أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ناجي حسين - العراق وفيتنام والكونغرس!















المزيد.....


العراق وفيتنام والكونغرس!


ناجي حسين

الحوار المتمدن-العدد: 2256 - 2008 / 4 / 19 - 06:33
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


العراق هي الكلمة المرادفة لفيتنام, عبارة نجدها مكتوبة على سترات ورايات المتظاهرين الأمريكيين في شوارع بلادهم ضد الحرب على العراق.
ادوارد كينيدي السيناتور الديمقراطي يردد بأن (العراق هي فيتنام جورج بوش) وعلى امتداد ثلاثين سنة لا يزال صدى فيتنام والعراق يتردد, ففي الوقت الذي تعلن فيه مواجهة بين بوش والكونغرس الديمقراطي حول ايجاد استراتيجية للخروج من العراق.. هل يمكن لنهاية النزاع في فيتنام أن تلقي الضوء على الطريقة التي تمكن بوش من التخلص من ورطته في العراق.‏
وعلى أرض الواقع يبدو أن المواجهة بين بوش والكونغرس الديمقراطي غير متجانسة. إنما هو مؤكد أن مبررات الحرب الأمريكية في العراق وفيتنام متماثلة تماماً, تحقيق أمن أمريكا بفعل (دمقرطة) بلد يعتبر حسب زعم بوش بؤرة للإرهاب ومركزاً للتهديد الايديولوجي تجلى بالأمس في الشيوعية واليوم في فئة إسلامية متطرفة, لكن على الصعيد العسكري.‏
يبدو أن التورط الأمريكي في العراق أكثر محدودية. إذ تملك أميركا اليوم في العراق نحو 170000 جندي بينما كانت تملك في فيتنام أكثر من 580000 جندي آخر وجميعهم يقاتلون عدواً وهمياً.‏
وثمة اختلاف هام يتعلق بالتجنيد..فالمحاربون القدماء لم يكونوا ملتزمين كما هو عليه الآن, وثمة جنود فتية قد أدوا مهامهم العسكرية على أكمل وجه.‏
وأخيراً لا مجال هنا للمقارنة بين عدد الضحايا في فيتنام والعراق حيث قتل في فيتنام نحو 58000 جندي أمريكي خلال عشر سنوات بينما قتل في العراق 4000جندياً آخرين وأكثر من 120000 جريح ومعاق خلال خمس سنوات.‏
ولكن في واشنطن التاريخ يعيد نفسه فاليوم كما في الأمس, يبقى الكونغرس المكان حيث يحل فيه النزاع وبإيقاع يبدو اليوم متسارعاً (لأن العراق يتوارى خلف ظلال الفيتنام) والرجال هم ذاتهم .. هنري كيسنجر, رجل اتفاقات باريس عام 1973 يسدي اليوم نصائحه للبيت الأبيض, وباستثناء بوش ونائبه ديك تشيني اللذين ظلا في الحلف, يبدو أن عدداً من زعماء القضية تلازمهم تجربتهم.‏
وبدءاً من جون ماكيلان إلى جون وورنر وزير البحرية وجون مورتا المحارب القديم والنائب في مجلس الشيوخ في موجة ما بعد نيكسون عام ,1974 فإن البرلمانيين ينظرون إلى العراق على ضوء تجاربهم التي استخلصوها على مدى ثلاثين سنة , لكن الجميع لم يستخلصوا الدروس نفسها من التاريخ...‏
وجون ماكيلان وشوك هاجل, العضوان الجمهوريان في مجلس الشيوخ الأمريكي, تختلف نظرتهما, فالأول يدعم تعزيز القوات العسكرية, ويرى أن أمريكا كانت ستفوز في الفيتنام لو كان هذا الكونغرس الأمريكي يتحلى بالصبر أكثر!! و أما العضو الثاني الذي تم تقليده مرتين وسام جرحى الحرب الكبار, فيرى أن (الحرب العراقية ما هي إلا نتيجة خطأ في السياسة الخارجية الأمريكية الأكثر خطورة منذ حرب الفيتنام).‏
