أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سيار الجميل - - الديمقراطية - في مجتمعاتنا ...... !! جادة نقاش بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب - الحلقة الثالثة والرابعة















المزيد.....


- الديمقراطية - في مجتمعاتنا ...... !! جادة نقاش بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب - الحلقة الثالثة والرابعة


سيار الجميل
الحوار المتمدن-العدد: 2085 - 2007 / 10 / 31 - 10:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


التحولات نحو الاسوأ : من الانتاجية شبه الاقطاعية الى الاستهلاكية الطفيلية
ان مجتمعات الشرق الاوسط قاطبة ذات طبيعة او بنية ريعية وليست فقط المجتمعات العربية .. وقد ركز بعض المفكرين على هذا الجانب في القرن العشرين ، بسبب ما كان سائدا من علاقات انتاجية شبه اقطاعية في مجتمعات المنطقة ، ولم تتحول صوب اقامة المجتمع الصناعي او الزراعي المصنّع الذي يقود بالضرورة الى تحقيق عملية تحول في البنية الاجتماعية .. ولكنني أسأل : هل هناك اليوم علاقات انتاجية شبه اقطاعية في مجتمعاتنا ؟ ام غدت علاقات استهلاكية طفيلية تسود اغلب مجتمعاتنا ؟ لماذا نبقى اسرى تفكير ومنهج لم يعد يفيد ابدا طبيعة مجتمعاتنا التي غدت غير انتاجية اصلا ؟ هل هناك اقطاع حقيقي اليوم في مجتمعاتنا ام هناك طبقة طفيلية جاهلة تحتكر المال والقوة ؟ الحالة الريعية موجودة لم تزل حتى في الهند ، ولكن هل ننكر على الهند تجربتها الديمقراطية ؟ ان مجرد بقاء التجربة لعشرات السنين فهو دليل نجاحها ؟ هل يمكن ان نقارن تجربة الوعي بالمجتمع المدني والعلمنة في تركيا بما نجده من تجربة اللاوعي في مجتمع ديني واستبداد ولاية الفقية في ايران ؟ وكل من التجربتين يشهران شعارات الديمقراطية في منهاجهما ! علما بأن هناك ريفا متأخرا وعلاقات زراعية متخلفة حتى يومنا هذا في كل من تركيا وايران والهند معا !

كيف يمكننا القفز فوق تناقضاتنا ؟
اننا لا نستطيع ان نقفز على الزمن لننادي بمجتمع صناعي او زراعي متطور .. علينا ان نكون متواضعين قليلا في فهمنا لاوضاعنا وتحليل تناقضاتنا .. ان مجتمعاتنا لم تمر اصلا بمراحل التطور الاقتصادي العالمي الحديث .. انها انتقلت او لم تزل في حالة انتقال من كونها مجتمعات تقليدية تعتمد السوق الريعي والاستهلاك في كل الميادين بعيدا عن الانتاج كواحد من اهم سمات التقدم او بالاحرى التحول من مرحلة السكون الى مرحلة الحركة .. ( والسكونية مصطلح اطلقته على المراحل التاريخية منذ القرن السادس عشر حتى القرن العشرين للعالم الاسلامي ، انظر : كتابي : العثمانيون وتكوين العرب الحديث : من اجل بحث رؤيوي معاصر ، ط1 ، بيروت 1987) . لقد مر القرن العشرون بطوله من دون اي حراك حضاري في كل عالمنا العربي وبضمنه الشرق الاوسط .. والحراك الحضاري هو مقدرتنا في التأثير على العالم بأي منتج او ابداع او اكتشاف او اختراع .. كما خابت كل المساعي في تطوير اي حراك سياسي على امتداد قرن كامل ، بل حرقنا عقودا طوالا من السنين في صراعات لا معنى لها ، وفي طوباويات لا نفع فيها ، وفي خطابات مؤدلجة ادخلت الناس في متاهات لا تعد ولا تحصى ! وعليه ، لا يمكننا ابدا ان نقارن مجتمعاتنا بمجتمعات اوروربا ، فكل منهما سماته ومظاهرة وطبيعة علاقاته الداخلية وبنيوياته الخاصة .. وعليه ، فليس بالضرورة ان تتأسس ديمقراطية هنا في مجتمعاتنا على نفس الانساق التي مرت في اورابا .

