أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شاهر أحمد نصر - مشكلة العرب والمسلمين ليست مع اليهود كيهود






















المزيد.....

مشكلة العرب والمسلمين ليست مع اليهود كيهود



شاهر أحمد نصر
الحوار المتمدن-العدد: 642 - 2003 / 11 / 4 - 03:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من المعروف تاريخياً أن العرب والمسلمين تعايشوا مع اليهود، فلم يجبر المسلمون اليهود على ترك دينهم واعتناق الإسلام، علماً بأن العرب والمسلمين كانوا يشكلون الغلبة في الجزيرة العربية، وفي جميع البلدان التي دخلوها، والتي وجد فيها اليهود..
لقد تعامل العرب والمسلمون مع اليهود باعتبارهم من أهل الكتب السماوية.. جاء في سورة البقرة، من القرآن الكريم: "والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون"... " إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصّابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"... "ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده الرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون"... " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيّون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون"(1)...
وهذا يبين أنّ الإسلام لم يكتف باحترام كتب الديانات السماوية الأخرى، بل لم يفرق بينها، ووعد من آمن بها وعمل صالحاً بالثواب: "فلهم أجرهم عند ربهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
وتبين كتب التاريخ أن العرب والمسلمين لم يظلموا اليهود، ولم يستولوا على أرضهم ولا أرزاقهم، ولم يقطعوا شجرهم أو يهدموا بيوتهم، يوم كانوا أقليات في ديارهم، بل حموهم من أعدائهم، وخير مثال، ما حصل من إيواء المسلمين لليهود إبان ملاحقة الأوروبيين لهم في القرون الوسطى، حين عزى الكثير من الأوربيين مرض الطاعون الذي قتل الملايين إلى وجود اليهود، فقتلوا الكثير منهم ولاحقوهم(2)، فأجارهم العرب والمسلمون في أسبانيا، وفي المغرب العربي.. بل قد تكون بعض التنظيمات الاستيطانية استغلت الجانب الأخلاقي عند العرب، خاصة الكرم، وعادات إغاثة الملهوف، والتعامل الخاص مع الضيوف وإكرامهم لهم، لتسلب العرب أراضيهم.. ومن الحوادث التاريخية المعروفة شراء عثمان بن عفان (خليفة المسلمين) لبئر تعود لليهود، لتحويلها لصالح العرب المسلمين. لقد كان باستطاعة العرب المسلمين أن يستولوا على تلك البئر، من دون أن يسددوا ثمنها، إذ كانت الغلبة لهم، لكنهم لم يستولوا عليها، مما يدل على احترامهم للأعراف والمواثيق، وصونهم لحقوق اليهود، وتعاملهم معهم بشكل سلمي وودي، وفق الأصول والأعراف التي كانت سائدة، والأمثلة كثيرة على صون العرب المسلمين لحقوق اليهود، وأتباع الديانات الأخرى، والعلاقة المبنية على المصالح المتبادلة، بل التعاون في الغالب، قبل نشوء وانتشار الفكر العنصري الذي غذته الصهيونية المتحالفة مع الاحتكارات الرأسمالية.. ولا يستطيع أحد أن يتجاهل حقيقة، أنّ كثيرين من اليهود والنصارى شغلوا مناصب هامة في وظائف الدول العربية الإسلامية.. كما لعبوا دوراً هاماً في الترجمة ونسخ الكتب العربية... وكان لطلاب الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد من اليهود، على سبيل المثال، دورٌ أساسي في حفظ تراثه، ونقله إلى أوروبا.. بل إنّ العلاقة في أمور الحياة الطبيعية والتعايش المشترك، بين العرب والمسلمين وبين اليهود، وصلت درجة من الالفة والعيش المشترك، حتى أصبح كل طرف يشعر بضرورة الأخر وحاجته له، ولم يتخل عنه حتى في لحظات الموت، إذ شعر بأن له حق أخلاقي عليه، ولعل هذه النادرة الدينية تعبر عن ذلك:
" نزل عطار يهودي بعض أحياء العرب، ومات. فأتوا شيخاً لهم لم يكن يقطع في الحي أمر دونه، فاعلموه خبر اليهودي، فجاء فغسله وكفنه وتقدم وأقام الناس خلفه وقال: اللهم إن هذا اليهودي جاء وله ذمام فأمهلنا حتى نقضي ذمامه، فإذا صار في لحده فشأنك والعلج."(3)       
 ( الذِمة: ج ذمم: الأمان والعهد ، الضمان ـ الذِمام: ج أذمة: الحرمة، الحق ـ عَلَجَ: غلبه في المعالجة، عُلجٌ : شديد معالجة الأمور، عَلِجَ : علجاً : اشتد)

لقد نشأت العلاقة العدائية بين العرب واليهود الاستيطانيين الذين استولوا على الأراضي العربية في فلسطين في بداية القرن العشرين.. ومن المعروف أن الحركة الاستيطانية اليهودية في فلسطين بدأت بعد نشوء الحركة الصهيونية، وبدعم من الدول الاستعمارية.. فلولا تشكل المنظمات الصهيونية، ولولا دعم ومساعدة الاحتكارات الرأسمالية والدول الاستعمارية لها، لما قدم المستوطنون وهم يحملون فكراً عنصرياً يجيز لهم الاستيلاء على أراضي العرب، ولما نشب العداء بين العرب والمسلمين من جهة، وبين اليهود الاستيطانيين من جهة ثانية..
