أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - الثامن من آذار 2008 يوم المرأة العالمي - لا للعنف ضد المرأة - ناجي حسين - عراق أمي















المزيد.....

عراق أمي


ناجي حسين
الحوار المتمدن-العدد: 2222 - 2008 / 3 / 16 - 11:24
المحور: ملف - الثامن من آذار 2008 يوم المرأة العالمي - لا للعنف ضد المرأة
    


أمي : منبع جمال قلبي .. زينة روحي، كما تعلمين فإن كل وردة تستمد جمالها من جمال التربة التي تنمو عليها وأن اللغة التي تعلمتها منك هي أن التراب نداء ووطن في آن واحد ، إذا كنت تذكرين كنت أقول لك دائماً : (عراق أمي ) ، حين كنت أناديك كنت أقول (عراق) ، كان ذلك في طفولتي ولم أكن أعلم حينها أن الأم هي التراب بالحقيقة ، فهمت اليوم أكثر أن قلوب الأطفال البريئة تجذبهم نحو تربتهم الحقيقة . أنت تعرفين أبنك الذي أرضعتيه من حليبك أكبر من القمر ، عندما ابتعدت عنك قلت لي : ( فليكن كل ما تأكله وتشربه حلالاً كحليبي الذي شربته لم أفهم معنى كلمتك حينها لكنني فهمت بعد سنوات طويلة أن تلك الجملة كانت أمر لأكون عفيفاً وذي أخلاق ولم أبيع بلدي للاحتلال) ، بعد سنوات طويلة استنتجت أن التغذية من تراب غير ترابنا أمر حرام ، والطعام الحلال هي الرضاعة من تربتنا فقط ، إذا كان مصدر التغذية حراماً فإن الجسم كله يتحول إلى حرامً ، ، في زاوية من قلبي الذي بنيتيه رأيت شيئاً نظيفاً يرقد . اليوم أحب أن أرى أبناءنا يخزّنون أغذية نظيفة ومغلّفة بشكل سليم تحت التراب ، ربما لا نرى تلك الأغذية لكننا نشعر أننا نملك تحت التراب أغذية نظيفة سنأكلها أثناء الضيق ، لفت انتباهي عندما كنا نذهب لتخبأة الأغذية تحت التراب كنت أشعر بنغمة جميلة ترقص على لسان أصدقائي، لم تكن تلك النغمة غريبة عني ، سألت نفسي كثيراً عنها ، فهمت اليوم أنها نفس النغمة التي كنت ترددينها لي أثناء رضاعتي ، فهمت أن تلك الألحان التي كنت ترددينها في طفولتي الآن هي بمثابة كنز في قلبي ، والان أكتب لك هذه الرسالة وأنت في جنان الخلود مع لوعة حزني. لو أردت الصراحة فإنني لم أتضايق يوماً كما اليوم رغم أنني عشت الكثير من المصاعب في السابق والحاضر، هذه هي المرة الأولى التي أناديك فيها من قلبي (عراق أمي ) ، صراخي هذا بسبب غزو بلادي, تلك خيانة التي ترجمت على أيدي أذناب الاحتلال في حكومة غير شرعية ولا وطنية ولدت من رحم غزاة المحتلين أو مصاعب الحياة ، صراخي هذا نابع من أعماقي فقد تعرفت اليوم على نفسي ، علمت أنني مهما ابتعدت عنك فإنني لم أتلوث ، تماماً كما طفولتي ، واليوم شعرت بنفسي أنني أعيش ضمن أوساخ كثيرة ، ندمت كثيراً كوني ما رأيت هذا الكنز في داخلي إلا اليوم . إننا شعب نمونا مع الحصار الظالم والحروب والخيانة لذلك أصابتنا الجراح والنزيف بكثرة ، عندما نقف أمام حقيقتنا وجهاً لوجه فإننا نقوم بالتهرّب من أنفسنا ، لذلك فإن الألم الكبير بالنسبة للشعب العراقي هو (معرفة الذات ) علمت هذا اليوم ، فهمت أن ( معرفة الذات ) هي ( الوطنية في معرفة الذات ) هما في جوهرهما حقيقة الأم أو العودة إلى الأم ، علمت مرة أخرى اليوم سبب مقولة والدنا الذي تحبينه بأن العودة إلى الأم هي العودة هي الحرية بلغتنا الأصيلة وهي الوطنية ، الوطنية في فهمك واستوعابك أن الابتعاد عن الوطنية هو الابتعاد عنك) ، وهذا هو الألم الكبير ، فهمت أن أناسنا غير وطنيين لا يستطيعون أن يكونوا أصحاب شرف ، فهمت مرة أخرى أن منبع الوطنية والحرية هو حليبك الحلال . ربما تتساءلي عن أسباب أقوال أبناءك، وتتساءلي عن الربط بين مقولتي هذه وذهابي إلى المنافي ، كنت تريدين أن أكون في حضنك دائماً ، قبل الآن كنت أعتقد أن العيش في أحضان المنافي هو