أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - سعيد مضيه - الإيديولوجيا كالهواء نتنفسه ولا نشعر به















المزيد.....

الإيديولوجيا كالهواء نتنفسه ولا نشعر به


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 2203 - 2008 / 2 / 26 - 10:41
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


إن من تبسيط الأمور القول ان انهيار التجربة الاشتراكية الأولى معادل لانهيار إيديولوجيا الاشتراكية. أولا، كان الفشل مصير الأفكار والنظم كافة في تامين السعادة للشعوب وفي حمايتها من مخاطر الحروب والتلوث البيئي ومن الفقر وبؤس الحياة. النظام -أيّ نظام اجتماعي- ليس تركيبة من إيديولوجيا وتنظيم اقتصادي فقط، ولا هو مجرد نظرية وتطبيق، إنما هو حصيلة عمل آليات وفعاليات وأجهزة وبنى مادية وروحية تعمل وفق منهجية معينة؛ تركيبة النظام الاشتراكي فتعمل وفق المنهجية العلمية.
التجربة البرجوازية أيضا انتهت بالفشل. حلل عالم الاقتصاد البريطاني أشتفان ميساروش دراما الأزمة البنيوية في عالم الرأسمال، وألقى الضوء على المآسي المروعة لحياة الأغلبية الساحقة من بني البشر. في مؤلفه "أبعاد التطورات الجارية: القرن القادم اشتراكية أم بربرية؟" [- إصدار دار التنوير – رام الله، 2003]، يقول ميساروش"التحديث والتنمية من الطراز الأمريكي أنزل الطبقة العاملة إلى مستوى الحرمان من حقوق المواطنة. هذا هو الأمر مع الديمقراطيات الزائفة التي تتشكل في مختلف البلدان". اما حصيلة التحديث في منطقة العالم الثالث فقد تحقق للبرجوازية أن مصير الفقر والتخلف قدر لا فكاك منه، وأن من المستحيل في ظل نظام الرأسمالية إخراج بلدان العالم الثالث من التبعية والفقر. يقول ميساروش،" تؤكد الأهمية التاريخية بعيدة المدى لحقيقة أن الرأسمال فشل في إكمال نظامه كرأسمالية كونية. .. نجح الرأسمال في خلق بؤر رأسمالية ذات خلفية لارأسمالية إلى حد ما باستيلائه على فائض العمل".
تهميش الشغيلة وقطعهم عن عتلات الإنتاج ثم تغريبهم، هذا ما انتهت إليه صيرورة الأزمة البنيوية للرأسمال . بوجه الهجوم الضاري للرأسمالية المتوحشة على مصالح الشعوب التابعة ومصالح الشغيلة في بلدانها، وفي ضوء معطيات التجربة غير الموفقة لأول تجربة للبناء الاشتراكي، تبرز أهمية الديمقراطية عنصرا تركيبيا أساسا في إيديولوجيا مناهضة العولمة. لم يكن الماركسيون ديمقراطيين في مجال التنظيم أو النشاط السياسي أو الفكري، وربما لم يزل بعضهم مقيدا بالنخبوية والذاتوية . لم يكن صدفة أن تخسر الماركسية معركتها أمام الليبرالية الجديدة ومقولاتها في سيطرة السوق وصراع الحضارات ونهاية التاريخ وتوجيه دورات الرأسمال وعمليات الإنتاج لتحقيق الأرباح القصوى. وهي خسارة مؤقتة.

