أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حامد أنور - بين التشكيل والأدب (التأثير.. والتأثير المضاد)















المزيد.....



بين التشكيل والأدب (التأثير.. والتأثير المضاد)


حامد أنور

الحوار المتمدن-العدد: 2305 - 2008 / 6 / 7 - 10:08
المحور: الادب والفن
    


بين الفن التشكيلى والأدب منطقة مشتركة، حسية ومظللة في آن واحد، فهما لغتان مختلفتان فى القواعد والأدوات لكنهما يشتركان فى الطريقة التي تحدث فيها عملية الاقتناص الجوهرى بين اللغوي والبصري، بين الإشارى الدال وما هو تـمثيلى فى محاولة إلى التوصل لاكتشاف العلاقات بين الأشياء المفارقة والمتناقضة ظاهرياً.
إن فكرة التمثيل في فهم العلاقة بين الرسم والشعر هي فكرة جوهرية تكلم عنها الفلاسفة المسلمون، انطلاقا من الفكرة الأرسطوطاليسية في محاكاة الطبيعة كنقطة لقاء مشترك بين هذين الفنين (الرسم والشعر).
إن ابن سينا يعتقد بأن ثمة أخطاء ممكنة في عملية المحاكاة من طرف الشاعر: "الشاعر يخلط من وجهين: فتارة بالذات والحقيقة إذا حاكى بما ليس له وجود ولا مكانه، وتارة بالعرض إذا كان الذي يحاكي به موجوداً لكنه قد حرف عن هيئة وجوده، كالمصور إذا صور فرساً فجعل الرجلين وحقهما أن يكونا مؤخرين، إما يمينين أو مقدمتين" وهو يدفع بـمقاربة الشعر بالتصوير إلى درجة اعتقاده أن تصوير الشاعر يجب أن يكون (واقعيا).
أما عبد القاهر الجرجاني فانه يدفع بفكرة ما يسميه (التخييل)، وليس المحاكاة، إلى معنى جديد وهو يقرنـُها بالتصوير، هذا النص يمكن أن يعتبر تأويلاً سيكولوجيا لعملية التذوق الجمالي التشكيلي. أما الفارابي فإنه يرى بين صناعة الشعر وبين أهل صناعة التزويق مناسبة، وكأنهما مختلفان في مادة الصناعة ومتفقان في صورتها وفي أفعالها وأغراضها، أو نقول إن بين الفاعلين والصورتين والغرضين تشابهاً، وذلك أن موضع هذه الصناعة التأويل، وموضع تلك الصناعة الأصباغ – وأن بين كليهما فرقاً- إلا أن فعليهما جميعاً التشبيه وغرضيهما إيقاع المحاكيات في أوهام الناس وحواسهم".
إذاً لكلا الفنين قواعد داخلية وأدوات مخصوصة في النفاذ إلى (التمثيل) و(المحاكاة) و(التشبيه) و(التخييل) المطروحات كلها كنقاط لقاء أساسية بين الشعر والرسم، سوى أن العلاقة تظل على مستوى ما هو عميق من أجل اكتشاف العالم وتشييد معرفة أفضل به لم يكن الحديث البتة يجري عن محاكاة ساذجة، كما لو نتكلم عن رسم واقعي، فوتوغرافي أو نتكلم عن شعر وصفي بارد.(1)
في‮ ‬بداية القرن العشرين تأثر الشعراء الشبان بالتصوير الزيتي‮، ‬وجيل ما بعد الحرب العالمية الأولى كان‮ ‬يبحث عن توجهاته عند الفنانين التشكيليين، متجهين نحو شعر بصري‮ ‬أكثر‮، ‬وهؤلاء الشعراء أقاموا علاقات حميمة مع بيكاسو وبراك ودوران‮. ‬بل إن بعض الشعراء،‮ ‬مثل ريفردي‮ ‬وسالمون وسندرار،‮ ‬شرعوا في‮ ‬كتابة مقالات عن أعمال التشكيليين‮، أما الشاعر أبو لينير فقد صار منظّر التكعيبية والمدافع عنها بكتابه‮ ‬الرسامون التكعيبيون‮ ‬الصادر في‮ ‬1913‮.
والحركة السريالية، ‬منذ بدايتها، أكدت على حقيقة أن الشعر‮ ‬يمدّد تخومه وراء حدود الاتصال اللفظي‮ ‬ليشمل أشكالا وطرائق من التعبير الفني‮. ‬لذا بدأوا، ‬على نحو مقصود، في‮ ‬إلغاء التخوم بين الشعر والرسم، ‬واختاروا أن‮ ‬يفعلو ذلك بأساليب‮ ‬غامضة ومدروسة لإثارة الخيال عن طريق خلق التنافر والتعارض‮.‬
‬ إن العلاقة الوثيقة بين الرسم والشعر، ‬- على اعتبار – أن الرسم هو‮ ‬حقل الإيحاء الأكثر خصوبة للشعر‮ ‬شرط أن‮ ‬يتحرّر من همّ‮ ‬استعادة الأشكال كما هي‮ ‬من العالم الخارجي‮،‬ ولقد شهدت الحركة الدادائية، ‬وبعدها السريالية، ‬تعاونا كبيرا بين الشعراء والرسامين والموسيقيين، ‬ولم‮ ‬يسبق للشعر والتصوير أو التشكيل أن تضامنا وتفاعلا مثلما حدث في‮ ‬هذه الفترة، ‬حيث كان الشعراء‮ ‬يرسمون والرسامون‮ ‬ينظمون القصائد‮، عندما نستعرض أسماء التشكيليين، ‬سواء ضمن الحركة السريالية أو‮ ‬غيرها، ‬نلاحظ بأن عدداً‮ ‬منهم كان‮ ‬يمارس الرسم إلى جانب كتابة القصيدة، ‬مثل‮: ‬(وليام بليك، ‬هوجو بال، ‬تريستان تزارا، ‬إل جريكو، ‬جان آرب، ‬ماكس جاكوب، ‬فرانسس بيكابيا، ‬ماياكوفسكي، ‬بول إيلوار، ‬أندريه بروتون، ‬بيكاسو، ‬جان كوكتو، ‬جاك بريفير، ‬مارسيل دوشان‮.. ‬ ‮صلاح جاهين) وغيرهم.