ابتعاد عن احضانك ، وكنت تعتقدين كلما بكيت عليّ أنني بعيد عن أحضانك ، اليوم فهمت أن العيش في أحضان المنافي هو ليس نفس العيش في أحضانك ، علمت أن العيش المكرّم هو العيش في الأماكن النظيفة التي لم تدنسها أقدام جنود غزاة المحتلين، تماماً كما عفافة الأم ، لم أكن افهم في السابق سبب تخبأة أبي الطيب لك في الغرفة ، اليوم فهمت أنه كان يصون شرفه ( حسب اعتقاده ) ، بالكاد كان يستطيع حماية وصون شرفك لكن أمنا الكبيرة ( الوطن ) كان يتم الإخلال بشرفها وتدنيسها من قبل المحتلين والخونة والعملاء . ذلك الكنز الذي خبئته في قلبي كان يناديني أن أذهب إلى أمي الكبيرة ، كنت أعرف جيداً أن عفافتك كانت ممكنةً بعفافة أمنا الكبيرة ، كون أمنا الكبيرة كانت قد تدنست فإن عفافتك كانت بسجنك بين أربعة جدران وكانت هذه الحقيقة تسبب لي آلاماً كبيرة ، فهمت اليوم أن عفافتك متعلقة بعفافة الأم الكبيرة ، يجب أن نعيش هناك حين تكون أمنا الكبيرة عفيفة، الايادي والأقدام القذرة تتجول في جسد أمنا الكبيرة ، وكنت أعلم أيضاً حين كان طعم حليبك على لساني أن تلك الايادي القذرة تدخل إلى تلك الغرفة التي كنت تسجنين فيها. ربما نسيتِ لكنني ما زلت أذكر تلك المقولة لوالدي في جلستنا المسائية حين يشربنا من ماء جوزة الهند واحدا تلو الأخر , ثم يكسرها ويوزعها علينا بالتساوي في محافظتي البصرة الراقدة اليوم بين الألغام الطائفية النتنة، أريد تذكيرك بالصورة التي في مخيلتي وقلبي ، كان والدي يجمعنا حوله ويحدثنا بأن نكون يد واحدة لا تستطيع أي قوة في الكون قادرة على كسر هذه اليد , ويسوق لنا مثالا: ويطلب منا أن نحضر له سبع عصا من الخيزران, ويتناول واحدة من هذه العصا يقول لي هل تقدر أن تكسر هذه العصا؟ أكسرها أمامه , ثم يهتف بنا بصوت من الشموخ أجمعوا هذه الخيزرانات السبعة وأربطوها مع بعضها البعض , ويطلب منا أن نقوم بكسر هذه المجموعة فلم يستطع أي أحد منا على ذلك , يبتسم بوجهه الجميل كشمس النهار ، يقول لنا : أريدكم أقوياء كقوة هذه الخيزرانات التي لا تستطيع عواصف الرياح على كسرها , نحت كلماته الخالدة في دماغي وقلبي ، لكن غابت كلماته بين أبنائه للأسف الشديد وفتت تلك أمنيته الوحيدة, وفتت تلك الأمنية بين أبناء شعبنا التي مزقته ظروف الحصار بسبب مطالبة الخونة والعملاء بأستمراره والذي خلقت أمراض وحالات غربية وبعيدة عن تقاليد أصالته , ودام منفاي أكثر من 29 عاما , وبقت كرامتي ترفض أن أزور بلدي في ظل الاحتلال, ضغط على مبادئي لبيت دعوة الزيارة , وإذ رأيتهم كالذئاب تنهش بعضها البعض, كان يجب أن يكونوا يدا واحدة في ظل ظروف العصيبة والمحن , أنما ركب في رأسهم الجهل ,السذاجة , الحقد الأعمى, الطمع , بقت أمي الله يرحمها غارقة بحزنها حول شرذمة أولادها لا حول ولا قوة لها , حتى صعد الله بروحها إلى السماء, بقيت وحيداً سألت عن ما حدث حينها رددت لي نغمةً ، تلك النغمة جليت في قلبي الغارق في الدماء ككنز حافظت عليه حتى هنا اليوم في المنافي وفي أحضانك ( أحضان الأم الكبيرة ). تؤلمني الأحاديث التي تناقش سبب وجودنا في المنافي ، والتي تبحث عن سبل مغادرة منها ، هذا ما جعلني أسأل نفسي مرة أخرى .. لماذا نحن هنا في المنافي ..؟ أمي الطيبة : لقد فهمت أن المكان الوحيد الذي بقي عفيفاً من تربة وطننا المدنسة بأقدام المحتلين وأعوانه هي روحك الطاهرة ، تماماً كما تلك النغمة التي تركتيه كنزاً في قلبي ، نعم المنافي ليست هي المكان الأسلم والأنظف لنا . أريد مشاركتك اليوم بألم مفرح كوني علمت مجدداً عن سبب بوح قصائدي في المنافي ، أفهم اليوم أكثر سبب حلاوة مياه الفراتين حيث أن طعمهما تشبة طعم حليبك تماماً ، أفهم سبب دفء النخل ضمن المطر الذي تساقط اليوم والذي يشبه دفئ حضنك، لو شربنا المياه مع العفافة التي تركتيها في قلوبنا فإن المياه ستكون حلوة ، والنخل سيكون دافئاً إذا بقي ذلك المكان الذي صنعتيه في قلبي دافئاً . أردت أن أذكر كل هذه الأمور بلغة أنغامك إلا أنني اليوم (أبكم ) من شدة ألم الحزن، لكنني لست ضعيفاً كوني أعرف أنك ترين كل ما يجول في قلبي أكثر مما أذكره على لساني لو سألت عما أبحثه اليوم في ديارهذه المنافي سأجيبك أنني أبحث عنك . أعرف أنك تريدين السؤال عن وضعي إنني باقي على العهد ومطمئن كما كنت في حضنك تماماً . لو كنت تسألين عن التغيرات التي طرأت عليّ أريد تذكيرك بتلك الليلة وأعلمك أنني لم أكبر بل ما زلت الطفل الذي شاركته آلامك بالنغمات في تلك المحافظة . كنت ترغبين باللقاء بي فانظري الى النجوم سترين في لمعانها لمعان عيوني أثناء طفولتي. ضعي يدك على التراب ستشعرين بنبض قلبي داخله . تريدين سماع صوتي فاسمعي صوت ماء الحياة التي تتوزع من الفراتين نحو كل الوطن فهو صوتي . لو سألت عما أبحث عنه في تلك المنافي سأجيب : كي تتحول عيناي الى نجوم وقلبي إلى تراب وصوتي إلى مياه، ها أنا هنا . ربما تخافين عليّ من الموت !!؟ أمي وهل تطفأ النجوم..؟ ، هل تموت التربة ..؟، وهل يتوقف صوت ماء الحياة الذي يجري في عروق الوطن..؟ ، لذلك أمي لا تخافي من موتي ، فقد وصلت الى الخلود حين كنت بين أحضانك الخالدة أناديك اليوم مع سعادة الخلود ساعياً مشاركة هذه الأحاسيس معك ربما أخفف آلامك بسعادة أبنائك الذين شرعوا للمقاومة الاحتلال وعملائه لتحرير عراقنا وعوده به موحدا مزدهر . اليوم فهمت أن سعادتي هي سعادتك ، وسعادتي تكون ذي معنى إذا ما شاركتها معك. اتركي الجميع يتحدث عن ذهابي الى المنافي كما يحلو له ، ولو سألوك عن السبب تذكري سعادتي هذه ولتضحك عيونك لوحدها، تفهّمك لي وابتسامتك ستكون أمام ناظريّ دائماً. في هذه الليالي المظلمة والباردة سأرى عينيك اللامعة في النجوم وسأسمع نبضات قلبك السعيد كلما وضعت رأسي على التراب أثناء النوم ، وسأستمع إلى خرير المياه التي تجري بجانب بيتنا وكأنها نغمة من نغماتك حينها اسأليني أين أنت ، سأكون حينها ضمن أحضانك واسألي عن وضعي فلن أجيب لأن الأم وحدها تعرف سعادة طفلها وهو في أحضانها مرة أخرى أحتضنك بحب التراب ولمعان النجوم , وصوت الماء الذي يشبه حليبك أشكرك كوني وجدت الكنز الذي خبئتيه في قلبي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- مقام الكلام الجميل
- زمانٌ خؤوُنْ
- هل يستحق ما يقارب مليوني عراقي لجنة تحقيق دولية؟
- رسالة من طفل عراقي للمجرم بوش عنوانها:من فم المأساة أكتب كلم ...
- الفيلم
- التشوهات تطارد أطفال العراق إلى 100 عاما قادما
- وليكن.. مايكون
- أيُّ عراق هذا؟!


المزيد.....




- النيجر: مقتل 12 جنديا بهجوم قرب الحدود مع مالي
- دمشق وطهران توقعان على اتفاق لتوسيع التعاون بين جيشيهما 
- عالم حائز جائزة نوبل: الثقوب البيضاء نظرية خيالية
- صحيفة: ضابط مصري سابق في قوات الصاعقة متورط في هجوم الواحات ...
- حماس: زيارتنا لطهران رفض واضح لشرط إسرائيل
- الخارجية الروسية: مستعدون للوساطة بين الولايات المتحدة وكوري ...
- لا تقدم يذكر في -حوار تونس- بين الفرقاء الليبيين
- مصر.. الإفراج عن إبراهيم حلاوة
- موقف شجاع لشابة مصرية في مواجهة نازي أمريكي
- بالأرقام.. طريق الواحات بمصر -ثغرة- تحصد الأرواح


المزيد.....

- المرأة النمودج : الشهيدتان جانان وزهره قولاق سيز تركيا / غسان المغربي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف - الثامن من آذار 2008 يوم المرأة العالمي - لا للعنف ضد المرأة - ناجي حسين - عراق أمي