وباحث آخر في عوامل فشل التجربة السوفييتية ، وهو دانييل سينجر، صحفي من الولايات المتحدة خلص في كتابه "الصراع في العالم في الألفية الجديدة / ألفية من ؟ لنا ام لهم ؟" [ ترجمة مازن الحسيني – نفس دار النشر وسنة الإصدار]، تتبع صعود التجربة وتجمدها تمهيدا لانهيارها. أجمل التجربة في عقدة من خيوط اقتصادية واجتماعية وسياسية، عقدة استعصت على الحل. أزيحت الإيديولوجيا العلمية من مجال الممارسة، واستبدلت بعتلات التجاذب والتدافع. والحقيقة أن التبرير والتكاذب المتبادل بين شرائح البيروقراطية هو الذي وجه عمليات البناء الاقتصادي والاجتماعي طبقا لإيديولوجيا البرجوازية؛ وفشلت عملية صياغة الإنسان الجديد وبناء الحياة الجديدة. لم تعد المنهجية العلمية تتحكم في عتلات وآليات الماكنة بالغة الضخامة والتعقيد، ولم تدخل أساسا في التوجيه والترشيد. تشكل وضع " لم تجسر الهوة بين الوعود البراقة وبين الانجازات الرهيبة. أقام ستالين نظاما وأثبت خلفاؤه من بعده قدرتهم على مقاومة محاولات الإقدام على إصلاحات ضرورية ؛ لم يقدروا حجم الخمول والتبلد السياسيين، وقدرات نظام يسيطر على جميع عتلات السلطة ؛ واضطروا في النهاية إلى الاستسلام لأن الركود الاقتصادي وصل حدا لم يعد من الممكن تحمله وبات يهدد بالانفجار(ص32)... واضح أن الاقتصاد يواجه مشاكل جدية نتيجة تناقص مصادر العمالة وانخفاض عائدات الاستثمار وبطء وتيرة النمو . إضافة إلى أن سباق التسلح فرض أعباء ثقيلة للغاية على الاقتصاد السوفييتي. العمال الصناعيون أصبحوا أكثر عددا واقل خوفا وأعلى تعليما ، لكنهم كانوا مجرد متفرجين على الصراعات؛ وذلك لغياب التقاليد والذاكرة والممارسة السياسية. والفترة البريجنيفية غيرت ميزان القوى لصالح البيروقراطية ضد العاملين. سعت البيروقراطية إلى تدعيم مراكزها ، وتوريثها . تطلعت إلى ما وراء السلطة، أي التملك؛ وباتت روسيا مستعدة للسير في طريق الرأسمالية؛ وأصبح غورباتشوف ، عن غير قصد ، اللاعب الأساس في هذه الدراما الجديدة (35).

والحملة تتصاعد في الدعاية الرأسمالية ضد الإيديولوجيا كان مفكرو الرأسمال الاحتكاري في حمى السباق لاستكمال مقولات إيديولوجيا الليبرالية الجديدة. على الصعيد العالمي تتصارع إيديولوجيا العولمة المتمثلة في الليبرالية الجديدة مع إيديولوجيا التحرر الإنساني. كانت الليبرالية الكلاسيكية إيديولوجية الرأسمالية في مرحلة نهوضها التقدمي. الليبرالية بدأت مسيرتها بإيديولوجية ثورية؛ ثم انقلبت عن الفكر الديمقراطي لما تأكد لها وجود منافس اجتماعي لهيمنتها فاعترى إيديولوجيتها نزعة عنصرية تبرر توسعها طمعا في الربح الاحتكاري وتحفز الاضطهاد العرقي وحرمان الشعوب التابعة من حرية تقرير المصير. تسقط إيديولوجيا أو ينحسر نفوذها بانحسار مفعول حاملها الاجتماعي كي تتفوق إيديولوجيا نقيض، كي تتغلب وتهيمن إيديولوجيا منافسة.

