أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - علي ثويني - كلاب بافلوف والكلاب العراقية-الجزء4






















المزيد.....

كلاب بافلوف والكلاب العراقية-الجزء4



علي ثويني
الحوار المتمدن-العدد: 2181 - 2008 / 2 / 4 - 08:32
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


الكلب ومضرب الأمثال الشعبية العراقية
أقولها صراحة لكم، بأن ما دفعني لكتابة تلك الأمالي والمقال ذو الشجون وعن الكلاب بالذات التي لا أفقه فيها أو أربيها أو حتى أحبذها قصة حدثت لي مع صديق من البصرة يدعى(أبو جواد) يسكن جنوب ستوكهولم ،وله ولدين في سن المراهقة. وفي يوم ، وبعدما هما في الخروج من بيتهم نبح كلب جارتهم السويدية العجوز عليهم، فأجابوه من سجيتهم النزقة بالسويدية (هول شفتن) أي أخرس أو (أنجب بالعراقية). وبعد ثلاثة أيام من الحادث أتت العجوز السويدية وطرقت الباب على أبو جواد، لتعاتبه على تصرف أولاده الأخرق، كون إهانتهم "قبل ثلاث أيام" للكلب جعلته يكتئب،وهاهو "المسكين" لم يعد مرحا، ولا محب لممارسة الرياضة اليومية و الخروج الدوري الذي تفرضه القوانين السويدية على أصحاب الكلاب بتمشيهم ساعة كل يوم خارج المنزل.لهذا تهيب العجوز بأولاد أبو جواد الاعتذار وطلب الصفح من كلبها عما أصابه من "خدش للمشاعر".وفعلا ذهب الشابين ومسّدا على فروة الكلب بما يوحي له بإعتذرهم "الرسمي"، ومن حينها تغير مزاجه وأصبح "برتقاليا". تسائلت وأنا أسمع تلك الخاطرة نفسي: كم من (أخرس- أنجب) سمعها العراقي ملئ إذنه "صاغرا" وسكت عليها "مطنش"،وكانت قد صدرت من جهات عدة أما من الفرقة الحزبية أوالعريف (الرقيب) محيسن أو الضابط العسكري يونس المتحامل من "أصله" ،أومن إهانات شرطة الشارع أو مرادفة لضربة عصا من معلم المدرسة أو الوالدين، بحيث أمسى سماع تلك العبارة وحتى الأكثر منها إيلاما وغورا بالإهانة لا يحرك لديه شعور بالأسي و الإكتئاب،كما حدث للكلب السويدي صاحب الكرامة ، ولم يشذ هذا الكلب أنملة فقد مارس ما أملته ظروف المجتمع والبلد الحضارية على خاطره .وأجزم هنا مقسما لكم أن كلاب السويد تعيش ألف مرة أحسن من جل البشر في المجتمعات العربية. وإذا نقيس على دلالة الأموال الأمريكية ،نجد أن المواطنون الأمريكيون صرفوا عام 2004 وحده ما مقداره 3,4 مليار دولار على كلابهم. وأجزم أن مبلغ كهذا يمكن أن يساوي خزينة مجمل الدولة الأفريقية الفقيرة، ويمكن أن يحيي تلك القارة من حالها المأساوي ،وينعش حياة "الكلاب البشرية".
لفظ العراقيون في البادية والريف الكلب بصيغة (جلب) بالجيم ثلاثية النقاط، لكنه مكث في المدينة (كلب) للتمايز الحضاري. وأتذكر أن جارتنا القادمة من الريف والدائبة الساعية إلى التمظهر والإفتعال وإصطناع الألفاظ وإسباغ صفة (مدنية) على نفسها وليس(معيدية) أي قروية.وذات مرة أرادت أن تشتم شخصا فقال(جلب...)ثم تذكرت بأنها يجب أن تظهر بلهجة حضرية فتداركت الأمر ببديهية المتلون وأكملت الجملة( ..إبن الكلب)!. ونتذكر جميعا آخر العبارات التي رددها علي كيمياوي وهو مسؤول رفيع في سلطة (ذهب مع الريح)، حينما زار لبنان لأسباب تحتاج الى مراجعة، كونها حدثت بايام قلائل قبل سقوط سلطة البعث ، واصفا فيها بوش إبنا عن أب(الجلب الإبن إبن الجلب الاب) ،لكن الأيام كشفت من هو الكلب الفائز في صراع الكلاب على "هبرة" العراق، أما العظام فترمى للشعب المغلوب.