الحرب في فيتنام تمثل أطول حرب عرفها التاريخ الأمريكي.. لقد بدأت بفصل واحد قارنه البعض بقضية سلاح التدمير الشامل الذي ترى أمريكا أن (الرئيس صدام حسين) كان يمتلكه.‏
يرى روبرت بريغهام مؤلف كتاب (هل العراق فيتنام جديدة) إن السيناريو ذاته الذي تكرر ثانية بعد قرر تشرين الأول عام 2002 قد سمح لبوش باللجوء إلى القوة العسكرية ضد ايران ولقد صوت ا لكونغرس لمصلحة هذا القرار ثم ما لبث أن تراجع الدعم وأسف عدد من البرلمانيين على التصويت.‏
وخلال إعلان أمريكا الحرب على فيتنام كان الرأي العام متحمساً ولطالما انهالت عليه النداءات التي تدعوه للتحلي بالصبر و الخطابات حول (العلاقات المشجعة) من أرض الواقع.. إن القادة الذي دعوا إلى الحرب على العراق لهم نفس صدى القادة الذين دعوا إلى الحرب على فيتنام ولا يختلف تفكيرهم الهمجي عن أسلافهم.. ولكن الجنرال وورنر يأسف لكونه لم يتخذ موقفاً واضحاً عندما كان في إدارة نيكسون.‏
لقد منيت فيتنام بخسائر فادحة وكذلك أمريكا التي خيل لها أنها ستحقق انتصاراً مظفراً, وما أبلغ تعبير وولتر كرونكيت عندما صاح متعجباً في مقابلة تلفزيونية ماذا يحدث , لقد ظننت أننا سنربح المعركة لامحالة.‏
وفيما يخص العراق, فإن التراجع عن دعم الحرب كان مستمراً ولكن تدريجياً, إن انتصار الحزب الديمقراطي في الانتخابات وما تبعه من تقارير بيكر هاملتون مبينة وضعاً (خطيراً) قد سرعت من عملية تنامي الوعي في الصفوف الأمريكية, و في حين أن الديمقراطيين لم يقوموا بحملة حول اقتراح الانسحاب ولكن مجرد »تغيير الاستراتيجية) فقد وجدوا أنفسهم أمام رأي عام بدأ أغلبيتهم بالمطالبة بالعودة إلى إرسال جنود أمريكيين مع بداية عام .2008‏
لم يضع الكونغرس الأمريكي نهاية حاسمة لحربه على العراق ومازال المعارضون يؤيدون الانسحاب الفوري من حرب مزعومة تضع عراقيل أمام السلم العالمي وتكبد أمريكا مزيداً من الخسائر.‏
إن الخوف من نتائج الانسحاب من العراق هو ذاته اليوم كما كان في الأمس ويشكل العامل الرئيسي للعجز الأمريكي. إن »قوى الفوضى) ستنتشر في المنطقة (جونسون, عام 1967) وثمة مذابح على نطاق واسع جداً »بوش كانون الأول 2007 ).‏
يرى الجمهوريون أن الحرب على العراق كارثة أفظع من الحرب على فيتنام, ويصرح جون إينسجن بأن »القاعدة ستستمر في العمل ضدنا إن لم تلتزم حدودنا).‏ ولكن تجارب هذه الامة علمتنا ان جميع شعوب الارض قاومت وتقاوم المحتل حتي يسحب قواته مهزوما، ولم تنتصر قوة احتلال في تاريخ العالم القديم، والمنطقة العربية علي وجه الخصوص، ولن يكون مصير الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين استثناء.