ولكن ما هي الإيديولجيا؟ هل هي ظاهرة عابرة في الحياة الاجتماعية، أم هي ظاهرة جوهرية؟ الإيديولوجيا مفهوم برز في القرن الثامن عشر يشمل منظومة من الأفكار الأساس المهيمنة على الوعي الاجتماعي. أُطلق عليها تارة " علم الأفكار". إنها أفكار تتوالد في مجرى الحياة، وتقدم على أنها تحقق تماسك المجتمع وتضمن مصالحه العليا. وأي فكرة، إن لم تعبر عن مصلحة، تقف على أرض رخوة ، وتغامر بوجودها. ومع الزمن غدت الإيديولوجيا بصورة منهجية نسقا من الأفكار تتبناها الطبقة المهيمنة لتثبيت سلطتها وتأمين استمرار هيمنتها، أو للمساعدة في إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية. وكل طبقة مهيمنة تدعم سيطرتها بمنظومة من الأفكار المتناسقة الشاملة لمختلف مناحي الحياة. إنها تشمل نظرات حقوقية واقتصادية وسياسية وتربوية وعلمية ودينية وتشمل مجال التنظيم الاجتماعي، وقد تشمل خرافات وأوهام. فالإيديولوجيا غير الفلسفة، رغم أنها تستعين بالفلسفة وتسهم في بلورة الأفكار الفلسفية. وهي غير الثقافة رغم أن لكل ثقافة مرجعيتها الإيديولوجية. الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج تنتج إيديولوجيتها، وتوفر لها سبل الشيوع والهيمنة، من خلال مؤسسات التربية والتعليم وهيئات الإعلام، وكذلك من خلال عمل النماذج الاقتصادية وعلاقات الإنتاج، كبنية فوقية تخدم البنية التحتية وتحرسها. وهي بذلك تؤدي وظيفة أساس، نظرا لأنها تخلق وتوجه الوعي الاجتماعي للقبول بالتنظيم الاجتماعي السائد. الطبقة المهيمنة تطرح إيديولوجيتها باعتبارها تعكس مصالح المجتمع وتخدم الهيئة الاجتماعية كلها. وبذا فإنها تقدم وعيا زائفاً للطبقات المحرومة في المجتمع، يساعد على استلابها. وإذا برزت أفكار مناقضة تسارع لقذفها بتهمة الراديكالية والتخريب والهدم، أيا كان توجهها.

أما الإيديولوجيا النقيض فتطرحها الطلائع المثقفة الملتزمة بالتغيير التقدمي. وهي عناصر فكرية تفتح الأعين على الواقع الجائر وتحرر من الاستلاب. ومع الزمن يتنامى الوعي لدى الطبقات المستغََلة أو المضطهدة والمحرومة وتتبلور إيديولوجيتها النقيض، إيديولوجيا التحرر من الاستغلال الاجتماعي أو الاضطهاد القومي. الإيديولوجيا التقدمية تعكس بصورة موضوعية تطلعات المحرومين والمضطهدين إلى الانعتاق. وقد يتم التوصل إليها مباشرة من خلال معاناة البحث العلمي التجريبي. كان ماركس وإنجلز المثقفان اللذان اتبعا منهجية علمية أوصلتهما لصياغة إيديولوجيا الطبقة المضطهَدة في نظام الرأسمال. وغدت الماركسية ، من حيث الجوهر أبرز إيديولوجيا للتحرر الإنساني، وأكثرها تماسكا وارتباطا بالمنهجية العلمية المتميزة في الأساس بروحها النقدية. وأبرز ميزاتها تكمن في دعوتها لإنهاض الحركة الجماهيرية المستقلة.
فمن خلال المشاركة في الصراع الاجتماعي لصالح الشرائح والطبقات المقهورة والمستغلة يستوعب المناضل الإيديولوجيا الثورية ، إيديولوجيا التحرر الإنساني. غير ان مثقفين يتوصلون إلى المواقف الإيديولوجية العلمية من خلال البحث العلمي .
في العالم العربي توصل مثقفان – حسب معرفتي- بالصدفة إلى المنهجية العلمية عبر معاناة البحث العلمي المتسق. الاستقامة العلمية والتكرس للحقيقة العلمية أوصلت المفكر والمناضل محمود أمين العالم إلى النظرية الماركسية فالتزم بإيديولوجيتها. يتحدث عن هذه التجربة فيقول: بدأت البحث في "فلسفة المصادفة" غارقا حتى أذني في الفكر المثالي، هادفا لاتخاذ " المصادفة معولا لتقويض الموضوعية العلمية. وهذا ما اعترفت به في بداية البحث؛ أما ما لم أعترف به في بداية البحث، فهو أني خلال البحث، بل في مرحلة متقدمة منه التقيت بكتاب " المادية ومذهب النقد التجريبي "لمؤلفه لينين، الذي قادني بدوره إلى كتاب " جدل الطبيعة " لإنجلز؛ وكان هذا حدثا فكريا في حياتي قلب تصوراتي الفلسفية رأسا على عقب؛ فأمسكت بالمعول نفسه، ورحت أقوض به الفكر المثالي الذي كان يستغرقني تماما..." .