إن التماثل بين الشعر والتشكيل يتجلى من خلال طبيعة العلاقة بين كل منهما نظرا لما يشكلهما من خطابات إبداعية متماثلة ومتناظرة وتاريخ هذه العلاقة يرجع إلى ما قبل العصرين الإغريقي والروماني، عندما ساد التأثر بين الأجناس الفنية خصوصا بين (الرسم والشعر) لدرجة أصبح فيها الحديث عن قصيدة للوحة أمرا بديهيا لا وجود لأثر الشك فيه.. وهكذا أصبحنا نقرأ عبارات مثل، فضاء الأشكال، بحر الرموز، موسيقى الألوان، إيقاع الزخارف، أصوات اللوحة.
"ولعل أقدم نص نعرفه في تاريخ الأدب والنقد الغربي عن هذه العلاقة الساحرة الغامضة بين الشعر والفنون التشكيلية هي العبارة المنسوبة إلى "سيمونيدس الكيوسي" (من جزيرة كيوس في بلاد اليونان، وقد عاش حوالي 556 إلى حوالي 468 ق.م) الذي يقول فيه، أن الشعر صورة ناطقة أو رسم ناطق، وأن الرسم أو التصوير شعر صامت".(3)
والمهم في هذه المقولة الشهيرة، التي كثرت شروحاتها وتعددت تأويلاتها عبر العصور، أنها أكدت التماثل القائم بين الأجناس الإبداعية، وبصفة خاصة الشعر والتشكيل، إلى درجة دفعت النقاد في عصر النهضة (القرن الخامس عشر) إلى قراءتها بشكل آخر، كما يقول هوارس: "كما يكون الشعر يكون الرسم".
وإذا كانت العلاقة بين الشعر والتشكيل لم تتجاوز في العصور القديمة حدود "المؤالفة" بينهما، فإنها أخذت في إرساء دعائمها انطلاقا من أواخر القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، حيث بدأ الإحساس بشاعرية الرسوم، وبنزعة الشعر إلى الرسم والتشكيل، ومن أبرز الأعمال التي أنجزت في هذا السياق، النماذج التالية:
- السمات القصصية في أعمال الفنانين السورياليين منهم: جورجيو دوشيريكو - ماك إرنست.
- تأثير الفنون التشكيلية الحديثة (رودان، سيزان، كالي، بيكاسو) على شعر (ريلكه).
- القراءات العديدة التي ارتبطت بلوحة الجيوكاندا (الموناليزا) والتى أسالت العديد من القصائد كان أبرز هذه القصائد التي أنجزت بلغة شعرية خالصة:
موناليزا - إدوارد دودوف.
المرأة - برونو ستيفان شيرر.
جيوكاندا - توماس مكجرفي .
كما استلهم العديد من الشعراء الصور واللوحات التشكيلية فى قصائدهم فالشاعر بييت برشبيل ألف ديواناً كاملاً مستوحى من الصور واللوحات الفنية لمختلف الرسامين سماه "الصور وأنا"، كان ذلك عام 1968، ولوحة "الزرافة المحترقة" لسلفادور دالى بمتحف الفن فى مدينة "بازل" السويسرية استلهمها الشاعر"برستيل"، كما استلهم الشاعر الألمانى بيتر يوكوسترا لوحة "أشخاص وكلب أمام الشمس" للفنان الأسبانى خوان ميرو.
ولوحة "حقل القمح مع الغربان" لفانسان فان كوخ التي أسالت مطرا من النصوص الشعرية لشعراء عظام، والتي تعتبر آخر ما رسم فإن كوخ قبل إقدامه على الانتحار، أما في الشعر العربي، فربما يكون الجاحظ أول من التفت إلى طبيعة الشعر من حيث هو "ضرب من النسيج وجنس من التصوير".(4)
وتطورت المسألة تدريجيا عند عبد القاهر الجرجاني (صاحب نظرية النظم المشهورة) الذي يقارن بين عمل الشاعر وعمل الفنان التشكيلي، على أساس أن الاحتفال والإبداعية في التصويرات والتخييلات الشعرية تفعل فعلا مماثلا بما يقع في نفس المشاهد للوحات التشكيلية.، وإذا عدنا إلى لوحة "الجيوكاندا"، التي رسمها الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي بين عامى 1500 و1504 (والتي تمثل بورتريه لزوجة أحد كبار تجار فلورانسا) وأن من أجمل ما قيل عنها شعرا قصيدة "الموناليزا" التي كتبها الشاعر الألماني كورت توخولسكي عام 1929، والتي قال عنها "هانز ما ير" الناقد الأدبى: هذه القصيدة المشهورة من الموناليزا قصيدة متشائمة على طريقة الفيلسوف شوبنهاور ".