نعيش هذه الايام الذكري الخامسة لاحتلال العراق، ولا نري عراقيا واحدا من الذين رقصوا طربا يوم دخول الدبابات الامريكية قلب عاصمة الرشيد يحتفل، او يتبادل التهاني مع اقرانه، ولا نسمع احدا يقول ان هذا اليوم هو يوم التحرير مثلما اراده مجلس الحكم العراقي الذي انبثق بعد الاحتلال مباشرة، وضم نخبة من الذين تآمروا ضد بلادهم، وسهلوا الغزو، وحرصوا علي توفير الغطاء الشرعي له، من مختلف الوان العمائم، ومن جميع المذاهب والاعراق والأحزاب.
أبرز الانجازات التي حققها حكام العراق الجديد هي حذف نجمات العلم العراقي، ونهب عشرات المليارات من عوائد النفط، وتسهيل عمليات التطهير العرقي، والفرز الطائفي، ونشر ثقافة الموت ، واقامة الحوائط العازلة، ونقاط التفتيش، وتعميم الفساد، وقتل الوجه الحضاري التعددي للبلاد، وتطفيش الطبقة الوسطي، واغتيال العلماء.
لا نستغرب ان تتزايد الاصوات التي تترحم علي نظام صدام حسين، ليس حبا فيه، وانما كرها بالوضع المأساوي الذي وصلت اليه البلاد، حيث لا امان ولا وظائف ولا استقرار.. بل لا مياه ولا كهرباء ولا كرامة شخصية او وطنية. فأكبر اعداء النظام السابق يقولون علي الاقل كان هناك اولا نظام ثم بعد ذلك يمكن القول انه دكتاتوري وطني، اما الآن فهناك فوضي دموية مغولية عارمة.
عندما قدر لاري ليندزي المستشار الاقتصادي للرئيس بوش تكاليف حرب العراق بحوالي 200 مليار دولار كحد اقصي في مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال سارع البيت الابيض بنفي ذلك بشدة باعتباره رقما مبالغا فيه، وقال بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الامريكي وأحد ابرز مهندسي الحرب والمحافظين الجدد، ان النفط العراقي سيسدد تكاليف عملية اعادة البناء والاعمار. واكد دونالد رامسفيلد وزير الدفاع ان تكاليف الحرب لن تزيد عن خمسين مليار دولار. الكونغرس الامريكي يقدر تكاليف الحرب حاليا باكثر من عشرة اضعاف تقديرات المستشار ليندزي المسكين الذي طرده البيت الابيض بعد ذلك لانعدام الخبرة والكفاءة.
الحرب في العراق هي اكبر خدعة في التاريخ، والمخدوع الاول والاكبر هو الشعب العراقي، وبعد ذلك الامة العربية، خاصة الذين شاركوا فيها بشكل مباشر او غير مباشر من حكامها. اما نحن، الشيوعيين العراقيين الوطنيين ، فلم نكن أبدا من بين المخدوعين، وقلنا ان أستمرار الحصار الجائر بحق الشعب يدمره, وقلنا أن الحرب الحقيقية ستبدأ بعد سقوط بغداد وليس قبله.لقد لعبت زمرة عزيز محمد –حميد مجيد موسى العميلة في عقد الاتفاقات السرية مع الاحتلال في تدمير العراق وقتل شعبه وتشويه صورة الحزب الشيوعي العراقي التي خطفت اسمه وتتاجر بالشهداء وتاريخه.
