أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شاكر النابلسي - ما حال العالم اليوم لو لم يظهر الإسلام؟!















المزيد.....

ما حال العالم اليوم لو لم يظهر الإسلام؟!


شاكر النابلسي
الحوار المتمدن-العدد: 2214 - 2008 / 3 / 8 - 11:23
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


قراءة لدراسة جراهام فولّر المهمة
أصبح الإسلام بعد كارثة 11/9/2001 المفزعة الشغل الشاغل للفكر والثقافة والسياسة الغربية، وخاصة في أمريكا. فقبل أن ينشر الباحث والأكاديمي ومؤلف كتاب (المستقبل السياسي للإسلام، 2003) والمسؤول البارز السابق في وكالة المخابرات الأمريكية (رئيس للمجلس القومي للإستعلامات) المعروف جراهام فولر بحثه المهم في العدد الأخير من المجلة الأمريكية الذائعة الصيت Foreign Policy يناير/فبراير 2008 بعنوان " عالم بلا إسلام" كنتُ قد نشرت كتابي في عام 2002 تحت عنوان "لو لم يظهر الإسلام ما حال العرب الآن ؟" وصدر في بيروت عن "دار الآفاق الجديدة". وكان بيني وبين جراهام فولر تقارب كبير من حيث زوايا المعالجة والنتائج.

وسؤالي وسؤال جراهام فولر ( ما حال العرب والعالم الآن لو لم يظهر الإسلام؟) ينطويان تحت منهاج تاريخي معروف يُطلق عليه "الواقع المضاد Counterfactual "

ويعتمد هذا المنهاج أول ما يعتمد على مقدرة الاستشراف بما يمكن أن يكون عليه الحاضر الآن لو لم تحدث تلك الحادثة التاريخية، أو لو لم يظهر ذلك البطل، أو تلك الشخصية التاريخية التي شكّلت التاريخ والواقع على النحو الذي تمَّ وقام. وكان من رواد هذا المنهاج إيجال كفارت Kvart الذي كتب في عام 1986 كتابه المشهور "نظرية الوقائع المضادة The theory of counterfactual " وقد اتخذت هذه النظرية طابعاً علمياً ومنطقياً بحتاً. وتم تصوير كثير من المواقع التاريخية والسياسية المحتملة على ضوء هذه الحسابات الرياضية، ولعب المنطق فيها دوراً مهماً. وقد انطلق هذا المنهاج من افتراض بسيط جداً وهو: لون أن زيداً من الناس كان يملك أسهماً في البورصة، وباع هذه الأسهم، وبعدها بأيام ارتفع سعر هذه الأسهم، فلو أن زيداً انتظر قليلاً ولم يبع أسهمه، فهل كان سيحقق ربحاً كبيراً، ويكون في واقع مضاد ومعاكس لما هو فيه الآن؟

ويناقش كتابي مجالاً أوسع مما ناقشه غراهام فولر في بحثه. فكتابي يناقش حالة العرب الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لو لم يظهر الإسلام. بينما يركز بحث فولر على الناحية السياسية بشكل خاص.

ما دين العرب الآن لو لم يظهر الإسلام؟

كانت الجزيرة العربية قبل الإسلام تخضع لديانتين رئيستين: اليهودية والمسيحية. أما اليهودية فلم تكن ديانة تسعى وتطمع إلى الانتشار وكسب المزيد من الأتباع وذلك لأسباب كثيرة منها أن اليهود كانوا يعتبرون أنفسهم "شعب الله المختار" ولم يكونوا بحاجة إلى مزيد من اليهود ليؤمنوا بعقيدتهم. ومنها أن اليهودي يجب أن يكون يهودياً بالولادة وليس بالإيمان بعد الولادة، باعتبار أن اليهودية عرق وليست ديناً فقط. ومنها أن اليهود لم يكونوا طلاب سلطة يريدون تحقيقها عن طريق الدين.