لمعالجة أية معضلة بشكل سليم علينا معرفة مسبباتها الأساسية والجوهرية، وليس السطحية والشكلية.. يكمن أساس قوة الصهيونية في الرساميل العالمية التي تغذيها، هل كل الرساميل العالمية هي ملك لليهود؟ هل تستطيع إسرائيل الصمود بعيداً عن دعم الاحتكارات الرأسمالية العالمية، وخاصة الأمريكية لها؟ هل الاحتكارات الرأسمالية الأمريكية حكراً على اليهود؟ أغلب رؤساء الدول، والوزراء الذين يساندون الاعتداءات الإسرائيلية على العرب، ويبررون قتل النساء، والشيوخ والأطفال العرب، وهدم البيوت وقطع الأشجار العائدة للعرب، ليسوا يهوداً.. وهم يدافعون عن جرائم الصهاينة أكثر من الصهاينة أنفسهم.. لماذا؟ أ لأنهم مسيحيون؟ إطلاقاً، لا‍! فعلاقة العرب والمسلمين بالمسيحيين علاقات وثيقة يعززها الدين الإسلامي ويوطد عراها، وخير مثال على ذلك الآيات القرآنية.. وهل يغيب على أحد وجود سورة في القرآن باسم "مريم" عليها السلام..
إن التمعن العميق في الصهيونية ونشأنها يبين أنّها نتاج التطور الاقتصادي الاجتماعي في أوروبا، وهي أحدى مفرزات أزمات الرأسمالية، وعلاقتها عضوية بالرأسمال العالمي الاحتكاري.. وأي تعامل مع المسألة خارج ذلك، وعلى أساس ديني، ليس موضوعياً وغير مجدي، فالصراع لم يكن يوماً صراعاً دينياً بين العرب والمسلمين من جهة، واليهود، ولا المسيحيين من جهة ثانية.. علينا البحث عن جذور القضية في آلية نشاط الاحتكارات الرأسمالية، التي تحالفت مع بيوت المال التي يهيمن عليها صهاينة عنصريين، مقابل مساعدتهم في تنفيذ مشروعهم الاستيطاني المبني على أوهام من خارج التاريخ بشكل عام، وخارج التاريخ الحديث والمعاصر بشكل خاص، والذي يتخذون من الدين ستاراً وغطاء له، وأي بحث للقضية من المنظور الديني يقدم مساعدة لهذه الاحتكارات الرأسمالية، وللعنصريين من الصهاينة..
يبين التاريخ أنّ الاستعمار واحتلال الدول كان نتيجة لأسباب اقتصادية داخلية في الدول الرأسمالية، بحثاً عن السوق الخارجية لتصريف منتجاتها وعن المواد الأولية والمواد الخام.. وتعد الحروب في العصر ما بعد الاستعماري الحديث أحد المنافذ لتصدير الاحتكارات الرأسمالية أزماتها، فضلاً عما تدره من أرباح من تجارة السلاح، وغيرها.. والمنظمات الصهيونية ذات التفكير العنصري أمنت للاحتكارات الرأسمالية فرصاً هي بأمس الحاجة لها بخلق بؤرة توتر وحروب دورية بشكل مستمر في أغنى بقاع العالم.. مما خلق سوقاً لبيع الأسلحة لم تكن تلك الاحتكارات الرأسمالية تحلم به لولا وجود المسبب، ألا وهو احتلال إسرائيل للأراضي العربية.. وما استمرار الصراع العربي الصهيوني، وعدم التوصل إلى حلول سلمية له على أسس عادلة، بغرض إبقاء أسباب التوتر كامنة، إلاّ خدمة لإرادة الفكر العنصري الصهيوني والاحتكارات الرأسمالية المتحالفة معه.. وليست نتيجة صراع ديني على الإطلاق..
