أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - جورج حداد - الشهيد ياسر عرفات... ضحية وهم -السلام- مع اسرائيل















المزيد.....



الشهيد ياسر عرفات... ضحية وهم -السلام- مع اسرائيل


جورج حداد

الحوار المتمدن-العدد: 2113 - 2007 / 11 / 28 - 10:48
المحور: القضية الفلسطينية
    


تمر الساحة الفلسطينية بأزمة كبرى، هي تجسيد وتعبير مكثف عن الازمة التي تمر بها البلاد العربية عامة، ومكانها ومكانتها وعلاقتها "الحرجة" بما يسمى "النظام العالمي الجديد" الذي تقوده اميركا، والذي صار مصيره اكثر فأكثر ارتباطا بما يجري على الساحة (الساحات) العربية، بحيث اصبحت حتى مسرحية مسلية كـ"انتخاب" رئيس دوري (صوري) للجمهورية اللبنانية الشغل الشاغل للادارة الاميركية والاتحاد الاوروبي وهيئة الامم المتحدة وطبعا طيبة الذكر: جامعة الدول العربية.
والعنوان الراهن في الازمة الفلسطينية، "الصغير" (كالصاعق في القنبلة)، هو النزاع بين حركتي "فتح" و"حماس". ولكن هذا العنوان "الصغير"، بكل خطورته، يخفي وراءه ازمة ما يسمى "السلطة الوطنية الفلسطينية"، وازمة المقاومة الفلسطينية عامة، ومن ورائها ازمة حركة التحرر الوطني العربية برمتها.
وفي ظل الاستعدادات المحمومة التي تقوم بها قيادة السيد محمود عباس (ابو مازن) لحشد التأييد لمشاركتها في مؤتمر انابوليس، المخصص لتشييع القضية الفلسطينية الى مثواها الاخير، تحت عنوان حل النزاع مع اسرائيل، برعاية العراب الاميركي، يبدو حتى لعميان البصيرة ان القضية الفلسطينية اصبحت مادة للمتاجرة السياسية الرخيصة على ايدي مغامرين وصوليين، تجار احترفوا السياسة او سياسيين احترفوا التجارة، "فلسطينيي" الهوية، ولكن لا يدري الا الله اين هي مرابطهم الحقيقية: في تل ابيب ام في واشنطن!!.
وفي هذه الاجواء الملبدة، ومن اجل تلميع صورتها امام الجماهير الفلسطينية المظلومة، عمدت قيادة "فتح"، بزعامة "ابو مازن"، الى استحضار صورة ياسر عرفات من جديد، وبادرت الى اقامة سلسلة من الاحتفالات بذكرى استشهاده الثالثة.
XXX
لقد ارتبط اسم ياسر عرفات بالثورة الفلسطينية، وبحركة التحرر الوطني العربية، والتاريخ المعاصر لحركة النهضة العربية، جنبا الى جنب العديد من القادة والرموز التاريخيين.
وبهذا السياق التاريخي فقط يمكن فهم ومناقشة و"محاكمة" مسيرة عرفات، سياسيا وفكريا او الاصح: فكريا ـ سياسيا. واكبر اجحاف بحق عرفات هو اختزاله، واستغلاله في عملية "السلام"، التي اثبت عرفات، باستشهاده، انه لا مكان فيها لـ"سلام الشجعان" و"السلام العادل والشامل".
XXX
لقد كان عرفات ممثلا نموذجيا لما يسمى "البرجوازية الوطنية" الفلسطينية، التي هي جزء لا يتجزأ من الطبقات الاجتماعية المالكة، التي نسميها جدلا "نظام الانظمة" العربية، التي "ورثت" المنطقة العربية، بموجب اتفاقية سايكس بيكو، بعد سقوط الامبراطورية العثمانية العفنة.
وحتى في عملية التكوين التنظيمي، نكتشف ببساطة العلاقة الرحمية بين "فتح" و"منظمة التحرير الفلسطينية" وبين نظام الانظمة العربية.
فمنذ تأسيسها كانت النواة الاولى لـ"فتح"، وبشخص ياسر عرفات وخالد الحسن وغيرهما، على علاقة عضوية بالقيادة السعودية، بشخص الامير (الملك الراحل) فهد بن عبدالعزيز وغيره.
