أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - كاظم حبيب - نحو تطبيق إنساني وعقلاني لقانون المساءلة والعدالة















المزيد.....


نحو تطبيق إنساني وعقلاني لقانون المساءلة والعدالة


كاظم حبيب
(Kadhim Habib)


الحوار المتمدن-العدد: 2161 - 2008 / 1 / 15 - 11:25
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


بمناسبة صدور قانون المساءلة والعدالة أجد لزاماً أن أذكر كافة القارئات والقراء الكرام في العراق وفي الخارج بعدة حقائق لا يجوز إغفالها بصدد قانون اجتثاث البعث السيئ الصيت لأنها كانت وستبقى لفترة غير قصيرة أحد الأسباب المهمة التي ساهمت في تفاقم الوضع الأمني في العراق بعد سقوط النظام العراقي, وأعني بها:
1 . سياسات الولايات المتحدة وقوات الاحتلال والسيد بريمر التي مارستها بعد سقوط النظام مباشرة ولفترة غير قصيرة , وخاصة تلك القوانين التي أصدرها بريمر والتي كانت ولا زالت وستبقى حولها خلافات تسبب في الكثير من المشكلات التي نواجهها اليوم , ومنها أسلوب تدمير مؤسسة الدولة والجيش والأجهزة الأخرى وكذلك صياغة قانون اجتثاث البعث ورميهم جميعاً في سلة واحدة.بعض أكثر القوانين خلافية
2. سياسات قوى الإسلام السياسي الشيعية التي هيمنت بقوة على الشارع والسلطة وبدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية وأصدر بعضها فتاوى دينية تشجع على قتل البعثيين وعدم التمييز بينهم والتي ارتكبت بسببها الكثير من الجرائم والانتهاكات لحقوق الإنسان , وخاصة تلك الفتوى التي أصدرها آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري بهذا الخصوص.
3. السياسات التي مارستها الحكومات المتعاقبة التي ترأسها السادة الدكتور أياد علاوي والدكتور إبراهيم الجعفري على نحو خاص , والسيد المالكي . وقد كانت سياسة الجعفري أكثرها سوءاً وطائفية وتدميراً للعلاقات بين القوى العراقية المختلفة.
4. قوى الإرهاب الدموية و, ومعها هيئة علماء المسلمين , والمليشيات الطائفية , التي مارست كلها أشكالاً متنوعة ورهيبة من أفعال الإرهاب ضد الشعب العراقي بكل أديانه ومذاهبه وفئاته الاجتماعية ومثقفيه.
أرجو أن يتذكر الجمهور العراقي أن العاشر من ربيع الثاني 1424 هجرية المصادف الخامس عشر من حزيران/يونيو 203 ميلادية كان البداية لتنشيط قانون اجتثاث البعث الذي أصدره بول بريمر بناءً على نصيحة الدكتور أحمد الچلبي وبعض حلفائه من القوى الشيعية التي اصطف معها في أول انتخابات في العراق , حين أصدر آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري فتوى موجهة إلى الشعب العراقي حول الموقف من بعثيي النظام السابق في العراق , حيث وزعهم على النحو التالي وفق الفتوى التي أصدرها:
"الأول: كثرة من الناس كانوا قد انتموا إلى الحزب حرصاً على لقمة العيش، أو طلباً للسلامة في الحياة رغم خسة العيش والحياة تحت قيادة صدام ولم ينهمكوا في الإجرام ضد الأمة العراقية.
الثاني: المجرمون الذين انهمكوا في الإجرام سواء عن طريق القتل المباشر، أو التعذيب، أو السعي في إبادة المؤمنين برفع التقارير ضدهم الموجبة لقتلهم، أو سجنهم وتعذيبهم، أو تشريدهم وما إلى ذلك.
الثالث: أولئك الصداميون الذين بدأوا يعيدون تنظيمهم ولو باسم آخر بأمل عودة صدام لو أمكن، أو بأمل السيطرة على رقابنا مرة أخرى ولو في غياب صدام لو لم يمكن رجوعه.
الرابع: أولئك المنتمون إلى الحزب الذين بدأوا يحتلون مرة أخرى مكان الصدارة في العراق بوجه آخر.
