصالحهم، وكذا قوى "المحاكم الإسلامية" التي تحظى بتأييد متزايد بين أفراد الشعب الصومالي، هذا إضافة إلى الفصائل المتناحرة التي يتزايد عددها بفعل حركة الانشقاقات التي تشهدها بعض تلك الفصائل في ظل سعى أعضائها للزعامة والسلطة. ويتفاعل مع ذلك كله تزايد الاتجاهات الانفصالية للولايات في ظل ما حققته تجربة الانفصال لكل من "جمهورية أرض الصومال" و "بونت لاند" من استقرار وأمن نسبيين، والخشية كل الخشية من استمراء جميع الأطراف ذلك الوضع، الأمر الذي يلقى مزيدًا من التعقيد على إمكانات تسوية المشكلة، وعودة الصومال الموحد لا سيما في ظل احتكام الفرقاء إلى شرعية السلاح في تأمين مصالحهم كبديل عن شرعية الدولة والمواطنة، الأمر الذي يعني أن الأزمة مرشحة للبقاء والاستمرار.
أن التعامل الإقليمي مع المشكلة انطلق بالأساس من منظور مصالح كل طرف من الأطراف الإقليمية تجاه المشكلة، الأمر الذي أدى إلى تعدد المبادرات وتعارضها أحيانا، على نحو أتاح الفرصة للفصائل المتنازعة للعب على التوازنات الإقليمية للحيلولة دون التوصل إلى اتفاق يحد من سلطة هذا الفصيل أو ذاك.

الأطراف الداخلية والخارجية منها على نحو ما تكشف خبرة المواقف الأثيوبية الإريترية من المشكلة قبل وبعد اندلاع الحرب الحدودية بينهما. وعلى ذات الصعيد يمكن الإشارة إلى أن ثمة تنافس خفي بين القوى الإقليمية فيما يتعلق بسبل تسوية المشكلة، ويمكن القول إن جوهر التنافس يدور بين محور عربي أساسه الدور المصري الليبي السعودي على المستويين الحكومي والشعبي (المؤسسات الدينية، منظمات الإغاثة …) ومحور أثيوبي غربي على ذات المستويين حيث تساند القوى الغربية الدور الأثيوبي وتدعمه على نحو ما هو معروف في ظل تراث العلاقات الأثيوبية الغربية. الأمر الذي يعقد من إمكانات العمل العربي الإسلامي على صعيد المشكلة لا سيما على ضوء الملاحظة التالية:
على الرغم من تعدد الجهود الإنسانية العربية والإسلامية بشأن تسوية المشكلة أو التخفيف من آثارها من خلال العمل الإغاثى، فإن خبرة السنوات التسع الماضية تشير إلى إخفاق محاولات العمل المشترك من خلال المؤسسات الجماعية وفى مقدمتها جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي حيث تراجع دور المنظمتين إلى مجرد دعم ومساندة الجهود الفردية التي تبذلها هذه الدولة أو تلك داخل المنظمة أو خارجها، على الرغم من تعدد ما أصدرته المنظمتان من قرارات وخطط لعلاج المشكلة، الأمر الذي أدى إلى إضعاف مردود العمل الجماعي من ناحية ، وإضعاف الجهود الفردية في ظل افتقارها لمنظومة عمل جماعي تساندها وتخفف عنها عبء الوساطة وتكاليفها.
على الرغم من صعوبة التنبؤ في العلوم الاجتماعية، فإن استقراء أحداث الصومال يشير إلى أن السيناريو الأقرب للتحقيق هو استمرار واقع التفتت والتجزئة والاعتراف بالأقاليم المستقلة التي تنجح في تحقيق قدر من الأمن والاستقرار وفى مقدمة تلك الأقاليم "جمهورية أرض الصومال" الأمر الذي قد يدفع لمزيد من التفتت، خاصة وأن ذلك السيناريو يصب في صالح بعض القوى الإقليمية الفاعلة (أثيوبيا- كينيا-…) كما سلف الذكر، ويضعف آمال الوحدة الصومالية على الرغم من اعتقاد جانب من الباحثين أن قيام عدة حكومات إقليمية قد يكون هو السبيل الأمثل لإعادة وحدة الصومال في صورة فيدرالية، وفى هذا الصدد يمكن القول إن مبادرة جيبوتي الأخيرة والمطروحة حاليا لتسوية المشكلة والتي تحظى بموافقة كافة القوى الإقليمية والدولية ستكون محكاً رئيسياً في الكشف عن مسار المشكلة في المرحلة القادمة.

ثالثا: النزاع اليمنى الاريترى:
يمثل أرخبيل حنيش مجموعة الجزر الواقعة أمام مديرية الخوخة. ويُعد الأرخبيل أقرب الجزر اليمنية إلى الممرات البحرية في البحر الأحمر، للسفن المتجهة إلى مضيق باب المندب، أو القادمة مباشرة منه. وفي السّبعينيات، سمحت اليمن للثوار الإريتريين، تخزين الأسلحة في هذه الجزيرة، لاستخدامها في صراعهم ضد النظام الإثيوبي. وبُني فنار، في مطلع الثمانينيات، في الجانب الشرقي من رأس عربات، في زقر. ويتيح ارتفاع جبل زقر السيطرة الإستراتيجية، والإشراف على كل الممرات الدولية لخطوط الملاحة في البحر الأحمر. ويمكن مشاهدة الساحل الإريتري من على قمة جبل زقر، لذلك تتمتع هذه القمة بأهمية عسكرية كبيرة.
أما جزيرة حنيش الكبرى، فتمتد من الشمال إلى الجنوب الغربي، وتبلغ مساحتها66 كم2.وتوجد جنوب جزيرة زقر، جزيرة حنيش الصغرى، وهي جزيرة صخرية بركانية، يبلغ أعلى ارتفاع
لها عن سطح البحر 127 قدماً، وتصل مساحتها إلى 10 كم2. وتبعد عن الساحل اليمني حوالي 25 ميلاً بحرياً، وعن الساحل الإريتري حوالي 47 ميلاً بحرياً، وقد بنت عليها مؤسسة الموانئ اليمنية فناراً عام 1981م .
وكانت جزر حنيش موضع نزاع بين الدولتين، قبل استقلال إريتريا عام 1993م، وشهدت بعض الفترات موجات خلاف بينهما، مثلما حدث عام 1974م . وتشير معظم المصادر والخرائط إلى أن إريتريا، سبق لها أن اعترفت بتبعية تلك الجزر لليمن.
وبعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990م، عملت اليمن على إنشاء الفنارات في الجُزر وإدارتها وصيانتها، وصُممت لتعمل بالطاقة الشمسية، بالاتفاق مع شركة سيمنس الألمانية، خدمة للملاحة العالمية في الممرات الدولية للبحر الأحمر، التي تقع جميعها في المياه الإقليمية لليمن.
وتعزيزاً لحقوقها التاريخية، في السّيادة على جزرها في البحر الأحمر، مارست اليمن حقوقها السياسية على تلك الجزر، بما يتناسب وطبيعتها غير المأهولة.
فسمحت اليمن ـ الشطر الشمالي سابقاً ـ لفصائل الثورة الإريترية باستخدام الجزر اليمنية في البحر الأحمر، بما فيها مجموعة جزر حنيش الكبرى، خلال نضالها؛ لتحقيق استقلال إريتريا. ولم تكن تلك العناصر تتعرض للمطاردة، عند دخولها إلى المياه الإقليمية لتلك الجزر، سواء خلال العهد الإمبراطوري في إثيوبيا، أو في أثناء حكم منجستو هيلا ماريام، إدراكاً من إثيوبيا أن هذه الجزر ليست تابعة لها.
كما سمحت اليمن ـ "الشطر الشمالي سابقاً" ـ لمصر، بالوجود في الجزر اليمنية في البحر الأحمر، بما فيها مجموعة جزر حنيش الكبرى، خلال تحضيرات مصر لحرب أكتوبر 1973م، بموجب اتفاق سري وقعته اليمن ومصر في 12 مايو 1973م. ولم تعترض إثيوبيا، أو أي دولة أخرى، على ذلك القرار اليمني.
منذ استقلال إريتريا في 25 مايو 1993م، لم تثر مشكلة جزيرة حنيش، ولم تتقدم الحكومة الإريترية قط بأي مطالب أو ادعاء. وواصلت الحكومة اليمنية التصرف، كما اعتادت دائماً، باعتبار تلك الجزيرة تابعة لها. واستمرت باسطة سيادتها عليها، من خلال وجود حامية عسكرية صغيرة فيها. وكذلك، من خلال استخدام الصيادين اليمنيين لها.
كما ظلت الأطراف الخارجية أيضاً، تتصرف على أساس تبعية تلك الجزيرة للسيادة اليمنية، حتى إن الأجانب الذين يزورون جزيرة حنيش الكبرى لأغراض سياحية، كانوا يأخذون الإذن من الحكومة اليمنية.
وقد شهدت العلاقات اليمنية الإريترية، تدهوراً مفاجئاً، قبيل نهاية عام 1995م، بسبب من منهما صاحب الحق في امتلاك جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، وجزيرة زقر.
طالبت إريتريا، في النصف الأول من نوفمبر 1995م، بإجلاء الحامية اليمنية، الموجودة في جزيرة حنيش الكبرى، على اعتبار أنها من الجزر الإريترية. فأرسلت اليمن وفداً على مستوى عال، إلى أسمرة، للتفاوض مع المسؤولين الإريتريين، حول ترسيم الحدود البحرية. وتم الاتفاق، في اجتماع 7 ديسمبر 1995م، على تأجيل المباحثات حول ترسيم الحدود، إلى ما بعد شهر رمضان (نوفمبر 1996م).
أولاً: احتلال إريتريا جزيرة حنيش:
في 15 ديسمبر 1995م، من دون مقدمات سياسية أو عسكرية، احتلت قوات عسكرية إريترية
جزيرة حنيش الكبرى. وأسفر هذا العمل عن سقوط ثلاثة قتلى من أفراد الحامية العسكرية اليمنية،
التي كانت مرابطة في الجزيرة. وقد صدر تصريح لمصدر يمني مسؤول يستنكر العدوان الإريتري، ويرى فيه انتهاكاً لسيادة الجمهورية اليمنية، على أراضيها ومياهها الإقليمية، كما يهدد العدوان، في الوقت نفسه، الملاحة الدولية في منطقة البحر الأحمر. ويشير المصدر إلى أنه سبق للسلطات الإريترية توجيه إنذار في 11 نوفمبر 1995م، إلى المواطنين اليمنيين، والحامية العسكرية المرابطة في جزيرة حنيش، بمغادرتها، وإيقاف العمل بإحدى الشركات، وهذا ما جعل الحكومة اليمنية تجري اتصالات على أعلى مستوى مع الحكومة الإريترية، بهدف احتواء الموقف. وذلك تأكيداً لحرص اليمن على علاقاتها مع إريتريا، ورغبتها الصادقة في حل أي خلافات حول الحدود البحرية مع إريتريا، عبر الحوار والتفاوض السلمي، وطبقاً للقوانين والمواثيق الدولية.
وعلى إثر ذلك عُقدت عدة اجتماعات في صنعاء وأسمرة، كان آخرها في إريتريا برئاسة نائب رئيس الوزراء، وزير الخارجية اليمني، ووزير الخارجية الإريتري. وأكدت اليمن مجدداً استعدادها للحوار، والتوقيع على مذكرة تفاهم مع إريتريا، تتضمن أسس التفاوض حول الحدود البحرية، على أساس التفاوض الثنائي. وفي حالة عدم التوصل إلى حل، فإنه يمكن اللجوء إلى التحكيم، أو محكمة العدل الدولية.
ولاشك أن احتلال إريتريا لجزيرة حنيش، واختيار توقيت محدد للعدوان، وضع حكومة اليمن في موقف حرج، إذ وجدت نفسها تحت ضغوط عديدة، منها ما عانته من ضغوط الشارع اليمني العام، الذي استشاط غضباً، وكاد يتميز غيظاً من جراء العدوان الإريتري على الجزيرة اليمنية، إذ لم يكن يدور بخلد أي مواطن يمني، أن يأتي الأعداء على اليمن من إريتريا.
والأمر الآخر، أن اليمن لم تلجأ إلى استخدام القوة فوراً لاستعادة الجزيرة، كما أُخذت بالقوة، وذلك تحت طائل المسؤولية، التي تفرضها المصالح الإقليمية، وتلبية لنداءات الأشقاء والأصدقاء لضبط النفس، والسعي لإنهاء العدوان بالحوار والطرق السلمية.
وتشير الشواهد، إلى أن التحرك الإريتري، هدف إلى الآتي:
1. منع جبهة حماس الإريترية الإسلامية، من استخدام هذه الجزر، ضد إريتريا، خاصة أن الجبهة الشعبية، لتحرير إريتريا، سبق أن استخدمت تلك الجزر، ضد إثيوبيا، في أثناء احتلال إثيوبيا للأراضي الإريترية.
2. الحصول على المزيد من الدعم، والمساعدات، من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، بإظهار أن إريتريا، قادرة على القيام بدور مهم في منطقة البحر الأحمر.
3. إحباط فكرة أن البحر الأحمر، بحيرة عربية، وهي الفكرة التي نادت بها دول عربية، في عام 1976م، خاصة بعد استقلال إريتريا، وعدم الإعلان عن هويتها العربية.
4. تبنت إريتريا إستراتيجية حرمان الطرف الآخر، من امتلاك السيطرة في المنطقة.
5. إظهار مكانة إريتريا الإقليمية، بصفتها دولة مستقلة، حديثة.
ثانياً: الموقف اليمنى من النزاع:
يرى اليمن أن مجموعة جزر حنيش، كانت تحت الاحتلال البريطاني، باعتبارها جزراً تابعة لعدن، ومن ثم آلت إلى جمهورية اليمن، بعد الوحدة بين شطريها، الشمالي والجنوبي. وحدد اليمن موقفه من المشكلة كالآتي:
1. إعادة الوضع إلى ما كان عليه، قبل منتصف ديسمبر 1995م، وانسحاب القوات الإريترية.
2. تسليم الأسرى اليمنيين.
3. حل المشكلة عن طريق التفاوض، ورسم الحدود البحرية بين البلدين.
4. رفض أي مقترحات، تتناول الوجود اليمني، على باقي الجزر.
ثالثاً: الموقف الإريتري :