وفي التراث العربي والإسلامي الكثير من القصص تروى والأمثال تضرب على سير الكلاب ، و قرأنا كذلك عن أخيه الذئب، ومنها مثال (أجوع من ذئب) لأنه دهره جائع وهو يحاكي السلطات العربية عموما،و التي لم تمتلئ كروشها البته، لذا مكثت عقود وعقود لا تبرح السلطة أو تتنازل لغيرها، ثم لجأت أن تورثها لأولادها كي تستقيم الدنيا لها. وعادة ما يقولون في الدعاء على العدو: (رماه الله بداء الذئب) أي بالجوع، وفسره آخرون بالموت، وذلك أن الذئب لا يصيبه من العلل إلا علة الموت، ولذلك يقولون في مثل آخر: (أصح من الذئب). والأسد والذئب يختلفان في الجوع والصبر عليه، لأن الأسد شديد النهم، رغيب حريص ومتحمل وصبور. والذئب وإن كان أفقر منزلاً، وأقل خصباً، وأكثر كداً وإخفاقاً، فلا بد له من شيء يلقيه في جوفه كما الإنسان، فإن لم يجد شيئاً استعان بإدخال النسيم في جوفه(يأكل هواء). وكم يعجب المرء بأن جوف الذئب والكلب يذيب العظم بسهولة ، ولا يذيبان نوى التمر وهو أضعف من العظم كثيرا،لكن سنن الطبيعة وتوازناتها جعلته يتركه لغيره كي تكتمل دائرتها .
يورد الميداني مثلا شائع عند العرب هو: (عَلَى اََهْلِهاَ جنت بَرَاقشُ)( ) حيث يحكى أن بَرَاقشُ كانت كلبةً لقومٍ من العرب، فاغير عليهم، فهَرَبُوا ومعهم بَرَاقش، فاتبع القومُ اثارَهُم بنُبَاح بَرَاقش، فهجموا عليهم فاصطلموهم. وهنا نقول أن السلطة البعثية كانت مثل براقش،حينما جلبت كل نهابي الدنيا وأفاقيها وغزاتها لتسلطهم على العراق .
و تضرب عادة الأمثال في تجويع الكلاب ،حيث نجد في أمثال أبو الفضل الميداني: ( أجوع من كلبة حومل)( ). وحومل هذه امرأة أعرابية كانت تجيع كلبتها، وهي تحرسها، فكانت تربطها بالليل للحراسة وتطردها بالنهار وتقول: التمسي لنفسك لا ملتمس لك. فلما طال ذلك عليها أكلت الكلبة ذنبها من الجوع. ونقرأ في التراث الشاعر الكميت حينما يذكر بني أمية بنفس الصفة، حيث يذكر أن رعايتهم للأمة كرعاية حومل لكلبتها:
كما رضيت جوعاً وسوء رعاية.......... لكلبتها في سالف الدهر حومل
نباحاً إذا ُما الليل أظلم دونـهـا ............ وغنما وتجويعاً ضلال مضلل
وفي سير التراث يحكى أن إعرابي دخل قرية لأول مرة،فهاجمته كلابها بضراوة، وكادت أن تنال منه،فانحنى ليأخذ حجرا من الأرض يدافع عن نفسه، فأستعصى عليه الحجر لشدة البرد، فقال: لعن الله أهل هذه القرية، يطلقون كلابهم ويربطون حجارتهم.
ونجد الكثير من الأمثلة والأمثال في كنف التراث الشعبي العراقي ،لسيرة الكلاب وقربها من الإنسان. فقد كرر المرحوم والدي على مسامعنا أمثال لا أتذكر منها إلا النذر ،وكان يعكس أمالي عراقية، حتى لم تشأ تذكر فكرة إلا وتجد ما يقابلها أو سياقها من مثل أو حكاية أو (رباط الحجي) .فقد سمعت منه مثلا أسم (كوطه) ،وتعني دنئ النفس كما كلبه أسمها هكذا لديهم في الريف الجنوبي.أو (بقوع) ويعني كلب ضال ولا تجده في مكان واحد فهو سائب هامل مهمل.