نحن واوربا
لا يمكن مقارنة التجارب الاوربية في ما بين الحربين العظميين بتجارب انظمة حكم الشرق الاوسط .. واذا كان المجتمع المدني قد انتكس في كل من المانيا على يد هتلر وايطاليا على يد موسليني ، وان الاتحاد السوفييتي لم يعرف المؤسسات الديمقراطية طوال حياته ، فلا يعتبر حكم ستالين انتكاسة للمجتمع المدني ، اذ لم نجد اي مؤسسة للمجتمع المدني في الاتحاد السوفييتي مطلقا .. وبقي المجتمع مكبلا وغير مسموح له بالانفتاح ولا بالالتقاء مع تجارب اخرى .. وهذا ما جرى بدرجات متفاوتة بين الانغلاق الكامل وبين الانغلاق المشروط في كل من تجربة البانيا الشديدة وتجربة بولندا .. وهكذا بالنسبة لالمانيا الشرقية وهنغاريا ورومانيا ويوغسلافيا وبلغاريا .. الخ
وليس هناك حالة مثالية واحدة حتى يومنا هذا حتى نقول بأن الانتكاسات قد حصلت في ما بين الحربين فقط ، اذ كانت هناك انتكاسات في كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة لما بعد الحرب العالمية الثانية . المهم ، ان تجاربنا الليبرالية في مجتمعاتنا الشرق اوسطية قد سحقتها الانقلابات العسكرية ، فلا يمكن ابدا ان نقلب المعادلة التاريخية لنشيد بحكومات عسكرية وفردية ودكتاتورية مستبدة وننكر وجود برلمانات واحزاب حيوية في مصر والعراق وسوريا ولبنان وتركيا وتونس والجزائر والمغرب .. فالتاريخ المعاصر للقرن العشرين يعلمنا ان الخمسين سنة الاولى من القرن العشرين كانت افضل بكثير في تجاربها السياسية والليبرالية من الخمسين سنة الثانية التي سحقتها الانقلابات العسكرية وصراعات الاحزاب الثورية ثم الممارسات الشوفينية والاحكام الاستثناية والدكتاتورية فضلا عن التناقضات التي تقض اليوم مجتمعاتنا بفعل الاسلام السياسي .