يقول البعض أليس شارون ووزراؤه وعساكره الذين يقتلون الأطفال العرب  يهوداً؟
نقول: إن هؤلاء معبأون بفكر عنصري صهيوني يستغل الدين اليهودي.. وأي دين سماوي لا يمكن أن ينسجم في جوهره مع الفكر العنصري.. فضلاً عن أن هؤلاء لا ينالون التأييد من جميع اليهود..
إن صمت غالبية اليهود على جرائم العنصريين في إسرائيل ليس في صالح اليهود، ولا الإنسانية.. ما أن تحل صحوة إنسانية عند اليهود ـ وهذه قضية لا بد ستحل ـ  حتى يشعر هؤلاء بالخجل والعار على ما اقترف باسمهم..
ولما كان العنصريون من الصهاينة، المدعومون من أهم الاحتكارات الرأسمالية العالمية، ينفذون مخططهم باستغلال  الدين اليهودي.. علينا أن نفضح مخططهم، ونعريه، ونبين حقيقته وتعارضه مع مصالح اليهودية كدين سماوي، ومع مستقبل اليهود التاريخي..

إنّ الخطاب المباشر والإيحاء وكأنّ الصراع العربي الإسلامي هو صراع مع اليهود، والذي يقود، على سبيل المثال، إلى التساؤل الصادر في قمة الدول الإسلامية الأخيرة، في شهر تشرين أول /أكتوبر 2003 ، من قبل رئيسها والقائل " لماذا نحن إذاً ضعفاء أمام اليهود؟!".. تساؤل ينم عن تشويش، وعدم الدقة العميقة في فهم جوهر المشكلة وأبعادها الحقيقية.. كما أنّ القول بأنّه " لا يمكن لمليار وثلاثمائة مليون مسلم أن يهزموا من قبل عدة ملايين من اليهود." والإيحاء بأن الصراع هو صراع ديني بين العرب والمسلمين من جهة، وبين اليهود والغرب المسيحي من جهة أخرى، غير مفيد، ولا هو حقيقي، بل ينم عن عدم دقة في تحديد جوهر الصراع ويشوه المعركة الحقيقية، ويحولها إلى معركة دينية، وهذا ما يبغيه الأعداء.. والصحيح أنّ الصراع هو صراع بين العرب المضطهدين، المسلوبة حقوقهم ومناصريهم مع المشروع والفكر العنصري في الصهيونية، المتحالفة مع الاحتكارات الرأسمالية، وليس مع اليهود كيهود، ولا الغرب المسيحي.. كما أنّ هذا الصراع ليس بين جميع المسلمين والصهيونية، بل إنّ كثيراً من المسلمين ، وبعض العرب، يقفون في الصف الصهيوني، وفي مقدمتهم تلك التنظيمات الإسلامية الظلامية ، التي كان للإدارات الأمريكية اليمينية دورٌ  في نشأتها واستمرارها، والتي اصطلح على تسميتها بالإسلام الأمريكي..

علينا أن نكون موضوعيين.. فكما أنّ إسلام الإدارة الأمريكية اليمينية المتعصب، المتمثل في التنظيمات التي شوهت الإسلام في أفغانستان وأنصارهم، ومازالت تشوهه من خلال التفجيرات التي تقوم بها في صفوف المدنيين حتى في البلدان العربية، والذي عرف بالإسلام الأمريكي، ـ هذا الإسلام الذي صنعته الإدارات الأمريكية (وليس أمريكا ككل، علينا التفريق بين أمريكا كشعب وحضارة، وبين إدارات يمينية تحكمها وتنفذ سياسات تتناقض كثيراً مع المبادئ التي قامت عليها)  لمحاربة الاشتراكية والفكر التنويري في العالم ـ لأنّ الاشتراكية والفكر التنويري يفضحان جرائمها ـ ، والذي استقبل الرئيس الأمريكي رواده في البيت الأبيض، مشبهاً إياهم بالآباء الروحيين لأمريكا، والذي تحاربه أمريكا الآن.. ـ كما أنّ هذا الإسلام الظلامي الأمريكي لا يمت إلى الإسلام بصلة، بل يسيء إلى الإسلام.. كذلك الأمر في الفكر العنصري الذي تتمسك به تنظيمات صهيونية وتطبق فصوله الهولكوستية ضد العرب في فلسطين والأراضي العربية المحتلة ـ الذي يجبر الفلسطينيين على أن يفجروا ذاتهم تحت هذا الضغط اللاإنساني الفظيع ـ لا يمكن أن يمت بصلة لأي دين سماوي، ولا لدين إبراهيم، أو باقي الأنبياء، والدين اليهودي السماوي (وليس المبتدع) منه بريء..