اما "منظمة التحرير الفلسطينية"، فقد تأسست اصلا بقرار صادر عن مؤتمر القمة العربية في 1964، الذي دعا اليه جمال عبدالناصر. وكان اول رئيس لها المرحوم احمد الشقيري، الذي كان قبل ذلك ممثلا للسعودية في الامم المتحدة ووزيرا للخارجية السعودية، فقام عبدالناصر باستقطابه في فلكه.
وفي المرحلة من 1964 حتى 1969، كان هناك نوع من التزاحم بين "فتح"، مدعومة من السعودية، و"منظمة التحرير الفلسطينية"، مدعومة من القيادة المصرية.
وكانت "فتح" تمثل "الخط الشعبي"، و"منظمة التحرير الفلسطينية" تمثل "الخط النظامي"، في العمل الفلسطيني.
واذا اخذنا ظواهر الامور فقط، فقد كان يبدو حينذاك وجود "مزاحمة" بين الخطين حول مسألة: ايهما الاجدى للشعب الفلسطيني وللعرب، انتهاج خط المقاومة والكفاح الشعبي المسلح ضد اسرائيل، الذي تكون فيه الجيوش النظامية رديفا و"مؤخرة" دفاعية للمقاومة؟؟ ام انتهاج خط الحرب النظامية، بعد التحضير والتسليح اللازمين، واستخدام العمل الفدائي (او الكوماندوس خلف خطوط العدو) والجيوش الشعبية في مؤخرة الجيوش النظامية العربية؟؟
وكان هذا الاختلاف حول الستراتيجية العسكرية، اذا صح التعبير، يخفي اختلافا اكبر حول الهدف النهائي من الصراع: هل هو انتهاج خط المقاومة حتى التحرير، اي تحرير كامل التراب الفلسطيني والقضاء على الكيان الصهيوني؟ ام خط الحرب النظامية بين الدول العربية والدولة الاسرائيلية، وتحرير الاراضي العربية المحتلة في 1967، والعودة الى حدود 4 حزيران 1967، والاعتراف العربي بالكيان الصهيوني، ومن ثم بالنفوذ الامبريالي على المنطقة العربية؟
ونذكر هنا ان اعلاميين وكتابا كبارا، مثل محمد حسنين هيكل والمرحومين ياسين الحافظ وغسان كنفاني، خاضوا حوارات كبيرة حول تلك المسألة. طبعا ان محمد حسنين هيكل، الذي يجب وضع مائة علامة استفهام على كل حرف من حروف اسمه اللامع، كان يستخف او يسخر من الداعين الى حرب التحرير الشعبية، وضمنا وبالاخص "فتح" وياسر عرفات، وكان يتحجج بأن حرب التحرير الشعبية تحتاج اولا الى وجود احتلال (اي لاكثر من فلسطين) وثانيا الى وجود جبال ووديان وادغال وغابات، في حين ان غالبية الارض العربية هي غير محتلة، وهي سهلية وصحراوية، اي لا تصلح حسب زعمه للحرب الشعبية. اما المرحومان المفكر الكبير ياسين الحافظ والكاتب اللامع الشهيد غسان كنفاني، فقد كان "تحفظهما" على ستراتيجية العمل الفدائي والمقاومة وحرب التحرير الشعبية نابعا من تأييدهما للناصرية وجمال عبدالناصر شخصيا، والمراهنة على الدور الحاسم الذي يمكن ان تضطلع به جيوش الانظمة "الوطنية" و"التقدمية" العربية وخاصة الجيش المصري بقيادة جمال عبدالناصر. وفي تلك الفترة كان الشهيد غسان كنفاني سكرتير تحرير جريدة "المحرر" الناصرية في بيروت، وكان يصدر ملحق "فلسطين" للجريدة. وقد جرت على صفحات هذا الملحق مناقشة كبيرة مع "فتح" حول مسألة العمل الفدائي والحرب الشعبية والحرب النظامية. وفيما بعد، وبنتيجة التأييد الشعبي الهائل الذي ناله العمل الفدائي بعد هزيمة 5 حزيران 1967 وتحطيم الثلاثة الجيوش العربية بدون قتال حقيقي من جانبها، وبالتحديد بعد قيام "حركة القوميين العرب" التي كان ينتمي اليها غسان كنفاني، بتأسيس "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، انتهى هذا النقاش واصبح غسان كنفاني ذاته سكرتير تحرير مجلة "الهدف" التي كانت تصدرها "الجبهة الشعبية" والناطق الرسمي باسم "الجبهة" التي احتلت مكانة مرموقة في العمل الفدائي والمقاومة.