لا يكفي ان نسرد الخسائر، أو نغرق في المقارنات، المطلوب هو محاسبة كل الذين تسببوا في هذه الكارثة، ابتداء من الرئيس جورج بوش، مرورا بحليفه توني بلير، وانتهاء بالطابور الخامس العراقي. فلا بد ان يستريح شهداء هذه الحرب الذين فاق تعدادهم المليوني من أبناء العراق في مقبرتهم الجماعية مطمئنين الي ان هناك من لم ينساهم، ويريد القصاص من كل الذين تسببوا في تيتيم اطفالهم وتمزيق وحدة بلدهم واغراقه في الدماء. بعد خمس سنوات من الاحتلال وخمس سنوات من الشراكة الايرانية مع المحتلين وعملائها في حكومة طائفية عرقية شوفينية قذرة لم يتمكنوا من حل أي شيء في العراق لقد خلقوا مأساة في العراق ستظل تلاحقهم دهورا. فأين المفر للمحتلين وشركائهم الفرس وعملائها في حكومة طائفية عرقية شوفينية قذرة من قتل الملايين وغص المستشفيات بالجرحي وملء الشوارع بالمعاقين وتهجير ثلث الشعب العراقي واكراه العراقيين علي الانفصال عن بعضهم البعض وهم المتزاوجون بمئات الألوف من العائلات؟ اما عن مستوي العيش فحدث ولا حرج في بلد لم يعرف الجوع حتي أثناء سنوات الحصار الجائر. مرت خمسة سنوات على الاحتلال وأذنابه كانها خمسة عقود ذل واضطهاد فساد قتل تشريد وارهاب ميليشيات ومغاوير طائفيين وميليشيات كردية متصهينة أجهزة فاشية ما انزل الله بها من خليفة تمثل دونية المنشأ والتخطيط الداعي الى انهاك المجتمع العراقي المتجانس الطوائف
التي فاقت عصورا مشابهة فقد الانسان فيها حقوقه واهدرت كرامته وبكل وقاحة دعى هؤلاء المغول الجدد على لسان مسؤوليها فقد صرح وزير الخارجية الامريكية الاسبق بيكر بقوله سنعيد العراق الى العصور الوسطى ,اما مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة فقد قالت بدون خجل او وجل ماذا نستطيع ان نفعل مع العراق غير تدمير عقوله التي لا تستطيع القنابل النووية ان تدمرها.خمس سنوات من الاحتلال ومعه عملائه في حكومة طائفية عرقية شوفينية الذين دمروا العراق أرضا وكيانا وثروات وبنية تحتية.. ونشرت الإرهاب.. والحرب بذريعة زرع الديمقراطية بالاحتلال .. زرعت الفوضى الهدّامة وآثام أبو غريب والحديثة والفلوجة وغيرها.. الحرب التي مضى عليها خمس سنوات ما زال الرئيس الأمريكي المجرم بوش الابن -وهو على وشك الرحيل- يصرّ على أنّها كان لها ما يسوّغها وأنّها حققت أهدافها.
فهل كان التدمير والخراب والتقتيل والتشريد والقضاء على مقومات النهوض هي الأهداف الأمريكية من هذه الحرب؟ يبدو أنّ هذا جميعه كان مطلوبا من أجل ترسيخ الهيمنة الأمريكية إقليميا وعالميا، وهذا ما لن يتحقق، فمعالم الهزيمة الأمريكية تزداد ظهورا مع مرور خمس سنوات على تلك الحرب وما ارتُكب فيها من جرائم وما صنعته من المآسي، وما لا تزال تسبّبه حتى الآن، لا تتسع له سوى صفحات التاريخ، وسيسجّل التاريخ على هذه الزعامة الأمريكية أنّ ما صنعته في حرب احتلال العراق، لا يقلّ شأنا عمّا صنع أسلافها في هيروشيما وناجازاكي ودرسدن في الحرب العالمية الثانية، وفي فيتنام وما قبلها وما بعدها