وتقول القصيدة:
الموناليزا
لا أملك أن أحول نظراتى عنك
لأنك معلقة فوق الرجل الموكل بحراستك
وقد شبكت يديك الناعمتين
ورحت تبتسمين في سخرية
أنت مشهورة شهرة ذلك البرج في بيزا
وابتسامتك تؤخذ مأخذ الدعابة
أجل .. لما ذا تضحك الموناليزا؟
هل تضحك علينا بسببنا
على الرغم منا، معنا
ضدنا - أم ماذا ؟
أنت تعلميننا في هدوء ما ينبغي أن يحدث
لأن صورتك، يا ليزا الصغيرة تقول:
من خبر هذا العالم خبرة كافية
فلا بد أن يبتسم وأن يضع يديه على بطنه ويسكت
أما من ناحية السرد فإن اللوحة لعبت دوراً مهماً ومحوريا، فبالنظر إلى ما استندت إليه رواية "شيفرة دافنشي" للكاتب دان براون، إذ تعد اللوحة المفتاح الرئيسى والوحيد إلى (لغز الكأس المقدس) المحور العام التى تدور حوله الأحداث، حيث يقول السيد "تيبينج" أحد الشخصيات الرئيسية في الرواية أن ليوناردو كشف الأمر تماماً في هذه اللوحة، كما تتعرض الرواية للكثير من الأعمال الفنية للرسام الشهير دافنشى، وفوق جدارية كنيسة سانتا ماريا في ميلانو بإيطاليا رسم دافنشي لوحته الأسطورية "العشاء الأخير" التي ضمنها الكثير من الأسرار والرموز حول عقائده، ويقدم دان براون قراءته الصادمة محاولا فك الشفرات وتحليل الخطوط داخل اللوحة، وتمثل لوحته الشهيرة "العشاء الأخير" من أشهر اللوحات التى أثارت جدلا كبيرا، فالرواية تعتبر علامة فى تاريخ الأدب الحديث جسدت لعملية التأثير المباشر للفن التشكيلي على الأدب من خلال الحدث الدرامى الذى اتبعه الكاتب محللا الرموز والإسقاطات التى تبنتها الأعمال الفنية.
أما "الأنثى المقدسة" فهي عقيدة جوهرية لدى جماعة "سيون السرية" داخل العمل الأدبى .. ولتأكيد هذه الفكرة يقدم دان براون قراءة جمالية ممتعة ومبدعة في لوحة "الموناليزا" والتي تعكس بوضوح إيمان ليوناردو دافنشي بالتوازن بين الذكر والأنثى. فالموناليزا كما يؤكد الخبراء لا هي ذكر ولا هي أنثى ولكنها التحام بين الاثنين، بل إن تحليل اللون بواسطة الكمبيوتر وتحليل صورة دافنشي نفسه يؤكد نقاطا متشابهة بين وجهيهما، كما تناولت الرواية معظم الأعمال الفنية ليوناردو جاءت فى سياقات عديدة مثل لوحته "الرجل الفيتروفي":
" الرجل الفيتروفى": قال لانغدون بلهفة، لقد أبدع سونيير نسخة مطابقة بالحجم البشرى عن أشهر رسم لليوناردو دافنشي.
وباعتبارها أكثر لوحة دقة من الناحية التشريحية فى زمانها، أصبحت رائعة دافنشي، الرجل الفيتروفي اليوم أيقونة للحضارة، قتراها فى كل أنحاء العالم على الملصقات ووسائد فأرة الكمبيوتر والقمصان، ويتكون هذا الرسم المشهور فى دائرة مثالية رسم بداخلها رجل عار.. ذراعيه ورجليه ممدودين فى وضعية نسر باسط جناحيه.
دافنشي، أحس لانغدون برعشة من الذهول، إن وضوح مقاصد سونيير كان أمراً لا يمكن إنكاره، ففى اللحظات الأخيرة من حياته، تعرى القيم من كل ثيابه وشكّل جسده فى صورة واضحة مثّلت رسم الرجل الفيتروفي لليوناردو دافنشي.
كانت الدائرة هى العنصر الأساسى المفقود، رمز أنثوي يمثل الحماية، فالدائرة المرسومة حول جسد الرجل العارى أكملت القصد من رسالة دافنشي – التناغم بين الرجل والمرأة. إلا إن السؤال الذى يطرح نفسه الآن هو لماذا قام سونيير بتقليد رسم مشهور كهذا؟
كما أفسحت الرواية لجدارية "العشاء الأخير" مساحة كبيرة مستعينة بتحليل الرموز التى غلّفت العمل لتدخل فى منطقة شائكة بين الرمز البصرى وعملية التخييل بما يوازى الصورة الذهنية فى السياق أدبى على النحو التالى::
ارتسمت على وجه الفتيات فى القاعة ابتسامة عريضة.
"ملاحظة أخرى يا شباب، لقد تكلمنا اليوم عن دافنشي عرضاً إلا أننا سنتوسع فى دراسته أكثر أثناء هذا الفصل. كان دافنشي حسب كافة الوثائق التاريخية قد نذر نفسه للعبادة القديمة للآلهة الأنثى. سأعرض عليكم غدا لوحته الجدارية العشاء الأخير وهى أعظم تقدمة للأنثى المقدسة على الإطلاق".
قال أحدهم: "أنت تمزح أليس كذلك؟ كنت أعتقد أن موضوع لوحة العشاء الأخير هو المسيح!".
فغمز لانغدون: "فى تلك اللوحة رموز مخبأة فى أماكن لا يمكن أن تتخيلوها".
وإذا انتقلنا إلى السرد العربى لا يكاد يخلو أيضا من رموز وإشارات لونية تعكس رؤى تشكيلية، أو إيجاد علاقات متشابكة وإحالات لمشاهير الفن التشكيلى فى العالم داخل العمل، مع التأكيد المستمر على العلاقة المتأصلة بين الفنون (الرسم والأدب):
كما فى النص التالى من رواية "ذاكرة الجسد" للكاتبة أحلام مستغانمى:
 قلت و أنت تحدقين في ذلك الجسر الحجري الرمادي, الذي يجري تحته نهر السين بزرقة صيفية استثنائية:
أنت محظوظ بهذا المنظر, جميل أن تطل شرفتك على نهر السين، ما اسم هذا الجسر؟
قلت:
إنه جسر ميرابو، اكتشفت أخيرًا أن " أبو لينير" قد خلّد هذا الجسر في عدة قصائد, عثرت على بعضها منذ أيام في ديوان له، يبدو أنه كان مولعًا به، إن الشعراء مثل الرسامين لهم عادة لا تقاوم في تخليد كل مكان سكنوه أو عبروه بحب بعضهم خلّد ضيعة مجهولة, و آخر مقهى كتب فيه يومًا, و ثالث مدينة عبرها مصادفة, و إذا به يقع في حبها إلى الأبد.