وفي 1969 انضمت "فتح" الى "منظمة التحرير الفلسطينية"، وانتخب ياسر عرفات رئيسا للمنظمة. ومنذ ذلك الحين اصبحت منظمة التحرير الفلسطينية، بقيادة "فتح" وياسر عرفات شخصيا تضطلع بدور مزدوج، كمنزلة بين منزلتين: فهي، من جهة، منظمة مقاومة شعبية. ومن جهة ثانية منظمة رسمية تابعة لنظام الانظمة العربية وتعمل، تحت هذا السقف، لتطويع المقاومة الشعبية للرضوخ لخط "التسوية" و"السلام" مع اسرائيل و"التفاهم" مع الدول الامبريالية الغربية، وعلى رأسها اميركا، عراب وراعية اسرائيل، وشريكة الصهيونية العالمية.
ومن الصعب جدا ان نتصور ان يستطيع شخص آخر، غير عرفات، ان يضطلع بمثل هذا الدور المزدوج والمتناقض. فهو، من جهة، كان يشد خط "المقاومة" الشعبي العربي باتجاه التكيف مع خط "التسوية" النظامي العربي؛ ومن جهة ثانية، كان يعطي الامل لخط المقاومة الشعبي العربي بامكانية الاستفادة من الانظمة العربية وتطويع خط "التسوية" النظامي العربي للسير حتى النهاية في عملية الدفاع عن الحقوق التاريخية الكاملة للشعب الفلسطيني وعدم التفريط بها، ومن ثم الالتقاء ـ على هذا الاساس ـ مع خط "المقاومة" الشعبي العربي.
وقد استطاع ياسر عرفات ان يضطلع بهذا الدور لانه هو شخصيا كان في الاساس مناضلا ومقاوما شعبيا حقيقيا. وقد اعتبر سيره في خط "التسوية" و"السلام" استمرارا لانطلاقته الاساسية في خط "المقاومة" و"التحرير". (في مقالة للمناضل الفلسطيني المرحوم ممدوح نوفل بعنوان "العرفاتية: تاريخ شعب في سيرة رجل" ، بعد فشل المفاوضات التي قادها بيل كلينتون وشارك فيها عرفات وباراك، جاء فيها ما يلي: "رد ابو عمار وشكر الرئيس كلينتون ومعاونيه، وأكد انه لن يقبل لنفسه دخول التاريخ كأحد الخونة").
XXX
حينما انطلقت "فتح" كحركة... تحرير، وطني فلسطيني، رفعت شعار "ثورة، ثورة حتى النصر" وشعار "الشهادة او النصر". ومن كلمات ممدوح نوفل المذكورة آنفا نستدل ان عرفات كان يدرك تماما ان ما كان يعرضه عليه كلينتون، لاجل "السلام"، كان يعني، فلسطينيا وعربيا واسلاميا، "الخيانة". ولكن المناضل عرفات فضل طبعا "الشهادة" على الخيانة.
والسؤال الصعب جدا: هل ان طريق "السلام = الخيانة"، الذي رفض عرفات إكمال السير فيه، هو "وجهة نظر"؟
ان "شهادة" ياسر عرفات تقدم الدليل القاطع ان الرجل لم يكن خائنا. ونظرا لتاريخه كمؤسس لانطلاقة العمل الفدائي وحركة المقاومة، من اجل التحرير، لا يمكن ان نأخذ خياره لـ"السلام"، كخيار مسبق للاستسلام والخيانة، بل فعلا كـ"وجهة نظر" لمناضل اعتقد في وقت ما، ولسبب ما، ان هذا الطريق يمكن ان يقود الى التحرير.
وهنا يصبح السؤال: هل يلتقي خيار المقاومة والتحرير، مع خيار "التسوية" و"السلام" مع اسرائيل، كطريقين مختلفين يوصلان الى هدف واحد؟!
لنحاول الاجابة على هذا السؤال، من خلال "تجربة" عرفات ذاتها.
XXX
لقد كان ياسر عرفات يحمل حلما كبيرا، كرس له كل حياته الزاخرة، هو ان يصلي في القدس الشريف، لا كما فعل انور السادات ـ تحت جزمة الاحتلال ـ بل ان يصلي في القدس المحررة من دنس الاحتلال الصهيوني، التي يرتفع فوق مآذنها وكنائسها العلم العربي الفلسطيني.