الخامس: أولئك الذين بدأوا يعملون لتخريب حياة الناس بمثل قطع أسلاك الكهرباء، أو تهديم البيوت، أو القتل، أو خلق الفتن والمحن، أو ما إلى ذلك.
والأقسام الأربعة الأخيرة كلها مصاديق بارزة لمحاربة الله ورسوله وللإفساد في الأرض، وقد قال تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتـَلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
وعليه فإنّ القسم الأول يتركون ولا يتعرض لهم بشيء، والأقسام الأربعة الأخرى يعتبرون مهدوري الدم كي ينسدّ باب فسادهم وإفسادهم وتهديمهم وتخريبهم وتبوء محاولة إرجاع صدام مرة أخرى أو الهيمنة من قبلهم على مقدرات البلاد بالفشل". [مقتطف من نص الفتوى المنشورة في أكثر من موقع في الإنترنيت].
اعتاد علماء الدين من أصحاب الاجتهاد المتقدم والناضج أن يعطوا اجتهادهم حول مشكلات يواجهها الرجال والنساء يراد لها الحلول التي تنسجم مع ما ورد في القرآن والسنة أو ما تراكم من اجتهادات وحلول في الشريعة أو ما يراه مناسباً وفق فهمهم للمشكلات وظروفها وخبرتهم وتجاربهم وعلمهم, ومثل هذه الفتوى تسري على أولئك الذين يقلدون هذا العالم الديني أو ذاك, وهي ليست ملزمة من حيث المبدأ لجميع المسلمين. إذ أن باب الاجتهاد مفتوح لعلماء الدين والاختلاف بينهم كان وما يزال قائماً. وفي ضوء هذا الاختلاف أو التباين في الاجتهاد والتفسير لآيات القرآن أو أحاديث محمد بن عبد الله أو زاوية الرؤيا لمختلف القضايا والمصالح, إضافة إلى الظروف المحيطة بالمجتهد, هي التي قادت إلى ظهور أكثر من مذهب في الإسلام, وهي ظاهرة إيجابية في مسائل الدين والدنيا الخاصة بالإنسان الفرد أو الجماعات أو المجتمع. شريطة أن لا يتحول الاختلاف في المذاهب إلى رؤية طائفية ضيقة وتمييز بين البشر بسبب رؤيتهم وقناعاتهم المتباينة للأمور. وهنا يبرز الفارق الأساسي بين صواب وإيجابية التعدد في المذاهب من جهة, وخطر تحوله إلى طائفية مقيتة وتمييز يلحق أضراراً بالأفراد والمجتمع من جهة أخرى. وغالباً ما تعرض المسلمون إلى مشاحنات بين أتباع المذاهب المختلفة أججها غالبية الحكام وبعض رجال الدين الطائفيين المتعصبين لدى مختلف المذاهب. وباب الاجتهاد لا يقتصر على علماء الدين المسلمين, بل شمل جميع الأديان, السماوية منها أو غير السماوية, حيث نجده في الديانات اليهودية والمسيحية ووفي الإسلام والبوذية والهندوسية ...الخ.
وغالباً ما رفض علماء الدين المسلمين أن يعطوا فتاوى تكفر هذه المجموعة من البشر أو تلك أو هذا الفرد أو ذاك, رغم الضغوط التي مورست عليهم من قبل الحكام أو من قبل جماعات متنفذة ومتعصبة, وكان هاجسهم في محله, إذ أن بعض الظن أثم, وخاصة في مجال الاجتهاد حول قضايا تعتمد على ما في دواخل الإنسان وليس على مظهره أو سلوكه الظاهر, إذ يصعب على العالم الديني وعلى غيره من البشر الولوج إلى دواخل الإنسان ومعرفة أساس ووجهة تفكيره وسبب تصرفه. وعبر المصريون بصواب حين قالوا بأن الإنسان عوالم وليس عالماً واحداً. واحترم هؤلاء العلماء مكانتهم العلمية الدينية وابتعدوا عن احتمال نشوب فتنة يروح ضحيتها كثرة من الناس دون وجه حق, خاصة إذا كانت الفتوى تمس مجموعة كبيرة من الناس أو مجتمعاً بأكمله. وفي فترات الحكم العثماني أو الدولة الفارسية أو حتى في العراق وفي فترات مختلفة صدرت, وتحت ضغط السلاطين والحكام وتأثيرات أخرى فتاوى عن شيوخ الإسلام ورجال الدين تسببت في مشكلات كبيرة وأحقاد وضغائن, أو راح ضحيتها كثرة من النساء والرجال والأطفال الأبرياء. وما تزال في ذاكرة التاريخ الفتوى التي أصدرها شيخ الإسلام في الأستانة ضد الأيزيديين في العراق وتركيا وسوريا وقادت إلى مجاز دموية راح ضحيتها الكثير من الناس الأبرياء, على سبيل المثال لا الحصر.