فيما تلاها من مسلسل حروب الهيمنة الأمريكية. لكن الهزيمة الأكبر كانت بانتظارها في العراق، وقد فقدت إلي الآن ـ بأرقامها الرسمية ـ أربعة آلاف جندي من قواتها الرسمية، وأكثر من نصف هذا الرقم من قواتها غير الرسمية في شركات المرتزقة الأمنية، أضف إلي ذلك عشرات الآلاف من الضباط والجنود انتهوا إلي حالة عجز بدني دائم، أو إلي تلف أعصاب وجنون بالجملة، وقد بدا الثمن الدموي فوق مقدرة أمريكا علي التحمل، وإلي حد أن اثنين من فرسان انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة يطلبان الانسحاب من العراق، باراك أوباما يطالب بانسحاب فوري، وهيلاري تطالب بانسحاب أقل فورية، بينما تتناسل غباوة بوش في المترشح الجمهوري جون ماكين، والذي يقدم نفسه للجمهور الأمريكي باعتباره بطلا في حرب فيتنام، أي أنه يقدم للناس بطاقة بطولته في حرب هزمت فيها أمريكا، وكأن الهزائم هي ميدان البطولات، وهو ذات العوار النفسي الذي يدفع ماكين للتهديد ببقاء أمريكا في العراق لمئة سنة مقبلة، بينما لا يريد بوش ـ عنوان الخيبة ـ انسحابا متعجلا يؤكد الهزيمة في العراق. وفوق فاتورة الدم، تبدو المؤسسة الأمريكية ـ الأبقي من الرؤساء ـ في حالة غم، فقد ذهبت أمريكا للعراق من أجل البترول أولا، ولم تكن قصص أسلحة الدمار الشامل، ولا دعاوي علاقة صدام حسين بتنظيم القاعدة، ولا حتي إسقاط صدام حسين نفسه، لم تكن تلك كلها سوي ذرائع ووسائل، وستار كثيف من دخان الأكاذيب، وبروباغندا صاخبة قصدت التخفي بالهدف الأكثر جوهرية، وهو سرقة بترول العراق في الحال والاستقبال، فلدي العراق احتياطي بترول تقدر قيمته في الحد الأدني بثلاثين تريليون دولار، وهذا هو الكنز الذي ذهبت أمريكا لسرقته في العراق،وحماية أمن إسرائيل, وارتكبت من أجله أشنع الجرائم، قتلت مليون عراقي لأجل البترول، وشردت أربعة ملايين، وحجزت عن الشعب العراقي ثروته العظمي، ونزلت بنصف العراقيين إلي ما تحت خط الفقر المدقع المقدر بدولار واحد في اليوم، وحرمت ثلاثة أرباع السكان من مياه الشرب، وتضاعفت بأرقام البطالة إلي نصف القوة العاملة بتقديرات تقرير مثير لمنظمة العفو الدولية.
كانت تلك مأساة مرعبة بذاتها، فوق أن دولة العراق جري تفكيكها عمليا، وجيش العراق جري حله منذ أول أيام الاحتلال، أي أنها وضعت العراق في الجحيم، لكنها ـ مع ذلك ـ لم تصل إلي جنة البترول، بل دفعت ـ فوق فاتورة الدم ـ فاتورة مال باهظة التكاليف، فقد أنفقت أمريكا علي حربها في العراق 500 مليار دولار إلي الآن، ولو قدر لها أن تبقي في العراق إلي أواسط العقد المقبل (2015)، فسوف تقفز التكاليف الأمريكية إلي ثلاثة تريليونات دولار، أي أن أمريكا التي ذهبت إلي العراق لتكسب مالا وبترولا، وجدت نفسها تسحب من رصيدها.. وعلي المكشوف، وتزيد من عجز ميزانيتها المزمن، وإلي حد أن أصبح الدولار تهمة لا نعمة، وتراجعت قيمته كما لم يحدث من قبل، وصار رجل العملات المريض، وبدت حرب العراق ـ بتوابعها الاقتصادية ـ كأنها حظ أمريكا النحس في لعبة الأمم.