سألتني:
و هل رسمت أنت هذا الجسر؟
أجبتك متنهدًا:
لا.. لأننا لا نرسم بالضرورة ما نرى, و إنما ما رأيناه يومًا و نخاف ألا نراه بعد ذلك أبدًا، و هكذا قضي " دولا كروا" عمره في رسم مدن مغربية لم يسكنها سوى أيام, و قضي " اطلان " عمره في رسم مدينة واحدة... هي قسطنطينية.(5)
و فى مقطع آخر تستدعى الكاتبة فيه شخصية دافنشى، وتؤكد على براعته وعظمته فى تخليد اسمه على لوحة الموناليزا كما فى السياق التالى:
أتذكر وسط ارتباكي " ليوناردو دافنشي", ذلك الرسام العجيب الذي كان قادرا على أن يرسم بيده اليمنى و يده اليسرى بالإتقان نفسه، بأي يد تراه رسم " الجو كندا " ليمنحها الخلود والشهرة؟ و بأي يد يجب أن أرسمك أنا.
ماذا لو كنت المرأة التي لا ترسم إلا باليد اليسرى, تلك التي لم تعد يدي؟
خطر ببالي مرة أن أرسمك بالمقلوب، و أجلس لأتفرج عليك ِ, عساني أكتشف أخيرًا سرك.
فربما كانت هذه الطريقة الوحيدة لفهمك.
وترى أن من يرسم بورتريه لها لابد أن يكون فنانا مشهورا. وأطلقت لخيالها العنان.. ماذا لو كان بالفعل مشهورا، سوف تخلد إلي الأبد في عمل فني يمكن أن يعرض في باريس أو في سلفادور دا باهيا! يمكن أن تصبح أسطورة! (6)
أما الكاتب البرازيلي باولو كويلو فى روايته " إحدى عشرة دقيقة " لم يغفل هو الآخر فى الإحالة إلى هذا الفن كما هو واضح من سياق الرواية:
اللوحة لـ دولا كروا.
 هو الرسم.
أنه شىء جامد, حركة متقطعة, صورة غير وفية لأصل, علم لا احد يهتم به, إلا الرسامون طبعا الذين يعتبرون أنفسهم كائنات عالية نيرة العقول فيما هم لم يتطوروا كما فعل سائر البشر. (7)
ولا يختلف السرد عن الشعر، فى الإحالة إلى عناصر التشكيل سواء من ناحية التصوير الموحى أو استغلال العناصر اللونية بكل ما تحمله من دلالات ورموز، فعندما يؤكد صلاح جاهين -الرسام والشاعر- على براعة الشاعر الكبير فؤاد حداد فى رسم الصورة الأدبية وتجسيدها داخل النص الشعرى بما يتوازى ولوحة تشكيلية محتشدة بكل تفصيلات الحياة، وهو ما أشار إليه جاهين فى قصيدته "والد الشعرا" عندما قال:
كل المنازل.. مفتوحه
كل المسائل مشروحه
الدنيا – لمتها اللوحه... فى شعر فؤاد
وصلاح جاهين الرسام والشاعر الذى امتلك القدرة على رسم صورة أدبية بليغة تتوازى تماما مع اللوحة التشكيلية برزت من خلال رباعياته التى تمثل خلاصة الحكمة والفلسفة والتنظير فى آن واحد.
إن القدرة على التصوير اللفظى يأتى موازيا للتصوير اللونى إذا ما وظفت الأدوات الملائمة لكل من التشكيل والشعر، كما يتضح من خلال قصيدة "إبريق ذهب" لصلاح جاهين:
أبريق دهب
و مخّده من ريش النعام...
تشرب سيادتك، تنجِعص آخر غرام
ترفع عينيك تلاقى منجه مدلدله
و فاكهه ياما متلتله
أصناف من اللى الكيلو مش عارف بكام
منجه، وفراوله، وموز، وتفاح يا وله
و خوخ و برقوق م التمام...
ياللعجب،
البرتقان ويا العنب،
فى غصن واحد... يا سلام
ثم يكمل القصيدة كاشفا الحقيقة ومجيبا عن تساؤلات كثيرة قد تبدو غامضة للبعض، والجملة التى تمثل المفتاح الرئيسى للقصيدة، كما فى اللوحة تماما إذا ما توصل القارئ إليها أمكنه فك باقى الرموز جاءت فى ختام القصيدة.
ما هى جنه طبعا يا مهاب..
وتتجلى الصورة الشعرية المتدفقة فى نماذج الشعر الحديث أيضا بما تتوازى مع الصورة التشكيلية، محتشدة بالدلالات والرموز والإحالات كما فى النص التالى للشاعر عزت إبراهيم:
رافع ديل جلابيته..
ومالى الحجر بشر..
ورفوف..
وكراسى وعربيات.
بيمد إيديه..
يسحب فى حاجات .. يرميها بعيد..
وحاجات يرفعها لفوق..
وحاجات يدفنها.
غبى.
بيديق حجره ساعات،
ولحد الخنق..
وساعات تلقاه فضفاض،
فتوه..
مجنون.
بيحب الزيف..
عمره ما بيفرق بين اللى بيديله بارود..
واللى بيديله رغيف..
رمزية الألوان ودلالتها:
لا يقل استعمال اللون في الشعر أهمية عن استعماله فى اللوحة، فالشعر يسعى جاهدا لرسم المشاهد التي تمتلك الأثر، وتصل في مستواها إلى أثر اللون وهي كثيرا ما تتكئ على عنصر اللون، لأن ألوان الأشياء وأشكالها هي المظاهر الحسية التي تحدث توترا في الأعصاب وحركة بالمشاعر واستخدام اللون في الشعر العربي واسع جدا يمكن الاستشهاد على ذلك ببعض الأبيات ولكل لون دلالته الخاصة فهو يستخدم اللون الأحمر لدلالته على الحرب وبشاعتها، واللون الأسود كما في قول امرؤ القيس يربط بين اللون الأسود والضيق والاختناق والقبح:
وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي
فالألوان مظهر من مظاهر تجلي الجميل، وتتجلى خبرة الخبير بالألوان من خلال إحساسه بتوافقها أو تنافرها، وقد كان للإنسان البدائي، ولعاً فطرياً ، فللحرب ألوانها وللأفراح والأحزان ألوانها، وقد برزت الظاهرة اللونية في الشعر العربي قبل الإسلام ممتزجة بالأساطير الأولى.