والفتوى, كما هو معروف, لها أسسها وقواعدها الضابطة بحيث لا تقود إلى عواقب لا يقصدها المجتهد, ومنها سيادة الفوضى والتجاوز على القوانين السارية والاعتداء على حياة الناس الأبرياء أو تقود إلى تأجيج روح الانتقام والثأر عند الناس, بل يفترض فيها أن تدعو إلى معالجة الأمور بالحكمة والتسامح والرؤية الواقعية للأحداث ووفق الظروف الزمانية والمكانية, ومنها جاء القول الشهير للنبي محمد بن عبد الله "أنتم أعرف بأمور دنياكم".
والفتوى التي أصدرها آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري تبعث على الدهشة والحيرة والاستغراب في آن واحد. فمع الاتفاق مع السيد الحائري على أن البعثيين ينقسمون إلى قسمين من حيث المبدأ, بل وأكثر من ذلك بالنسبة لأولئك الذين كانوا أعضاء أو أنصار في حزب البعث قبل سقوط النظام. إذ كان البعض منهم قد أصبح عضوا بسبب عقلية انتهازية ورغبة في تحين الفرص والصعود على أكتاف الآخرين, والبعض الآخر بسبب ضعف في شخصيته أمام المال والجاه والنفوذ, والبعض الثالث بسبب خوف من مصير غامض يطارده ويطارد أفراد عائلته عند عدم انتسابه لحزب البعث الحاكم, كما أن هناك من تغلغل في صفوف البعث بأمل الحصول على معلومات لطرف ثالث ...الخ. كما أن هناك جماعات غير قليلة من الشباب الذين لم يعرفوا من الحياة وتجاربها شيئاً حول حزب البعث في العراق وانخرطوا في الحزب بهدف الحصول على مقعد دراسي للدراسة في كليات معينة أو الحصول على زمالة دراسية ...الخ. وهناك البعض الآخر الذي ولج حزب البعث بنية حسنة وإيمان بالقضايا القومية, ومنها قضية فلسطين, ولكنه لم يستطع مواجهة التغييرات التي حصلت في حزبه أو تحديها, وبالتالي أجبر على البقاء تحت ظروف وعوامل كثيرة أو أنه هجر هذا الحزب أخيراً.
ولكن هناك أعضاء من الحزب من قاد هذا النظام وأصدر الأوامر ولعب دوراً في التحول إلى سلطة سياسية فاشية وعنصرية دموية عشنا تحت وطأتها عقوداً عجافاً ومريرة وأرسلت في خلالها إلى طاحونة الموت مئات الآلاف من العراقيات والعراقيين. وهناك من كان أداة طيعة بيد هذا النظام نفذ ما أمُر به بأساليب مختلفة وتحت ظروف مختلفة.