أما المسيحية فرغم أن أتباعها كانوا نشيطين في نشر دعوتها وكسب المزيد من المؤمنين بها عن طريق إقامة الكثير من الأديرة في طريق القوافل التجارية بين مكة والشام وبين مكة واليمن فيما عُرف بـ "رحلة الشتاء والصيف"، والتي كانت تقدم خدمات فندقية للتجار والعاملين معهم، حيث كانوا يستريحون ويتزودون بالطعام والماء والنبيذ المعتَّق الذي اشتهرت بصناعته تلك الأديرة. ورغم هذا فلم تحقق المسيحية انتشاراً واسعاً في الجزيرة العربية نتيجة لكونها ديانة معقدة ممتلئة بالأسرار والألغاز مما لا يناسب مجتمع الجزيرة البدائي البسيط، كما أن المسيحية كانت تحمل ظلالاً سياسية لكونها كانت ديانة الدولة البيزنطية في بلاد الشام المجاورة والطامعة في مكة باعتبارها مركزاً مهماً للتجارة الدولية ومحطة ترانزيت تجارية غاية في الأهمية.

فما هو دين العرب إذن، لو لم يظهر الإسلام؟

هناك ثلاث سيناريوهات محتملة:

1- أن يبقى العرب وثنيين. ولكن هذا يعني أن تختفي الوثنية من حياة العرب كما هي مختفية الآن من الجنس البشري، حيث لا نرى الوثنية إلا في بعض القبائل الإفريقية التي تسكن الغابات، والتي لم تعرف ولم تسمع بالأديان السماوية، ولم تصلها بعثات التبشير بعد.

2- السيناريو الثاني أن يصبح العرب حنفاء، حيث عُرفت الحنيفية منذ زمن طويل في الجزيرة العربية، وأن العرب قبل مجيء الكاهن الخزاعي عمرو بن لُحي كانوا موحدين يعبدون الله وحده ولا يشركون به. وأن ابن لُحي هو الذي أدخل الوثنية إلى مكة لأسباب تجارية لا علاقة لها بالعقيدة الدينية. ولكن الحنيفية عُرفت من خلال مجموعة من النخب المثقفة أو الحكماء التي تعالت عن عبادة الأوثان. ولكن كانت هناك عوائق كثيرة لكي تكون الحنيفية دين العرب لو لم يظهر الإسلام، منها نزول الحنيفية من عليائها، وكونها مذهب النخبة فقط إلى طبقات الفقراء والمعدمين والمسحوقين، وأن يُهيأ للحنيفية زعيم قرشي صادق العزم، ثرياً، مستعداً لقتال قريش. كذلك كان يجب على الحنيفية أن تتجه للفتوحات لتعويض قريش عما فقدته في تجارتها التي ذهبت بذهاب الأصنام كمنشطة للتجارة ومسببة المال. وأن يعتبر الحنفاء أن الحنيفية هي خاتمة الرسالات السماوية، وأن خطابهم هو أكمل خطاب وأوفى كتاب، دون أي إنكار أو جحود لبقية الأديان السماوية الأخرى.

3- السيناريو الثالث، أن يصبح العرب يهوداً أو نصارى. ولقد سبق واستبعدنا اليهودية ذلك قبل قليل. أما المسيحية، فكان هناك احتمال كبير أن يصبح العرب مسيحيين لو لم يظهر الإسلام. وهذا الرأي يؤيده المؤرخ العراقي المعروف جواد علي في كتابه (المُفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام)(10 أجزاء) ويقول: "لولا ظهور الإسلام ونزول الوحي على الرسول لكان وجه العالم العربي ولا شك غير ما نراه الآن، ولكان العرب على دين النصرانية، وتحت مؤثرات أجنبية، هي الثقافة التي اتسمت بها الشيع النصرانية المعروفة حتى اليوم" ( المُفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج6، ص 590). ويورد جواد علي عدة أسباب لذلك منها:

1- أن المسيحية لكي تنشر في الجزيرة العربية لا تحتاج إلى زعيم قرشي، كما لم تكن المسيحية بحاجة إلى حروب واقتتال.

2- إضافة إلى ذلك، فإن المسيحية خارج الجزيرة العربية استطاعت أن تقدم للتجارة المكية والعربية بشكل عام خدمات كثيرة عن طريق السلطات البيزنطية في بلاد الشام، كما استطاعت أن تقدم خدمات أخرى داخل الجزيرة العربية كبناء الأديرة – كما قلنا – وتجهيزها بكل وسائل الراحة الممكنة في ذلك الوقت، من أجل راحة القوافل التجارية بين الجزيرة العربية وبلاد الشام، وكذلك بين الحجاز واليمن.