اين هي العلاقات الانتاجية الابوية في مجتمعاتنا ؟
نعم ، اين هي تلك العلاقات الانتاجية الابوية في مجتمعاتنا قاطبة ؟ اين هي العلاقات الانتاجية شبه الاقطاعية ؟ متى نشأت في مجتمعاتنا علاقات رأسمالية صناعية ؟ واين هو نظام القنانة ؟ ان الوعي الاجتماعي لا يولد من خلال هذه الافتراضات ، بل يتبلور في كل مرحلة من خلال ولادة ظروف واسباب .. وربما كان المثقفون والاعلاميون اقل وعيا بالظروف والمتغيرات مما يجعلهم غير قادرين فعلا على استيعاب التحولات .. بل وان التجربة التاريخية توضح لنا بأن ليس هناك ما يسمى بـ " الوعي الديني " كما هي كانت اكذوبة " الوعي القومي " ، واذا كان الاخير يؤمن باحقية الامة العربية في تحقيق الاهداف في الوحدة والحرية والاشتراكية ـ مثلا ـ ، ؟ فماذا يريد الوعي الديني ان يقول ؟ ان الوعي بالدين سيقف حجر عثرة امام الديمقراطية التي لا وجود لها في اي دين من الاديان .. ولكن في الاسلام هناك نظام الشورى بديلا عن الديمقراطية ونظام المبايعة بديلا عن الانتخابات !
ان الوعي الاجتماعي الحديث لا ينشأ ويتبلور الا بوعي علمي وفكر مستنير .. ولا يمكن لذلك الوعي ان يقترن بوعي ديني جديد اكثر تنورا ووعيا بدور الدين ودور الدولة والفاصل بينهما .. ذلك لأننا دوما ما نقرن تحولات مجتمعاتنا بتحولات المجتمعات الاوربية ، وهذا خطأ كبير فالمسيحية في اوربا كانت قابلة للانقسامات لا الفكرية حسب ، بل للعقدية ومن هنا نشأت منذ بدايات القرن 16 فجوة بين الدين والدنيا من خلال ثورة الاصلاح الديني ، واخذت تتسع على الارض بدءا بثورة الفلاحين في المانيا ابان القرن 16 الى الثورة الماركنتالية ابان القرن السابع عشر ، ثم الثورة السياسية الدستورية متمثلة بحركة كرومويل وانتقالا الى الفكر الحر وثورة القانون المدني وعهد التنوير والفلسفات في القرن الثامن عشر متوجة بالثورة الفرنسية انتقالا الى الثورة الصناعية والبرق وسكك الحديد في القرن التاسع عشر وصولا الى الثورة العلمية والتكنولوجية في القرن العشرين وانتهاء بثورة المعلومات والكومبيوتر والاتصالات في القرن الواحد والعشرين .. هذه كلها لم يصنعها الوعي الديني ، بل صنعها الانسان .. ومع كل هذا وذاك فان تفكير مجتمعاتنا لا ينفع معه اي وعي ديني جديد ، ذلك ان الاسلام نفسه لا يقبل اي تفسير من الناحية العقدية ، ولكنه قابل لأن يوظفه هذا وذاك لمآربه وان الفكر الاسلامي هو غير العقيدة الاسلامية وان الفقه هو غير اصول الفقه .. فانت يمكنك ان تجد عدة ( اسلامات ) سياسية ومذهبية واجتماعية وفكرية في التاريخ والجغرافية ، ولكنك لا تستطيع ان تجد اكثر من قرآن كريم واحد يجتمع عليه العالم الاسلامي كله .. انه باستطاعتك ان تجد اسلاما سلفيا واسلاما ايرانيا واسلاما تركيا واسلاما اباضيا واسلاما اصوليا واسلاما زيديا .. وزمن قبل ذلك تجد اسلاما حنفيا وآخر شافعيا وآخر جعفريا وآخر علويا وآخر حنبليا .. الخ ولكن لا يمكنك ان تبعد الاسلام برمته عن الفروض والطاعات والعبادات .. عن الحياة الاجتماعية .. الوعي بالدين لا يحل لك المشكلة ، بل ان الاجتهادات في الدين ستعمل على تفكيك كل تعقيداتها ..
المثقفون ليس باستطاعتهم ان يأخذوا دور الوعاة بالدين لا الدعاة اليه .. بل ان علماء الدين لابد ان تكون لهم مساهماتهم في ابعاد الدين عن الدولة والسياسات .. ان عليهم ان يعملوا على ابعاد الدين عن السياسة وابعاد رجال الدين عن الحياة السياسية .. عليهم ان يكونوا شجعانا ليعلنوا بأن هناك سياسة مدنية وسياسة شرعية وهناك قانون مدني وهناك شريعة دينية وان الاثنين لن يلتقيا في العديد من الجوانب .. وأسأل : أي نخبة قيادية ومفكرة ومبدعة من الاعلاميين لدينا حتى يمكنهم ان يغيروا الحياة ؟ ان الاعلام اليوم ينحصر على الشاشة بين ما يمارسه رجال الدين واهل الفن مع ركام من المراسلين والمعلقين السياسيين الذين ليس لهم الا بضاعة كلام .. ولم نشهد اي توظيف حقيقي لرجال الفكر ولا الفلسفة ولا المثقف الحر في ان يقول للعالم ما يؤمن به .. انني دوما ما اشبه عملية التحولات الجذرية لدى اي مجتمع بمغامرة يمكن ان يتبناها هذا او شجاعة يمكن ان يؤديها ذاك .. كالتجارة في السوق لا تنمو الا من خلال اناس مغامرين الفرق الوحيد ان التاجر محتمل يكون مغامر غبي فينجح ، اما المفكر الحر فيبقى منطويا بذكائه بسبب خوفه فيسكت مع تهميش حقيقي له .