واذا كان ياسر عرفات قد ارتحل قبل تحقيق الحلم، وقبل ان تكتحل عيناه برؤية القدس المحررة، وفلسطين المحررة، فإنه قد ارتحل قرير العين راضي النفس بالفوز بالشهادة في سبيل تحرير القدس وفلسطين وكل ارض عربية محتلة.
ان الوطنيين اللبنانيين، القوميين والاسلاميين والشيوعيين والدمقراطيين، عرفوا عن قرب عرفات وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والثورة الفلسطينية (بكل فصائلها). وقد ربطت الحركة الوطنية اللبنانية مصيرها بمصير الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها. وهذا ما يتيح لنا ان ننظر الى "تجربة" عرفات من خلال "التجربة اللبنانية" الاليمة والعظيمة.
بعد ان تمت مجزرة ايلول الاسود 1970 لتصفية المقاومة الفلسطينية في الاردن، احتضنت الجماهير الوطنية اللبنانية المقاومة، وتشكلت "الجبهة العربية المشاركة للثورة الفلسطينية" بقيادة الشهيد الخالد كمال جنبلاط، جنبا الى جنب ياسر عرفات. كما تشكلت "افواج المقاومة اللبنانية"، بقيادة الامام المغيب موسى الصدر الذي رفع الشعار التاريخي (التعامل مع اسرائيل حرام)، مدينا كل خيانة سابقة ولاحقة، وكل اتفاق وكل تعامل وكل تطبيع مع اسرائيل. وها ان "المقاومة الاسلامية" بقيادة الامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله تتابع اداء الرسالة التي خطها ياسر عرفات وموسى الصدر، رسالة عدم التعامل مع اسرائيل والمقاومة حتى التحرير والنصر او الشهادة.
وخلال وجودها في لبنان تعرضت الثورة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، لابشع المؤامرات من قبل الامبريالية الاميركية والصهيونية والرجعية العربية، الى جانب بعض القوى اللبنانية العميلة لاسرائيل، التي فعلت المستحيل من اجل تحطيم التلاحم الكفاحي اللبناني ـ الفلسطيني، والقضاء على المقاومة الفلسطينية كما جرى في الاردن.
ولهذه الغاية، تم إشعال الحرب الاهلية في لبنان سنة 1976، وتم احتلال الجنوب اللبناني من قبل اسرائيل في 1978، ثم قامت اسرائيل باجتياح لبنان واحتلال بيروت ذاتها في 1982، وارتكبت المجازر التي يندى لها جبين الانسانية، كمجزرة صبرا وشاتيلا. وخلال كل ذلك قاتلت "القوات المشتركة" للحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية جنبا الى جنب، وتكرست في ساحات القتال، ضد الجيش الاسرائيلي العاتي والقوات الاميركية ومتعددة الجنسية وقوات العملاء، وحدة الدم بين الجماهير الشعبية اللبنانية والفلسطينية المناضلة.
وإن ننسى لا ننسى الدور القيادي، الذي اضطلع به ابو عمار خلال هذه الملحمة التاريخية للشعبين الشقيقين، ولا سيما خلال ملحمة الدفاع عن بيروت سنة 1982.
وتحت تأثير الضغط الامبريالي الدولي، بزعامة اميركا، والتخاذل والتواطؤ من قبل الانظمة العربية التي لا تمثل شعوبها، اضطرت قوات منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها ياسر عرفات للخروج من لبنان سنة 1982.
وتوهمت الادارة الاميركية واسرائيل والانظمة "الساداتية" العربية ان الساحة اللبنانية قد خلت لهم، وانه اصبح بالامكان ان يفرضوا على لبنان اتفاقية "سلام" مزيف على غرار اتفاقية "كامب دايفيد"، وتحويل لبنان الى محمية اسرائيلية، ومعبر لتمرير النفوذ والمصالح الاميركية والاسرائيلية والصهيونية كما تحولت للاسف الدولتان المصرية والاردنية.