وسمعنا من الأهل مثل متكرر هو (حايرة أبتله وعلاهن) وهن إسمان لكلبتين، والمعنى من أنشغل بأمرين واهين لاغيرهما وترك المهم و الأهم جانبا ،ويمكن أن ينطبق على الكثير من فعاليات الحياة العراقية ولاسيما السياسية. فقد أنشغل البعثيون بالصومال وموريتانيا و(فلسطين من النهر الى البحر) دجلا، وتركوا العراق عرضة للغزو والسقوط من النهر الى النهر. أو ما لمسه الجميع عند الشيوعيين حينما أنشغلو بأمرين لاثالث لهما أولهم الدفاع عن (الإتحاد السوفييتي والكتلة الإشتراكية) والثاني( الحقوق القومية للأكراد) وتناسوا أن للعراق هموم أكبر تتعلق بالقومية والطائفية وصراع البداوة والحضارة واستغلال السلطة وهموم تكريس المواطنة والانتماء التي مازلنا ندفع ثمن غيابها. وتداعى الولاء للسوفيت وذيلهم في أوربا الشرقية الى ذيليه ودونية منقطعة النظير وجعل الشيوعيين يحملون هموم وشجون شيلي ونيكاراغوا على حساب هموم العراقيين العراض. أما (علاهن) أو الأمر الثاني فأنه تداعى أن يجعلوا من العراق مطية لابتزاز القوميين الأكراد الذي تعاونوا مع العثمالنيين ثم الروس والإنكليز وعبدالناصر وشركات النفط والبعثيين وشاه إيران والأمريكان وإسرائيل من أجل مصالحهم الأنانية الضيقة، وأفقدوا العراق فرصة الإستقلال والسيادة والثبوت والإرتقاء، واليوم يشكلون أكبر تركة لهذا التوجه الذي أخذ أبعاد خطيرة سوف تحرقهم قبل غيرهم والأيام بين العراق وبينهم سجال.
وثمة مثل آخر كان يردده أهلنا مفاده: (مثل كلبة حنيش..ظلت تباويله(ترصده) حتى أكلت أخصاه(خصيته))،ويعني بها التمادي في إتباع شخص أينما ذهب،والقصة أن كلبة شخص يدعى حنيش(مصغر حنش ويعني الحية الصغيرة) تبعته أينما ذهب ،حتى جاعت يوم ما، فلم تجد غير خصية صاحبها حنيش متدلية وهو نائم لتأكلها.وثمة مثل تكرر في الجنوب: (كل الكلاب أخير من طوقه) والظاهر أن ثمة كلبة أسمها(طوقه) قد تركت الأثر السئ بسوئها، والمثل يعني أن كل الأمثلة والنماذج أحسن مما نمتلك. والأمر ينطبق على العراق فكل البلدان بنت لسلطات ومنظومات حياتية بموازنة نسبية حتى الدول المصطنعة منها، إلا سلطة البعث في العراق التي كانت مثل(طوقه) لا مثال ينطبق عليها، ولا يوجد ما يهبط تحتها من السوء.
وفي سياق أسم الكلبه (طوقه) ،فأنها أمست كنية لأكبر العشائر العراقية وهي (شمر الطوقه) للتمييز بينها وبين (شمر الجربه) والجربه هي أسم كلبة كذلك. وهنا نقف على أن التمايز في تسميات الكلاب وسدنة البداوة والعشائرية.ويتذكر جلنا المسلسل التلفزي (ساري)،الذي ظهر في السبعينات عن قصة بدوي يدعى (عبدالله الفاضل)، عاش في ديار شمر وربيعة في نهايات القرن التاسع عشر. وحينما أصابه الجدري، تركوه أهله خشيه من العدوى وهاجروا دونه بإتجاه سهل مكحول ،ومكث وحده في الخيمه يحرسه كلب اسمه (شير)( ) ويعني أسد، والظاهر أنه كان أسدا حقيقيا في حماية صاحبه الفاضل، وذاد عنه من أكل الذئاب التي أحاطت به مرارا وسط البادية. وسمعنا الفاضل وهو ينشد (شير)، لوعة وشكوى أهله بعدما هجروه وحيدا مع فتات الطعام كما العظام التي ترمى من قصور (الحير)( ):
هلك شالو على مكحول ياشير........ وذبولك عظام الحير ياشير..الخ.