يرى الجانب الإريتري:
1. أن هذه الجزر، جزر بلا هوية، احتلها الأتراك، حتى ما قبل الحرب العالمية الأولى. وبعد هزيمة الأتراك، تنازعتها كل من بريطانيا وفرنسا، ثم ادعى الإيطاليون ملكيتهم لها في الثلاثينيات، بعد احتلال إيطاليا للحبشة، ثم أداروها بصفتها جزءاً من ميناء عصب.
2. أن الأمم المتحدة، أدارت الجزر، بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، في الفترة من 1947م ـ 1958م، عندما صدر قرار الأمم المتحدة، ذو الرقم 390/أ/5، بالاتحاد الفيدرالي بين إريتريا وإثيوبيا، ومنذ ذلك التاريخ، ظلت الجزر مجالاً للنزاع بين اليمن وإثيوبيا، وأن الموضوع أثير في الأعوام 1965م، 1973م، 1982م.
3. أبدت إريتريا استعدادها للانسحاب، من جزيرة حنيش الكبرى، مقابل إنهاء الوجود العسكري، والمدني لليمن، في "أرخبيل حنيش"، وليس في جزيرة حنيش الكبرى فقط.
4. تشكيل لجنة محايدة، لمراقبة الأوضاع في الجزر، وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
5. اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، لحسم النزاع على الجزر، وليس لتحديد الحدود البحرية.(1)

رابعا: الصراع الصومالي الأثيوبى (مشكلة الأوجادين):

عند إعلان استقلال الصومال في يوليه 1962م، وضعت الدولة دستورها، واختارت علمها باللون الأزرق، تتوسطه نجمة بيضاء خماسية الأطراف، يشير كل طرف فيها إلى أحد الأقاليم الصومالية الخمسة، وهي (الصومال الإيطالي، والصومال البريطاني ـ اللذان تم توحيدهما عند إعلان الدولة ـ والصومال الفرنسي "دولة جيبوتي حالياً"، والصومال الكيني، وإقليم الصومال الغربي، "الأوجادين"، تحت السيطرة الإثيوبية حالياً).
وقد نص دستور الدولة، في المادة السادسة منه، على ضرورة تحقيق وحدة الأراضي الصومالية. وفي إطار هذا الدستور، بدأت الصومال العمل، على استعادة الأقاليم الصومالية الثلاثة، التي لم تتوحد معها. وعدّت الصومال أن خط الحدود بينها وبين إثيوبيا، هو خط إداري، خططه الاستعمار عام 1950م، وبنت حجتها في ذلك، على أن هذا الخط، قسّم القبائل الصومالية في هذه المنطقة، إلى قسمين، قسم يعيش في الصومال، والآخر في إثيوبيا.
وحينما أُنشئت منظمة الوحدة الأفريقية، اتخذت قرارات في مؤتمر القمة التأسيسي، المنعقد في أديس أبابا في أول مايو 1963م، بعدم الموافقة على وحدة الأراضي الصومالية، ثم جاء قرار القمة الأولى بالقاهرة في يناير 1964م، بعدم المساس بالحدود القائمة عند إعلان إنشاء المنظمة. لأجل ذلك لجأ الصومال إلى الحل العسكري لمشكلة الأوجادين.
1. الجولة الصومالية الإثيوبية الأولى (يناير 1964م):
ساءت الأوضاع على الحدود بين الدولتين،مما أدى إلى اندلاع القتال بينهما في يناير 1964م، وهو ما أطلق عليه "الجولة الصومالية الإثيوبية الأولى". ولم يتحدد من الذي بدأ العدوان، حيث تبادلت الدولتان الاتهامات، وتطور القتال بينهما ليشمل مواجهة على طول 900 كم. وتمكن
الصومال من احتلال أجزاء من إقليم الأوجادين. وأعلنت جبهة تحرير الصومال الغربي SWLF قيام حكومة مستقلة في الأوجادين. واستمر القتال حوالي الشهرين، وأوقف بتدخل منظمة الوحدة الأفريقية، وإصدارها قراراً بوقف النيران، في مؤتمر وزراء الخارجية الأفارقة، في دار السلام، في الفترة من 12 إلى 15 فبراير 1964م . ثم أعقب ذلك اتفاقية الخرطوم، التي وقعت في مارس 1964م، ونصت على "انسحاب القوات إلى مسافة 10 ـ 15 كم، داخل حدود الدولة".
وشُكلت لجنة إثيوبية صومالية مشتركة، تجتمع كل ثلاثة أشهر، للعمل على حل مشكلة الحدود بين الدولتين، ولكن اللجنة لم تحقق أهدافها، نظراً لفرض حالة استرخاء عسكري على المنطقة، دامت خمس سنوات، أي حتى عام 1969م .
2. المتغيرات في المنطقة:
تواكبت هذه المرحلة، مع هدوء الحرب الباردة، بين الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، فلم يتدخلا في الحرب. وصدر بيان أمريكي في مارس 1964م، حث طرفي النزاع على ضبط النفس، وتسوية النزاع بالطرق السلمية، في إطار منظمة الوحدة الأفريقية.
وعلى الجانب الإثيوبي، تواصل القتال في إريتريا، وتدهورت الأوضاع، داخل الإمبراطورية، مع ضعف سلطة الإمبراطور، ووجود الجفاف، الذي أثّر على النواحي الاقتصادية، وسيطرت الأمهرة على مقاليد الأمور في الدولة. وهذا مهد الطريق إلى قيام انقلاب عسكري، في عام 1974م .
أعلنت بريطانيا عام 1956م، عن نيتها في الانسحاب العسكري، من شرق السويس، بهدف تخفيض حجم إنفاقها العسكري، لذا سارعت الولايات المتحدة، لحماية مصالحها، في البترول في منطقة الخليج، وزادت فرنسا من وجودها العسكري، في جيبوتي، مع استمرار دعم السوفيت لوجودهم العسكري في الصومال.
3. انقلاب عام 1969م:
وقع انقلاب عسكري في الصومال، وتولي الرئيس سياد بري السلطة في 3 نوفمبر 1969م، وشكلت اللجنة المركزية للحزب الديموقراطي الصومالي، "وهو الحزب الوحيد في الصومال"، وعين فيها نسبة كبيرة من ضباط القوات المسلحة، الذين تلقوا تدريبهم في الاتحاد السوفيتي. وقد أعلن النظام الجديد، خطاً سياسياً جديداً ركز على:
أ. إلغاء الأحزاب السياسية.
ب. إعلان الاشتراكية العلمية.
ج. إيقاف العمل بالدستور الأول.
د. وضع سياسة اقتصادية جديدة، تعتمد على أسُس اشتراكية.
هـ. إعطاء الأولوية للدفاع والشؤون الخارجية، مع السياسة العامة للدولة.
وقّع الصّومال مع الاتحاد السوفيتي، على معاهدة الصداقة والتعاون بين البلدين، في يوليه 1974م، التي حصل بمقتضاها الاتحاد السوفيتي على تسهيلات وامتيازات بحرية، في كل الموانئ الصومالية.
4. محاولات الصومال الحل السِّلمي لمشكلة الأوجادين:
بوقوع انقلاب عام 1974م في إثيوبيا، وإعلان عدائه للولايات المتحدة، حاول الصومال حل مشكلة الأوجادين سلمياً، حيث وجه الرئيس سياد بري خطاباً جاء فيه:
أن ما يجري في إثيوبيا، هو من شؤونها الداخلية، ولن يسمح بصفته أفريقياً وصومالياً، أن يتدخل