**********************************
*
الحلقة الرابعة

المطلوب : اعادة النظر ام اعادة التفكير ؟
يقول الدكتور حبيب : " إن تجارب الدول الغربية من جهة وتجارب دول جنوب شرق أسيا وأمريكا اللاتينية من جهة ثانية , إضافة إلى حالات الفشل والإحباط والارتداد التي تحيط بتجارب دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا , ومنها الدول العربية , تفرض على الباحثين والسياسيين والمؤرخين إعادة النظر بمسيرة دول المنطقة منذ بداية القرن العشرين , وبشكل خاص في أعقاب الحرب العالمية الثانية , حتى الوقت الحاضر لاستخلاص الدروس المناسبة منها لصالح عمليات التحول الديمقراطي للمجتمعات. وهذا يعني بأن علينا أن لا نولول بسبب غياب الديمقراطية , أو نلهث وراء موضوعات لا تجلب لمجتمعاتنا غير المزيد من الآلام والأحلام والأوهام , ولا أن نغرق في الادعاء بأن مجتمعاتنا عاجزة عن الدخول في العملية الديمقراطية لأسباب تاريخية ودينية واجتماعية ... الخ , بل يفترض فينا بلورة استراتيجية النضال الوطني لكل بلد من هذه البلدان في المرحلة الراهنة بصورتها الشاملة والعلاقة بين أهداف المرحلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على نحو خاص , والعلاقة العضوية أو الجدلية بين هذه الأهداف وبين التحول صوب المجتمع المدني " .
انني اعتقد اعتقادا جازما بأن هذا " التنظير " مع احترامي له وهذه " النصائح " مع تقديري لها لا تجدي نفعا .. ان دعوة مثالية كهذه لا معنى لها فما اكثر قراءات المفكرين ودراسات المؤرخين واعادة النظر بالمسيرة .. المهم هي العقلية السائدة التي ازدادت تخلفا .. المهم التفكير السائد الذي ازاد تشظيا .. المهم عودة الوعي لكل الذين حملوا على مدى خمسين سنة ايديولوجياتهم فوق رؤوسهم من دون ان يتنازلوا عنها ولم يتنازلوا حتى يومنا هذا عنها .. هل اعترف احد باخطائه السياسية والفكرية ؟ هل ندد احدهم بتجارب الامس ؟ هل ندم من صفق لهذا العهد او ذاك ؟ هل اعاد اي من القوميين والبعثيين والشيوعيين والاسلاميين التفكير في ما كان عليه ليعلن فشله ويعترف باخطاء الامس ؟ كيف تريد من الجيل الجديد ان يزرع وعيا ديمقراطيا وهو مكبل ليس باغلال السلطات السياسية ، بل باغلال السلطات الاجتماعية ؟ لا يمكن للعملية الديمقراطية ان تنزل من الاعلى على الجماهير والناس لا تدرك ابسط المفاهيم المدنية ؟ كيف يمكنك يا عزيزي ان تسمي ما يجري في العراق اليوم مثلا " عملية ديمقراطية " وثمة اجندة مرجعية دينية وسلطوية حزبية وتيارات قوضوية تسود المجتمع ؟ مجتمعات مثل هذه عاجزة عن الدخول في اي عملية ديمقراطية اذا كان الواقع مهترئا والتخلف طاغيا والفوضى منتشرة !! كيف يمكننا ان نبارك اي عملية ديمقراطية تقوم بها احزاب طائفية او شوفينية لا علاقة لها بموازنات المجتمع المدني ؟ كيف يمكن لنا ان نتشدق بالديمقراطية ونحن نصفق لدستور يملتئ بالتناقضات ويبارك لمرجعية معينة على حساب مبادئ الشعب ؟ ان بلورة استراتيجية النضال الوطني لا يمكنها ان تنمو في مجتمع غير مؤهل للتفكير المدني وغير مؤهل للحريات ، فكيف به يؤهل للديمقراطية ؟