إن المصائب والكوارث التي نظمها وتسبب بها النظام الدكتاتوري وحلت بالعراقيات والعراقية, بالمجتمع بأسره, كانت كبيرة شملت الجميع, وأن كانت قد تركزت في كُردستان العراق وفي جنوب العراق والفرات الأوسط , ولكنها لم تكن قليلة في المناطق الأخرى من العراق ومنها الأنبار وصلاح الدين وديالى والموصل ...الخ. وكانت حصة علماء الدين الشيعة من القمع والتعذيب والقتل غير قليلة وقاسية حقاً. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه علينا جميعاً هو: كيف يفترض فينا أن نتعامل مع هذه الحقيقة؟ وكيف تعامل معها قادة حركة التحرر الوطني للشعب الكردي الذين عانوا الأمرين من الحكام العراقيين العرب في السنوات الثمانين المنصرمة, ولكن على نحو خاص خلال العقود الثلاثة الأخيرة؟ وهل يحق لنا أن نترك لروح الانتقام أن تنال من حكمتنا لتحرق الأخضر واليابس أم علينا التمييز بعناية كبيرة بين الأشخاص والحالات المختلفة, وأن نسير على خطى قادة جمهورية جنوب أفريقيا, وخاصة مانديلا, في معالجة مشكلة جلادي وضحايا التمييز العنصري هناك؟ هل يحق لعالم ديني من الناحية الدينية والإنسانية أن يصدر فتوى يقرر بموجبها هدر دم جميع أولئك البشر الذين كانوا قادة وأعضاء وجلاوزة وجلادين في فتوى واحدة ودون تمييز بينهم أولاً؟ وهل يمكن أو يحق لعالم ديني, مهما عظم شأنه وعلت مكانته الدينية, أن يصدر مثل هذا الحكم العام والشامل والمطلق دون العود التفصيلية إلى حيثيات التهم الضرورية لإصدار الفتوى أو الحكم بكل واحدة منها وليس بالجميع وبالمطلق؟ وهل يحق لعالم ديني مهما عظم شأنه بين المسلمين أن يصدر فتوى تمنح مقلديه, والله أعلم بعددهم وسواء أكانوا من الرجال أم النساء, حق قتل عشرات الآلاف من الناس دون تأمين محاكمات قانونية والاستماع إلى شهود, أو حتى بعيداً عن أحكام القرآن والسنة والشريعة التي تستوجب الشهود, حيث لا يحكم على الناس بالشبهات فقط أو الاتهامات دون منح المتهمين فرصة وحق الدفاع عن أنفسهم؟
قرأت الفتوى التي أصدرها آية الله العظمى السيد كاظم الحسني الحائري بعناية كبيرة وعدة مرات, ووجهت رسالة إلى علماء الدين أسألهم فيها عن أصول وظروف إصدار الفتاوى في الإسلام وفي المذاهب المختلفة, رغم معرفتي بها بشكل عام ولدي مكتبة عامرة بقضايا الاجتهاد في الإسلام والعلوم الإسلامية. لهذا وجدت أن هذه الفتوى لا تدعو إلى الدهشة والحيرة والاستغراب فحسب, بل تدعو إلى القلق الكبير وضرورة التحري عن الأسباب أو العوامل الحقيقية الكامنة وراء إصدار مثل هذه الفتوى العامة والشاملة والمطلقة ! فهي تحكم بالإعدام وبجرة قلم على كل البعثيين الذي كانوا أو ما زالوا في:
• قيادة البعث دون استثناء ودون معرفة بمواقفهم الفعلية. وهي لا تقتصر على القيادة العليا, بل كل القيادات.
• كل الذين عملوا في أجهزة الأمن العامة والمخابرات والاستخبارات والأجهزة الخاصة ...الخ.
• كل الذين كانوا مدراء للسجون السياسية أو الذين قاموا بعمليات الإعدام أو التعذيب.
• كل الذين كتبوا تقارير عن أشخاص أدت بدورها إلى اعتقال أو تعذيب أو قتل هؤلاء الأشخاص.
• كل الذين انخرطوا حالياً في النشاط المعادي للوضع الجديد دون التمييز بين أفعالهم وما يقومون به من أفعال في الوقت الحاضر, إذ أنها تبدأ بكل من قطع سلكاً كهربائياً أو خرب بيتاً أو قتل نفساً.
• كل البعثيين الحزبين الذين توظفهم سلطة الاحتلال ويحتلون مكان الصدارة لأي سبب كان دون معرفة الأسباب التي أدت إلى مثل هذا التوظيف ودون العودة إلى المسؤولين الذين عينوهم أو حتى دون العودة إلى سجل أفعالهم.