بين البلدين. كما قام بإرسال مبعوث سري آخر للمهمة نفسها، ولكن إثيوبيا، أذاعت عن هذه المهمة السرية.
في فبراير 1976م، عقد الرئيس سياد بري في مقديشيو، اجتماعاً للمجلس الأعلى الصومالي للثورة، ومجلس الوزراء، لبحث موضوع العلاقات الصومالية الإثيوبية، وفوض الاجتماع الرئيس سياد بري، للتباحث مع المسؤولين الإثيوبيين، ومُنح سلطة التوقيع، على قيام اتحاد فيدرالي بين الدولتين.
طرح الرئيس سياد بري الموضوع، على المسؤولين الإثيوبيين أثناء انعقاد مؤتمر القمة الأفريقي الطارئ، الذي عقد في أديس أبابا، في أوائل فبراير 1976م . ووعد الوفد الإثيوبي بالرد، خلال خمسة عشر يوماً. إلاّ أن إثيوبيا شنت حملة دعائية، ضد الصومال، في النصف الثاني من الشهر نفسه.
طلب الصومال، وساطة الرئيس "جوليوس نيريري"، والرئيس الأوغندي، "عيدي أمين" لإقناع إثيوبيا، بالدخول في اتحاد فيدرالي مع الصومال. وكذلك طلب من الرئيس "جوزيف بروز تيتو"، رئيس يوغوسلافيا، إقناع إثيوبيا بالقبول لما فيه مصلحة الدولتين.
في فبراير عام 1977م، أعلن الرئيس الإثيوبي، "منجستو هايلا ماريام" عزم الثورة، على المحافظة على وحدة البلاد، بوصفها أحد مبادئ النظام الجديد، وبأن الاشتراكية كفيلة بحل التناقضات، واستئصال جميع التعقيدات.
5. الجولة الإثيوبية الصومالية الثانية (1975 م ـ 1978م):
بلغت العلاقات الإثيوبية الصومالية أعلى درجة من التوتر، في عام 1975م، مما أدى إلى قيام الجولة العسكرية الثانية،وهي ثلاث مراحل.(1)
أ. المرحلة الأولى: من عام 1975م إلى مايو 1977م
في هذه المرحلة وقعت الأحداث الرئيسية الآتية:
(1) تشكيل جبهة تحرير الصومال الغربي S.W.L.F، في إقليم الأوجادين، التي وضعت لنفسها هدفاً إستراتيجياً، وهو "منح سكان الإقليم، حق تقرير المصير".
(2) عدم استقرار الموقف، داخل إثيوبيا حيث:
(أ). نجحت جبهات التحرير الإريترية، في تحرير حوالي 80% من إريتريا، خاصة الريف والطرق الرئيسية.
(ب). تكبدت القوات المسلحة الإثيوبية خسائر كبيرة في المعدات والأرواح، وهرب معظم أفراد كتيبة المظلات الإثيوبية، في أواخر عام 1976م .
(ج). نشطت جبهة تحرير تيجري T.L.F، وطالبت باستقلال الإقليم، وتوحيد نشاطها، بالتنسيق مع الجبهات الإريترية، خاصة مع الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا E.P.L.F.
(د). نشطت جبهة تحرير الأورومو O.L.F، في الجنوب، مما أدى إلى دفع القوات المسلحة الإثيوبية جنوباً.
(هـ). نشط الاتحاد الديموقراطي الإثيوبي E.D.U، بقيادة "رأس منجشا سيوم"، في إقليم جوندر على الحدود السودانية ـ الإثيوبية، وهذا أدى ـ أيضاً ـ إلى دفع قوات مسلحة إثيوبية غرباً.
(و). نشطت الأحزاب السرية، في الداخل، خاصة في العاصمة "أديس أبابا"، مثل الحزب الشعبي الثوري الإثيوبي E.P.R.P..

ب. المرحلة الثانية: من يونيه 1977م إلى 15 يناير 1978م
اتسمت هذه المرحلة، بالأحداث الرئيسية الآتية:
(1) في يونيه 1977م، طَرْد إثيوبيا للبعثة العسكرية الأمريكية M.A.G. k، التي كانت تدرب القوات المسلحة الإثيوبية.
(2) استنزاف القوات المسلحة الإثيوبية، في قتالها في إقليم إريتريا، وفي مقاومة حركات المقاومة السرية الإثيوبية.
(3) وجود صراع داخل المجلس العسكري الحاكم، في إثيوبيا.
(4) سيطرة جبهة تحرير الصّومال الغربي، على نسبة كبيرة من أراضي إقليم الصومال الغربي، "الأوجادين".
(5) تسليح الاتحاد السوفيتي القوات المسلحة الصومالية، وتدريبها، وإعادة تنظيمها.
(6) فشل الاتحاد السوفيتي، في الإصلاح بين إثيوبيا والصومال، وفي حل المشكلة سلمياً.
(7) حدوث تقارب إثيوبي ـ سوفيتي، ووصول خبراء عسكريين كوبيين.
(8) شنّ الصّومال هجوماً مشتركاً، مع جبهة تحرير الصومال الغربي، في الثاني عشر من يوليه 1977م، من دون علم الاتحاد السوفيتي، ونجاحه في تحرير حوالي 90%، من الإقليم. ووصول القوات الصومالية إلى مشارف مدينة هرر، في أوائل أغسطس 1977م . وتوقف القوات لنفاذ الذخائر، وطول خطوط الإمداد.
(9) سوء العلاقات السوفيتية ـ الصومالية، نتيجة لشن هذا الهجوم.
(10) تحول الاتحاد السوفيتي تجاه إثيوبيا، وإيقاف إمداد الصومال، بقطع الغيار والذخائر؛ وطرْد الصومال الخبراء السوفيت، وإنهاء معاهدة الصداقة والتعاون السابق توقيعها، مع الاتحاد السوفيتي.
(11) إمداد الاتحاد السوفيتي إثيوبيا بصفقة سلاح حديثة، شملت الدبابات، والمدفعية، وتدريب القوات الإثيوبية عليها. (1)
ج. المرحلة الثالثة: من 15 يناير 1978م إلى أبريل 1978م
اتسمت هذه المرحلة بالسمات الآتية:
(1) عُقد مؤتمر في الأسبوع الأخير من يناير 1978م، ضم:
(أ) الجنرال كوليا كوف، المسؤول عن العمليات السوفيتية في أفريقيا، ومعه خمسة من كبار الجنرالات في الجيش السوفيتي.
(ب). راؤول كاسترو، وزير الدفاع الكوبي، ونائبه، على رأس وفد عسكري كوبي من 10 ضباط.
(ج). مجموعة من كبار ضباط ألمانيا الشرقية.
(د). رئيس أركان القوات المسلحة، في اليمن الجنوبي.
خطط المؤتمر للهجوم على الصومال، بهدف استعادة إقليم الأوجادين، ووُضعت الخطة على أساس القيام بهجوم شامل، على القوات الصومالية، على محاور متوازية، بدلاً من الفكرة التي طُرحت، لمهاجمة الصومال من الجنوب، والاستيلاء على ميناء كيسمايو، ثم الاتجاه شمالاً للاستيلاء على مقديشيو.
(2) أمد الاتحاد السوفيتي إثيوبيا، ببطارية مدفعية وكتيبتي دبابات، من الوحدات الكوبية في
أنجولا، ومجموعة من الطيارين، وأطقم الهاوتزر، والهاون الكوبيين، وبلغ حجم الوجود الكوبي والكتلة الشرقية في إثيوبيا، حوالي 8000 ـ 9000 فرد، من قوات نظامية وخبراء عسكريين.
(3) أمدت ليبيا إثيوبيا، بعدد (غير معروف)، من الدبابات الإيطالية الصنع، وشكلت أطقم هذه الدبابات من الجنود السوفيت، واستخدمت في الهجوم على "جيججيجا".
(4) أمد اليمن الجنوبي إثيوبيا، بوحدات مدفعية ومدرعة.
(5) توقف كل من الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة الأمريكية، عن إمداد الصومال بالأسلحة.
(6) في فبراير 1978م شنت إثيوبيا، تعاونها عناصر الدعم، هجوماً مضاداً في الأوجادين. وبلغ حجم القوات "3 فرق مشاة، و4 فرق متطوعين، ولٍواءًا مدرعاً، ولواء مشاة ميكانيكي، وثلاثة ألوية مختلطة كوبية ـ إثيوبية". ونجحت القوات الإثيوبية، في اختراق الدفاعات الصومالية، وأصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة الصومالية، أوامرها لقواتها بالانسحاب. وتوقفت القوات الإثيوبية المشتركة، عند خط الحدود الحالي بين الدولتين. وبانتهاء الجولة الصومالية ـ الإثيوبية الثانية، رصدت الشواهد الآتية:
(أ). تحول الاتحاد السوفيتي من مواقعه في الصومال، إلى مواقع أكثر أهمية في إثيوبيا على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
(ب). تَقَلُّصُ النفوذ الأمريكي في المنطقة.
(ج). ظُهور الوجود الكوبي في شرق أفريقيا.
(د). توطد العلاقات الإثيوبية مع اليمن الجنوبي.
(هـ). تقلص الدور الأوروبي تماماً في المنطقة، باستثناء الوجود الفرنسي في جيبوتي.
(و). توتر العلاقات الإثيوبية مع مصر، نتيجة لتأييدها للصومال وإمداده بالأسلحة.
(ز). ازدياد سوء الموقف الاقتصادي في الصومال، وظهور بوادر تمرد على نظام الرئيس سياد بري، ووقوع محاولة انقلاب عسكري فاشلة، في أواخر عام 1978م، بقيادة قائد القوات الجوية الصومالية.
6. احتواء عناصر المعارضة
تسبب فشل الجهود السلمية لحل مشكلة الأوجادين، في بدء مرحلة جديدة من الصراع بين
الدولتين، أُطلق عليها "مرحلة احتواء العناصر المعادية". فقد احتوت إثيوبيا، الجبهة الديموقراطية لإنقاذ الصومال S.S.D.F، وهي الجبهة التي شُكلت تحت رئاسة الجنرال "عبدالله يوسف"، من قبيلة الميجرتين. ودعمت إثيوبيا الجبهة بالسلاح والتدريب. واعتدت الجبهة في أواخر عام 1979م، على القرى الحدودية الصومالية، ولكنها فشلت وارتدت إلى مسافة 40 كم، داخل الحدود الإثيوبية. وفي شهر يوليه 1980م، شن لواء مشاة صومالي، بقيادة الجنرال "عمر حاج محمد"، رئيس أركان حرب الجيش الصومالي، هجوماً على منطقة تمركز الجبهة، داخل الحدود الإثيوبية، وأنزل بها خسائر جسيمة.
في عام 1981م، حدث تمرد في الإقليم الشمالي للصومال، نتيجة اعتقال بعض المثقفين، الرئيسيين من أبناء الإقليم، مثل، "إسماعيل أبو بكر" النائب الثالث لرئيس الجمهورية. أسفر ذلك عن مهاجمة الحكومة المركزية الإقليم براً وجواً، مما أدى إلى هروب عدد كبير من الإقليم إلى إثيوبيا، وتشكيلهم الحركة الوطنية الصومالية S.N.M. وسمحت إثيوبيا للجبهة بالعمل عبر أراضيها.
احتضن الصومال "الحزب الشعبي الثوري الإثيوبي E.P.R.P"، وهو حزب سري، وكذلك جبهة تحرير الأورومو، فضلاً عن تقديمه الدعم المادي والمعنوي، لجبهات التحرير الإريترية.
نتيجة لتدهور الموقف داخل الصومال، في كلا الإقليمين، الشمالي والجنوبي، ونتيجة لتعدد القبائل، واختلاف أهدافها ومصالحها، شكلت القبائل جبهات تحرير، أو فصائل، كما يُطلق أحياناً عليها، ونشبت حرب بين الفصائل والحكومة، أدت إلى انهيار نظام حكم الرئيس "محمد سياد بري".
وبسقوط الحكومة، نشبت الحرب الأهلية في الإقليم الجنوبي، للاستيلاء على السلطة. وأعلن الإقليم الشمالي استقلاله، تحت مسمى "جمهورية أرض الصومال".