لا ديمقراطية في مجتمع غارق في التخلف !
انك لا يمكنك الرهان على تحول سريع لمجتمع غارق في التخلف .. انك لا يمكنك ان تمارس الشعارات وتصفق لها وباسمها تتحكم الاغلبية الدينية او الطائفية في مجتمع لا يعرف المؤسسات المدنية .. ان التغيير الاقتصادي وتغيير بنية المجتمع الاقتصادية لا ينفعان ابدا في خلق وعي اجتماعي وتنوير ديني .. المسألة ليست من البساطة بمكان .. ان المجتمعات الديمقراطية اليوم كانت قد مرّت بمخاضات عسيرة من التحولات ، وهي ليست بمجتمعات اسلامية ؟ ان المجتمعات الاسلامية اليوم يا عزيزي لا تعترف اصلا بالديمقراطية ولا تؤمن بها ، فكيف ستعمل بمبادئها ؟ واذا كانت بعض التجارب تزاوج بين الشورى والديمقراطية ولا تعد الديمقراطية الا مجرد صندوق انتخابي ومجالس شورى ، فهي دول تضحك على نفسها وعلى شعوبها .. فالمجتمع الديمقراطي لا يمكن ان يؤهل الا من خلال مؤسسات مدنية ودستور مدني صرف وتربويات مدنية واعلاميات مدنية لكي لا نضحك على ديننا وعلى مشايخنا وعلى مجتمعاتنا .. علينا ان نعلن لكل مجتمعاتنا بصراحة متناهية ان الدين لا يمكن توظيفه في الديمقراطية .. ولا يمكن للاحزاب الدينية ان تجّرب حظها في المسألة الديمقراطية ! وعلى الاعلام في الدولة الديمقراطية ان يكون مستقلا عن اي سلطة سياسية او دينية .. وعلى الانسان في المجتمع ان يكون حرا في خياراته كلها وافكاره ومبادئه .. فهل هناك ثمة دولة في العالم الاسلامي قاطبة لديها الشجاعة في ان تقول هذا للمجتمع ؟ اذا حدث ذلك وتقبله المجتمع عند ذاك استطيع القول ان مجتمعاتنا مؤهلة للديمقراطية من دون سفسطة او فسلفة وبلا لف ولا دوران ..

كيف نساعد بلادنا العراق في محنته اليوم ؟
1. ان الصراع الطائفي في العراق اليوم لا يتجّلى في الخطاب السياسي والاجتماعي والثقافي للقوى الطائفية ، بل في الممارسات ، انها ليست مشكلة خطاب فقط ، واعلاميات يمكن تصويبها ، بل انها ممارسات سياسية يومية ، واستطيع القول انها مثبتة في دستور البلاد .. ان مجرد تسمية الاحزاب الدينية في العراق يبدو لك مدى طائفيتها ، فكيف سيكون الحال في ممارسات مجلس النواب والحكومة والوزارات وكل الاعلاميات ؟ وبعد هذا وذاك : ما الحل ؟
2. نعم اصاب الرجل في تشخيص الدور الكبير غير العقلاني للمرجعيات الدينية والذي تمارسه المؤسسة الدينية لدى السنة والشيعة في زج نفسها بالسياسة . لقد كان ذلك كافيا لاشعال فتيل الصراع الطائفي ، علما بأن المؤسسة الدينية في ايران هي التي بدأت مؤسسة لدولة دينية يقف على رأسها رجل دين ويعصم نفسه من الاخطاء ، بل ويجعل نفسه وكيلا للامام المختفي بتوليه امر العباد . فأي وعي ديمقراطي هذا في ظل هذا المناخ الديني . واود القول ان العراق وايران وكل العالم الاسلامي لم يصل اي رجل دين للسلطة العليا ابدا .. لقد شهدنا وصول اول رجل دين للسلطة العليا في العام 1979 .
3. اما بالنسبة للعشائر وقواها الاجتماعية في العراق ، فهو تراجع مهول في التقدم الاجتماعي عندما تكون العشائر تتلاعب بالمصائر السياسية للبلاد ، بل وتغدو قوى سلطوية بديلا عن منظمات المجتمع المدني .. وبالقدر الذي يفتخر به العشائريون بالبنية الاجتماعية القبلية والعشائرية ، لكنني لا استطيع ان اقنع نفسي انها قوى يمكنها ان تكون ديمقراطية في يوم من الايام ! ان القوى العشائرية بني اجتماعية متخلفة بكل المقاييس وهي جميعها تسعى الى السلطة والامتيازات وتختفي عندها المواطنة او تكاد !