إنّ المتمعن في فكر قوى الإسلام الظلامي الأمريكي،  وقوى الفكر العنصري الصهيوني، وفكر الإدارات اليمينية للاحتكارات الرأسمالية يجد قواسم مشتركة فيما بينها جميعاً، في المصطلحات والشعارات والأهداف التي يعلنونها . لنأخذ خطاب مسؤول في الإدارة اليمينية الأمريكية يتحدث عن انقسام العالم إلى قوى الخير والشر ، والذي يقول "من ليس معنا فهو ضدنا"، ولنقارنه بخطاب لمسؤول في تنظيم إسلامي ظلامي يتحدث عن انقسام العالم أيضاً إلى فسطاطين، وخطاب لمسؤول صهيوني عنصري، سنتأكد من تشابه اللهجة، والمحتوى، وحتى المصطلح.. وهذا أمر طبيعي ومنطقي لأنّ مصدرها متشابه، وهي نتاج مرحلة إرادة  وسعي الاحتكارات الرأسمالية ـ والتي تشكل بيوت المال الصهيونية جزءاً منها ـ للهيمنة على العالم..
إننا نقول للمنضوين، من حيث لا يدرون، تحت لواء التيارات الإسلامية التي ساهمت المخابرات المركزية الأمريكية ـ والموساد ليس بعيداً عنها ـ في تكوينها، والتي تدعو إلى التطرف، والتي تبيح للأب المسلم الذي يعيش في البلدان الأوروبية أن يقتل ابنته إن صادقت مسيحياً، والتي تلزم رجم النساء في القرن الواحد والعشرين، والتي تبيح التفجيرات في صفوف المدنيين، بما في ذلك في البلدان العربية، والتي تلزم الرجال بإطلاق اللحى، والنساء بارتداء أكياس الفحم السوداء، ليظهروا في بلاد الغرب في ملامح غريبة غير مألوفة.. نقول لهم إنّ ذلك ليس من الإسلام بشيء، ولا يفيد الإسلام.. دعونا نحتكم في هذه المسائل إلى الصحابة الأوائل..انظروا كيف تعاملوا جميعاً بمرونة وموضوعية مع النص ومع تطور الظروف.. خذوهم قدوة ومثالاً، ألم يوقف الخليفة العادل عمر بن الخطاب العمل بكثير مما تدعون إليه منذ قرون، نظراً لفهمه المنفتح لضرورات تطور الحياة، ألم يستفد من تجارب الشعوب الأخرى في تنظيم وبناء الدواوين وأسس بناء الدولة، وفي أمور لم تكن معروفة عند العرب.. انصتوا إلى قول على بن أبي طالب الذي يؤكد على ألا تربوا أولادكم على ما ربيتم عليه، لأنّهم سيعيشون في زمان غير زمانكم. انصتوا إلى أفكار رواد النهضة العربية والإسلامية الذين بنوا علماً وحضارة، بعد تحررهم من كثير مما تدعون إليه من التقديس لأمور شكلية تجاوزها الزمن والتقوقع والانغلاق.. إنّ المرونة التي تعاملوا فيها مع النص ومع تطور ظروف الحياة، تبين أنّه لو عاش هؤلاء الصحابة الأجلاء في العصر الحديث لخطوا حياة تنسجم مع متطلبات هذا العصر، ولتجاوزوا كثيراً مما ترونه ثابتاً، والتي يساعدكم في التشبث بها من لا يريد لهذه الأمة أن تنهض، ومن يمنع بناء المجتمعات على أسس ديموقراطية متحضرة، ومن يحظر آليات التنوير، ويمنع الحوار، وتصل الأمور به إلى منع قيام محاضرة، وسجن من ينوي حضورها..  إن التاريخ سينظر لجميع هؤلاء كأنّهم يقفون في خانة واحدة..