خامسا: الصراع القبلي في جيبوتى:

نالت جيبوتي "ساحل الصومال الفرنسي" استقلالها، بعد الاتفاق مع فرنسا على منح الإقليم حق الاستقلال. عقب استفتاء في 8 يناير 1977م صوّت لصالح الاستقلال. جرت الانتخابات في مايو 1977م، وعقد المجلس أولى جلساته في 12 مايو 1977م، وأُعلن استقلال الدولة في يونيه 1977م.
وبدأ الصراع القبلي منذ بداية الاستقلال، وظهرت نتائج ذلك في نتيجة الانتخابات. فقد شُكل البرلمان من 65 عضواً: "33 عضواً من قبائل العيسى، و30عضواً من قبائل العفر، وعضوين للعرب".
وفاز "حسن جوليد إبتادون"، من قبائل العيسى، ورئيس حزب الرابطة الشعبية للاستقلال. وساندت قبائل العفر "حسن جوليد"، لتولي رئاسة الجمهورية عند إعلان استقلالها. وأوجد "حسن جوليد" نوعاً من الموازنة في الحكم، بين قبائل العيسى والعفر، من خلال إشراكهم في نظام الحكم بنسب متوازنة، وإن كان العيسى قد احتلوا المناصب الحيوية.
ألغى الرئيس جوليد الأحزاب في 1982م، واتبع نظام الحزب الواحد الحاكم، وهو "حزب التجمع الشعبي من أجل التقدم"، الذي يرأسه الرئيس، بعد تغيير اسمه السابق. وشُكلت لجنة لوضع الدستور في12 يناير 1992م، وجرى الاستفتاء عليه في 4 سبتمبر 1992م. (1)ونص الدستور على أن يكون عدد الأحزاب أربعة أحزاب فقط. وبلغت نسبة الموافقة على الدستور 96.63%، وهذا مكّن الرئيس جوليد من إلغاء أربعة أحزاب، من الثمانية التي كانت قائمة.
أُجريت انتخابات برلمانية في 18 ديسمبر 1992م، فاز فيها حزب الاتحاد الشعبي الحاكم بالأغلبية المطلقة، بنسبة 74.5% من مقاعد البرلمان، وعددها 65 مقعداً. وعُقِدَتْ أول جلسة للجمعية الوطنية في 2 مارس 1993م، وأُعيد انتخاب الرئيس حسن جوليد، لفترة رئاسة جديدة مدتها 6 سنوات في مايو 1993م، ولم تشارك المعارضة العفرية فيها.
نجح الرئيس جوليد في تصفية مواقع المعارضة العفرية في الشّمال، ووقعت معاهدة إقرار سلام بين الحكومة، وجبهة F.R.U.D. (حركة استعادة الحرية والديموقراطية) المعارضة العفرية، في 26 ديسمبر 1994م.
وقد ظلت الأوضاع الداخلية تتعرض إلى عدم استقرار، بسبب العوامل الآتية:
1. النزاعات القبلية، خاصة مع العفر، الذين يتلقون الدعم من عفر إريتريا وإثيوبيا.
2. تصاعد الأزمة الاقتصادية.
3. تنامي التيارات الدينية الأصولية.
4. زيادة أعداد اللاجئين من دول الجوار "الصومال، إرتريا، إثيوبيا،"، مما يُلقي الكثير من الأعباء الأمنية والاقتصادية، على النظام الحاكم.
أسباب الاضطرابات الداخلية وانعكاساتها:
شهدت جيبوتي اعتباراً من منتصف عام 1994م، اضطرابات داخلية، يمكن سردها في النقاط الآتية:
أ. إلقاء مجموعة من أفراد المعارضة المسلحة، قنبلة في الإستاد، أثناء مباراة لكرة القدم، وذلك في منتصف أبريل 1994.
ب. إسقاط قوات جبهة إعادة الوحدة الديموقراطية، طائرة عمودية حكومية، في 18 مارس 1995م، مما أدى إلى دفع الحكومة بقوات مسلحة إلى المناطق الشّمالية، للسيطرة على نشاطات المعارضة فيها.
ج. إلقاء مجموعة من عناصر المعارضة الجيبوتية، قنبلة على مطعم في الحي السّابع، وهو حي شعبي في العاصمة جيبوتي، في أغسطس 1995م، أسفر عن إصابة أربعة أشخاص.
د. في أغسطس 1995م وقعت اشتباكات على حدود جيبوتي والصومال، بين قوات حرس الحدود الجيبوتية، ضد عناصر مسلحة من قبائل العيسى، في منطقة "باديسلي" على مسافة 5 كم داخل الأراضي الصومالية، مما أدى إلى تحرك القوات المسلحة في جيبوتي إلى المنطقة، للسيطرة عليها، وتأمين الطرق لمنع أي تسلل من الصومال، إلى داخل جيبوتي.
هـ. شهد شهر أغسطس 1995م مواجهات مسلحة، بين قوات الحكومة وبين جبهة "F.R.U.D"، في مناطق "رندة، وخور أنجر، وعاعيلا، وأنوولى" في شمال جيبوتي، نتج عنها تدمير ثلاث عربات، وإسقاط طائرة عمودية، مما أدى إلى حملة تفتيش شنتها الحكومة، واعتقال عدد من المعارضين.(1)
أولا: الأَسباب التي أَدت إلى الاضطرابات:
ترجع أعمال العنف، التي شهدتها جيبوتي، والصراع المسلح بين الحكومة والمعارضة، إلى مطالبة المعارضة بالآتي:
أ. حل جميع الميليشيات القبلية المسلّحة، التي شكّلتها الحكومة.
ب. مراجعة الدستور والقوانين، التي قد تساعد على الدكتاتورية.
ج. الموافقة على إنشاء أحزاب جديدة، وعدم قصرها على أربعة أحزاب فقط.
د. إقرار اللامركزية، وعدم السّيطرة الدكتاتورية.
هـ. مراجعة القوائم الانتخابية والمدنية وتعديلها.
و. تشكيل حكومة انتقالية شرعية، تمارس كل الصّلاحيات.
ثانيا: الانعكاسات:
أدت الاضطرابات إلى الآتي:
أ. انعكست الاضطرابات والصراعات الداخلية، بين الحكومة والمعارضة، على الأَوضاع الاجتماعية، والاقتصادية للبلاد.
ب. أدت الصراعات إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، وبلغ عجز الموازنة العامة للدولة حوالي 120 مليون دولار، مما دفع الحكومة، إلى رفع، الأسعار وترشيد الإنفاق.
ج. الصِّراع على تولي الرئاسة.

