أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إكرام يوسف - الوطن ليس أغنية!















المزيد.....

الوطن ليس أغنية!


إكرام يوسف
الحوار المتمدن-العدد: 2125 - 2007 / 12 / 10 - 11:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أحلام الخلاص الفردي ..ورعب آخر سوف يجيء!


على مدى نحو سبع حلقات من برنامج "الحقيقة" الذي يقدمه الزميل وائل الإبراشي، تابع الكثيرون مأساة المصريين المقيمين في إسرائيل. ودهش بعض من لم يكن يعرف بأن هناك 28 ألفا من أبنائنا اختاروا بمحض إرادتهم الذهاب للعيش في هذه الدولة التي لم يكن لساننا يطاوعنا لعقود على نطق اسمها أو حتى نعتها بالدولة!. ومن استعراض الحالات التي عرضها البرنامج، يتضح أن هذه الحالات تتراوح بين من ذهب لمجرد مغامرة البحث عن فرصة عمل لم يجدها في بلده، بينما قصرت إمكانياته عن تدبير نفقات الحصول على عقد عمل في دولة عربية أو أجنبية، وصولا إلى الحاصلين على الجنسية وطالبي اللجوء السياسي؛ مرورا بمن ذهبوا للإقامة لدى عائلات زوجاتهم بعدما شاء قدرهم أن يتزوجوا من فلسطينيات من عرب 48.
وباستثناء قلة، تحدثت بصلافة لم تر غرابة في اختيارها التخلي عن الجنسية المصرية، والحصول على جنسية لم يزل الشعور الوطني يعتبرها ـ رغم الاتفاقيات الرسمية ـ معادية؛ أبدى معظم المتحدثين إلى البرنامج من إسرائيل ندمهم على المغامرة، وإن حاولوا التماس العذر لأنفسهم.

إدانة، ولكن!
ومع الإدانة بالطبع لهذا الاختيار الذي يدل على تراجع قوة الانتماء الوطني، وهي صفة ظلت ملازمة للمصريين منذ أزمان قديمة، وكانت دائما مضربا للأمثال؛ ومع كامل الاحترام أيضا لكل التخوفات على الأمن القومي، التي أبداها ضيوف حلقات البرنامج ـ ومن بينهم مسئول كبير سابق بوزارة الداخلية المصرية ـ إلا أن نظرة منصفة يجب أن تضع المسألة ضمن إطارها الأشمل. فالغالبية من هؤلاء المغامرين، اندفعوا إلى هذه المغامرة الرهيبة تحدوهم الرغبة في تحقيق الخلاص الفردي من واقع ضاغط أليم مهما كان الثمن. وهم ـ من هذه الناحية فحسب ومع الفارق ـ لم تختلف دوافعهم عمن اختاروا مغامرة الهجرة غير الشرعية إلى بلدان الشمال، غير عابئين بالأهوال إلى حد مواجهة الموت غالبا. ولعلنا لم ننس أن بعض الذين تم إنقاذهم في حادث غرق المركب الأخير عند سواحل إيطاليا، حاول تمزيق جواز سفره، والتملص من جنسيته المصرية، رغبة في عدم العودة!.
وتتمثل الرغبة في الخلاص الفردي ـ وإن بصورة أقل ـ أيضا على الملايين من الكفاءات المصرية، التي لم تجد فرص التحقق المهني، أو الحياة الكريمة، إلا بالتضحية بالعيش في أحضان الوطن والأهل واختيار الغربة للعمل في بلدان شقيقة. ويذكر من شهد بدايات حمى هجرة المصريين إلى بلدان الخليج؛ كيف كانت صعوبة اتخذ هذا القرار على أصحابه وعلى أهليهم، رغم أن الغربة لم تكن تتجاوز العام أو العامين، يحتملهم الشاب المصري بالكاد، لتدبير تكاليف الحصول على سكن ونفقات الزواج، ثم يعود للعيش وسط الأهل. ومع تدهور الأحوال الاقصادية، وتزايد الضغوط، وارتفاع نفقات المعيشة، مع ضيق سوق العمل وتضاؤل احتمالات العثور على الوظيفة المناسبة، صار السفر إلى البلدان العربية الشقيقة حلما يراود شبابنا وأهاليهم. وإذا بالمصري يتوق إلى الغربة، ويسعى إليها سعيا، بل ويتلقى تهاني محبيه عندما يحصل عل عقد العمل المأمول؛ وتدفعه المقارنة بين ما يحصل عليه خارج بلاده وما لا يجده داخلها إلى الحرص على البقاء أطول فترة ممكنة في غربته، متحملا في أحيان كثيرة أشكالا من الظلم وسوء معاملة أشقاء أدركوا حرصه على البقاء لديهم مهما كان الثمن. ولم يعد خافيا على أي متابع هذا التحول الذي حدث في العقود الثلاثة الأخير لشخصية المصري، الذي كان مشهورا بالنفور من الترحال ـ حتى من قريته إلى مدينة قريبة ـ ولا يهنأ له العيش إلا بجوار الأهل ( فيما أعتقد أنه امتداد لشعور ترسب في نفوس المصريين منذ العصر الفرعوني الذي كان المصري يخشى فيه السفر خوفا من أن يموت في غربته، ولا تجد جثته من يقوم بتحنيطها ـ حيث لم يكن التحنيط معروفا إلا في مصر ـ فتعجز روحه عن الرجوع إلى جسده في العالم الآخر وتظل هائمة إلى الأبد).