إنّ مصلحة الإسلام والمسلمين تقتضي أن يستفيد المسلمون من الإنجازات الحضارية للبشرية، وأن تنسجم حياتهم اليومية مع هذه الإنجازات، لا أن يتقوقعوا وينغلقوا على أنفسهم... إذا أراد المسلمون التفوق على الغرب، عليهم بناء حضارة تفوق حضارة الغرب، عليهم العيش في ظروف حضارية تتقدم على حضارة الغرب، لا أن يعيشوا وفق أسس وأشكال تعود إلى قرون خلت.. وأن يكون فكرهم نيراً سباقاً، لا منغلقاً جامداً، يساعد في ظهور قوى وتنظيمات تسيء للإسلام والعرب..
تساعد القوى المتطرفة، في ظهورها ونشر فكرها، الأزمة الفكرية والأيديولوجية العميقة التي تعاني منها الإنسانية،  خاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي.. إنّ التعامل مع هذا الفكر، ومع هذه الحالة يتطلب صحوة عالمية، وملء الفراغ الفكري على الصعيد العالمي على أسس حضارية وإنسانية سليمة..
لا شك بأن هذه المهمة ليست بالأمر السهل، ولن يستطيع شخص بمفرده القيام بها، وهي تحتاج إلى تراكم، قد يطول.. ولكن الشيء المؤكد أنّ مصلحة العرب والمسلمين والعالم أجمع، تكمن في أن يتعاملوا مع هذه الحالة من منطلق عقلاني وعلمي موضوعي  على أرضية حضارية، تتميز كلياً عن الأرضية الدينية البحتة، التي تحاول تلك القوى المتعصبة أن تجر العالم إليها..

لغة المخاطبة السليمة
إنّ إقامة السلام الشامل والعادل في منطقة الشرق الأوسط ، على أساس الشرعية الدولية القاضية بإعادة الأراضي العربية المحتلة في الجولان ومزارع شبعا إلى أصحابها الشرعيين في سوريا ولبنان ، وإقامة الدولة العربية الفلسطينية ، وعاصمتها القدس ، ومعالجة مأساة اللاجئين وفق قوانين الشرعية الدولية هي بداية النهاية للمشروع الصهيوني العنصري .. وهذا ما تعيه وتخافه تلك الأوساط  ، ولذلك نجدها تبحث عن سبيل الهروب من استحقاقات السلام العادل والشامل ، باستغلالها ومحاولة افتعالها الأزمة تلو الأخرى .. للتأخير في حل أزمة الشرق الأوسط علّها تصل إلى زمن وظروف تجعلها تفرض شروطها التي تقود إلى هيمنتها المطلقة على المنطقة ، ولو أدى ذلك إلى إلغاء الآخر، وهذا لن يتحقق لها..
من الضروري في ظروفنا الحالية تمسك العرب بخيار السلام العادل والشامل، والاستفادة من المبادرات الدولية ، بما فيها مبادرة الرئيس الأمريكي، واللجنة الرباعية (أمريكا، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة) لإقامة دولة فلسطينية، ودفع هذه المبادرات إلى الأمام، ومخاطبة العالم بلغة موضوعية حقيقتها أنّ المشكلة ليست بين العرب واليهود كيهود ، بل بين العرب والمشروع الصهيوني العنصري الذي يستبيح احتلال أرضنا..
ومن مهام لغة الخطاب العربي الوصول والتأثير في الشارع الإسرائيلي .. إن تحرير اليهود والإسرائيليين من الفكر العنصري، هي مهمة إنسانية وعربية ستترك آثارها على مستقبل العالم ككل .. ليس في مصلحة أحد من محبي السلام  القول أنّ كل إسرائيلي أو يهودي هو فاشي وعنصري، ولا الدفع في هذا الاتجاه، بل على العكس، إنّ مثل هذه الشعارات تغذي معسكر مناوئي السلام .. علينا البحث عن مناصري السلام في المعسكر الآخر والعمل على تقوية وتعزيز نفوذهم ..
مما لا شك فيه أن العنصريين في المنظمات الصهيونية مع حلفاء لهم في العالم يشوهون التاريخ، لا شك في أنّهم يستغلون المنابر الإعلامية الضخمة التي يسيطرون عليها للكذب ومزيد من الكذب في مجتمعات متحضرة، لا تعرف شعوبها الكذب، وتتأثر بالموجة الإعلامية الضخمة، إلاّ أنّ التاريخ لا يمكن أن يصنع بالكذب.. إن تحقيق المشروع الصهيوني مدعوماً من احتكارات رأسمالية في العالم لبعض المكاسب، وإقامته دولة على أسس عنصرية، لا ينسجم مع طبيعة التطور التاريخي، إنّ استقطاب اليهود من قبل المنظمات الصهيونية  باستغلال حالة شاذة في التاريخ العالمي.. تلك الحالة الشاذة التي شكلت تربة مناسبة للفكر الخرافي المتخلف والذي لا مستقبل له.. هي مسالة لن تدوم أيضاً..