سادسا: الصراع في السودان:

شهد السودان تاريخا طويلا من القلاقل والأزمات منذ استقلاله عن بريطانيا عام 1956، أبرزها داخلياً حركة التمرد الجنوبية المعروفة باسم "الحركة الشعبية لتحرير السودان" والتي تزعمها القيادي الجنوبي الراحل (جون قرنق) وانتهت إلى توقيع اتفاقية للسلام بين الحكومة السودانية وقيادة هذا التمرد لإنهاء 21 سنة من الحرب، تم على إثرها تقسيم السلطة والثروة في البلاد عبر فترة انتقالية تمتد إلى 6 سنوات وتختتم باستفتاء على الانفصال من عدمه، ويتوقع المراقبون على نطاق واسع أن هذا الاستفتاء سيقود البلاد حتماً إلى التقسيم بينما لا يرى الشعب السوداني أن ذلك ممكنا..
ولم تكد البلاد تلتقط أنفاسها مع هذه الاتفاقية، حتى بدت على السطح أزمة إقليم دارفور في غرب البلاد، ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومة السودانية تتفاوض مع متمردي الجنوب في (نيفاشا) و(مشاكوس) بكينيا من أجل السلام، كانت طبول الحرب تدوي في مناطق أخرى من البلاد، حيث ظهرت مجموعات متمردة جديدة ترفض الإذعان للسلطة المركزية، وتطالب بجزء من كعكتي السلطة والثروة التي وافقت الحكومة من قبل على مبدأ تقسيمها مع من حمل عليها السلاح. وبدأت الجماعات المتمردة في دارفور أبرزها (حركة تحرير السودان) و(حركة العدل والمساواة)، حمل السلاح منذ فبراير 2003م، ثم تصاعدت الأزمة في الإقليم وقفزت من المناخ الأفريقي إلى ساحات مجلس الأمن الدولي.
وقد ساهم الزخم الإعلامي الذي صاحب أزمة دارفور في تخطي المشكلة حدود البلاد لتتخذ شكلاً دولياً. وعلت أصوات تطالب بإرسال قوات دولية إلى الإقليم، الأمر الذي استهجنته الحكومة ورفضته وحذرت من أن أي محاولة للتدخل العسكري الأجنبي في دارفور ستكون (عواقبها) مماثلة لما حدث في العراق.
وبينما تتعاطى الحكومة قضية دارفور تفجر الصراع في شرق السودان ، وتتشابه قضية شرق السودان مع غيرها من بقية قضايا الأقاليم السودانية الأخرى حيث يشتكي سكان الأقاليم الشرقية من عدم عدالة توزيع الثروة وإقصاء أهله بعيدا عن المشاركة في السلطة التي تقتصر عناصرها على السكان الشماليين بحسب اعتقادهم .
وكانت هذه المطالب المشتركة بين المتمردين هي ما دفع متمردو الشرق إلى أن يعقدوا تحالف مع متمردي الجنوب السابقين ومع متمردي دارفور حيث وحدوا شكوتهم من أن الخرطوم تستغل ثروة مناطقهم الطبيعية دون أن تهتم بتطوير مناطقهم في إطار تشكيل قوة ضغط تدفع الخرطوم إلى الاستجابة لمطالبهم وتلفت نظر المجتمع الدولي الناقم في الأساس على الحكومة والنظام السوداني .
غير أن متمردي الشرق وجدوا أنفسهم في وضع تفاوضي أكثر ضعفا بعد أن وقعت بعض جماعات تمرد أخرى من " الجنوبيين وبعض فصائل دارفور " اتفاقات للانضمام إلى الحكومة المركزية وهو ما أضعف من تحالف التمرد وفرض على كل طرف الدخول في لعبة التفاوض السياسي بمفرده مع الحكومة .. في حين زاد ضعف شوكة متمردي الشرق مع فقدانهم للسيطرة على منطقة تقع على الحدود مع اريتريا تحولت السيطرة فيها إلى القوات الحكومية بناء على الاتفاق بين الشمال والجنوب الموقع في 2005.
ان قضية الشرق لا تقل أهمية وخطورة عن الملفين الجنوبي والغربي إن لم تكن أكثر منهما خطورة خاصة وأن في الشرق يقع أكبر ميناء سوداني يتم من خلاله تصدير النفط الذي هو مطمع وهدف الدول الكبرى التي تضع السودان على أجندتها السياسية في الوقت الحاضر فضلا على أن في الشرق تقع خزانات المياه الرئيسية مثل خزان خشم القربة ومشروعات غذائية مهمة مثل مشروعات الغذاء في ولاية القضارف الشرقية .
وإلى جانب تنامي حركات التمرد جنوب البلاد وغربها وشرقها أيضاً تتحدث التقارير الآن عن احتمال قيام حركات معارضة في شمال السودان بحمل السلاح كما فعلت سابقاتها. وذلك على الرغم من أن التجارب السابقة أوضحت أن الشماليين لم يحملوا السلاح من مناطقهم، وحتى أهل الشمال الذين حملوا السلاح فعلوا ذلك بعيداً عن مناطقهم. ولعل هذا ما يشير إلى البعد الجغرافي الذي يحكم خيارات المعارضة في مختلف أنحاء السودان وفي تعاملها مع المركز في الخرطوم. وأمام ذلك يرى المحللون أن العامل الجغرافي لعب الدور الأساس في تاريخ الصراعات بالسودان، خاصة عندما تحولت المعارضة في الأطراف إلى حركات مسلحة تتبع الأنموذج الذي قدمه الجنوب منذ الخمسينيات.
ولم يكن الجوار السوداني بعيداً عن الصراعات التي تنهشه، فقد ساعدت مساحة السودان الشاسعة بالإضافة إلى جواره لتسع دول عربية وأفريقية على سهولة تحرك حركات المعارضة المسلحة، كما أن تقلب العلاقات الدبلوماسية بين الخرطوم وبعض دول الجوار، ساعد حركات المعارضة المسلحة على إيجاد أرضية واسعة وآمنة تنطلق منها، ومن أبرز دول الجوار التي ساهمت في دعم كل الجماعات المتمردة السودانية هى (إريتريا، وإثيوبيا، وتشاد، وأوغندا، والكونغو، وكينيا).
وأمام هذه الأزمات التي لا تنتهي يرى المراقبون أن السودان يواجه تحديات خطيرة تهدد بقاءه واستقراره واستمراره الحضاري أبرزها: تدويل قضاياه الداخلية، وتمزيق وحدته الجغرافية. وهو ما يتضح جلياً من خلال التأمل في الاهتمام الكبير الذي توليه قوى غربية (فرنسا، أمريكا، بريطانيا، استراليا، النرويج) لتطورات الأوضاع في السودان، مقابل اهتمام ضعيف من قبل العالم العربي والإسلامي بالمحن التي يمر بها السودان.
وقد ساهم ذلك بشكل كبير في إضعاف مركز الحكم في الخرطوم، مما أعجزه عن بسط يد السيطرة على الأطراف المتمردة، كما ساهم هذا الحال من جهة أخرى في محاولات التواصل التي لا تنقطع بين أطراف وحركات التمرد في الجنوب والغرب وربما الشرق والشمال أيضاً.
وفي هذا الإطار يشير المراقبون إلى العلاقة القائمة بين متمردي الجنوب ومتمردي دارفور، بدعوى الوساطة بينهم وبين الخرطوم لوقف القتال، على الرغم من ثبوت وجود علاقة سابقة بين متمردي الجنوب والغرب حتى في البيان التأسيسي لكلتا الحركتين؛ الأمر الذي يُعتبر بدوره تطوراً خطيراً باتجاه تكتيل حركات التمرد ضد المركز في الخرطوم وإضعافه أكثر.. فقد سبق لمتمردي الجنوب أن سعوا لإثارة القلاقل في الغرب بهدف توسيع التمرد جهة الغرب للضغط على المركز (الخرطوم).
التدخل الخارجى:
لم تكن جميع هذه المشكلات بعيداً عن عبث الأيدي الخارجية، فهناك توجها غربيا واضحا للتدخل في شئون السودان، كما يشير المراقبون، تحت ضغط جماعات حقوق الإنسان ومنظمات الإغاثة التبشيرية الأوربية، ، كما أن العديد من البلدان الأوربية مثل هولندا وألمانيا والنرويج صارت تعتبر السودان قضية داخلية في مناقشات برلماناتها؛ لأن الكنائس والمنظمات التي تعنى بالإغاثة هناك تؤثر على الرأي العام الداخلي.
إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، وبدا أن هناك حملة منظمة للتدخل في السودان، غذاها الصمت العربي والإسلامي، ووقوف السودان وحده تحت مقصلة التهديدات والضغوط الغربية.. فالأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان كان قد قال بدوره في 8 إبريل 2004: إن الأمر "قد يحتاج إلى تدخل عسكري خارجي لوقف القتال في غرب السودان". وهو ما كرره رئيس اللجنة العسكرية في الاتحاد الأوربي الجنرال الفنلندي جوستاف هاجلان حيق قال: إن قوة عسكرية أوربية قد تتدخل في إقليم دارفور، وأكد أن السودان مدرج في قائمة الأمم المتحدة (لهذا الشأن).
وفي ذلك اعتبر المحللون أن هناك شبه إجماع غربي، يُستشف من سلوك الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي والتقارير التي تصدر عن هيئات البحث الأمريكية والأوربية، تلمح إلى أن إجماعا منعقدا على المطالبة بتدخل دولي في صورة منظمات إغاثية أوربية، والعمل على تقليص حجم الوجود الرسمي السوداني، وإرسال قوات تدخل دولية، والتفاوض مع المتمردين في أنحاء السودان لحل القضية وتلبية مطالبهم التي هي في الأصل تصب في جعبة النوايا الغربية.
والظاهر للعيان أن لغة المصالح الخارجية والإرث التاريخي الاستعماري والصليبي للغرب هو الأمر الحاكم في أزمات السودان، لتتحول هذه الأزمات بالتدريج إلى مسمار جحا للتدخل في شئون البلاد عسكريا وأمنياً وسياسياً، وتقسيمه على المدى البعيد؛ بحيث قد ينفصل الجنوب عمليا بأكثر من ربع مساحة السودان الحالية تقريبا في أعقاب انتهاء المرحلة الانتقالية بعد ستة أعوام، ويعقبه غرب السودان (دارفور) بدعوى وجود تطهير عرقي هناك يستلزم تدخلا دوليا، وربما يتبعه شرق السودان، حيث المطامع الإريترية والإثيوبية والتي تزفها أهداف إسرائيلية أوسع.(1)
الأسباب الرئيسية للصراع في السودان:
ورغم تداول السلطة في السودان منذ الاستقلال بين المدنيين والعسكريين فإن أي حكومة مدنية أو عسكرية لم تنجح في إنهاء تلك المشاكل من جذورها، ومن ثم فإنها كانت تظهر إلى السطح من وقت لآخر. ويرجع هذا الأمر إلى عدد من العوامل كالتالي:
- أن مساحة السودان كبيرة جداً تصل إلى مليون ميل مربع، وهو يعادل في مساحته ثماني دول أوروبية هي: السويد والنرويج، والدا نمارك وبريطانيا، وإيطاليا وأسبانيا، وفرنسا والبرتغال - الدول الأوروبية كلها 13 دولة -، وبديهي أن أي حكومة سودانية لا تستطيع السيطرة بكفاءة على تلك المساحة الهائلة.
- السودان من المنظور الغربي هو مفتاح إفريقيا، وهو جسر التواصل بين الشمال العربي وإفريقيا، وهو بوابة الإسلام إلى إفريقيا، ومن ثم فإن السيطرة عليه أو تفكيكه غربياً هو هدف صليبي ثابت.
- أن هناك مصالح دولية أمريكية وفرنسية بل وإسرائيلية في إفريقيا، وبديهي أن السودان يتمتع بموقع مهم سياسياً وجغرافياً واقتصادياً وثقافياً في هذه المصالح والصراعات.
- وعلى المستوى الإقليمي فإن هناك مشاكل مزمنة مع دول الجوار، وهناك صراعات إقليمية يلعب السودان ويشكل جزءاً هاماً منها، والسودان يشترك في حدوده الجنوبية مع أوغندا وزائير وكينيا، ومن الشرق مع إثيوبيا وإريتريا، ومن الغرب مع تشاد وإفريقيا الوسطي، ومن الشمال مع مصر وليبيا، وبديهي أن تضارب المصالح وتداخل القبائل في تلك المناطق يخلق صراعات واحتكاكات مستمرة.
- أن السودان يمتلك قدرة إنتاجية زراعية هائلة تستطيع لو تم استثمارها أن تحدث اكتفاءاً ذاتياً عربياً وإسلامياً من المواد الغذائية وغير الغذائية، أي تحقق استقلالاً عربياً وإسلامياً يقلص
بالضرورة من النفوذ الغربي ، ومن ثم فإن تفكيك السودان أو إرهاقه بالمشاكل هدف غربي استعماري ثابت.
- أن السودان به تنوع عرقي وثقافي كبير يفتح الباب للمشاكل، والتدخل الدولي والإقليمي!!.
- أن السودان هو الخصر الجنوبي لمصر، وهو المجال الحيوي لها، وهو مصدر المياه، ومن ثم فإن السيطرة على السودان هو نوع من حصار مصر أمنياً واقتصادياً، وهذا هدف إسرائيلي معروف وثابت.
- أن الكثير من المناطق السودانية بعيداً عن العاصمة والمناطق النيلية العمرانية تعاني من إهمال وتخلف، ومن ثم فهي تسعى إلى الحصول على نصيبها في الثروة والسلطة، ولكن الحقيقة أن حكومات السودان المتعاقبة منذ الاستقلال ربما تكون قد أهملت هذه الجوانب، ولكن ما يدور بالسودان وحوله أكبر من طاقة أي حكومة سودانية.
مستقبل المصالحة:
لقد كان اتفاق السلام الذي توصلت إليه الحكومة السودانية مع جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان وحصول الحركة على نصيب كبير من الثروة والسلطة ووصول الحركة إلى منصب نائب أول رئيس الجمهورية برغم الحرب الطاحنة التي كانت بينهما فضلا عن تلك المعركة التي يديرها متمردو الغرب "دارفور" دافعا كبيرا إلى أن يتحرك الشاعرون بالتهميش من أبناء شرق السودان في اتجاه الضغط على الحكومة المركزية من أجل الحصول على حقوقهم ولفت أنظار العالم إلى مشاكلهم وقضاياهم .
غير أن طارئ سياسي جديد استجد على الساحة السودانية ربما يغير من المعادلة السياسية في السودان وهو ذلك التقارب السياسي الحادث بين الحكومتين الإريترية والسودانية والذي سيكون من أهم نتائجه دفع أطراف التمرد سواء في الغرب أو الشرق والتي كانت تتلقى الدعم الإريتري إلى القبول بلعبة التفاوض السياسي مع الحكومة السودانية والرضا بما يمكن أن ينتزعه التفاوض بالرعاية الإريترية من الحكومة.
في المقابل تؤكد كل التحاليل بأن الحكومة السودانية ستكون حريصة هي الأخرى على إتمام عملية الاتفاق النهائي حتى يمكنها أن تتفرغ للتعاطي مع قضية دارفور التي اتخذت أبعادا دولية بعيدة المدى وتشهد تطورات ربما تتحول إلى مشاهد درامية وسط إصرار أمريكي على إرسال قوات دولية لدارفور ورفض من الحكومة .
ولعل السودان يكون قد أدرك وإن كان متأخرا بعض الشيء أن ورقة التهميش والمهمشين في شرق السودان وغربه وجنوبه باتت هي الحلقة الأضعف التي ستستخدمها الأنظمة المعادية والتي تستوجب ضرورة الدفع بإنهائها أو احتوائها على أقل تقدير حتى يمكن للسودان تنفيذ مشروعات التنمية التي تطمح لها خاصة وأن السودان يمتلك من الثروات ما يؤهله لفعل ذلك .
الوضع الراهن:
تقوم الحكومة السودانية بالتعاون مع جهات إقليمية ودولية بنشاط وحركة دبلوماسية واسعة بهدف الوصول إلى سلام ينهي تلك المشكلات المستعصية حول قسمة السلطة والثروة، وحركات التمرد المسلحة المتواصلة لسنين سواء في دارفور في غرب السودان أو في شرقه بل ولعقود في جنوبه.