إن اللون ظاهرة فنية صاحبت نشأة الفنون لدى الإنسان، ودخل اللون بوصفه أداة طقسية في عقائد الإنسان القديم، كما استخدم في الزخارف السحرية على جدران الكهوف وعلى الخناجر وفي التمائم وعلى جسد الإنسان ليمنحه القوة ويدفع عنه كيد الأعداء والأرواح الشريرة، وكانت الطقوس القديمة مكونة من اللون والصوت والحركة وأصبح اللون فيما بعد رافدا أساسيا للغة المجازية التي بدأ تكونها على أنها حقيقة، ثم انصب تاريخ اللون بجذوره الأسطورية في الصورة الشعرية التي أصبحت فيما بعد حاملة لسر اللون وظلاله البعيدة، وبالنظر إلى الطبيعة نجدها المصدر الأساسي الذي يساعد الشاعر فى تكوين الصورة الدالة التي يمثل اللون عنصرها الأساسي.
إن علماء النفس لاحظوا إن اللون الأحمر يثير روح الهجوم والغزو والثأر ويخلق نوعا من التوتر العضلي ويثير المخ وله خواصه العدوانية ويرتبط بالرغبات البدائية، ويبعث على البهجة والانشراح، كما ذكرت الألفاظ المعبرة عن هذا اللون الذي اكتسب أهمية ميثولوجية لارتباطه بلون الدم، والدم يعني أيضا النفس والروح وكأن هذه اللفظة تمثل العلاقة بين الدم والحياة، وقد دخل الدم عنصرا أساسيا في طقوس عرب الجاهلية، فقد كانوا يخضبون أصنامهم بالدم، وكانوا يقسمون بالدم، ويسفحون دم النوق على القبور ويخضبون نحر الفرس السابق بالدم، وكأن سكب الدم على الحيوانات يكسبها قوة كبرى.. وقد ارتبطت بعض الأساطير العربية القديمة باللون الأحمر وقد انعكس هذا كله في الشعر الجاهلي على وجه الخصوص.
اللون الأصفر وهو من عائلة الألوان الساخنة ويمثل قمة التوهج والإشراق لارتباطه بلون الشمس، والفاقع منه ينشط الذهن، لذلك يقترن اليوم الغائم بالخمول والكآبة، وقد وضع العرب عددا من الألفاظ للتعبير عن هذا اللون، وربطوا في شعرهم بين اللون الأصفر وبين الشمس كما ارتبط اللون الأصفر بجمال المرأة المرتبط بالشمس.
أما الوجه الآخر للشمس، وهو وجه يمثل القسوة والجبروت بنيرانه اللافحة فالشمس (نار ونور) واقترن اللون الأصفر أيضا بالقحط والجدب والجبن والغدر، لقد أسهم هذا اللون في تشكيل الصور الشعرية حسب دلالاته المختلفة.
اللون الأبيض وهو أول الألوان البسيطة، ويمثل الضوء الذي لا يمكن رؤية لون آخر بدونه، وكل الألوان الأخرى مضمنة في هذا اللون، وهو من الألوان الباردة التي تبعث حالة من الهدوء والطمأنينة والاسترخاء، كما إنه لون الطهارة والنقاء والثقة والتواضع والرقة والسلام، وقد يكون رمزا للكآبة والحزن باعتباره من الألوان الباردة، وقد وضعت له العربية العديد من الألفاظ وشكل هذا اللون بألفاظه الأساسية والثانوية عددا من الصور الشعرية النمطية، فقد ارتبط بالأنوثة وبرز بروزا كبيرا في الشعر الجاهلي، فالمرأة بيضاء أو هي بيضاء مشربة بالصفرة أو زهراء وأسنانها ناصعة البياض، أما الرجل الموصوف بالبياض فهو نقي العرض من الدنس، كما ارتبط اللون الأبيض باللون الفضي للقمر، وارتبط القمر بالثور الوحشي الأبيض الذي كان من الحيوانات المقدسة عند بعض الشعوب، والممدوح في الشعر العربي هو دائما أبيض اللون "البياض المعنوي"، ويشبه القمر، إن اللون الأبيض كان ينسرب في نسيج الصور الشعرية بدءا بصورة المرأة وانتهاء بدلالات الموت والجدب في صورة الشيب.
اللون الأسود هو أغمق الألوان ويمثل الظلام الكامل وانعدام الرؤية، ويعد رمزا للحزن والألم والموت والخوف من المجهول والعدمية والفناء، وخصصت له العربية عددا من الألفاظ، وقد شحن هذا اللون في الشعر العربي بدلالات عديدة، وارتبط بالليل بكل ما فيه من رهبة ومخاوف وخيالات مرعبة وإحساس بالعدمية والضعف، وارتبط هذا اللون بالتشاؤم، وكان الغراب رمزا للتشاؤم نظرا لسواده فهو رمز الفراق كما ربطت الصورة الشعرية بين الشيب والغراب، كذلك ارتبطت صورة الأفعى السوداء بالشر والموت.
اللون الأخضر وقد صنف في المرتبة الأخيرة مع اللون الأزرق، لأن الزرقة درجة من درجات الخضرة، وخصصت له العربية عددا من الألفاظ لتحديد نقائه أو اختلاطه بالألوان الأخرى، وارتبط هذا اللون بعدد من الأساطير لارتباطه بلون الشجر والنبات، كما إن بعض الأساطير قد وحدت بين المرأة والشجرة. وكانت البقعة الخضراء أجمل ما تقع عليه عين العربي، وارتبط هذا اللون في الصور الشعرية بالنعمة المرتبطة بالشدة والقوة ، وارتبط اللون الأزرق بالعين، وكانوا يتشاءمون بالعين الزرقاء، لان زرقة العين صفة مذمومة مكروهة مخيفة في نظرهم، ومن تداخل رموز الأساطير بعضها في بعض إن العين ارتبطت بدلالتين متناقضتين فالعين في الأسطورة هي الأم التي خلق البشر من دموعها وهي في وضع آخر رمز الشر والقوى المدمرة، وقد انعكس كل هذا في صورهم الشعرية.