عندما نستطيع والعالم المتحضر تخليص عقل اليهود ، والمتعصبين من كل لون ودين، من الخرافات، والأفكار العنصرية، والأوهام المعششة في أذهانهم، عندما نستطيع والإنسانية رفع مستوى تفكيرهم إلى المستوى الإنساني السليم، عندها سيخجلون على الأفعال التي ارتكبت باسمهم، ولن تبقى هناك مشكلة..
المهمة الأساسية أمام من يبحث عن السلام هي تحرير الإنسان من الأفكار الخرافية والعنصرية، ومختلف أشكال التعصب.. بعدئذ لن يبقى هناك مبرر لوجود فكر عنصري يحلل احتلال أرض الغير ويستولي عليها..
عندما يفضي التطور الإنساني إلى القضاء على غلو التعصب الأعمى، يتحرر المتعصبون في كافة الاتجاهات، الإسلامية واليهودية والمسيحية، من أوهام التعصب الخرافي، ويساهمون في تحرير الإنسانية من الأغلال التي ساهموا في تقييدها بها..
وفي نفس الوقت نحن بحاجة إلى نظرة موضوعية عند البحث في العلاقة مع الغرب، ومع الولايات المتحدة الأمريكية .. 
لقد أقدم حكام الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤهم على الحرب في العراق ، على الرغم من معارضة شعوب العالم ، وغالبية أعضاء مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة.. ولا يمكن لأي مراقب عاقل أن يصف ذلك إلاّ بالتصرف الخاطئ .. مع عدم نكران الوجه اللاإنساني لنظام الحكم البائد في العراق، والذي يعد وصمة عار في التاريخ العربي والإسلامي والعالمي..
  ومما لا شك فيه أنّ حكام الولايات المتحدة الأمريكية ونتيجة حربهم غير الشرعية ضد العراق ، قد وجهوا صفعة قوية للديموقراطية ودعاتها في العالم العربي ، وقد أساءت هذه الحرب لقيم الديموقراطية التي بنيت على أساسها الولايات المتحدة الأمريكية ، لقد كانت حرباً على الأسس، والقيم القانونية ، والفكرية الديموقراطية والحرية والليبرالية، وقيم سيادة القانون، التي تشكل الضمانة الرئيسية لتطور الولايات المتحدة ، وتخطيها لأزماتها الدورية..
لقد وضع حكام الولايات المتحدة الأمريكية ومؤيدوهم من حكام الدول التي تنتهج سبل الديموقراطية، (وضعوا) بلدانهم والعالم في تناقض كبير مع أسس الديموقراطية والشرعية، وسيادة القانون، والجميع يعيش أزمة ومأزقاً لا سبيل للخروج منه إلاّ من خلال الديموقراطية..
إذا نظرنا إلى الولايات المتحدة من خلال المنظور الديموقراطي التاريخي، لوجدنا أنّ الحكام الحاليين الذين يمثلون مصالح أعتى الاحتكارات والتحالفات اليمينية ، قد وصلوا إلى الحكم في غفلة من غفلات الزمن في إطار تناقضات جمة في البنى الاجتماعية والاقتصادية هناك، ولا يوجد ثبات وديمومة أبدية في تلك البنى الاجتماعية، وبالتالي فإن تلك التناقضات الكامنة في المجتمع وبناه الاقتصادية وما يضاف إليها من تناقضات خارجية، وتناقضات مع الفكر الديموقراطي الذي تقوم عليه تلك البنى، لا بد سيقود إلى تغيير.. وبقدر ما كانت القوى المؤثرة في التغيير تنسجم مع مصالح التقدم والقيم الإنسانية، بقدر ما كان ذلك التغيير في صالح الإنسانية ككل بما في ذلك الشعوب العربية ..     