يضاف إلى هذا انشغال الحكومة باتفاقية السلام الشامل، التي مازال العمل في وضع بروتوكولاتها وبنودها على الأرض جاريا مع مرور أكثر من عامين على توقيعها حيث تعمل على تنفيذ ما تضمنتها الاتفاقية من مفوضيات وتعديلات قانونية ـ وبعض المشكلات العالقة :كقضية منطقة "ابييي" والحدود وحل الميليشيات وغيرها من القضايا من خلال التفاهم عن كثب مع شريكتها في الحكم وهى "الحركة الشعبية لتحرير السودان" .
وبرغم كل هذا فلا زال هناك من يعتبر أن السلام الذي حملته الاتفاقيات الثلاثة بدا على الأرض منقوصا لاسيما في دارفور، إذ بعد مفاوضات مارثونية وبرعاية الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وأطراف دولية عديدة، تم في شهر أيار/مايو من العام الماضي توقيع اتفاق سلام دارفور في ابوجا من قبل فصيل واحد من الفصائل المتمردة في دارفور، هو فصيل حركة تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي، كما انضمت إلى الاتفاقية لاحقا عدد من القيادات الميدانية والفصائل الصغيرة الأخرى.
بيد ان الفصيلين الاخرين في مفاوضات ابوجا،وهما" حركة العدل والمساواة" وجناح عبد الواحد محمد نور من "حركة تحرير السودان"، رفضا التوقيع على الاتفاقية ، بل وشكلا مع قيادات دارفورية أخرى جبهة الخلاص الوطني، التي صعدت من نشاطها المسلح في دارفور ، ومن نشاطها الإعلامي ضد الاتفاقية. بل ووسعت من ساحة عملياتها لتشمل مناطق خارج دارفور كتلك الهجمات التي شنتها مؤخرا على مناطق" حمرة الشيخ" و "أبو جابرة".
وعلى الرغم من تشكيل العديد من اللجان لتنفيذ اتفاقية ابوجا على الأرض وتشكيل الإدارة الانتقالية في دارفور وتعيين مني اركو مناوي رئيسا لها وكبيرا لمساعدي رئيس الجمهورية، فان تصاعد عمليات العنف ونشاط الفصائل الرافضة، وبطء التنفيذ من حل مشاكل اللاجئين وعودتهم وتعويضاتهم وحل ميلشيات الجنجويد وما شابه، شكلت تحديات كبرى لاتفاقية سلام دارفور بل وأحرجت العلاقة بين شركائها أحيانا.
ويعبر عن ذلك مني اركو مناوي زعيم الفصيل الرئيسي الموقع الذي يشكو من البطء الحاصل في تنفيذ الاتفاقية، وتأخر حل ميليشيات الجنجويد، وتصاعد عمليات ونزوح أكثر من خمسة وأربعين ألف بعد توقيع الاتفاقية.
لقد ترك تصاعد عمليات العنف وتدهور الوضع الأمني أثره على واقع عمليات الإغاثة الإنسانية، التي عرقلت الكثير من جهودها بفعل تدهور الوضع الأمني.كما تصاعدت الضغوط الأممية للقيام بعملية حفظ سلام أكثر سعة وفاعلية في دارفور وتبلورت في القرار 1706 الذي أصدره مجلس الأمن الدولي أواخر شهر آب/أغسطس الماضي ، ودعا فيه إلى استقدام قوات أممية في دارفور يصل حجمها إلى أكثر من عشرين ألف جندي وشرطي أممي.ووجه هذا القرار الدولي برفض شديد وحملة تعبئة جماهيرية كبيرة من الحكومة السودانية التي وجدت في القرار مسا بسيادة السودان، ورأت فيه محاولة لإعادة استعماره.
بيد أن الصورة لم تكن كذلك مع شركاء حزب المؤتمر الوطني في حكومة الوحدة الوطنية ، كالحركة الشعبية التي أعلنت تأييدها لاستقدام قوات دولية، او أحزاب المعارضة السودانية التي دعت إلى وجود مشروط لهذه القوات. ولم تقتصر الخلافات مع الشريك الأساسي في حكومة الوحدة الوطنية على الموقف من القوات الدولية بل ظل عدد من القضايا المتعلقة من اتفاقية سلام "نيفاشا" مثار جدل وخلاف كقضية تحديد حدود الجنوب ونزع سلاح الميلشيات الجنوبية ، والتي