هذه المصادفة أضفت على كتابات محمود العالم واقعية ملتصقة بالأوضاع العربية الملموسة، هي حسب تعبير رفيقه عبد الغفار شكر،"نموذج لكيفية معالجة القضايا والمشكلات الأساسية للمجتمع العربي المعاصر انطلاقا من الواقع الملموس، مما يجعلها حية شديدة الارتباط بهموم الناس ومشاكلهم اليومية؛ وهي في نفس الوقت معالجة لمشاكل قائمة بالفعل يساعد طرحها على تعزيز فاعلية النضال السياسي في مواجهتها ." [ الطريق عدد2/1997 – ملف خاص: محمود أمين العالم الكاتب الإنسان والمثقف بمناسبة بلوغه السبعين].
وهكذا هي الماركسية كما استوعبها العالم . "فكونها نظرية يعني أنها نسق من الأفكار التي تسعى لتفسير المشاكل الأساس التي تواجهها الإنسانية وتتضمن منهجاً لحلها او لحل جانب منها: معطياتها وعناصرها مستمدة من الدراسة العلمية الشاملة الملموسة للواقع الاقتصادي والاجتماعي والفكري والصراعي فضلاً عن حركة التاريخ عامة، وهي أيضا لا تقتصر على المعرفة وإنما تتضمن موقفاً موضوعياً للتغيير". انطلق العالم من نظرة للعلم في تطوره الدائم.
العلم في سيرورة تطور متواصل. وتتجلى السيرورة بنقد الفكر ونقد الواقع. وبذا فالسمة الأساس للمنهجية العلمية هو النقد باعتباره الشرط الأساس لإنتاج المعرفة في مجالي الطبيعة والعلوم الاجتماعية. وبالمثل فالإيديولوجيا الماركسية لا تقبل الجمود ولا التوقف. وهي تفقد ذاتها إن هي رضيت بذاتها وبمكوناتها، ولم تعرض نفسها على مختبر الحياة والممارسة العملية، وإذا ما توقف مسعاها للتشكيك بمقولاتها وأفكارها وفرضياتها".
والمثقف الآخر هو الدكتور هشام غصيب، الأكاديمي والمفكر الأردني. فهو باحث في العلوم الطبيعية. وعلوم الفيزياء، في نظره،مصدر لتجدد الفكر الفلسفي. وفي مجال البحث المقارن بين الفلسفة وعلوم الفيزياء لم يسترح إلى التفسير المثالي للوضعية كفلسفة للعلم. ووجد حل إشكاليتها منطقيا في الفلسفة المادية الجدلية. وفي بحث له بصدد كتاب لينين الفلسفي " المادية ومذهب النقد التجريبي يقارن بين نقد لينين للوضعية ونقد ماخ لها، والذي لا يخرج عن إعادة إنتاجها بصيغة أخرى. يرى الدكتور غصيب في الوضعية "التصور المهيمن في الفكر الغربي، والأنجلو سكسوني تحديداً، في القرن العشرين. إنه الدين الرئيسي للرأسمالية المركزية. وأعني بذلك أنه المكبوت الرئيسي ليس فقط في أوساط فلسفة العلم الحديثة، وإنما أيضا في الأوساط العلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية." لذلك نراه يتمظهر في عدة أشكال، حتى في تلك التصورات التي تدعي انها تعارضه تحت مسميات مختلفة".
يميز الدكتور غصيب الماركسية عن الوضعية بفروقات أربعة: موضوع العلم، تاريخية العلم، منهجية العلم الوضعية، ثم الطابع النقدي للعلم.
وظيفة العلم تختلف عن وظيفة الإيديولوجيا. وظيفة العلم تتلخص في إنتاج المعرفة ؛بينما وظيفة الإيديولوجيا هي " إعادة إنتاج البعد الذاتي لنمط الإنتاج السائد"، حسب تعبير الدكتور غصيب. وبالتالي تتطور الإيديولوجيا بتطور المعرفة؛ حيث تفرض المعرفة على الإيديولوجيا ان تعيد النظر في مفاهيمها ومقولاتها.
التصورات الوضعية على تنوعها تشترك في اعتبار الظاهرة موضوع العلم بينما الماركسية ترى في البنى والسيرورات(الحركة) الموضوع الأساس للعلم. الظاهرة او الحدث لا ينظر إليه معزولا ، والبيانات والقراءات التي تصف الظاهرات تشكل الواحدة منها أحد مدخلات عملية إنتاج المعرفة. الوضعية تغيب البنى والمعاني الداخلية والهرمية الوجودية في صروح المعرفة.
كما يأخذ الدكتور غصيب على الوضعية تغييب المفهوم التاريخي للعلم، بمعنى إنكار جدليته. هناك روابط تاريخية جدلية بين النظريات الجديدة والقديمة. النظريات الحديثة لا تنبع من العدم ، إنها تنبع بصورة أو بأخرى من قلب النظريات القديمة عبر نوع من التركيب الجدلي، وتخلق في سياق حل تناقضات أساس في قلب النظريات القديمة، وذلك من خلال اتساع حقل المعرفة والممارسة العملية.
ونتيجة لتغييب مفهوم التاريخ والجدل في الخطاب العلمي جرى أيضا تغييب مفهوم جوهري في المنهجية العلمية هو التركيب النظري. المنهجية العلمية التقليدية تقصر النشاط العلمي على عمليتي الاستقراء والاستنتاج، وتغفل عملية التركيب النظري، المحكوم بالمنطق الجدلي، والذي يبدا بالنظرية وينتهي بها. ومن دون مفهوم التركيب لا سبيل إلى فهم الثورات العلمية وعملية البناء النظري الإبداعي . ثم إن علاقة النظرية بالممارسة العملية تشكل جوهر المنهجية العلمية. وهي علاقة معقدة متشعبة . فليس للتجربة حياتها المستقلة المحجوبة عن النظرية، وليست العلاقة عرضية؛ إنما هي علاقة جوهرية ضرورية.
والطبيعة الرابعة للعلم هي النقد. الممارسة النقدية شرط أساس لإنتاج المعرفة في الطبيعة وفي علوم المجتمع. فلا علم اجتماع بدون منهج نقدي كلي يدخل في صميمه. العلم نقدي بمعنى تقويم أحكامه مبرزا السلبي والمشوه، وينقد أيضا موضوعه، ينقد عوراته، ولا يتهادن مع القديم المتخلف ولا يكرسه، كي لا يتحول إلى إيديولوجيا مزيفة وتبريرية تحجب الواقع في صيرورته عن الأعين . العلم الماركسي يعكس التزامه الطبقي في بنائه الداخلي وموضوعيته. لكنه يبحث في السيرورة والتحول، ويحث الخطى دوما للأمام ، نحو التقدم والتطور. ومن منطلقه هذا فهو علم الثورة وعلم مرشد للطبقة الثورية.
انتكست إيديولوجيا الماركسية في تطبيقها السوفييتي لأنها تخلت أولا عن ديمقراطيتها ثم تخلت عن روحها النقدية، فتعرت من موضوعيتها ومن ردائها الطبقي. لم تقدم مثالا ملهما لنمط الإنتاج الاجتماعي الأرقى، حيث الديمقراطية الاشتراكية تدمج الطبقة العاملة بالعملية الإنتاجية، إدارة ونشاطا إنتاجيا. بالعكس من ذلك وصل اغتراب الشغيلة عن الإنتاج رغم تقديم عمال موصوفين على نطاق واسع. فرطت الماركسية بجوهرها الإنساني، تغربت الطبقة العاملة تحت وطأة حكم البيروقراطية، وتطور العداء واستحكم بين الطبقة العاملة وأجهزة الحكم، ومنها الحزب الشيوعي. ولم تجد الطبقة العاملة المبادرة ولا الحماس للدفاع عن ثمرة إبداعها وجهدها وهو ينهار تحت ضربات المافيات القابعة في أجهزة السلطة.