أي أن المفتي قد وضع نفسه في هذه الفتوى حاكماً وقاضياً في البلاد, وليس هذا من حقه ولا من واجبه في بلد يفترض أن يسوده القانون بعد غياب طويل عن ممارسة القانون من جانب النظام السابق. فهل بهذه الفتوى نعود إلى استبدال استبداد بعثي فاشي باستبداد من نوع آخر يقوم على الفتاوى؟ إن هذه الفتوى بصياغتها ومضمونها يفترض أن تدفعنا للتفكير بكل جدية وحرص ومسؤولية حول ما يسعى إليه البعض من علماء الدين بالفتاوى الهزيلة , بغض النظر عن حسن نواياهم, إذ يمكن أن تصدر غداً فتوى أخرى من نفس عالم الدين أو من غيره بهدر دم مجموعات أخرى لأسباب أخرى.
ماذا يعني احتمال تنفيذ هذه الفتوى من قبل مقلدي آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري؟
إنها تعني باختصار شديد, وبالارتباط مع طبيعة الفتوى العامة والمفتوحة على أوسع مشهد (بانوراما) ممكن للقتل في العراق, بعد مشهد قتلى النظام السابق, لتشمل أولئك الذين يفترض هدر دمهم من قبل المسلمين في العراق, ما يلي:
• تجوال العشرات والمئات أو الألوف من مقلدي السيد الحائري وهم يحملون تحت ملابسهم السيوف والقامات والخناجر والمسدسات ليوجهوها إلى رأس وصدر من يعتقدون أنه كان ضمن هذه القائمة الطويلة التي أشار إليها السيد الحائري في فتواه.
• سيتحول العراق إلى ساحة حرب حيث ستتدحرج الرؤوس المقطوعة وتسيل الدماء في شوارع العراق, إن قرر هؤلاء السادة تنفيذ مضمون فتوى السيد الحائري.
• ستقع أعمال انتقام يقوم بها كل من تعرض للسجن والإهانة والاغتصاب والتعذيب دون أن يعود إلى المحاكم ليقاضي المتهم بارتكاب تلك الجرائم.
• وسيختلط الحابل بالنابل وستعم الفوضى والفتنة في كل مكان وستبدأ عمليات الانتقام والقتل المتبادل.
وسيتحول العراق إلى ساحة حرب أهلية لا مثيل لها. وسيموت الكثير من البشر البريء. فهل إلى هذا يدعو السيد الحائري؟
ولقد حصل هذا فعلاً حين سمح جيش المهدي بشكل خاص وبقية المليشيات الطائفية أن تمارس كل ذلك.
لا أظن ذلك, وبعض الظن أثم! ولكن هل يحق لنا أن نحكم على ما يبتغيه أو ما نظن بما يريده السيد الحائري, أم علينا أن نحكم على ما خطه بيديه وأصدره للناس كفتوى لتكون قاعدة يلزم بها مقلديه على إتباعها وتنفيذ محتواها بغض النظر عن العواقب المحتملة التي ستنشأ عن تنفيذ تلك الفتوى.
إن ما تقدمه لنا هذه الفتوى تعتبر بحد ذاتها مسألة يجب أن يحاسب عليها قائلها, إذ أصدر حكماً بقتل عشرات الآلوف من البشر دون أن يمنحهم الحق في الدفاع عن أنفسهم, وبها يثير الفوضى والفتنة بين الناس. إنه الاستبداد بعينه!
إن بين البعثيين الذين حكموا العراق كثرة من المتهمين بالإجرام البشع وإبادة الجنس البشري, كما حصل في حلبچة ومجازر الأنفال في كُردستان العراق أو الذين قتلوا علماء الدين وأفراد عائلاتهم أو الذين قتلوا العراقيين بغير حق ومنهم الأكراد الفيلية وعرب الجنوب ومناضلي الانتفاضة, وعلينا تقديمهم لمحاكمات عادلة وقانونية وتتوفر فيها كل متطلبات الشرعية والمسؤولية.
وإلى جانب هذه الفتوى التي أصدرها آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري , أصدرت الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث قوائم بأسماء كثرة من البعثيين لفصلهم من الوظيفة أو إحالتهم على التقاعد دون أن يكون هناك أي تدقيق فعلي بالأسماء!