تسبب في كثير من الصدامات المسلحة ، سواء في حوادث فردية في العاصمة القومية أو تفلتات وأحداث شغب في الجنوب.
ولعل أوضاع في دارفور باتت تهدد بصراع إقليمي لاسيما بعد اندلاع نزاعات مسلحة في كل من تشاد وأفريقيا الوسطي، والاتهامات المتبادلة بين تشاد والسودان بالتدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما والتي وصلت إلى قطع العلاقات بينهما.ولم تفلح محاولات الوساطة المختلفة التي نجحت في جمع رئيسي البلدين من الحد من تدهور العلاقات بينهما لاحقا مع تصاعد العنف والنزاعات المسلحة على الأرض.
ويمكن القول بأن جهودا كبيرة بذلت في داخل الاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي لاحتواء هذه النزاعات ، ولتحجيم آثار الصراع الدائر في دارفور ، ولعل الاجتماع المشترك الذي شهدته العاصمة الإثيوبية بين ممثلين عن المنظمة الأممية والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوربي والجامعة العربية والسودان قد خرج بصيغة بدت مقبولة عبر الخطة الأممية المقترحة لحفظ السلام في دارفور، والتي وافق السودان على مرحلتيها الأولى والثانية، وتشملان حزم دعم أممية وتوسيع لقوات الاتحاد الإفريقي في دارفور ومازال الجدل متواصلا حول مرحلتها الثالثة تدور حول حجم القوات المشتركة وصلاحياتها وقيادتها.
بيد أن الأوضاع في شرق السودان لم تكن بمثل هذا التعقيد، إذ تم في العاصمة الارتيرية أسمرة توقيع اتفاق سلام الشرق بين الحكومة وجبهة الشرق المتمردة، وشمل ثلاثة بروتوكولات لقسمة السلطة والثروة والترتيبات الأمنية أنهت نزاعا طويلا دام لأكثر من عقد.

سابعا: التوتر السوداني الاريتري:
عند استقلال اريتريا عام 1991م كانت العلاقات السودانية الاريترية في أوج توهجها حتى أن الحكومة السودانية تكفلت بمنصرفات الاستفتاء حول تقرير المصير للاريتريين الذين يقيمون على أرضها وعند إعلان النتيجة في عام 1992م كانت السفارة السودانية من أولى السفارات التي رفرف علمها هناك إيذاناً ببداية علاقات حميمة ووطيدة بين البلدين.واستمر الحال لمدة عامين حيث شهدت الفترة من 91 وحتى 1994م توقيع ثمانية بروتوكولات في مختلف مجالات التعاون الاقتصادي والثقافي والشبابي، كما أن الحكومة السودانية وإبرازا لقوة العلاقة عملت على طرد المعارضة الاريترية من الأراضي السودانية.
وفي عام 1994م بدأ التوتر بين البلدين باتهامات إرترية للسودان بأنه يأوي جماعات إسلامية مناوئة لاسمرا على رأسها حركة الجهاد الإسلامي الاريتري والتي شرعت في القيام بعمليات مسلحة ضد الحكومة داخل الأراضي الاريترية وكنتيجة لذلك عمدت الحكومة الاريترية لاحتضان التجمع الوطني المعارض للحكومة السودانية لتصل العلاقات بينهما مرحلة هي أقرب للقطيعة ثم توالى تدهور العلاقات حين استأنفت اسمرا مؤتمر القضايا المصيرية 1995م وتسليم اريتريا لمقر السفارة السودانية للمعارضة وبلغ التدهور ذروته حين انطلقت العمليات المسلحة للتجمع بكل فصائله في شرق السودان من داخل اريتريا وظلت الحكومة السودانية دائمة الاتهام للحكومة الاريترية بتقديم الدعم اللوجستي للعمل المسلح وأحيانا بالمشاركة المباشرة في العمليات القتالية ومن الجهة المقابلة بدأت المعارضة الاريترية بكل فصائلها ممارسة عملها من داخل

السودان حتى أنها عقدت مؤتمرها العام في السودان.كما أن اريتريا اتهمت الحكومة السودانية بأنها وراء محور صنعاء، أديس، الخرطوم الذي قالت بأنه موجه لعمل عدائي ضدها على خلفية صراعها مع اليمن على جزر "حنيش" ونزاعها مع إثيوبيا على "مثلث بادمي" ولكن لم يكن لها في يوم من الأيام صراع على الأرض والحدود مع السودان.
جهود المصالحة بين البلدين:
انطلقت أول مبادرة لإصلاح العلاقات السودانية الاريترية من جانب أمير دولة قطر في عام 1998 الذي نجح وقتها في عقد لقاء بين الرئيسين السوداني والإرتري في الدوحة ولكنه لم يتمخض عن شئ ذي بال سوى إعادة فتح سفارات البلدين ولكن سرعان ما تراجع مستوى التمثيل الدبلوماسي لتهبط العلاقات عام 2000 إلى أسوأ مستوى لها رغم احتفاظ البعثتان الدبلوماسيتان بوجود رمزي محدود العدد والأثر بكل من العاصمتين اسمرا والخرطوم. وفي خطوة لافتة فسرت على أنها تجئ في إطار تنامي المد الرافض لسياسات الرئيس الاريتري شهد عام 2002م تقدم سفير إرتريا بالخرطوم عبد الله آدم عمر بطلب حق اللجوء السياسي ضمن خمسة عشر دبلوماسياً إرتريا في مختلف مناطق العالم.
وفي عام 2005 ، وفي إطار بحثه عن حل لقضية دارفور ، جمع الزعيم الليبي معمر القذافي رئيس البلدين في لقاء دعا له كذلك الرئيس المصري والتشادي والنيجيري ولكن اللقاء لم يثمر عن شئ وسرعان ما انفض ولم يزد عن كونه لقاء علاقات عامة.
وفي مايو 2005 أعلنت القيادة السياسية السودانية بأن الحكومة قد منحت السيد محمد عثمان الميرغني رئيس" التجمع الوطني الديمقراطي" المعارض تفويضاً كاملاً لتحسين العلاقات مع اريتريا استكمالاً لجهود كان الميرغني قد قادها لرأب صدع العلاقات في عام 2004م.وفي 21 سبتمبر 2005م دعا نائب الرئيس السوداني عندما كان يخاطب مؤتمر محاربة الإرهاب في الإقليم والذي غابت عنه إرتريا، دعا إرتريا لحوار مباشر وصريح من اجل حل المشكلات العالقة.
أما وزير الخارجية السوداني الحالي لام اكول فقد قال في أول مؤتمر صحفي له بعد تقلده منصبه في عام 2005م بأن تحسين العلاقة مع دول الجوار عامة أولوية قصوى وخاصة مع إرتريا.
دور "الحركة الشعبية لتحرير السودان" في تحسين العلاقات:
بعد توقيع اتفاق السلام السوداني في التاسع من يناير 2005م كان من المتوقع أن تسهم الحركة الشعبية لتحرير السودان بما لها من علاقة متميزة مع إرتريا في دفع العلاقات بين البلدين.ولكن الذي حدث عقب وفاة د. جون قرنق ، زعيم الحركة، ورفض الحكومة السودانية للطائرة الإرترية بعبور الأجواء للمشاركة في جنازة د. جون قرنق قد زاد من حدة التوتر القائم أصلا بين البلدين ويمكن القول إجمالاً أن الحركة الشعبية قد تولت الآن حقيبة الشؤون الخارجية السودانية وقبل أن يمضي شهر على ذلك إذا بإرتريا تبادر بإرسال وفد للخرطوم لفتح ملف العلاقات الثنائية.
ملفات عالقة:
لازال البلدان ينتظران البدء في فتح عدداً من الملفات أولها اتهام الحكومة السودانية لإريتريا بدعم الحركات المسلحة في دارفور رغم بعد المسافة بين اريتريا ودارفور وقد أشار السودان لذلك أمام مؤتمر مكافحة الإرهاب الإقليمي قائلا بأن الدور الاريتري قد تجاوز حدود المداخلات الداخلية في
الحدود الشرقية لإريتريا.
من اسمرا مركزاً لهم. كما أن زيارة مسئول التنظيم بالجبهة الشعبية الاريترية لانجمينا في 2005م في وقت تشهد فيه العلاقات السودانية التشادية توتراً تشير بصورة أو أخرى إلى توضح مدى الدور الاريتري في قضية دارفور.
ومن الملفات العالقة كذلك اتهام السودان لإريتريا بدعم ورعاية جبهة الشرق السودانية التي تضم حركتي "مؤتمر البجة" و "الأسود الحرة" المسلحتان ، وهما مجموعتان لهما صلات عرقية وامتدادات قبلية داخل اريتريا ، برغم أن اريتريا تنفى وجود أي عسكري لهما داخل الأراضي الاريترية وتقول أنهم يتحركون في أراضي سودانية. ولكنه في ذات الوقت من المعروف تاريخياً في السودان وإثيوبيا واريتريا إن أيا من شعوب هذه الدول حينما يمر بأزمة يلجأ لأرض الآخر وهم يستفيدون من هذا ولكنه يقلل من قدرة اريتريا على تقديم أي دعم عسكري ومادي لهم.
والملف الثالث هو آلاف اللاجئين الاريتريين الموجودين في معسكرات بشرق السودان رفضوا تنفيذ برامج العودة الطوعية الذي ابتدرته الأمم المتحدة منذ عام 1992م وكلا الجانبين يتهم الآخر بعرقلة البرنامج.
أما الملف الذي يهم الحكومة الاريترية فهو المعارضة الاريترية الموجودة بكل فصائلها داخل الأراضي السودانية وعقدت مؤتمراً عاماً في الخرطوم انتخبت فيه أمينا عاماً لها تعود جذوره إلى واحدة من القبائل المشتركة، كما أن المعارضة الاريترية تعقد اللقاءات في مدن شرق السودان وتنشط إعلاميا في الخرطوم.والأمر الثاني ضمن هذا الملف هو تدفقات اللاجئين الاريتريين على الحدود السودانية والتي وصلت إلى معدل 400 شخص يومياً في عام 2005م وفقاً لنشرة المعارضة الاريترية الشهرية.
ومن منطلق رؤية السودان بأن استمرار التوتر بين البلدين لا يخدم الاستقرار في المنطقة بدأت العلاقات بين البلدين تعود لحالتها الطبيعية ، خاصة بعد قبول اريتريا للإسهام في حل قضية دارفور واستضافتها لمفاوضات السلام بين الحكومة وحركات التمرد في شرق السودان والتي انتهت بالتوقيع على اتفاق شامل للسلام في المنطقة.وينتظر من الزيارات الرسمية بين قيادات البلدين مؤخرا أن تحدث اختراقاً جوهرياً لجهة التمهيد الجيد لعودة العلاقات الكاملة بين البلدين حتى لا يعود الحال لما كان عليه.