  إنّ الغرب والولايات المتحدة الأمريكية ليست شعاراً وهمياً يعادينا ونعاديه ، إنّها ليست خرافة أو عنقاء ، كما أنّها ليست شيطاناً رجيماً ، إنّها مجتمع ودولة موجودة على الكرة الأرضية التي نعيش ـ ولا يمكن لأي مجتمع بشري أن يكون في المجمل شيطانياً ، بل في كل مجتمع بعض أو كثير من الخير، وبعض أو كثير من الشرور ـ إنّها ( الولايات المتحدة الأمريكية ) واقع موضوعي يحوي تناقضات داخلية وتناقضات خارجية تنعكس على سياساته ، علينا معرفته والتعامل معه للاستفادة من انجازاته واتقاء شرور أشراره.. مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ المجتمع الأمريكي ليس مغلقاً، بل من الممكن التأثير والتأثر به..
من هنا تنتصب مهمة أساسية أمام الغيورين على مستقبل الإنسانية، في العالم ككل، وفي وطننا العربي على وجه الخصوص، في البحث عن سبل التفاعل السليم مع عملية الصراع ضد الفكر العنصري والإرهابي، ضمن التنظيمات المتطرفة جمعاء وفي مقدمتها التنظيمات العنصرية في الصهيونية، وسبل التفاعل الحضاري السليم مع المجتمع الأمريكي، ونقل تلك الأفكار إلى التطبيق العملي.. ومما لا شك فيه أن أولى أولويات هذا الفعل هي وجود حالة ديموقراطية حقيقية في مجتمعاتنا تتيح القيام بالمبادرات وتطبيقها في الواقع ، فضلاً عن تجاوز الحاجز الذي يجعلنا غير مقبولين سلفاً من الآخر.. لنخاطبه بلغة طالما افتخر بها ألا وهي : الديموقراطية ، وهي السبيل لتغيير قناعاته وتغيير حكامه.
من أجل النجاح في القيام بأي فعل ملموس لا بد من رؤية واضحة وسليمة لجميع الجوانب المرتبطة بعملية أداء هذا الفعل.. إن ترديد الشعارات الضابية حول الصراع العربي الإسلامي اليهودي، والإسلامي الغربي الصليبي، شعارات لا تعكس حقيقة الواقع إطلاقاً، بل هي تزيده بؤساً وتشويشاً... ولكي ننتصر في معركتنا نحتاج لمساعدة كل شريف غيور مسيحي ويهودي ومسلم وملحد..
ولعل من المفيد الاستشهاد بالعبارة التالية، التي قرأتها بعد انتهائي من كتابة هذا المقال للكاتب الإسرائيلي "اموس اوز"، الذي كتب يتساءل: "هل تقتضي النصوص التي يدعي ارييل شارون انتماءه إليها أن نتقيأ البربرية”(4)؟ للدلالة على وجود يهود يعارضون الحملة والسياسة العنصرية لقادتهم..
من كل ما تقدم يتبين أنّ مشكلة العرب والمسلمين ليست مع اليهود كيهود، بل إنّ مشكلة العرب والمسلمين والعالم أجمع، بمن فيه اليهود، مع الفكر العنصري والظلامي بما في ذلك الفكر العنصري في الصهيونية، المتحالفة مع الاحتكارات الرأسمالية.
إنّ إنهاء كافة أشكال الاستعمار والاحتلال، وتحرير اليهود من الفكر العنصري في الصهيونية، يحرر العالم من كثير من مآسيه.
إنّ تحرير العالم من النهج الاستغلالي للاحتكارات الرأسمالية، يحرر العالم من مآسيه الاجتماعية الاقتصادية الأساسية، وتحرروه من المناخ المناسب لوجود كافة أشكال الفكر الإرهابي، العنصري، الفاشي، النازي والمبني على اللون والعرق ، وعلى المبادئ العنصرية في الصهيونية..
ابنوا مجتمعات على أسس ديموقراطية متحضرة، تجففوا منابع نشوء التيارات الظلامية والإرهابية من كل لون، ودين وطبقة..
ـــــــــ
(1) الآيات من سورة البقرة، في القرآن الكريم، أرقام: (3) ، (61) ، (86) ، (135)على التوالي
(2) الدكتور كامل عياد ـ مقالات مختارة ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 1994 ـ تحرير وتقديم ـ محمد كامل الخطيب . ص 474
(3) ـ من كتاب ـ نوادر دينية ـ جمع وإعداد الموسوعي عبد المعين الملوحي ، قيد الطباعة ، والمصدر الأصلي للنادرة هو: التذكرة الحمدونية: 2 : 159
(4) هل تكفي قنبلة نووية لإقامة السلام في الشرق الأوسط؟ "الاتحاد الاماراتية": 2/11/2003  ـ أورينت برس
طرطوس 3/11/2003                         شاهر أحمد نصر
                              Shaher5@scs-net.org               







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,577,119,314
- مصير العملاء السريين
- العلم عند العرب بين النهوض والتعثر
- إذا أردتم تحرير المرأة ، فابنوا مجتمعات على أسس متحضرة
- هل استكملت الأنظمة العربية عملية بناء الدولة القابلة على الب ...