وفي صيف العام 2004 وجه لي السيد محمد ألأوقاتي, سكرتير الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث, دعوة للمشاركة في المؤتمر الذي كان يفترض عقده في بغداد بتاريخ 5/7/2004 حول سبل تطبق قانون اجتثاث البعث. لقد كتبت ونشرت كثيراً عن فكر البعث وممارساته وعن الفكر العنصري الذي طبع فكر البعث في العراق وشاركت في المؤتمر الأكاديمي الخاص بمجازر الأنفال في كُردستان العراق بالشهر الرابع من عام 2002 وقدمت بحثاً علمياً عن طبيعة العنصرية وفكر البعث العنصري وممارساته. وكان لهذا دوره في دعوتي للمشاركة في هذا المؤتمر. فكرت في البداية أن أشارك فيه وقدمت لهم بعض المقترحات لضمان دفع المؤتمر وفق الوجهة الصحيحة التي أتبناها والتي تصب بالأساس على الجانب الفكري والسياسي وعلى الحوار في هذا الصدد وليس على شمول كل البعثيين بالعقاب , إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال اجتثاث فكر معين من الدنيا ما لم يقتنع البشر بخطأ وخطر تلك الأفكار ويتخلوا هم عنها طواعية لا بالتهديد بالفصل والإحالة على التقاعد وما إلى ذلك التي عاشها العراق كثيراً وتعب الشعب منها. ولكن بعد تفكير طويل قررت عدم المشاركة وأبديت استعدادي لتزويدهم بآرائي حول موضوع فكر البعث وممارسات قادته وكوادره الحزبية المتقدمة وجلاديه في السجون والمعتقلات العراقية , ولكن شريطة أن ننتهي من هذا القانون ونلغيه.
لقد علمتنا تجربة ألمانيا بعد سقوط النازية بأن علينا أن نتعامل مع مثل هذه القضية الحساسة بحذر شديد وباتجاهات ثلاثة أساسية, وهي:
1. دفع الشعب كله, من خلال مثقفيه وساسته الديمقراطيين, إلى استيعاب المرحلة السابقة بكل جوانبها وهضمها جيداً واستخلاص الدروس والعبر منها, سواء أكانت بصدد الأسباب التي أدت إلى مجيء البعث إلى السلطة أم استمرار وجوده بالحكم 35 عاماً أم القبول به والتعامل معه من جهة, أم خوض الحوار الذاتي والجماعي حول فكر البعث ألصدّامي الذي حكم العراق والذي تميز بالاستبداد والعنصرية والإرهاب والقمع والقسوة في التعامل مع البشر من جهة ثانية. إذ لا يمكن رفض فكر ما لم تحصل مناقشات جادة وصريحة وحيوية ودون خوف أو تردد.
2. تقديم أكبر المسئولين والجلادين إلى المحاكمة لا باتجاه الانتقام, بل باتجاه تثقيف الشعب بأهمية رفض مثل هذا الفكر والسياسة والممارسة العدوانية على الصعيدين الداخلي والخارجي, وبالتالي إصدار الأحكام التي تتفق مع القوانين الديمقراطية والتي يستحقونها فعلاً بسبب التهم الثقيلة الموجهة لهم.
3. إيجاد الأجواء الحضارية المناسبة لاستيعاب الآخرين ممن يمكن استيعابهم في الأطر السياسية والاجتماعية الموجودة مع دعوتهم الجادة لإعادة النظر بالمرحلة المنصرمة وتبني الأسس الديمقراطية في بناء الحياة الجديدة, ويفترض في هؤلاء بذل أقصى الجهود للبرهنة على إخلاصهم لهذا الشعب.
4. وإذا كانت تجربة ألمانيا قد سارت بهذا الاتجاه, فإننا في العراق بحاجة إلى إجراء رابع بسبب الواقع الراهن ونشاط قوى الإجرام الإرهابية الجارية في العراق حالياً, إذ يفترض أن نضيف فقرة رابعة تعتبر ضمن الدروس التي يفترض استخلاصها من الوضع القائم, وأعني به : تجنب اتخاذ الإجراءات الكفيلة بدفع مزيد من الناس للتذمر من الواقع الجديد والمساهمة في دفعهم للوقوف إلى جانب فلول صدام حسين أو القوى الأخرى التي تزيد في الطين بلة أو تأييدهم أو حتى المشاركة معهم في أعمالهم الإجرامية, وهو ما لا يساعد على إيقاف الإرهاب الدموي ودفع المسيرة الديمقراطية نحو الأمام.