وسمي الأسد (كلب الله) ،لكنه يختلف في المغزى حينما أستعمله خير الله طلفاح خال صدام ،حيث أطلق إبان الحرب العراقية الإيرانية مقولة(كلب الله على عدو الله) ويعني به عراقيون"كلاب" يقاتلون فرس "أعداء الله"، أو (كلابهم عليهم) حينما أعتبر شيعة العراق كلاب إيران.
وسمعنا مثل (جل الكلب على مجلة أهله) أي إحترم الكلب من أجل أهله،وليس لأنه محترم بذاته. وفي ذلك شجون تنطبق على المعاملة الجافة التي تعامل بها العرب مع العراقيين في مغترباتهم ،ولا أعلم أن كانوا قد أطلعوا على فضل العراق و العراقيين عليهم في السابق واللاحق، وهل حسبوا بالصفر العراقي وقرءوا بالكتابة العراقية وتهجدوا بصلاة عراقية تمتد من أساطير الآلهة أنانا حتى مكارم الرسول العربي الكريم، أو تلفظوا أصلها عراقي دون ريب. لذا هل فكر العرب يوما أن يجلوا ويحترموا(الكلاب) العراقية على خلفية فضل أجدادهم على الثقافة البشرية والعربية والإسلامية.
وسمعنا مثل يقول (مثل كلاب بهبهان) وبهبهان هي أقليم في فارس، يقال عن كلابها أنها حينما كان يداهمها الخطر ، تبدأ النباج والضراط بنفس الوقت ، فالأولى تدلل على تواجدها وجرأتها والثاني تدلل فيه على أنها مرعوبه خائفة. وهذا ينطبق على الكثير من عنتريات الساسة ولاسيما القوميين في كل "القوميات" ولاسيما "الرئيس" مسعود برزاني، الذي سمعناه يهدد تركيا بأنه يحتل ديار بكر، لكن تبين أنه بهبهاني مؤصل، فقد قصفت الطائرات التركية وبدقة كل ما بناه في السر والعلن من معسكرات ومخازن الفرهود وأشجبة السلاح المسروق والمشترى والموهوب ، الذي سيمكث (بيد اللطامات) مثلما مكث سلاح وصواريخ صدام بالأمس.
ونسمع كذلك مثل (كلب الي عظك قتلناه)، غمزا أن لامبرر لقطع الوصل بين المتحابين. بيد أن، المرحومة أمي كانت تكرر مثلا لم نفهمه في الصغر فحواه(خلف الملعون كلبا مثل أباه) قاصدة غمزا من تماثل سوءا مع أهله، وكانت حينما تتخاصم مع المرحوم والدي تطلقها علينا حنقا وحقدا. لكن تبين بعد الإطلاع أن والدتي كانت تردد بيت شعر عربي مفاده:
مات كلبا فأسترحنا من عواه...... خلف الملعون كلبا صار ألعن من أباه
وهكذا كان القصد فيمن يخلف ألعن من أبيه كما كان عدي بن صدام بن طلفاح ،وكان الكثير من الشيوخ والأغوات ووارثي الحظوة والجاه و"الثورات" ألعن من أبائهم المجرمين.