وكثيرا ما يقال إن حرب العراق تشبه حرب فيتنام، ورغم إغراء التشبيه بإيحاءات الهزيمة الأمريكية فيه، إلا أن حرب العراق تبدو أكثر تأثيرا في مصائر العالم من حرب فيتنام، فللوهلة الأولي تبدو مقاومة فيتنام ـ في زمانها ـ علي حال أفضل لوجستيا، كانت مقاومة الفيت كونغ في جنوب فيتنام موصولة بالدعم من هانوي عاصمة الشمال، وكانت هانوي ـ هي الأخري ـ متصلة خطوطها بدعم سخي من الصين والاتحاد السوفييتي السابق، وكان لهزيمة أمريكا في فيتنام أثرها في مد عمر توازن دولي من نوع خاص، كان لها أثرها في مد عمر استقطاب ثنائي علي القمة الدولية بين واشنطن وموسكو وقتها، أي أن أثر حرب فيتنام كان ظاهرا في تثبيت صورة لعالم معين.
بينما يبدو أثر حرب العراق مختلفا في المغزي، فهو أقرب إلي تغيير صورة لا تثبيت صورة، صحيح أن المقاومة العراقية تبدو محرومة من خطوط دعم، وهذه معجزة في حد ذاتها، أن تبقي مقاومة دون شرايين دعم موصولة عبر الحدود، وعلي ما يبدو من تناقض وتعدد لانهائي في فصائل المقاومة العراقية، فإن مقدرتها البادية توحي بمدد من خزان لا ينفد، وصناعة عسكرية ذاتية، وارتباط هائل بالسكان إلي الغرب والوسط والشمال الكردي بأكثر منه إلي الجنوب الشيعي، تبدو المقاومة العراقية كدولة تحت الأرض، دولة كاملة بأجهزة مخابراتها ونظامها السياسي والعسكري ، وهو ما يمدها بطاقة شهادة تنظيم عصري في وقت واحد، ويفسر مقدرتها الهائلة علي التجدد كلما بدا أنها انتهت، وعلي رسم سياسة هندسة عكسية لما تريده أمريكا بالضبط، وتحويلها لحكومة الاحتلال إلي مجرد رسم كاريكاتوري، وإلي ما يسمى رئيس وحكومة ووزراء وبرلمان غير شرعيين يتخفي خلف حواجز المنطقة الخضراء، أو ربما وراء الحدود غالب الوقت، فهي حكومة تراسل شعبها ولا تحكمه، وتكتفي من مغانم السلطة بجوائز السرقة العامة، وهو ما يفسر كيف أن دمي مثل العميل الطالباني والعميل المالكي ـ وغيرهم ـ في حالة فزع كلما ذكرت كلمة الانسحاب، فهم الأشد تمسكا ببقاء قوات أمريكا بأكثر مما تريد واشنطن ذاتها، فدولة المقاومة قادرة علي هزيمة دولة أمريكا بالعراق في بضع ساعات، وبمجرد أن تنسحب قوات أمريكا من العراق، أو حتي أن تركز انتشارها في قواعد دائمة محجوزة بالجغرافيا علي خريطة العراق نفسه، وهو ما يعني أن أمريكا ذهبت إلي المستنقع العراقي لتغوص أقدامها فيه أكثر فأكثر، ودون مقدرة علي تحقيق الهدف الأصلي بسرقة البترول، وبلا مقدرة علي تثبيت نظام موال لها، ولا مقدرة علي إعادة رسم خرائط المنطقة بخطة الشرق الأوسط الموسع، ولا مقدرة علي مد عمر الهيمنة والتحكم الأمريكي في مصائر العالم الأوسع.