إن استغلال الصفات اللونية في تشكيل القصيدة العربية تتجلى قيمته الأسلوبية فى جعل اللغة الشعرية لغة رامزة موحية، ويتأكد ذلك إذا ما وضعت الصفة اللونية مع اسم غير متوقع في مزاوجة واحدة، والشعر العربى يزخر بالعديد من هذه الأمثلة كما في شعر صلاح عبد الصبور مثل قوله:
كان طفلا عندما فر عن البيت وولى
من سنين عشرة، ذات مساء، كان طفلا
وافتقدناه، وناديناه في أحلامنا
وانتظرنا خطوه المخضر في كل ربيع
وشكونا جرحه خلاننا.
وقد قسمت الألوان على أساس طبيعتها، ووفقاً لحركتيها فسميت الألوان الحمراء والصفراء والبرتقالية ألوان حارة، وسميت الألوان الزرقاء والخضراء والبنفسجية ألوان باردة أما الألوان البيضاء والسوداء والرمادية فسميت بالألوان الحيادية وهي التي تعطي الانسجام اللوني وتوحي بالفراغ والهواء ومن خلال هذه التقسيمات حسب طبيعة الألوان.‏(9)
إن كل نص قابل لانفتاحات لانهائية هو نص غامض مبهم عبثي سريالي، وبما أنه بهذه الصفة فهو قابل لكل التأويلات، والانفتاحات اللا نهائية التى يتحكم بها القارئ معرفياً ومزاجياً، والدليل على ذلك هو شعر الحداثة المطروح حالياً في الساحة الدولية والعربية من الذي يحمل هذه الصفات كما فى النص التالى:
تقوم من رماد الوحى
تغوص
فى جحيم الأبيض السكران
والأحمر العاقد رابطة السفر
والأسود الميت فى الرؤى
والأصفر الخاطئ فى النقاء
والأزرق الرجعى
والأخضر المقطوع السمع
والبنفسجى العاتب(10)
ومن روائع الشعر العربى أيضا:
ولها وارد الغدائر كالكرم سوادا قد حان منه انتهاء
وحديث كأنه قطع الروض زهته الصفراء والحمراء(11)
وتبدو قيمة الصفة اللونية في خلق دلالات متشعبة غير مباشرة فى المقاطع السابقة، وكل لون يحمل رموزا ومضامين ،أما النص الشهير للشاعر أمل دنقل " لا تصالح" الذى حمل العديد من الرؤى والدلالات فجرت أزمة كبيرة على مستويى الحدث والرؤية أثرت فى التشكيل (الرسم) بالكيفية التى أثر فيها التشكيل على الأدب، وكما أن العديد من اللوحات الفنية دفعت الشعراء إلى الكتابة وأسالت العديد من القصائد كما سبق أن ذكر ، فإن الفنان حامد العويضى عبر برسوماته وخطوطه الرائعة عما كتبه الشاعر الكبير أمل دنقل، والمقطع التالى من القصيدة يحمل العديد من الصور والإشارات اللونية والتصوير الأدبى الموازى لضربات فرشاة قد غمست بالأحمر القانى حينا، وبالأسود القاتم أحايين كثيرة:
لا تصالح..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر..
إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد
ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة) أن بنتَ أخيك)
"اليمامة"
زهرةٌ تتسربل - في سنوات الصبا – بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها - وهي ضاحكةٌ –
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن .. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها - ذات يوم - أخٌ !
من أبٍ يتبسَّم في عرسها ..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها ..
وإذا زارها .. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة ..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا .. فجأةً ،
وهي تجلس فوق الرماد ؟! (12)
كما حملت رسوم ناجى العلى العديد من الرؤى تتماس مع الأعمال الإبداعية والمواقف السياسية فى وقتها، وهذا ما يؤكد أن "الأديب والفنان يمكنهما الانطلاق من أرضية واحدة هي البحث عن الجديد داخل النفس.. ويبقي الاختلاف في الوسيط المستخدم في العملية الفنية".(13)
ويتأكد هذا جليا من خلال الأعمال الفنية التى التقت مع عالم نجيب محفوظ الروائى "فى عام 1959 صاحبت ريشة الفنان الحسين فوزى فصول رواية أولاد حارتنا التى نشرت بصحيفة الأهرام فى مائة رسم على مدى ما يقارب العام ، وقد حفلت اللوحات بالعديد من النغمات بالأبيض والأسود .. تنوعت فيها الإيقاعات مع التحليل المعمارى الذى يعطى الإحساس بالكتلة ويحفل بالتنوع والثراء".(14)
ولأن عالم نجيب محفوظ الروائى يزخر بفنيات التشكيل والرؤية، فقد جذب معه فنانين كثر ليلتقيا الأدب مع التشكيل " ولا شك أن من أهم الأعمال الفنية التى تقابلت مع عالم نجيب محفوظ ما قدمه الفنان سيف وانلى من ترجمة تعبيرية لشخوص المرايا، التى صاحبت الرواية حينما كانت تنشر بمجلة الإذاعة والتليفزيون عام 1971.(15)
ومن أعمال نجيب محفوظ الكثيرة التى التقت فيها الكلمة والصورة كان من خلال "أحلام فترة النقاهة" التى كتبها بعدما توقف عن الكتابة لفترة طويلة، تجلت خلالها رمزية الألوان والتشكيل البصرى على النحو التالى:
أفق داكن وسحابات خضراء، بساط أخضر، قط فرعوني يسير هادئا بثبات، أرجله القصيرة تتحرك فوق البساط الأخضر.