لقد كان هذا القانون سبباً في الكثير من المآسي والعواقب الوخيمة. وإلغاء هذا القانون يعتبر ضرورة ملحة ما دام قد صدر قانون المساءلة والعدالة شريطة أن ينفذ بروح ديمقراطية وعقلانية وليس بروح انتقامية كما حصل سابقاً. أتمنى على القوى والعناصر البعثية التي رفضت في حينها سياسات وأساليب النظام وأجبرت على السير في دربه أن تعي الوضع الجديد وأن تتخذ الخطوات الجريئة للتخلص من الفكر الشوفيني والاستبدادي والطائفي والعنفي الذي يميز سلوك البعث حيثما وجدت تنظيمات له , سواء أكان في السلطة أم خارجها.
ومن أجل تطبيق القانون الجديد بروح إنسانية وعقلانية وبعيدة عن روح الانتقام والثأر والكراهية لا بد من عدم تسليم هذا القانون بأيدي ذات الجماعات التي أخذت على عاتقها تطبيق القانون السابق , بل لا بد من وضعه بيد القضاء العراقي واختيار قاض مستقل وحكيم وله خبرة وحكمة كافية لمعالجة هذا الموضوع الحساس.
14/1/2008 كاظم حبيب








الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,457,679
- بين نقد الوعي النقدي والتجريح الشخصي
- ملف خاص في الذكرى العشرينية لمجازر الأنفال وحلبچة ضد الإنسان ...
- ماذا تمخض عن اجتماع قيادتي الحزبين , الحزب الديمقراطي الكردس ...
- ماذا تمخض عن اجتماع قيادتي الحزبين , الحزب الديمقراطي الكردس ...
- حصاد عام مضى وآمال بعام بدأ لتوه!
- العراق وعام جديد , فهل من أمل قريب بالأمن والاستقرار والسلام ...
- موضوعات للمناقشة : هل من صراعات فعلية حول مستقبل العراق الدي ...
- هل لمهزلة العلم البعثي الدموي من نهاية؟
- هل من مخاطر للتحالف الإيراني – السوري على شعوب المنطقة؟
- تركيا والمسألة الكردية والعدوان على العراق!
- متابعة لأحداث سياسية ملتهبة تثير قلق العالم
- المنجزات والواقع العراقي المعاش!
- هل بين القوى الإسلامية السياسية المتطرفة فاشيون؟
- أحذروا النوم على إكليل الغار في بغداد .. ! 2-2
- موقع الصراع حول دور القطاعين العام والخاص في الصراع على السل ...
- رسالة ثانية مفتوحة إلى السيد مقتدى الصدر
- أحذروا النوم على إكليل الغار في بغداد .. !1-2
- عودة إلى مقالي عن السيد أحمد الحسني البغدادي
- هل من جديد في العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة ...
- أليست هذه فتاوى عدوانية لشيوخ إسلاميين متطرفين وإرهابيين ؟


المزيد.....




- جنود إسرائيليون يطلقون النار على فلسطيني معصوب العينين حاول ...
- جنود إسرائيليون يطلقون النار على فلسطيني معصوب العينين حاول ...
- بلجيكا: الشرطة تداهم مقري أنترلخت واتحاد الكرة للتحقيق في عم ...
- حكومة اسكتلندا تطالب باستفتاء ثان للانفصال عن المملكة إذ تم ...
- بلجيكا: الشرطة تداهم مقري أنترلخت واتحاد الكرة للتحقيق في عم ...
- حكومة اسكتلندا تطالب باستفتاء ثان للانفصال عن المملكة إذ تم ...
- جاسوس أم بطل قومي.. وثائقي جديد عن حقيقة أشرف مروان؟
- بعد غارات روسية.. انفجار مجهول المصدر يسقط عشرات الضحايا بشم ...
- صحيفة إسرائيلية: السيسي يحشد الدعم العربي لصفقة السلام الأمي ...
- حبس 5 مليارديرات مقربين من بوتفليقة ودور إقليمي منشود من الع ...


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - كاظم حبيب - نحو تطبيق إنساني وعقلاني لقانون المساءلة والعدالة