في كتابه صعود وسقوط القوي العظمي ، تنبأ المؤرخ الأمريكي الشهير جون كينيدي بمأزق أمريكا الأخير، كانت البوادر ظاهرة في ركود الاقتصاد الأمريكي في الثمانينيات، وقد أعقبه انتعاش نسبي في التسعينيات، وإلي ما قبل غزو العراق، لكن العلة ظلت علي حالها، زيادة مخيفة في عجز الميزان التجاري لصالح اليابان فالصين، وتراجع مطرد في الطابع الإنتاجي للاقتصاد، وزيادة مطردة في مكون المضاربات المالية واقتصاد الخدمات، ولجوء غريزي إلي تعويض النقص بتضخيم عضلات السلاح، أي التحول المطرد ـ والوصف التالي من عندنا ـ إلي سرقة العالم بإكراه السلاح، ونتصور ان ما جري له دوافع مضافة إلي تناقض ثنائية الاقتصاد والسلاح التي ذكرها كينيدي، فصورة العالم كله كانت تتغير باطراد في الثلاثين سنة الأخيرة، وقوة الاقتصاد والتكنولوجيا كانت تتمدد فوق الخرائط بصورة لم تحدث في الخمسة قرون الأخيرة كلها، ففي اللحظة التي بدا فيها لأمريكا أنها تحمل الكرة الأرضية فوق أصابعها، كانت حقائق العالم تقول العكس، بدا سقوط موسكو الشيوعية الدرامي مؤاتيا لأمريكا، كذا دمج شرق أوروبا ـ الشيوعي سابقا ـ إلي غربها، وفي الوقت الذي بدت فيه تحولات العالم في الغرب والشمال لصالح قيادة أمريكا لغرب يحكم العالم، كان العالم الأوسع يفلت من هيمنة الغرب التاريخية، كانت الدنيا في الشرق والجنوب تتغير بكثافة وسرعة، وكان زهو أمريكا بقواتها الأحادية القطب أقرب إلي الوهم والافتراض التخيلي، فقد نزل الاقتصاد الأمريكي من مكانة نصف اقتصاد العالم عقب الحرب الثانية، وانتهي إلي ما يزيد قليلا عن ربع اقتصاد العالم في بدايات القرن الجاري، وجري كسر احتكار أمريكا لسلاح الرعب الذري في نهاية الحرب الثانية، وتوزعت القوي النووية ـ سلمية وعسكرية ـ علي أكثر من ثلاثين دولة، وبدت القوي الناهضة في الشرق والجنوب الآسيوي واللاتيني كأنها قلب الحركة الفوارة لعالم تتغير موازينه، ودون إنكار لديناميكية أمريكا كدولة استقبال لمهاجرين ممتازين من زبدة عقول الدنيا كلها، فإنها سوف تظل ـ علي الأرجح ـ قوة عظمي ومؤثرة علي خرائط العالم، لكنها ـ بالتأكيد ـ لن تظل في مكانة القوة الأعظم، وربما كان الخوف الغريزي من تدني المكانة، والرغبة في التعويض بامتياز سلاح تبقي لها، ربما كان ذلك ما دفعها إلي حرب النهاية في العراق ، والتورط في حرب استنزاف لهيبة الصورة الأمريكية بعد تشوش الأصل، إنها حرب أمريكا الأخيرة التي لن تنتصر فيها أبدا.
والعراقيون اليوم لا يضطلعون علي كلمة سواء، توحّد شعثهم وتلمَّ شملهم في مقاومة تماسكية شاملة، تخرجهم من دائرة الاحتلال وعملائه ، وتدفع جيوش الغزاة، لكي يعودوا إلي قارتهم وراء البحار، منكسرين مخذولين بائسين، وتغريم الظالم المعتدي سيئات أفعاله وجرائمه وأكاذيبه في العراق.
أن مصدر الأمل لكل العراقيين هو مقاومتهم الوطنية الباسلة ولا شيء غير مقاومتهم حتي يستعيدوا حقهم في الحرية ويمارسوا حقهم في أقامة حكومة العراق موحد مزدهر. السبب الرئيسي للاستقالة وليام فانون يعود إذن إلي المقاومة التي ووجه بها المشروع الأمريكي في المنطقة. فالمقاومة هي التي أقالت وليام فانون، وإليها يعود الفضل في إجباره علي الانسحاب من منصبه. فكما طردت المقاومة بالأمس، دونالد رامسفيلد، وجون بولتون، وولفوفيتز.. من قلب البيت الأبيض، وطوحت بهم خارجه، فإن نفس المقاومة تجبر اليوم، وليام فالون علي تقديم استقالته. بصيغة أخري، هــذه الاستقالة عنوان بارز لفشل المشروع الأمريكي وتخبطه في المنطقة.