وإذا جاز القول بوجود إيديولوجيتين تتصارعان على وعي الشعوب فمن المكن بروز ظلال إيديولوجية ذات خصوصية متعينة في إطار وحدة وتناقض العام والخاص . فالإيديولوجيا الصهيونية ظل إيديولوجيا الرأسمال الاحتكاري، وتدخل في إطارها أيضا مقولة صراع الحضارات، إيديولوجيا الخصخصة والدولة مقلصة المسئوليات الاجتماعية. وكلها مظاهر لنسق إيديولوجي استعانت به العولمة في مجال الفكر كي تكسب حربها الطبقية، ولتدعيم حملتها للهيمنة على العالم. وفي الحقبة الراهنة يشكل توحش الرأسمالية الاحتكارية خطرا مباشراً على الديمقراطية يتمثل في حربها على الإرهاب؛ كما أنها تحمل في ممارساتها خطرا على الحياة فوق الكوكب الأرضي.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,223,382
- اكتوبر شمس لا تغيب - مبادئ أكتوبر شبكة الإنقاذ من وحشية العو ...
- السلطة والفصائل تستنكف عن تحريك المقاومة الجماهيرية
- أوضاع الفلسطينيين تتدهور للأسوأ
- التعليم قد يؤدي دور أداة التقدم والديمقراطية 3من 3
- التعليم قد يؤدي دور أداة التقدم والديمقراطية حلقة2
- التعليم قد يؤدي دور أداة التقدم والديمقراطية
- دلالات سياسية لتقرير فينوغراد
- إسرائيل لا تتازم وخياراتها مفتوحة
- غطاء لجرائم الحرب بتفويض أمريكي
- مشاكل التقدم في المجتمعات التابعة
- حكم الشوكة والأمن القومي
- صوت التوحش المتقحم من أدغال الليبرالية الجديدة
- هل تدشن زيارة بوش مرحلة تفكيك المستوطنات؟
- فهلوة مرتجلة
- جردة حساب عام ينقضي
- بؤرة التخلف الاجتماعي
- العجز عن الارتقاء
- منبرللتنوير والديمقراطية ومناهضة العولمة
- إشهار أخلاقية النضال التحرري وتحديث الحياة العربية
- أخلاقية النضال التحرري وتحديث الحياة العربية