4. والمشكلة الاخرى لا تكمن في الدور المميز لقوى الشعوذة والسحر والتحايل في المجتمع ، بل المشكلة في اجزاء وقطاعات كبيرة من المجتمع لم تزل تؤمن بالشعوذات وزيارة الاضرحة والتمسح بالشبابيك وتفجير العواطف ..
5. ما معنى قول الدكتور حبيب : " إن مجتمعنا يغوص حتى الآن أكثر فأكثر في عمق الثقافة الدينية الفلاحية الإقطاعية المتخلفة وغير المتنورة التي ستقيد حركة المجتمع وتعرقل وجهة تطوره الديمقراطية." . اي عمق في الثقافة الدينية ؟ ولماذا مقترنة بالفلاحية الاقطاعية المتخلفة وغير المتنورة ؟ ان الحياة العراقية المعاصرة تقوم على ثقافات وتقاليد رخوة وعلى عادات وتقاليد تثير القرف . واي اقطاعية هذه ؟
6. انني مع الدكتور حبيب في نقد الاحزاب الكردية العلمانية في تحالفها مع الاحزاب الدينية بعيدا عن الاحزاب والقوى العلمانية ، اذ اوجد ذلك هوة شاسعة بين ما كان عليه الحال وما آل اليه مع الاسف .
7. وهناك المشكلة الدستورية ، ذلك ان "الأحزاب والقوى السياسية المنبثقة من مجتمع تسود فيه العلاقات الاجتماعية التي اشرنا إليها لا يمكن أن ينتج أحزاباً تختلف كثيراً عن واقعها الاجتماعي " ـ على حد تعبير الاستاذ حبيب ـ . وعليه ، فاد دعوتي دوما الى مشروع الديمقراطية لابد ان يؤجل الى حين خلق البيئة المميزة والانسان الصالح ليحيا في مجتمع ديمقراطي !!
8. ولهذا يستوجب العمل للتحرر من ذلك لا من المظاهر والتجليات حسب, بل وبالأساس من التقاليد والافكار المتزمتة التي تنتج تلك المظاهر والتجليات وتعيد إنتاجها وتكرسها في المجتمع. انني لا ارفض الديمقراطية ابدا ، ولكن نحن بحاجة الى زمن للتأهيل على الحريات والفكر الحر وعلى تربية الاجيال الجديدة على مفاهيم جديدة هذا لا يعني تأجيل النضال من أجل إقامة المجتمع المدني والتمتع بالحرية والديمقراطية , بل هو من أجل فهم العلاقة الجدلية بينها أولاً , وسبل خوض الكفاح ثانياً , وافتراض تجليات هذا الفهم في صياغة شعارات المرحلة النضالية ومهماتها الأساسية وخطابها الفكري والسياسي ثالثاً.
واخيرا : وصلنا نهاية الشالرع
واخيرا .. اتمنى ان اكون قد وفقت في هذه الجادة من النقاش ، وقد ساهمت في اثراء هذه المسألة في تفكيرنا وحياتنا من اجل معالجة حاضرنا وبناء مستقبلنا .. فهل سنكون على الطريق الصحيح في يوم من الايام ويتغير الناس بغير الناس ويعيد الناس تفكيرهم ويفكروا في مصالحهم .. وان لا تخدعهم اية ايديولوجيات وشعارات وصحوات .. وان لا يعيشوا الدكتاتورية وطغيان حزب واحد واستبداد طاغية .. ان الحياة في منطقتنا لابد ان تتغير نحو الافضل من خلال الاسهام المنتج والمبدع في مجتمعاتنا وان يباشر العمل بالحريات ولكن في اطار القوانين ..
اختم هذه القراءة النقدية بواجب الشكر والتقدير للاخ الدكتور كاظم حبيب الذي اتاح لي المجال لهذا الرد الذي اعتبره غاية في النفع والاثارة ، وسواء اختلفنا ام اتفقنا ، فان الموضوع قابل للمزيد المزيد من الافكار والاراء ، وهو اهم موضوع حيوي يشغل بالنا وتفكيرنا من اجل معالجة حاضرنا وبناء مستقبلنا .