ولكن روح المقاومة التي بثها العمل الفدائي الفلسطيني بقيادة عرفات لم تذهب بددا، والجماهير الشعبية اللبنانية المناضلة، والى جانبها جماهير المخيمات الفلسطينية في لبنان، لم ترضخ، وواصلت الكفاح المرير ضد الاحتلال الاسرائيلي وعملائه. فسقط العميل بشير الجميل، الذي حاول العدو الاسرائيلي فرضه كـ"وكيل احتلال" على لبنان. وهزمت "القوات اللبنانية" العميلة بقيادة سمير جعجع، في جبل كمال جنبلاط. واضطر الجيش الاسرائيلي للانسحاب من مدينة بيروت تحت ضغط عمليات "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية". ومزق "اتفاق 17 ايار" (النسخة اللبنانية عن "اتفاقية كامب دايفيد") الذي حاولت اميركا واسرائيل، وبموافقة بعض الدول العربية النافذة، فرضه على لبنان في عهد امين الجميل. ثم اضطرت اسرائيل لسحب جيشها المحتل من الجبل وصيدا، والتمركز في الشريط الحدودي جنوب الليطاني وفي البقاع الغربي. وقد عمدت اسرائيل، بالتواطؤ مع بعض القوى اللبنانية العميلة وبعض الاوساط المشبوهة في النظام اللبناني ذاته، الى انشاء ما يسمى "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة العميل اللواء انطوان لحد، لدعم الاحتلال، ولتزييف طبيعة المعركة وتحويلها الى معركة ضد الفلسطينيين والسوريين والوطنيين اللبنانيين، بحجة "سيادة واستقلال لبنان". ولكن القوى الوطنية والاسلامية المناضلة تابعت خط الكفاح المسلح الذي رسمه قادة تاريخيون صادقون من حجم ياسر عرفات وكمال جنبلاط وموسى الصدر وحسن نصرالله. فقامت المناضلة الشيوعية البطلة سهى بشارة بتأديب العميل انطوان لحد باطلاق النار عليه داخل منزله بالذات. وبرزت "المقاومة الاسلامية" بقيادة حزب الله، وتحولت الى قوة ميدانية وجماهيرية كبرى أقضّت مضاجع الاحتلال، وأجبرت الجيش الاسرائيلي "الذي لا يقهر" على الانسحاب بدون قيد ولا شرط من جنوب لبنان والبقاع الغربي في ايار 2000، ساحبا معه فلول جيش العملاء اللحديين، الذين يستخدمهم الجيش الاسرائيلي الان ضد الجماهير الفلسطينية في الاراضي الفلسطينية المحتلة.
ولاجل تمزيق صفوف الشعب اللبناني واخضاعه من جديد، تمت في 2004 جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وكان رفض رفيق الحريري التصدي للمقاومة وحزب الله السبب الرئيسي لاغتياله. ولكن المؤامرة منيت بالفشل.
وفي صيف 2006 شن العدو الاسرائيلي عدوانه الوحشي على لبنان، في محاولة يائسة لتحطيم "المقاومة الاسلامية" بقيادة حزب الله. ولكنه فشل فشلا ذريعا، بفضل صلابة المقاومة وتضحيات ابطالها الميامين، وبفضل الوحدة الوطنية للبنانيين، وبالاخص وحدة المقاومة والجيش.
ولاجل تعويض هذه الهزيمة لاسرائيل، قامت الدوائر الاميركية والاسرائيلية وبعض الاوساط العربية واللبنانية المشبوهة، بتدبير معركة مخيم نهر البارد الفلسطيني، بين ما يسمى "فتح الاسلام" والجيش اللبناني، بهدف ضرب الجيش وتأديبه بسبب موقفه المؤيد للمقاومة، واشعال فتنة مذهبية سنية ـ شيعية، وفتنة فلسطينية ـ لبنانية. ومع ان هذه المؤامرة ايضا قد فشلت، الا انه لم يتم حتى الان كشف خيوطها تماما. وهذا يعني ان المخاطر لا تزال قائمة. والاميركيون يطالبون علنا بتغيير "العقيدة القتالية" للجيش اللبناني، وباجراء تغييرات في تركيبته وقياداته، لاجل استخدامه في المخططات الموالية لاسرائيل.
ان الانتصارات التي حققتها الحركة الوطنية والمقاومة الوطنية والاسلامية في لبنان، هي استمرار للخط الكفاحي التحريري الذي دشنه ياسر عرفات في 1965.
وان مجمل التاريخ المعاصر للشعب الفلسطيني المناضل يرتبط باسم ياسر عرفات.
XXX
ولكن مثلما ارتبط خط المقاومة باسم ياسر عرفات، فقد ارتبطت باسمه ايضا التجربة المريرة لتحقيق "السلام"، التي (وقبل تسميم عرفات جسديا وموته) كلفته ان يشرب الكأس الأمَرّ من السم وهو: كأس التنازل عن تحرير كامل التراب الفلسطيني والرضا بإقامة دولة فلسطينية على الجزء الاصغر من فلسطين، وذلك من اجل تحقيق "السلام".