3- كانت المسيحية في الجزيرة العربية ديانة منفتحة اجتماعياً ، تشجع الفن بأنواعه المختلفة وخاصة الموسيقى والغناء، وتشرب الخمر، وتسمح باختلاط الرجال مع النساء، وإلى ما هنالك من المظاهر الاجتماعية المنفتحة والمريحة، وهو ما كان يناسب واقع مكة التجاري المنفتح اجتماعياً بفعل الاتصال بالأجانب من بيزنطيين، وفرس، وساسانيين، وأحابيش.

4- كانت المسيحية ديانة باذخة وكنيستها غنية وطقوسها كرنفالات احتفالية مثيرة للخيال، رغم دعوة السيد المسيح إلى الزهد والتقشف. وكانت مظاهر غنى الكنيسة تتجلى في إقامة الكنائس الجميلة الفخمة ذات المعمار الفني الأنيق، والجميل، والمكلف مادياً. وكان الكهنة في الكنيسة من الأثرياء المترفين المنعَّمين، رغم مظاهر الزهد والتقشف والدعوة إليهما. وكان هذا الثراء العام للمسيحية وهذا البذخ في الطقوس الدينية يرضي غرور الطبقة الغنية والأرستقراطية من المجتمع المكي والمجتمع العربي بشكل عام. ذلك أن المجتمع المكي كان هو أيضاً مجتمعاً باذخاً مترفاً، وغنياً.

ومن خلال هذا كله، كنا نرى أن المسيحية كانت أقرب ديانة سماوية للإسلام وأن الإسلام لو لم يظهر في الوقت المناسب لكانت المسيحية هي دين العرب. والدليل أن الإسلام عندما ظهر لم يصطدم مع المسيحيين المسالمين البعيدين عن لعبة المال والسياسة، ولم يتحارب معهم كما اصطدم وتحارب مع اليهود القابضين على زمام الاقتصاد في المدينة، والذي كان سبب العداء بين المسلمين واليهود، كما أن القرآن الكريم لم يأتِ بآيات النقد والتقريع للنصارى، كما جاء بشأن اليهود.

ما حال العرب ثقافياً لو لم يظهر الإسلام؟

السيناريو الأول أن يبقى العرب وثنيين، وبذا سوف تشمل الثقافة العربية كل العلوم الحديثة وخاصة الفلسفة المهمة، ولكن بالمقابل كان العرب سيحرمون من كثير من العلوم الدينية التي سيطرت على الثقافة العربية بفعل ظهور الإسلام ومنها: علم أصول الدين، وعلم الكلام، وعلم العقائد الإسلامية، وعلم التوحيد، وعلم الذات والصفات، وعلم أصول الفقه، وعلوم القرآن وعلوم الحديث، وعلم الفقه الإسلامي، والفلسفة الإسلامية التي أقامت دعائمها الفرق الإسلامية المختلفة كالشيعة، والخوارج، والمعتزلة، والصوفية، والمرجئة، وخلاف ذلك. وبرز فيها فلاسفة عظام كابن سينا(علم المنطق)، وابن باجه (علم الإنسان)، وابن رشد (مشكلة النقل والعقل)، والفارابي (العلم الإلهي والعلم المدني)، والكندي (الميافيزيقيا)، وغيرهم.

والسيناريو الثاني، أن يصبح العرب حنفاء، وفي هذه الحالة فإن خضوع الأدب والفن العربيين قبل الإسلام للشروط الأخلاقية والدينية الإسلامية القرشية سيكون هو نفس الأدب الخاضع لمثل هذه الشروط في حالة سيادة الإسلام الحنيفي، شرط ارتباط الإسلام الحنيفي بشروط تاريخية كثيرة أهمها، أن يكون الإسلام الحنيفي قرشياً، حيث الزعامة الدينية والسياسية والتجارية، وأن يأتي الإسلام الحنيفي بكتاب مماثل للقرآن يكون هو المرجعية التاريخية للعرب، بدلاً عن الشعر الذي كان هو المرجعية، وأن يكون للإسلام الحنيفي تطلعات وطموحات سياسية ومالية بحيث يَعدُ أصحابه بممالك كسرى وقيصر وكنوزهما، وأن يلغي الإسلام الحنيفي – كما ألغى الإسلام القرشي – كل ما سبقه من ثقافة عربية، ويعتبر ظهور الإسلام هو بدء التاريخ السياسي، والاجتماعي، والثقافي للأمة العربية.