ثامنا: التوتر الصومالي الكيني:

يرجع توتر العلاقات الصومالية الكينية بعيد الاستقلال مباشرة، حيث ضمت بريطانيا إلى كينيا المقاطعة الشمالية الشرقية، والتي يسكنها صوماليون، حيث تم قمع الأهالي في تلك المنطقة لمطالبتهم بالاستقلال والانضمام إلى الصومال.
ولكن رغم تخلي الحكومة الصومالية عن المطالبة بهذه المنطقة والتوقيع على معاهدة مع كينيا بعد وساطة تنزانية في عام 1963، أصبحت هذه المقاطعة هاجسا دائما تتمحور حوله السياسة الخارجية لكينيا تجاه الصومال.
وتعد كينيا من أكبر المستفيدين من الأزمة الصومالية واستمرار الانهيار الاقتصادي بالصومال، حيث احتضنت كينيا المنظمات الدولية التي كانت تقدم المساعدات المادية، وتحولت مقرات

البعثات الأجنبية من مقديشو إلى العاصمة الكينية نيروبي، وبات ميناء ممباسا الكيني مكان لتصدير الثروة الحيوانية الصومالية الهائلة إلى دول عربية وحتى إلى إسرائيل، بسبب الحروب الأهلية التي أدت إلى إغلاق ميناء مقديشو وميناء كسمايو، كما أن عدم الاستقرار قد جعل جزءا مهما من رأس المال الصومالي ورجال الأعمال الصوماليين يوجهون رؤوس أموالهم إلى كينيا، حيث يعتبر سوق الصوماليين في نيروبي – سوق إسلي- من أهم الأسواق الاقتصادية في القرن الإفريقي، ومن ثم فإن عدم استقرار الصومال سيساعد كينيا من الناحية الاقتصادية، ولذا بوجه عام يمكن القول أن كينيا تنتهج من السياسات ما يحافظ على ضعف الصومال دون تفككه لأنها المتضرر الأكبر في حالات الفوضى التي تقود إلى نزوح آلاف الصوماليين إليها.
وطرحت كينيا خلال عام 2002م استضافة مؤتمر مصالحة يضمّ مختلف الفصائل الصومالية المتناحرة والأطراف الإقليمية والدولية المهتمة بالمشكلة. ويمثّل ذلك الطرح استكمالاً وامتداداً لجهود كينيا السابقة على هذا الصعيد، والتي كان آخرها استضافتها مؤتمراً للمصالحة بين الحكومة الانتقالية والفصائل المعارضة في نوفمبر نهاية عام 2001م، والذي أعقبه مؤتمراً موسعاً في ديسمبر من العام نفسه أسفر عن توقيع اتفاقيات منفصلة بين الحكومة وثلاثة من الفصائل المعارضة.
وإعمالاً لمقررات (قمة الإيجاد) بعقد مؤتمر موسع للمصالحة الصومالية، عاودت كينيا من جديد عرض استضافة ذلك المؤتمر الذي سعت السودان من جانبها إلى عقده على أرضها، باعتبارها رئيس دورة (الإيجاد)، كما شاركت كينيا في اللجنة الفنية الثلاثية المسؤولة عن الإعداد لمؤتمر المصالحة الذي تقرر ـ وتم عقده ـ في نيروبي في أكتوبر 2002م. وفي هذا الإطار قامت حكومة كينيا بالسعي إلى إزالة الخلافات التي نشبت بين جيبوتي وإثيوبيا بشأن طبيعة تمثيل الفصائل الصومالية، والأطراف المشاركة في المؤتمر، وكذا وضع مقررات وقرارات مؤتمر (عرتة) في إطار الترتيبات الخاصة بالأعداد للمؤتمر.
وتعتبر قضية اللاجئين الصوماليين في كينيا إحدى القضايا الحرجة في العلاقات بين الدولتين في ظِلّ ما تسفر عنه المواجهات المسلحة بين الميليشيات الصومالية من تدفق للاجئين على الحدود الكينية، وما يصاحب ذلك من ضغوط على الحكومة الكينية اضطرتها في عام 2002م إلى استخدام القوة لإعادة آلاف اللاجئين الصوماليين إلى بلداتهم تخلصاً من أعبائهم.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,627,967,989
- أثر العوامل الداخلية والخارجية فى عدم الاستقرار السياسي في أ ...
- دور بريطانيا في عدم الاستقرار السياسي في سوريا
- اتفاقيات ومعاهدات دولية تجاه منطقة الهلال الخصيب
- وثائق في تاريخ سوريا
- الدور الأمريكي في عدم الاستقرار السياسي في سوريا
- أول دستور عربي هو دستور المملكة السورية
- حقوق الإنسان بين الدستور السوري والقانون
- الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة 1958
- النص الكامل لدستور الجمهورية العربية السورية الصادر في 9/2/1 ...
- الدور الفرنسي في عدم الاستقرار السياسي في سوريا
- الحق في تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية في الجزائر
- من حق كوسفو أن تستقل عن صربيا
- دور دول الهلال الخصيب في عدم الاستقرار السياسي في سوريا
- دور المحور المصري السعودي في عدم الاستقرار السياسي في سوريا
- أثر التدخلات الإقليمية: تركيا وإسرائيل على عدم الاستقرار الس ...
- دورالمعسكر الشيوعي في عدم الاستقرار السياسي في سوريا - الاتح ...
- الحزبية والصراع الحزبي في سوريا
- العامل الاقتصادي والطبقي ودوره في عدم الاستقرار السياسي في س ...
- العشائرية وخصوصية الشعب والعوامل الشخصية وصراع الأجيال وتأثي ...
- الطائفية والعرقية ودورهما في عدم الاستقرار السياسي في سوريا


المزيد.....




- وزير إسرائيلي يدعو للتخلي عن حل الدولتين مع الفلسطينيين
- رفع الحظر الأمني عن أوتاوا وفرض طوق أمني حول البرلمان
- بيع أول جهاز أبل مقابل 905 آلاف دولار
- - نص- الماءُ يَجري ثكولاً ...
- لقاء الامين العام للحزب برئيس اتحاد كتاب المغرب
- موسمه يغلق اليوم، النسور بطلا لجبل أولياء والامل يودع دورى ا ...
- وسط تشكيك فى نوايا الاتحاد العام تجاه قضية الدويم، الأندية ت ...
- شبيبة كوستى للأولى وهلال كنانة يهبط للثانية
- شباب حلايب يصعد للأولى والتقدم يهبط للثالثة
- الكردافة لم يحسنوا الاختيار، هلال الأبيض يستضيف مريخ كوستى ب ...


المزيد.....

- المراكز الإقليمية والفكر السياسي ( لدولة الخلافة الإسلامية ) / لطفي حاتم
-               في الدستورانية العربية الجديدة: أسئلة الهوية،ا ... / حسن طارق
- مأزق نهضة الشعوب العربية والإسلامية--السودان أنموذجاً / الشيخ محمد الشيخ
- معضلة العالم العربي / نبيل عودة
- إيبولا. وباء بوجه أنظمة صحية ضعيفة أصلا، دمرتها سياسات «التق ... / ميشيل دي براكونتال
- البورجوازية في التاريخ / فؤاد النمري
- مفهوم التنوير / ابراهيم طلبه سلكها
- تجربة الحزب الشيوعي العراقي في مجال التحالفات السياسية (1934 ... / جاسم الحلوائي
- نصوص حول الارهاب في تونس / نورالدين المباركي / اعلامي
- نظرية الطريق الثالث عند أطونى جيدنز / ابراهيم طلبه سلكها


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزو محمد عبد القادر ناجي - عدم الاستقرار السياسي في القرن الإفريقي (الجزء الأول)