اننا لا نستطيع سوى ان نحمل هذا التنازل التاريخي من قبل مناضل صادق كعرفات، على محمل ايجابي، وهو ان مد يد "السلام" الى الصهيونية واسرائيل والامبريالية الاميركية، سيدفعها الى التخلي عن اهدافها العدوانية، وان السلام قد يؤول، على المدى التاريخي الطويل، الى اندماج اليهود الصهاينة في البيئة العربية، عبر آليات "الدمقراطية" و"حقوق الانسان" و"حقوق الاقليات" و"الفدرالية" وما اشبه، التي تنادي بها الادارة الاميركية.
وقد افرزت مسيرة عرفات "السلمية" انصارها في لبنان كما في فلسطين المحتلة. ففي لبنان تحول وليد جنبلاط، الذي وقع البيان الاول لـ"جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" في بيته، والياس عطالله، احد قياديي "جبهة المقاومة" السابقين، تحولا مع بعض امثالهما الى منادين بتطبيق "اتفاقية الهدنة" (هدنة 48 ـ 1949) مع اسرائيل، واكثر من ذلك، الى منادين بنزع سلاح المقاومة بقيادة حزب الله واعتباره "سلاحا ميليشياويا طائفيا" وحتى "ارهابيا". ووقفوا بذلك جنبا الى جنب عملاء اسرائيل التقليديين، كسمير جعجع وامين الجميل، واصدقاء اميركا التقليديين، كالحريري والسنيورة. وللعجب العجاب ان جوقة الحريري ـ السنيورة ـ الجميل ـ جعجع ـ جنبلاط ـ عطالله، التي سبق وملأت الدنيا زعيقا بعد مقتل الشهيد رفيق الحريري، لم تعد الان تنادي بكشف الحقيقة حول جريمة اغتيال الحريري، بل اصبح كل همها: نزع سلاح المقاومة واقامة "السلام" مع اسرائيل.
كما افرزت المسيرة "السلمية" لعرفات "المدرسة الاوسلوية" الفلسطينية، التي اصبح آخر همها الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وكل ما يهمها هو كسب ثقة اميركا والصهيونية العالمية والتحول الى "وكيل فلسطيني" للاحتلال الاسرائيلي.
ولكن التجربة المريرة التي خاض غمارها عرفات اثبتت ان كل دعايات وادعاءات الادارة الاميركية ما هي سوى احابيل خداع وتضليل لتمرير اهدافها الحقيقية في فرض الاستسلام التام على القوى المناضلة الفلسطينية خاصة، وعلى الانظمة والحركات السياسية العربية عامة، لتحويل فلسطين والارض العربية باسرها الى مدى حيوي واراض مستعمرة للامبريالية والصهيونية.
وفي تعاملها المشين مع عرفات، واخيرا قتله، كشفت الصهيونية المجرمة مرة اخرى عن طبيعتها الحقيقية، واستخدمت "اتفاق اوسلو" ليس من اجل السلام، كما كان يرغب عرفات، بل كخطوة على طريق فرض الاستسلام الكامل، والتنازل التام عن اقدس المقدسات وابسط الحقوق الانسانية للشعب الفلسطيني والامة العربية والشعوب الاسلامية واحرار العالم كافة.
الا ان المناضل ياسر عرفات وقف في حينه كالطود الشامخ بوجه قطار الاستسلام، ورفض التنازل عن القدس الشريف وعن قضية اللاجئين الفلسطينيين وقضية الارض والمستوطنات. وفضل ان يموت شهيدا، ككل الشهداء، على ان يعيش رئيسا (كغيره من الرؤساء والملوك العرب) يحظى برضى اميركا واسرائيل وتحل عليه لعنة الشعب والتاريخ.
لقد عاش ياسر عرفات، وضحى بحياته، وهو يحلم بامكانية الجمع بين تحرير الارض المقدسة، وتحقيق السلام، مع وجود الكيان الصهيوني فوق الارض الفلسطينية. ولكن استشهاده اكد بالدليل الحسي القاطع ان القضاء على الكيان الصهيوني هو الشرط المسبق لتحقيق التحرير والسلام معا.