طيور بيضاء تجتمع فوق البساط الأخضر هي طيور ممتلئة سمينة أقرب شكلا إلي الغنمات منها للطيور.
جسد أخضر لفتاة في حالة تجانس مع البساط، جسد شاب وشعر أسود كالليل يطير، ويد تحتضن زهرة حمراء تضفي بهاء ورونقا علي وجه برتقالي مجرد الملامح والتفاصيل، قمر مضيء بالأصفر والأحمر يحتل موقعا يربط الفضاء الداكن بزرقته بخضرة البساط، وشذرات من الأبيض المشوب بالبني تحيط جسد الفتاة وتحول البصر إلي شجرات أربع في الأفق تؤكد العلاقة بين فضاء وبساط.
وتتعدد مظاهر التشكيل البصرى ورمزية الألوان فى العديد من السرد العربى كما فى رواية "الضوء الأزرق" للروائى حسين البرغوثي فى تحليله لعناصر اللون ودلالتها عندما يقول:
عندي، الأزرق لون الغربة، والغيب، وسماء الطفولة. وربما أن لنواياي السيئة لوناً أزرق.. مرّة تعلّمت العزف على البيانو، و"ألفت" لحناً ساحراً قصيراً، وعزفته لمدّة طويلة جداً، يوماً بعد يوم. ولم أنتبه لسيّر حبي له حتى قرأت كتاباً لموسيقار أسود، يزعم فيه أن لكل "نوتة" موسيقية لوناً خاصّاً بها.
ثم يكمل:
وعند السود في الولايات المتحدة، الأزرق لون المعاناة، "لماذا أنا حزين و أزرق؟"
أما القاص عبده جبير فى قصة "فارس على حصان من الخشب" فإنه استغل المساحات واللوحة والفرشاة والألوان فى رسم الشخصية والجو المحيط بما يوازى الصورة التشكيلية:
هل أنتِ متعبة؟ هل أنتِ .. ؟
أنا لا شيء. فقط. لو أنني أستطيع أن أجلس بنفس الروح لأكمل الرسم.
حاولي. استعيني بالمقعد الواطئ.
جلست ووجها إلى اللوحة، وضعت الريشة في يدها كما وضعت الألوان على مائدة صغيرة بجوارها، وصنعت لها كوباً من الشاي ووضعته بجوارها، وتراجعت وجلستُ بعيداً في نهاية الصالة الفسيحة وأنا أقلب صفحات الجريدة.
رفعت يدها الرقيقة وهي ترتعش، ولامست الورقة البيضاء ثم سقطت يدها إلى جانبها، وظلت منحنية للأمام، وشعرها الفاحم يغطي رقبتها الطويلة البيضاء.
إن العلاقة الجدلية بين التشكيل والشعر تتجلى من جهة أخرى في‮ ‬لجوء الشعراء إلى استخدام شكل طباعي‮ ‬جديد ومغاير، ‬فبدلا من الكتابة الأفقية والمتتالية، ‬يتم اللجوء إلى وسائل طباعية وبنائية‮ (‬تشكيلية‮) ‬بحيث‮ ‬ينحو الإخراج الطباعي‮ ‬إلى تنظيم القصيدة كلوحة في‮ ‬فراغ‮ ‬الصفحة‮، ‬وكان القصد صدم حاسة البصر، ‬وليس الذهن فقط، ‬بتنظيم أو تنسيق عناصر القصيدة على الصفحة مثلما‮ ‬يفعل الرسام عندما‮ ‬يملأ قماش لوحته‮.‬(16)
وفى قصيدة "ويستحقون الحياة الأخيرة" ص9 من ديوان مرايا العطش للشاعر عمارة إبراهيم نموذج لعملية التشكيل الطباعى التى تعتمد على التشكيل البصرى واللغوى معا، والتى جاءت على هذا النحو:
يقولون:
إن البحر
هائج
ذهبنا إليه
دون جمعٍ
ودون البندقية
ورحنا
نعيد الروح حقلاً
وبيتاً
صلاة فوق الدروب(17)
أما الشاعر إبراهيم خطاب فقد استغل المساحات البصرية على نحو مغاير للكتابة الأفقية معتمدا على تشكيل المعنى اللفظى بما يوازى الرؤية:
كم سطر باقى لفردسة
ميامينك الخجلى
نعالك
يا
ياقوت الجسد
ت
خ
ط
إحساسك
كنغمة موسيقى(18)
ويقول فى قصيدة أخرى:
الأشواق
سفاف
م
ن
ث
و
ر
كتر ألف خيرك- يا عديلة- وهمى.. (19)
من خلال النماذج السابقة يتضح أن هناك تأثيراً وتأثيراً مضاداً بين (الرسم والشعر) لكن الناقد سمير غريب يقول:"أثرت الفنون التشكيلية وستظل تؤثر فى الوسط المحيط بها. ولم ولن يقتصر تأثيرها على نقاد ومؤرخى الفن فقط. وإذا كان هؤلاء يمثلون الجانب المتخصص فى العلاقة بين الفنون، إلا أن علاقة الجمهور العام بها هى هدف علاقة النقاد والمؤرخين بها، وبين الاثنين – الجمهور والنقاد- تقف فئة وسط.. لا تجهل الفنون التشكيلية، وليست متخصصة فيها. إنهم الكتاب بشكل عام، وهؤلاء لعبوا وسيلعبون أدورا مهمة فى تاريخ الفنون وانتشارها وعلاقتها بالمجتمع، فهم أكثر شهرة فى المجتمع من النقاد والمؤرخين المتخصصين وربما أكثر تأثيرا بشكل عام أيضا.