ونجد بعض صيغ النفاق ترد في المثل(إذا كانت حاجتك عند كلب فقل له حجي كليب)، أو يرد عند أهل تونس محاكيا له : لو كان إنقاذقك من الغرق يتطلب منك التشبث بذيل كلب فأفعلها دون أن تتنجس أو تندم. وثمة مثل يتناقله أهل الجنوب العراقي حصرا ،نصه(مثل كلاب التفك..ماخذه الريجان)، وفحواه أن الكلاب في المناسبات ، وحينما يلعلع صوت الرصاص فرحا أوقرحا،كما زاولتها الأعراف الإجتماعية ، فأن الكلاب تخاف وتضطرب،وتعيش حالة فزع ،حتى تخبأ ذيولها بين أرجلها، وتختار المناطق الآمنة ومنها رواقات البيوت وحيطانها وأجراف الأنهر وحافاتها . والأمر يراد به مثل الرعديد الذي ينبح متبجحا بالقوة ليلا،لكنه عندما ينطلق الرصاص يلوذ فرارا مختارا(الريجان)،وهذا ما حدث مع صدام،حينما كان (يزامط بالويلاد) ،و يملك الكيمياوي المزدوج وصواريخ العباس والحسين، لكنه حينما أنطلق الرصاص الحقيقي،وحل الأمريكان أختبئ في حفرة. و ينطبق المثل كذلك على المثقف العراقي ،الذي تنمر وضرب صدره إختيالا بما يملك من علم ومعلومة،لكن حينما جاءت ساعة الحقيقة وضاع الوطن بين أيادي (اللطامات) ومشاريع التقسيم، من كل لون وصنف،فأنه أصبح يلوذ(بالريجان) ولم نسمع من بعضهم حتى عواء أو امتعاض.
و في السياق الشعبي كذلك،يصف الإنسان العدواني و اللا متسامح:(مثل الجلب المجلوب..يعض أهله والجيران)،وهو ما ينطبق على صدام حصرا وقصرا ،فبعد أن عض العراقيين في السبعينات ولم يعد يملكون ما يعضهم منه،توجه وعض الإيرانيين في الثمانينات ،ثم الكويتيين في التسعينات، ثم عاد لأهله وعض عائلته ومنهم صهره و أحفاده. وهنا نشير الى أن داء السعار أو الكّلب (التيتانوس) وهو مرض معدي والعياذ بالله قد رام صدام نقله ونشره بين العراقيين ،باحثا عن خبايا الكلب في بواطن النفس العراقية، متسللا الى الغرائز السلبية والبهلوانية ومحفزا سطوتها. و أشاع بين الناس ظاهرة (التقارير الحزبية الكيدية)،والتي كان قد استعارها من الأنظمة الشمولية،واقربها النازية والفاشية و الشيوعية. وقد نحر من جرائها آلاف العراقيين،وللأسف بأن هذا الوباء شاع، حتى وجدنا قصص تروى للأجيال عن هبوط في نوعهم ،وسمعنا عن أبا يتسبب في إعدام ابنه وزوجة المطرب صباح السهل تسجل شريطا صوتيا(كاسيت) لزوجها، وهو يتهكم على "القيادة الحكيمة" في حالة سكر، ليعدم بعد يومين من وصول الكاسيت للمخابرات،ووجد التقرير والكاسيت والتفريغ له في أرشيف (الأمن العامة) بعد سقوط الصنم.وهنا نتساءل أليس وباء البعث كان أكثر فتكا من سعار الكلاب.
تقول القصة الشعبية بأن ثمة مربي للدجاج كان يشعر بأن دجاجاته في نقصان دائم ، بالرغم من أنه أوكل حراستها لكلب شرس. فخطرت له فكرة مراقبة القن، فرابط وتربص،وإذا بثعلب يخرج من بين الأدغال ليقترب ويداعب كلبه بما يشبه الغزل، ثم "وطأه" ، وحتى فرغ الثعلب منه ، تركه الكلب يذهب ويختار دجاجته المفضلة، ليهرب بها متدلية من فمه. وهكذا كان موقف البعث مع خيرات العراق ونفطه ، التي أمست حصة لكل من هب ودب في الشرق والغرب،والكلب البعثي المخول بالحراسة والصون كان يهب لهؤلاء الدجاج من القن العراقي مقابل شبقه ،واليوم سهل المهمة وحمى ظهر الإرهاب السلفي ،في التسلل وسفك الدم العراقي ضغينة وإنتقاما.