كارثة الخلاص الفردي
وإذا استعرضنا صور البحث عن الخلاص الفردي؛ سنجدها تتباين إلى حد خطير، بين ما هو مشروع ـ مثل البحث عن فرص عمل بالخارج، أو المغامرة بالعمل في مجالات تختلف عن تخصص الشاب ومؤهلاته ـ وما ليس مشروعا. وتتراوح صور حلم الخلاص الفردي غير المشروع بين محاولات الهجرة غير المشروعة وما قد يرتبط بها من تزوير لأوراق رسمية، وعمليات النصب التي تنوعت أشكالها كثيرا مؤخرا، مرورا بالانضمام إلى تنظيمات إرهابية، ومغامرات تغيير الديانة، ثم وصولا إلى القبول بالعيش في إسرائيل، بل واللجوء السياسي إليها، وربما التطوع بعرض العمل بالتخابر لصالح الأعداء مثلما حدث مؤخرا من شباب يمتلك العلم والكفاءة.
ولا شك أن نظرة منصفة إلى هؤلاء، لا بد أن تستدعي نوعا من الإحساس بالذنب تجاه هؤلاء؛ يدق ناقوس الخطر وينبه إلى ضرورة البحث بجدية عن سبل إعادة قيمة الانتماء للوطن، عبر حلول حقيقية، وليس عبر شعارات أو أغنيات فارغة القيمة والمضمون. وليس سرا أن جميع أغنيات العالم وقصائد شعرائه لن تستطيع أن تجد حلا لمشكلة شاب عانى أهله في تربيته وتعليمه، حتى تخرج ليفاجأ بتحطم أحلامه في التحقق المهني، الذي يمكنه من بناء مجده الشخصي عبر خدمة بلاده في مجال تخصصه. كما لن تستطيع أقوى الشعارات الوطنية تأثيرا إقناع مواطن لا يجد ما يسد به رمق أسرته، بأهمية حب الوطن. والتجربة أثبتت أيضا أن جميع خطب الوعظ الديني لم تستطع أن تمنع بعض الفقراء الذين ـ لا يقبلون الحرام من المتاجرة بدمائهم ـ أو أعضاء أجسامهم، بل وحتى الانتحار وقتل أبنائهم لحمايتهم من غدر الزمان، آملين في رحمة الله الواسعة أن تغفر لهم ما دفعتهم إليه قسوة الوطن وأهله. كما لم تستطع منع فقراء آخرين أكثر ضعفا من السير في تيار الجريمة والدعارة والكسب الحرام.