وفرصة العام الجديد 2008، هي الفرصة التاريخية الحاسمة في تفعيل المقولة الشهيرة: أكون أو لا أكون . أمام العراق والعراقيين، ولا ينبغي جعلها فرصة مرسومة بإرادة الغزاة ولا تمثيلية رديئة لممثلين فاقدين في دواخلهم مسؤولية التحرر الوطني، ولا تدلل سيرتهم الذاتية المجبولة بالفشل والانتهازية والعمالة، إلاّ علي كونهم ذوي الشهوة والخيانة وبيع البلاد، لأنَّ ذلك سوف لا يقيم وزنا لذكر الشعب المقاوم، ولا للوطن المقاوم، وسيجعل من بلاد الرافدين، حكاية تاريخية عن حضور قديم، غائب في لحظة الصواب والحقيقة عن حيويته في مستقبل الأيام.
فالعام الحالي الجديد 2008 دخل غمار الحرب والنار في معركة احتلال العراق، ليحرص العراقيون علي جعله عاماً خالصاً من أجل العراق، عاماً تاريخياً لاستعادة الذات والخصوصية من المحتلين السارقين والمتطفلين والطارئين والفاسدين والغرباء، ليكن عام العراق، مقاومةً ورفضاً حقيقياً للباطل، وإثباتاً يقينياً لخسارة المعتدين، وليس عاماً تمثيلياً لبوش وتقليعاته البائسة، ولا لأمريكا الغازية بإدارة الحزب الديموقراطي القادم.
فليس سوي العراق. .. فانتبهوا أيها العراقيون!
وليس سوي العراقيين. .. فانتبهوا أيها الناس!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,406,116
- تقرير أميركي.. وأغتيال علماء العراق !
- عراق أمي
- مقام الكلام الجميل
- زمانٌ خؤوُنْ
- هل يستحق ما يقارب مليوني عراقي لجنة تحقيق دولية؟
- رسالة من طفل عراقي للمجرم بوش عنوانها:من فم المأساة أكتب كلم ...
- الفيلم
- التشوهات تطارد أطفال العراق إلى 100 عاما قادما
- وليكن.. مايكون
- أيُّ عراق هذا؟!


المزيد.....




- ارتدت اللون الأخضر في باكستان..هكذا بدت كيت ميدلتون في جولته ...
- 7 نصائح لتحسين الهضم أثناء الحمل
- تقرير.. مأساة الأطفال غير المرئيين!
- مقتل شرطيين اثنين وجرح 20 طفلا في انفجار في أفغانستان
- وزير الدفاع القطري يستبعد وقوع حرب بين إيران والولايات المتح ...
- مقتل شرطيين اثنين وجرح 20 طفلا في انفجار في أفغانستان
- وزير الدفاع القطري يستبعد وقوع حرب بين إيران والولايات المتح ...
- شاهد: شاب من غزة يحيي الجنيه الفلسطيني ويزيّنه بوجوه سياسية ...
- لبنان.. من هنا مر الحريق
- نيويورك تايمز: خمس حقائق مزعجة في قلب العلاقة الأميركية التر ...


المزيد.....

- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكرأوالمقولة التي تأدلجت لتصير ... / محمد الحنفي
- عالم داعش خفايا واسرار / ياسر جاسم قاسم
- افغانستان الحقيقة و المستقبل / عبدالستار طويلة
- تقديرات أولية لخسائر بحزاني وبعشيقة على يد الدواعش / صباح كنجي
- الأستاذ / مُضر آل أحميّد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ناجي حسين - العراق وفيتنام والكونغرس!