يشاع في الغرب أحجية مفادها أن ثمة تشابه بين الكلب وصاحبه شكلا ومضمونا،حتى لنجد بعض النسوة الغربيات صبغن شعرهن بحسب لون كلابهن، وأتذكر جارتي البولونية الأصل التي تصبغ شعرها أبيض تشبيها بكلبها ذو الفرو الأبيض. لكن من المؤكد أن الظروف البيئية المحيطة تؤثر على الكلب والإنسان على حد سواء، وهذا ما عبر عنه الفيلسوف البريطاني برترند راسل حين قال: (إن كل الحيوانات سلكت سلوكاً يتفق مع الفلسفة التي يعتنقها الشخص الملاحظ قبل أن يبدأ ملاحظاته. بل وأكثر من ذلك، فإنّ هذه الحيوانات قد أوضحت الخصائص القومية لصاحب الملاحظة. فالحيوانات التي قام الأمريكيون بإجراء الدراسات عليها تندفع في حالة من الهياج وبنشاط واستثارة واضحة غير عادية، وفي النهاية تصل إلى النتيجة المنشودة عن طريق الصدفة. أما الحيوانات التي قام الألمان بملاحظتها فتقف ساكنة وتفكّر، وفي النهاية تصل إلى الحلّ الذي يكون بعيداً عن شعورها الداخلي).
اقر هنا أن راسل أقترب من الحقيقة ،فلي تجربة لا أنساها وأنا صغير ، حينما كنت أزور أجدادي في هور العمارة وتحديدا في الميمونة ،وكان يخيفني مشهد (كلاب الشيوخ) التي توصف بـ(المزريبه)، ولاسيما في "قصر" الشيخ فهد الشواي، وحرمني من لقاء إبنه صديقي (طالب). حيث كانت تهاجم القارب(المشحوف) الذي يسير في عمق الماء ،و لم أرى في حياتي هذا الحد من العدوانية أو الرعونة لهذا المخلوق الأخرق ،وربما أسقط تلك العنجهية والسخف بالمحاكاة مع ما يحدث في العراق اليوم من إقتتال وإنتحار جزافي. فكثير من المتناحرين يعلمون يقينا أن نباحهم لايجدي نفعا (فالمشحوف) بعيد عن متناولهم ، ولا تنفع مهاجمته كونه مارا وغير معاد،و يمكنه أن يبتعد عنهم الى عمق النهر وهم الخاسرون بالنتيجة. وأتذكر في سياق تشابه الناس وكلابهم طرفه ،بأن كلاب الريف تنبح وتقول(عاو) بإعتداد،بينما كلاب منطقة المنصور المخملية في بغداد السبعينات كانت تنبح وتقول(واع) مع دغم للعين ،ليخرج نباحها غنوجا يحاكي طبع أهلها المترفين قبل خراب بغداد.
كتب المفكر العراقي صائب خليل جملة ( الذات التي نسيت احترام نفسها لكثرة ما اعتدي عليها)،والمناسبة كان إحتجاج بعض العراقيين على "إحتجاز سياسي معمم" لسويعات على الحدود ،بعدما تناسى هذا الشعب أنه محتجز ومبتذل منذ قرون خلت،والأمر عينه حدث حينما خرجت المظاهرات العرمرم على (الرسوم الدنماركية)،لكن تلك الشعوب المغيبة الوعي نست أنها تتظاهر على جوع وذل سلطوي مفروض عليها قبل أن يرسم الدنماركي النزق كاريكاتيره، ليلهبنا حماسا وحمية على الدين الحنيف . و من اللمحات العالقة في ذهن كل عراقي صورة الجندي العراقي وهو يقبل يد الجندي الأمريكي عند الإنكسار في حرب الكويت،وتكررت قبل أيام في الفلوجة لأخر أمام الكاميرات ،وإذ أجزم بأن هذا الجندي تجسد له شيخ عشيرة أو ملا جاهل أو صدام نفسه ، وتصور أن الأمر سيان مع الجندي الأمريكي ليقبل يده خانعا.
كتبت قبل عام مقارنا بين إنتخابات العراق وأهل السويد على أساس كلنا بشر وثمة هامش من المفاضلة والمقارنة المعقول. فأجابني الأخ جواد كاظم خلف من فرنسا:( مشاكلنا تنبع من طبيعة شعبنا وللأسف وليست مختلقه من أطراف خارجية فقط .... عندما دخل المحتل للعراق كان الأطفال والنساء والرجال يتجمهرون حول دبابات الأمريكان و يتعاركون على الخبز الذي كان يلقيه عليهم جندي من على ظهر دبابته وأمام عدسات تلفزيونات العالم أجمع.....لم يتعارك الشعب الألماني أو الياباني متجمهر من أجل الحصول على خبزه تلقى عليه وكأنه وغد ووحش جائع رغم إن العراقيين كان يتوفر في بيوتهم عشرات المرات أكثر من مواد غذائيه أساسيه عند دخول الاحتلال....من الحرام أن نقارن جمعيا بين قيم الشعب السويدي وشعب كالشعب العراقي ....). أنتهى النص وليس لي تعليق.