XXX
ان جريمة اغتيال عرفات بالطريقة المهنية الرفيعة والاخلاقية الوضيعة التي قتل بها، تمثل قطيعة او قطعا حادا مع ما يسمى عملية "السلام" مع اسرائيل. فقد راهن عرفات بكل رصيده السياسي التاريخي، ووضع نفسه جسديا كشخص، رهينة لدى دبابات وطائرات وقوات شارون، ولدى اخطبوط الموساد والسي اي ايه وعملائهما الفلسطينيين، من اجل انجاح عملية "السلام".
في تاريخ جميع الحروب، حتى مع طغاة مثل جنكيزخان وهولاكو وهتلر، نشأت تقاليد واعراف تقضي بالمحافظة على الرهائن والرسل بين الاطراف المتحاربة، وخصوصا المفاوضين. ولقد عبر المرحوم ياسر عرفات عن رجولة كبيرة حينما اصر على متابعة عملية "السلام"، خصوصا بعد اغتيال رابين في 1995، ولهذه الغاية ارتضى ان يبقى رهينة بيد اسرائيل وعملائها، في مقره ـ السجن في رام الله، وفي ظروف لاانسانية اذلالية وقاسية، مقصودة، لا يرتضيها ادنى المتنعمين بامتيازات ما يسمى "السلطة الوطنية الفلسطينية".
ولكن اسرائيل لم تحترم ابسط تقاليد واعراف المحافظة على "الرهائن"، وظلت لا تميز بين عرفات وبين ابو علي مصطفى، والشيخ احمد ياسين، والسيد حسن نصرالله، وقامت باغتياله، كي تثبت للعالم اجمع انها لا تقيم اي اعتبار لعملية "السلام" كلها ولا للمنادين بها أنفسهم، ناهيك عن اعدائها، من العرب، وخصوصا من الفلسطينيين.
لقد اصبح ياسر عرفات في ذمة الله والتاريخ، ولم يعد بامكاننا "الان" ان نسأله شخصيا كم "أمسى فأصبح" يؤمن بصحة عملية "السلام" وبحظوظها من النجاح.
XXX
ولكن لا يسعنا الا ان نلاحظ بكل اسف أن قيادة "فتح" و"السلطة الوطنية الفلسطينية" وكل الطاقم السياسي والامني للرئيس محمود عباس وهو شخصيا، يصرون على محاولتهم البائسة لان يقنعونا بأن الفيل يطير، وبأنهم يمكن ان يتجاوزوا جثة الشهيد ياسر عرفات وان يصنعوا لنا "سلاما" مع اسرائيل، وان يقنعونا خاصة بأن ياسر عرفات لا يزال يسير معهم في عملية "السلام"، التي ذهب هو شخصيا ضحيتها.
بهذا الاصرار "السلطوي" "التفاوضي"، المنافي لابسط قواعد المنطق، الذي يجعل من ياسر عرفات زعيما وموجها للعملية "السلمية"، حتى بعد استشهاده، فإنه يصبح من المحتم "تبرئة" عرفات من كل ما يحدث الان على الساحة الفلسطينية، لا سيما لجهة ممارسات "السلطة الوطنية الفلسطينية"، وزحفها الاستخذائي لكسب رضا الادارة الاميركية والحصول على اقل القليل من قشور التنازلات من قبل الاحتلال الاسرائيلي، الذي صح فيه تماما القول: يرضى القتيل وليس يرضى القاتل.
صحيح ان عرفات نادى بـ"سلام الشجعان". ولكن استشهاده يؤكد ان اسرائيل لا تريد لا "سلام الشجعان" ولا اي سلام فيه حد ادنى من الكرامة الانسانية، ولا تريد غير "سلام العبيد والعملاء والجبناء والانذال"، وتريد تحويل "منظمة التحرير الفلسطينية" الى ما يشبه "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة العميل انطوان لحد.
XXX
واذا كنا في المرحلة التاريخية الراهنة لا نستطيع الاقتصاص من قتلة ياسر عرفات، فعلينا على الاقل ان نعمل لكشف القتلة وفضحهم والتنديد بهم.
واذا اجرينا اي مقارنة سياسية يمكن القول: ان الرئيس الشهيد ياسر عرفات لم يكن اقل اهمية من الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ومثلما قام مجلس الامن بتشكيل لجنة تحقيق دولية ومن ثم محكمة دولية، لاجل كشف ومحاكمة قتلة رفيق الحريري، فإن على جميع الشرفاء والاحرار في العالم مطالبة السلطة الوطنية الفلسطينية وجامعة الدول العربية ومنظمة مؤتمر الدول الاسلامية وهيئة الامم المتحدة بتشكيل لجنة تحقيق ومحكمة دوليين لاجل كشف احدى اكبر جرائم العصر، جريمة اغتيال القائد التاريخي للشعب الفلسطيني واحد اكبر قادة حركات التحرير في العالم المعاصر: ياسر عرفات.