- هل هناك من يريد ويعمل على البحث عن مطبات تعرقل الإصلاح؟
- المصلحة الوطنية تقتضي منع محاكمة من يتوجه لحضور محاضرة!
- الأنظمة الديموقراطية الشعبية المتكلسة ديموقراطية المظهر، ديك ...
- الديموقراطية في دولة الحق والقانون وسيلة ضرورية للتطور ومواج ...
- في أسباب انتشار الفكر الغيبي ـ أساليب الحكم وفق قوانين الطوا ...
- يوم كئيب في تاريخ الصحافة السورية
- في آلية الصراع داخل الأحزاب السياسية في البلدان العربية ـ ال ...
- في حقيقة المعارضة في المجتمعات البشرية
- لا تدعوا هذا الصوت يخبو
- كل إصلاح اقتصادي وإداري لا يترافق مع الإصلاح الفكري والسياسي ...
- الإصلاح السياسي الديموقراطي مطلب وطني عام ، وليس مطلب شخصيات ...
- صفحات ديموقراطية مضيئة في تاريخ سورية لمحة موجزة من تاريخ ال ...
- مؤسسات المجتمع المدني في الدولة الديموقراطية القوية من ضرورا ...
- الحوار المتمدن تعبير عن حضارة وديموقراطية الشعوب
- .......سيدي الكريم حمزة الحسن // زيتونـة الشــام - هادي العل ...
- فلسطين في شعر عبد المعين الملوحي


المزيد.....


- بقايا مشروع الأستبداد القومي العربي .. وسقوط القناع / مصطفى القرة داغي
- مفارقة - الابراهيمين - .. صنع - الله - وسعد - الدين - / سعد هجرس
- التابعيات العربية في واشنطن: صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون! / صبحي حديدي
- بعض محدِّدات العمل في ظلِّ الديموقراطية 1- 2 - 3 - 4 / تيسير عبدالجبار الآلوسي
- حرية الإبداع في النظامين الشمولي والديمقراطي / صاحب الربيعي
- تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003 / امان
- موقف المثقفون العرب من خطاب السلطة والمجتمع / صاحب الربيعي
- وحدة أطراف النظام الدولي / ثائر دوري
- الاعلام وقضية علوني.. (!) / حافظ سيف فاضل
- متى نكف عن العناد ؟! / سعود عبدالله الجارح


المزيد.....

- للمرة الثانية مصر تصدر طوابع تذكارية لقناة السويس
- أوباما: انتشار فيروس إيبولا يهدد الأمن العالمي
- معارك بريف حماة وقصف على مناطق بدرعا
- واشنطن لا تستبعد تدخلا بريا ضد -تنظيم الدولة-
- واشنطن: لن ننسق مع إيران لضرب داعش في العراق
- حسن أحراث : نداء تجديد الولاء ..
- ديمبسي لا يستبعد دورا أكبر للقوات الأميركية في العراق
- في أميركا.. الحياة عربية
- الريال أول ناد يحرز ألف هدف بمسابقات أوروبية
- صورة هاتف تدين رجلا بتهمة الاعتداء الجنسي


المزيد.....

- تجربة الحزب الشيوعي العراقي في مجال التحالفات السياسية (1934 ... / جاسم الحلوائي
- نصوص حول الارهاب في تونس / نورالدين المباركي / اعلامي
- نظرية الطريق الثالث عند أطونى جيدنز / ابراهيم طلبه سلكها
- نظرية الفعل عند حنه ارندت / ابراهيم طلبه سلكها
- حقوق العراق بالارقام في عهد المالكي 2006 - 2014 / سمير اسطيفو شبلا
- البغاء فى مصر ..نظرة تاريخية / رياض حسن محرم
- وحدة الشيوعيين العراقيين ضرورة موضوعية لمرحلة مابعد الانتخاب ... / نجم الدليمي
- برنامج حزب نستطيع، بوديموس / ترجمة حماد البدوي
- في رثاء / الشرق الأوسط القديم . / سيمون خوري
- استباق الثورة المضادة للإبداعات الشعبية / خديجة صفوت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شاهر أحمد نصر - مشكلة العرب والمسلمين ليست مع اليهود كيهود