صبر أيوب المصري
إن التاريخ لم يعرف أبدا شعبا فقيرا أقنعته دعاوى الحفاظ على الاستقرار، أو تشجيع الاستثمار، أو الأمن القومي بالتخلي عن سخطه. ومصر بالتحديد التي عرف شعبها بطول صبره على المكاره، يثبت التاريخ أنه بقدر هذا الصبر تكون قوة غضبة الفقراء التي لا تبقي ولا تذر. وسجل تاريخ المصريين مصداقية القول "اتق شر الحليم إذا غضب" منذ عهد الفرعون "بيبي الثاني"، الذي استمر 94 عاما، وشهد صبر المصريون الطويل على شتى مظاهر الفساد التي أفقرت العباد، إلى أن نفد الصبر فقام الفقراء بثورة عارمة قضت على الأخضر واليابس، فانهار عصر الأسرة السادسة، وانتهى عصر الدولة القديمة تماما. ويحكي التاريخ أيضا كيف طال صبر فقراء المصريين في زمن الخليفة المستنصر بالله الفاطمي، فيما أسماه المؤرخون "الشدة المستنصرية" التي امتدت سبع سنوات منذ 1065 إلى 1071 بلغ معها الفساد والفوضى السياسية وارتفاع الأسعار، مع انخفاض منسوب النيل، حدا أوصل المصريين للمجاعة حتى أكل الناس بعضهم؛ وانتهى الأمر بالخليفة إلى أن اضطر إلى بيع كل ما في قصره من ثيابٍ وأثاثٍ وسلاح وصار يجلس في قصره على حصير. وفي السنوات الأخيرة ربما لاتكون انتفاضة يناير 1977 سوى بروفة لرعب آخر سوف يجيء!
الوطن ليس أغنية يا سادة، وإنما هو لقمة عيش كريمة، وفرصة عمل توفرها. الوطن هو ألا أحرم من العلاج اللازم عندما أتعرض أو يتعرض أحد أفراد أسرتي للمرض؛ بينما يجني غيري ثروات من الاستثمار في العلاج والدواء وتفتح أمامه جميع الأبواب بحجة تشجيع الاستثمار. هو ألا أضطر أو يضطر أحد أفراد أسرتي لتسول العيش في المقابر بينما تشاد عمارات فارهة للأثرياء من داخل الوطن وخارجه. هو ألا يطرد أهالي "القرصاية" من بيوتهم الفقيرة ليفترشوا العراء بحجة بناء متنزهات على أطلالها، تزيد بفضلها ثروات الأثرياء. الوطن هو توفير فرص التعليم للجميع حسب إمكاناتهم الشخصية والذهنية، وليس اقتصاره على من يمتلك المال الوفير.
لقد آن الأوان أن يفهم الجميع أن الأمر جاد وخطير. ويستحق بالفعل استنفار كافة الجهود لبحث سبل الوصول إلى تنمية حقيقية تتيح حلولا فعلية لمشكلات البطالة والتعليم والصحة والإسكان، وتوزيعا أفضل لثروة البلاد، ينزع فتيل أزمة ماثلة. ولم تعد سياسة الإنكار والتجاهل تجدي، فإخفاء الرأس في الرمال لا ينفي أن الجزء الأكبر و"الفاضح" من الجسم مازال ماثلا للعيان. فالجوع كافر، والفقر المدقع لا يعرف عواطف وطنية ولا دينية؛ ولن يصبر الجائعون كثيرا. ولن تنفع المسكنات في إطالة أمد صبر زاد عن الحد. لقد باع البعض جسده، وباع البعض الآخر جنسيته، وباع أفراد دينهم؛ وعندما لا يجد المرء ما يبيع ـ بعد ذلك ـ فستكون الطامة الكبرى على الجميع!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,002,823,318
- عبارات سيئة السمعة
- لم نكن مخطئين.. والتاريخ يشهد
- الديون.. وكوابيس التاريخ
- المصريون.. وأيديهم الناعمة
- عندما تفضل واشنطن الاقتصاد الموجه
- ثروتنا البشرية.. إلى أين؟
- إسكان الشباب وبيع العقارات للأجانب.. والأمن القومي
- موسم الهجوم على أوبك
- التحرير الاقتصادي الحقيقي الذي ننشده
- دروس الغزو الصيني للاقتصاد المصري
- العروبة بين الأغنيات والمصالح المادية
- خطر يهدد البشرية ونحن نيام
- الفتنة لم تعد نائمة..
- البديل البوليفاري ..والوصفة السحرية
- بين نقص الغذاء وتلوثه أي غد ننتظر؟
- دع الشعارات.. وابحث عن النفط
- العنف المسلح يكشف وجها آخر للديمقراطية الأمريكية
- العراق الذبيح على درب الآلام
- هل يصلح الاقتصاديون ما أفسده الساسة؟
- نجيد إطلاق المبادرات ونفشل في مواصلتها


المزيد.....




- -عملية الفجر-.. اختطاف 14 من قوات حرس الحدود الإيراني
- مصدران لـCNN: من المحتمل اعتراف المملكة بموت خاشقجي -بالخطأ- ...
- هل تعترف أستراليا بالقدس عاصمة لإسرائيل؟
- هل ستغير السعودية أقوالها وتعترف بمقتل خاشقجي؟
- هل تعترف أستراليا بالقدس عاصمة لإسرائيل؟
- هل ستغير السعودية أقوالها وتعترف بمقتل خاشقجي؟
- مباحثات إستراتيجية لوزير الدفاع القطري في أنقرة
- شاهد.. احتجاج إسرائيلي على كلمة الكويت بمؤتمر برلماني دولي
- نائب يكشف عن وفاة 90 شخصا باحدى نواحي البصرة بسبب تلوث الماء ...
- سي أن أن: السعودية تستعد للاعتراف بمقتل خاشقجي


المزيد.....

- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما
- مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق الدولة الريعية من المركزية ا ... / مظهر محمد صالح
- الحكم الصالح وإدارة الدولة / جاسم محمد دايش
- صلوات سياسية ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الإخفاقات الذريعة ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الضعف الاستراتيجي لقطاع السياحة في مصر / مجدى عبد الهادى
- الفيدرالية في اليمن.. ماضياً وحاضراً (ورقة بحثية) (الحلقة ال ... / عيبان محمد السامعي
- Dialog oder Crash der Kulturen in Deutschland? / كاظم حبيب
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية 6-12 قوانين الديالكتيك.. / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إكرام يوسف - الوطن ليس أغنية!