وللحديث بقية في( حلول بافلوف لعراق اليوم) في الحلقة الخامسة والأخيرة.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,627,968,875
- كلاب بافلوف والكلاب العراقية.الجزء الثالث
- كلاب بافلوف والكلاب العراقية- الجزء 2-5
- كلاب بافلوف والكلاب العراقية- الجزء15
- عمارة البيوت في سياق الثقافة الكردية
- حينما غنوا القوميين الأكراد: يا أهلا بالمعارك
- العمارتان العراقية و الفارسية..مدخل مقارن في الريادة والإقتب ...
- ماذا جنى العراقيون من التشيع والتسنن؟الجزء3- الأخير
- ماذا جنى العراقيون من التشيع والتسنن؟ الجزء3- الأخير
- ماذا جنى العراقيون من التشيع والتسنن؟ الجزء2- من ثلاثة أجزاء
- ماذا جنى العراقيون من التشيع والتسنن؟ الجزء1- من ثلاثة أجزاء
- بلاد مابين الفدرلة والفرهدة
- 30 تموز..الأمريكان والبعث وصدام.. خصام أم وئام
- ثورة تموز... رؤية متروية بعد الحول التاسع والأربعين
- وزراء البيشمركة وعودة الى لعبة الحرب بالنيابة
- خان مرجان وعمارة الرمق الأخير في بغداد الجزء22
- خان مرجان وعمارة الرمق الأخير في بغداد-الجزء 1-2
- دهمائنا ومخراطيونا والديمقراطية الأمريكية
- فرنسا الجديدة والعراق الجديد
- تقسيم بغداد و-...خط البرغل-
- تقسيم بغداد و-خط البرغل-


المزيد.....




- وزير إسرائيلي يدعو للتخلي عن حل الدولتين مع الفلسطينيين
- رفع الحظر الأمني عن أوتاوا وفرض طوق أمني حول البرلمان
- بيع أول جهاز أبل مقابل 905 آلاف دولار
- - نص- الماءُ يَجري ثكولاً ...
- لقاء الامين العام للحزب برئيس اتحاد كتاب المغرب
- موسمه يغلق اليوم، النسور بطلا لجبل أولياء والامل يودع دورى ا ...
- وسط تشكيك فى نوايا الاتحاد العام تجاه قضية الدويم، الأندية ت ...
- شبيبة كوستى للأولى وهلال كنانة يهبط للثانية
- شباب حلايب يصعد للأولى والتقدم يهبط للثالثة
- الكردافة لم يحسنوا الاختيار، هلال الأبيض يستضيف مريخ كوستى ب ...


المزيد.....

- الفساد السياسي ( أسبابه ومكافحته )* / صاحب الربيعي
- كيف نعيد بناء العراق ونكسب ثقة المواطن / احمد موكرياني
- الثقافة العراقية حية لا تموت كما أبدية وطن النخيل / تيسير عبدالجبار الآلوسي
- آفاق المتغيرات في العراق ودور التيار الديموقراطي في تقديم ال ... / تيسير عبدالجبار الآلوسي
- دراسة في حركة الضباط الأحرار4-6 / عقيل الناصري
- اليسار العراقي الاشكاليات والآفاق / جريدة -الأخبار - البصرية
- سعيد قزاز وإعادة كتابة التاريخ في العراق!* / كاظم حبيب
- برنامج الحزب الشيوعي العراقي - المؤتمر الوطني الثامن / الحزب الشيوعي العراقي
- هل من دور للنفط في إسقاط حكم البعث في العراق؟ / كاظم حبيب
- جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور ... / سيار الجميل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - علي ثويني - كلاب بافلوف والكلاب العراقية-الجزء4