والسيناريو الثالث، هو أن يصبح العرب يهوداً أو مسيحيين. ومن المرجح أن يصبحوا مسيحيين في هذه الحالة للأسباب التي شرحناها سابقاً. وفي هذه الحالة فإن الثقافة العربية سوف تواجه ما واجهته الثقافة الغربية قبل عصر التنوير في القرن السابع والثامن عشر.

ما حال العرب السياسية لو لم يظهر الإسلام؟

لو لم يظهر الإسلام، لبقي العرب منقسمين في جزيرتهم العربية بين ممالك شمالية وممالك جنوبية، ومتحاربين في بلاد الشام والعراق، قاصرين مهمتهم التاريخية والسياسية على أن يكونوا "رأس حربة" لهاتين الإمبراطوريتين، وعلى الذود عن حدود الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية ضد القبائل العربية الغازية من قلب الجزيرة العربية بين حين وآخر، مقابل عطايا وهدايا ومطايا القياصرة البيزنطيين والأكاسرة الفرس.

ولو لم يظهر الإسلام، لظل العرب قُصَّراً سياسياً، معتمدين في السياسة – كما كانوا في القرن العشرين - على إحدى القوتين العظميين (الفرس والبيزنطيين) في ذلك الوقت لاستجارتهم ونصرتهم على أعدائهم، كما فعل سيف بن ذي يزن الزعيم العربي اليمني عندما استجار بكسرى أنو شروان لينصره على الأحباش المسيحيين، وكان ذلك بمثابة خروج الاستعمار الحبشي من اليمن ودخول الاستعمار الفارسي. وقد تكرر مثل هذا الواقع السياسي في القرن العشرين – عندما أعاد التاريخ نفسه – عندما زال الاستعمار العثماني من العالم العربي في العام 1918 ، وحلَّ محله الاستعمار الفرنسي، والبريطاني، والإيطالي.

ولو لم يظهر الإسلام، لظل العرب يخافون السياسة ويخشوها خوفهم على تجارتهم وخشيتهم عليها، ولبقي العرب منغمسين في تجارتهم فقط، ينمّونها، ويلتزمون الحياد السياسي ما أمكنهم ذلك، ويدخلون في نزاعات سياسية أو عسكرية مع الآخرين حرصاً على الأمن والأمان اللذين تستدعيهما التجارة. وبهذا يكون الإسلام قد قدم المنجز الأكبر للعرب، وهو إقامة نظام وكيان سياسي، استمر سبعة قرون ممتدة من بداية العصر الراشدي وحتى نهاية العصر العباسي (632-1258م). وأن العرب بدون الإسلام ما كان لهم أن يقيموا مثل هذا الكيان السياسي الضخم، ولا أن يتركوا مثل هذا التاريخ بهذا الزخم، ولا أن يصبحوا أسياد أنفسهم في السياسة والحكم، لا يستجيرون بالآخرين ولا يجيرون الآخرين على حساب قوميتهم ودينهم، كما كانوا يفعلون قبل الإسلام. وكان ذلك يتم لأول مرة في تاريخ العرب، وهو أن يصبح العرب أسياد أنفسهم وذوي قوة ذاتية، وينالوا استقلالهم الذاتي وسيادتهم الكاملة على أرضهم وأرض الشعوب الأخرى الخاضعة لهم، وهو بلا شك انجاز سياسي عظيم بكل المقاييس.

فولر وعالم بلا إسلام

لا شك بأن ما حدث في 11/9/2001 كان وراء دراسة فولر المشار إليها، وهي تصوُّر هذا العالم بلا إسلام. كما كان هذا الحادث التاريخي المفزع وراء المئات من الكتب، والدراسات، والأبحاث، والندوات التي تمّت في الغرب والشرق بخصوص تموضع الإسلام، وإعادة اكتشافه.