ومن جهة أخرى فإن علاقة هؤلاء الكتاب بالفنون التشكيلية توضح فكر هذا الكاتب وشخصيته. وتلقى مزيدا من الضوء على كتاباته، فبلا شك كلما تكاملت الفنون عند الكاتب كان أصدق وأعمق تعبيرا واتسعت ملكاته وتعددت مداركه ورق إحساسه وشعوره."(20)
وعلى الجانب الآخر "يرى رينيه ويليك أن الفنون قد سعت لأن تقترض التأثيرات من بعضها البعض، وأنها نجحت إلى حد كبير فى تحقيق ذلك، لكنه يذهب إلى أن تلك التأثيرات ليست فى النهاية أمرا متماثلا "وما وصفه النحت حين تطبق على الشعر سوى استعارة غامضة، تعنى أن الشعر ينقل انطباعا متشابها بشكل ما لتأثيرات النحت الإغريقى: برودة ناتجة عن الرخام الأبيض أو مصبوغات اللدائن، سكينة، وطمأنينة، صفاء، خطوط بارزة حادة. على أننا لابد أن نعترف بأن البرودة فى الشعر شئ يختلف تمام الاختلاف عن الإحساس اللمسى بالرخام، أو عن عملية إعادة التركيب الخيالية لذلك المدرك الحسى المكتسب من البياض، وأن السكينة فى الشعر شىء مختلف جدا عن السكينة فى التمثال.(21)
إن صلة الشعر بالموسيقى أو الرقص بعيدة عن إدراك النقاد، بينما رسخ فى أذهانهم عقد الصلة بين الشعر والفنون التصويرية، وهذا ما يتفق عليه د. عبد الغفار مكاوى حيث يقول:"إن مئات من الشعراء والفنانين تبادلوا التأثير والتأثر، فاستلهم الشاعر اللوحة والصورة والنقش والتمثال، والمعبد والمسلة والزهرية والإيقونة، وسجل إلهامه فى قصيدة، كما استوحى الرسام والمصور والمثال والخطاط ومصمم البناء والمعمار..إلخ قصيدة شاعر من الشعراء فرسم وصور وخطط وجسم ما كان الشاعر قد تخيله وصوره بالكلمة والوزن والإيقاع، وقصة هذا التأثير المتبادل بين الفنون – خصوصا فن الشعر وفن الرسم- قصة طويلة يقدر عمرها بثلاثة آلاف سنة فى تاريخ الأدب والفن".(22)
إذاً هناك علاقة ومنطقة مشتركة بين التشكيل والأدب يسعى كلاهما فى اكتشاف الأشياء المفارقة والمتناقضة ظاهريا ويعبران عنها بالكيفية المميزة لهما سواء كان بالإشارى اللغوى الرامز أو بالإشارى البصرى التمثيلي.
المصادر
(1) ضياء العزاوي - مجلة مواقف عدد (72 ) صيف 1993 .
(2) د. عبد الغفار مكاوى – قصيدة وصورة -عالم المعرفة، عدد (119)- 1987.
(3 (المصدر السابق.
(4) د. عبد الغفار مكاوى – قصيدة وصورة -عالم المعرفة، عدد (119)- 1987.
(5) أحلام مستغانمي - رواية ذاكرة الجسد.
(6) المصدر السابق
(7) باولو كويلو - أحدى عشرة دقيقة- أخبار الأدب العدد 620 الأحد 29 مايو 2005.
(8) عزت إبراهيم قصيدة بعد الفاصل – مجلة الشعر العدد (127) خريف 2007
(9) منتدى الشعر المعاصر http://www.moaser.net
(10) أنسى الحاج ص146 الأعمال الشعرية الكاملة – ج1 الهيئة العامة لقصور الثقافة 2007.
(11) ديوان الشعر العربى، اختيار أدونيس – ج2 أفاق عربية – الهيئة العامة لقصور الثقافة 2006.
(12) موقع بوابة الشعر - http://www.poetsgate.com/
(13) محمد الشربيني ،أحلام الأديب.. أحلام الرسام، أخبار الأدب الأحد 10ديسمبر 2006 العدد(700).
(14) صلاح بيصار- كتابة بالألوان، مجلة الهلال (عدد خاص : عش ألف عام)، ديسمبر 2005 .
(15) المصدر السابق.
(16) أمين صالح، شعرية اللوحة: شعرية الأشكال http://www.alwatannews.net/
(17) عمارة إبراهيم، ديوان مرايا العطش، أصوات أدبية –2002، الهيئة العامة لقصور الثقافة.
(18) إبراهيم خطاب، ديوان مكابدة الحال ، أصوات أدبية – 2006 الهيئة العامة لقصور الثقافة.
(19) المصدر السابق.
(20) سمير غريب، فى تأريخ الفنون التشكيلية ،ص 66دار الشروق .
(21) رينيه ويليك: نظرية الأدب. ترجمة محيي الدين صبحى. مراجعة د.حسام الخطيب – ص133، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط2، بيروت 1981.
(22) د. عبد الغفار مكاوى ،قصيدة وصورة "مصدر سابق.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,018,089
- أمركة السينما المصرية: بين الاقتباس .. وخصوصية الهوية
- محور التماس بين القاهرة 30 .. والحرام
- صعب الرجوع
- آخر مواسم للحصاد
- قصائد من ديوان آخر مواسم للحصاد
- الجماعة الشعبية .. ومفهوم الشرف


المزيد.....




- بملابس شخصيات فيلم -موانا-.. محمد صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنت ...
- صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنته مكة على طريقة الفيلم الكرتوني -م ...
- وزارتان بلا ثقافة.. كاتب يمني ينتقد صمت اتحاد الأدباء والكتا ...
- روبوت فنانة على شكل إنسان: هل يمكن أن نصنع فناً من دون مشاعر ...
- شاهد.. ماذا تبقى من آثار الموصل؟
- هل يصعب على الموسيقات العسكرية العربية عزف النشيد الوطني الر ...
- بعد الاستقلال.. حزب الكتاب يدعو الحكومة لتقديم تصريح أمام ال ...
- حزب الاستقلال: تقديم الحكومة لبرنامج جديد أصبح ضرورة ملحة
- دومينغو ضيفا على RT عشية إحيائه حفلا موسيقيا كبيرا بموسكو (ف ...
- عبد النبوي يثير جدلا داخل البرلمان


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حامد أنور - بين التشكيل والأدب (التأثير.. والتأثير المضاد)