وبدلا من ذلك، فإننا ـ وبكل اسف ـ نجد قيادة "فتح" و"منظمة التحرير الفلسطينية" وما يسمى "السلطة الوطنية الفلسطينية"، التي صعدت على اكتاف ياسر عرفات، لا تعير اي اهتمام لاستشهاده، ولا تعمل لكشف جريمة قتله، احتراما لذكراه ولكرامة شعبنا العربي الفلسطيني ("شعب الجبابرة" كما كان يحلو له ان يسميه) وكرامة الامة العربية والشعوب الاسلامية وجميع الاحرار في العالم؛ بل انها ـ اي تلك القيادة ـ تصر على قتل عرفات مرتين، ومتابعة السير في خط "السلام = الخيانة" الذي استشهد في وسطه، كي يمنع السير فيه.
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ـ* كاتب لبناني مستقل






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,391,257
- وأي رئيس جمهورية يريد حزب الله؟!
- وثيقة شيوعية بلغارية تفضح التواطؤ الستاليني الصهيوني
- العرب والبلغار على المسرح الحضاري العالمي
- حرب تموز 2006، والخطة -السلمية- الاميركية لاحتواء حزب الله
- الفتنة ليست طريق الخلاص لسوريا
- اغتيال الشيخ رفيق الحريري وصراع الكتل المالية الدولية للسيطر ...
- نحو جبهة أممية موحدة
- نحو بناء التنظيم الشيوعي الثوري العربي الموحد
- احمدي نجاد ليس معتوها، بل -العرب- متخاذلون!
- 1 العلاقة التناحرية الروسية الصهيونية،والمصير الملتبس لاسر ...
- اذا خضعت حماس، هل سيخضع حزب الله؟!
- الخطر الاعظم: هل يستطيع الشيطان الاكبر إخضاع لبنان الصغير ال ...
- حزب الله في الكماشة
- صدام حسين.. المثال النموذجي للسقوط التاريخي للبرجوازية الصغي ...
- النظام الليبي يدخل بامتياز في اللعبة الاميركية
- من ارتكب الجريمة الكبرى ضد الاطفال الليبيين؟ ولماذا؟
- الدور المتنامي لحزب الله ومحاذير الاندماج بالدولة اللبنانية
- مخاطر تجديد الحرب الاهلية في لبنان والمسؤولية التاريخية لحزب ...
- هل ينجح -حزب الله- في اجتياز حقل الالغام الداخلي؟
- دعوة حزب الله لانشاء -دولة قوية، قادرة وعادلة- وجامعة الدول ...


المزيد.....




- هل أكد ترامب سرا مفتوحا؟.. وجود -50 سلاحا نوويا أمريكيا- في ...
- الملكة رانيا العبدالله -تخرج عن صمتها- وترد برسالة على -حملة ...
- احجز لقضاء عطلة في منزل باربي الشهير على Airbnb
- سوريا - تركيا: من يمسك بمفاتيح اللعبة؟
- لوال ماين.. من لاجئ إلى صاحب شركة ألعاب فيديو لنشر السلام
- إندبندنت: رجال حول ترامب يصطفون للشهادة ضده بالكونغرس
- مسؤول سعودي يكشف عن مكان سعود القحطاني
- موطنه دولة عربية... علماء يكتشفون أسرع نمل في العالم...فيديو ...
- عودة أكثر من ألف لاجئ سوري إلى أرض الوطن خلال الــ 24 الساعة ...
- مـد خط أنابيب -التيار التركي- عبر صربيا يجري وفقا للخطة وينج ...


المزيد.....

- تسعون عاماً على هبة البراق / ماهر الشريف
- المياه والموارد المائية في قطاع غزة / غازي الصوراني
- ما طبيعة مأزق إسرائيل في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية؟ / ماهر الشريف
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة التاسعة : القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة السابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثالثة: السكان ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثانية: اقتصاد ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الأولى : نظرة عا ... / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - جورج حداد - الشهيد ياسر عرفات... ضحية وهم -السلام- مع اسرائيل