وكما قدمنا عدة سيناريوهات في كتابنا المذكور أعلاه (لو لم يظهر الإسلام ما حال العرب الآن؟) فإن الباحث فولر، ينهج المنهاج نفسه. فيسأل ما حال العالم الآن لو لم يظهر الإسلام من الناحية الإثنية؟

ويجيب بقوله:

"سيبقى وجه المنطقة معقّدا مشوّشاً. وستواصل الجماعات المسيطرة في الشرق الأوسط كالعرب، والفرس، والأتراك، والأكراد، واليهود، وكذلك البربر، والبشتون سيطرتَها على المشهد السياسيّ. لنأخذ الفرس على سبيل المثال. لقد امتدّت الإمبراطوريات الفارسيّة المتعاقبة، لزمن طويل قبل الإسلام، إلى حدود أبواب أثينا وكان الفرسُ المنافسين الأبديّين على ساكنة الأناضول. وكانت شعوب ساميّة رافضة لهذا التفوّق قد حاربت الفرس في الهلال الخصيب حتّى العراق. ومن بعد، ثمّة القوى القبليّة المختلفة والتجّار العرب ينتشرون ويترحّلون في مناطق ساميّة أخرى من الشرق الأوسط قبل الإسلام كالأتراك الذين غزوا الأناضول والبلقان إلى حدود فيينا ومنطقة كبيرة من الشرق الأوسط. هذه الصراعات من أجل السلطة والأرض والسيطرة والتجارة كانت موجودة طبعاً قبل ظهور الإسلام. بيد أنّه يبدو اعتباطيّاً استبعاد الدين نهائيّاً من المعادلة. فالحقّ أنّه، لو لم يظهر الإسلام أصلاً، لبقيَ القسم الأكبر من الشرق الأوسط بالأساس مسيحيّاً بمختلف طوائفه، كما كان الحال في فجر الإسلام، ذلك أنّه باستثناء قلّة من المجوس، وعدد ضئيل من اليهود لم تكن هناك ديانة كبرى موجودة."

وهذا بالضبط ما توقعناه وقلناه في كتابنا المذكور أعلاه قبل خمس سنوات في عام 2002.

وفولر في بحثه يسأل سؤالاً مهماً وهو :

لو بقي الشرق الأوسط مسيحياً، فهل سيتم التوافق بين الشرق والغرب بدلاً من العداء الحالي؟

ويجيب فولر على هذا السؤال بقوله:

لقد كانت راية المسيحيّة، في العصر الوسيط، إعلاناً تعبويًّا لتحقيق المتطلّبات الدنيويّة للأوروبيّين الأقوياء. لم يكن دين سكّان الشرق في صدارة الدوافع إلى التوسع الإمبراطوريّ للغرب على هذه المنطقة. لقد استطاعت أوروبّا، بطريقة نموذجيّة، أنْ تحمل القيم المسيحيّة لأهل الشرق. ولكنّ الهدف الرئيس كان استيعاب مراكز متقدّمة للاستعمار كمصادرَ لثراء الوطن الأمّ وقواعد لتوسّع النفوذ الغربيّ. وعلى هذا، فممّا لا يُصدّق أنَّ نصارى الشرق قد تقبّلوا بارتياح زحف الجيوش الأوروبيّة، إذْ لعبت الإمبرياليّة على الفسيفساء الإثنيّة المركّبة في المنطقة وفق سياسة "فرّق تسدْ".

فهل ستقبل دول الشرق الأوسط لو كانت مسيحية ببسط الحماية الأوروبيّة على المنطقة؟

لا نظنّ ذلك، بكلّ تأكيد. فلم يكن الإسلام هو الذي جعل دول الشرق الأوسط تقاوم بشدّة المشروع الاستعماريّ وتقاوم رسمَه للحدود الجديدة وفق الاعتبارات الجيوسياسيّة الأوروبيّة. ولم تكنْ تلك الدول المسيحيّة الشرق أوسطيّة المفترضةُ لتحسن قَبول الشركات البتروليّة الغربيّة العابرة للقارّات معزّزةً بموظّفين أوروبييّن ودبلوماسيين وأعوان مخابرات وجيوش أكثر ممّا فعل المسلمون.