الاستعارة الماركسية
في كلامك ايها الصديق عند النقطة الثامنة اجدك تستعير نفس التفكير الماركسي ولم تزل تلتزمه .. لربما يكون شرحك عن تحولات اوربا تفسير صحيح ، ولكن نحن بصدد مجتمعاتنا التي لم تعش المرحلة الاقطاعية كما هو حال مجتمعات اوربا كما انها لم تعش الحياة البورجوازية كما في اوربا ايضا .. انها لم تمر بمرحلة تطور صناعي ورأسمالي .. انها مجتمعات تقليدية عاشت مراحل استبداد سياسي واقتصادي شرقي لتنتقل ضمن انتقالات فوضوية الى مجتمعات تملؤها التناقضات ناهيك عن اختلافات جد كبيرة بين رجال الاقطاع في مصر عن شيوخ العشائر في العراق واختلافا كبيرا بين املاك الباشوات والزعماء العسكريين في المشرق عن املاك رجال المخزن في المغرب .. من مجتمعات بدوية مشيخية الى مجتمعات مستقرة .. من مجتمعات مغلقة تعيش على التمايزات بين حضر وريف ، اهل مدن واهل صرايف الى مجتمعات مختلطة غير منسجمة .. من مجتمعات لا تمتلك الوعي بالاخر الى مجتمعات لا تمتلك الوعي بذاتها .. ان استنساخ الالية الماركسية في تطبيق الفكر المادي الذي انبثق من مجتمعات اوربية وسحبه الى مجتمعاتنا قد زاد من ضياع الزمن واختلاط الامور وفشل التجارب الاشتراكية .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,108,498,182
- بنازير امرأة تقف بوجه الاعصار
- - الديمقراطية - في مجتمعاتنا ...... !! جادة نقاش بيني وبين ا ...
- - الديمقراطية - في مجتمعاتنا ...... !! جادة نقاش بيني وبين ا ...
- الملك فاروق الاول : ملاحظات تاريخية
- مشروع بايدن: تمزيق العراق لا تقسيمه !
- المسلسلات التلفزيونية : موديل طفيلي جديد !!
- انقسام لبنان (من ضمن صراعات المنطقة)... هل هو الثمن؟
- العراق رواندا جديدة ؟
- تيار المحافظين الجدد : الانتظار ام الاحتضار !
- تغيير النهج ام تبديل الوجوه ؟؟
- معضلة وطن ام مشكلة انسان ؟؟
- هل تنجح الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية ؟
- ستبقى تركيا حاضنة للمبادئ الكمالية !
- نداء من اجل حماية ذاكرة العراق !
- المُؤرّخُ محترفََ سياسة ! رؤيةٌ مِهََنيِّةٌ لواقعِ الكتاباتِ ...
- من الأمامْ سِرْ .. الى الوََراء دُرْ .. !؟
- اللقاء الأميركي - الإيراني الثاني: العراقيون آخر من يعلم!
- تعاسة المستقبل الفكر السياسي .. المجتمع المدني بين رجال دولة ...
- الاستراتيجية الامريكية تتحّدى من يفهمها !!
- عن حاجة الشرق الاوسط الى عناصر القوة !!


المزيد.....




- روبرت دي نيرو عن رئاسة ترامب: أسوأ ما رأيته في حياتي
- من قلادة الكريستال الشمسية إلى المنتجات البركانية.. تعرف إلى ...
- الكرملين يرد على تقارير -تدخل- موسكو في الانتخابات الأمريكية ...
- المغرب: السلطات توقف مشتبها به بعد مقتل سائحتين إسكندينافيتي ...
- مشوار الإعلامي الكويتي يوسف أحمد الجلاهمة
- الامة القومـي يعلن وصول الإمام الصـادق المهدي للبـلاد في الخ ...
- -اليونيفيل- تؤكد وجود أنفاق عابرة للحدود مع إسرائيل وتطالب ح ...
- اجتماع موسع لوزارة الدفاع الروسية
- مصر تعلن وصول نسبة الشح المائي لـ140%
- رئيس البرلمان العراقي: السعودية ساعدتنا في دحر -داعش-


المزيد.....

- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سيار الجميل - - الديمقراطية - في مجتمعاتنا ...... !! جادة نقاش بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب - الحلقة الثالثة والرابعة