المزيد.....




- إصابة عشرات الفلسطينيين في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي بقطاع ...
- الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الخامس لشبيبة النهج الديمقراطي بال ...
- فورين بوليسي: اليمين المتطرف يختبئ داخل غرف الإنترنت المظلم ...
- الحراكات الشعبية ومسؤولية القوى الديمقراطية بالدارالبيضاء
- هل سيوحد حزب العمال الكردستاني موقفي بغداد وأنقرة
- صحيفة جزائرية: رموز من النظام يسارعون ببيع أملاكهم
- الشيوعي: إلى عوكر رفضاً لزيارة بومبيو
- رسالة الزفزافي من عكاشة حول الحوار وشروط إنجاحه
- القطاع الصحي الجزائري يعلن إضراباً عاماً دعماً للحراك الشعبي ...
- تعرف على منفذ عملية سلفيت الفدائية النوعية .. -رامبو فلسطين- ...


المزيد.....

- “ثوري قبل أي شيء آخر”: ماركس ومسألة الاستراتيجية / مايكل براي
- تنبّأ «البيان الشيوعي» بأزمتنا الحاليّة ودلَنا على طريق الخل ... / يانيس فاروفاكيس
- حوار مع جورج لابيكا...في العلم والتاريخ من أجل تغيير العالم / حسان خالد شاتيلا)
- سيرة ذاتية للأمل: مقدمة الطبعة العربية من كتاب ليون تروتسكي ... / أشرف عمر
- منظمة / موقع 30 عشت
- موضوعات حول خط الجماهير من أجل أسلوب ماركسي لينيني للعمل ا ... / الشرارة
- وحدانية التطور الرأسمالي والعلاقات الدولية / لطفي حاتم
- ماركس والشرق الأوسط 1/2 / جلبير الأشقر
- أجل .. ماركس كان على حق ! / رضا الظاهر
- خطاب هوغو تشافيز / فيدل كاسترو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - سعيد مضيه - الإيديولوجيا كالهواء نتنفسه ولا نشعر به