إن الشرق الأوسط، سيكون دوماً، مؤهّلاً لإفراز حركات قوميّة ضدّ الاستعمار لانتزاع السيطرة على أراضيها وأسواقها وسيادتها، تماما كما في حركات المقاومة ضدّ الاستعمار في الهند الهندوسيّة، والصين الكونفشيوسيّة، وفيتنام البوذيّة، وإفريقيا المسيحيّة، والوثنيّة. وبالتأكيد، سيجد الفرنسيّون أنفسهم يبسطون نفوذهم على الجزائر المسيحيّة لاستغلال خيرات أراضيها الفلاحيّة وإقامة مستعمرة هناك. وكذلك الإيطاليّون، لم تمنعهم مسيحيّة إثيوبيا من أن يحوّلوها إلى مستعمرة يسوسونها بالحديد، والنار. باختصار، ليس ثمّة سبب لكي نعتقد أنّ ردّ الفعل الشرق الأوسطيّ على العدوان الاستعماريّ الأوروبيّ سيتغيّر تغيّراً ذا بال عن الكيفيّة التي كان عليها بالفعل تحت الإسلام.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,844,466,683
- كوسوفو وفلسطين: تشابه الواقع واختلاف المصير
- قراءة لتقرير البنك الدولي الأخير حول التعليم العربي - لماذا ...
- قراءة سياسية نقدية لتقرير -فينوغراد-
- هل يعيش العرب الآن مرحلة -ما بعد الأصولية-؟
- الجنس والموت في انتحار الإرهابيين
- رئيس أسود في البيت الأبيض
- هل سيحارب عرب 1948 في جيش إسرائيل؟!
- هل ستجتاح ثورات الجوع العالم العربي في 2008 ؟
- حماس.. إلى أين ومتى؟
- العرب لا يملكون صكَّ مُلكيّة هذا الكوكب
- هل كانت بوتو ضحية الغباء الأمريكي؟
- هل سنشرب نفطنا في عام 2020؟
- السوق الخليجية المشتركة : وحدة الجيوب قبل القصور
- بدأت عودة الروح للعراق
- حاضنات الإرهاب الدافئة
- أنتم وأنا بوليس
- الحداد لا يليق ببغداد
- هل سينسحب ديمقراطيو أمريكا من العراق لو فازوا؟
- -عام الجماعة- أم اقتربت الساعة؟
- بشائر غرق سفينة الإرهاب


المزيد.....




- الطائفة الأحمدية في باكستان تقاطع الانتخابات رفضا لـ-التمييز ...
- قانون -الدولة القومية اليهودية-: الجزائر تندد بمساعي إسرائيل ...
- مصر تصدر بيانا حول إقرار إسرائيل -دولة يهودية-
- واشنطن تسعى للاحتفاظ بأرشيف يهود العراق بعد سرقتها له
- مصر ترفض قانون الدولة القومية للشعب اليهودي
- مصر ترفض قانون الدولة القومية للشعب اليهودي
- مصر تعلن رفضها لقانون -يهودية الدولة- وتؤكد: يكرس الاحتلال و ...
- أعضاء بالكونغرس يرفضون عودة أرشيف يهود العراق إلى بغداد
- بومبيو: نرقب وضع الحريات الدينية في السعودية
- الخارجية اللبنانية تستنكر قانون «الدولة اليهودية» في إسرائيل ...


المزيد.....

- ( العذاب والتعذيب : رؤية قرآنية )، الكتاب كاملا. / أحمد صبحى منصور
- التجربة الدينية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / إسلام سعد
- الحزب الإسلامي العراقي الإرث التاريخي ، صدام الهويات الأصول ... / يوسف محسن
- المرأة المتكلمة بالإنجيل : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- (سياسات السيستاني (أو الصراع على تأويل الدولة الوطنية العرا ... / يوسف محسن
- الإسلام جاء من بلاد الفرس / ياسين المصري
- حول تجربتي الدينية – جون رولز / مريم علي السيد
- المؤسسات الدينية في إسرائيل جدل الدين والسياسة / محمد عمارة تقي الدين
- الهرمنيوطيقا .. ومحاولة فهم النص الديني / حارث رسمي الهيتي
- كتاب(ما هو الدين؟ / حيدر حسين سويري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شاكر النابلسي - ما حال العالم اليوم لو لم يظهر الإسلام؟!