أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد المدلاوي المنبهي - بذل المجهود لرسم ما بين العلم والرأي من حدود(1*)















المزيد.....



بذل المجهود لرسم ما بين العلم والرأي من حدود(1*)


محمد المدلاوي المنبهي
الحوار المتمدن-العدد: 2020 - 2007 / 8 / 27 - 02:53
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


كثير من اللغات، ومنها الفرنسية والانجليزية، تميز بشكل واضح وجلي، ما بين المفاهيم التالية: الشخص"الجاهل" (ignorant = ignorant)، وهو مفهوم قدحي عام، والشخص "الأمي" (illiterate = analphabète) وهو مفهوم محصور ومضبوط يطلق على من لا يتوفر على مهارة تقنية هي مهارة القراءة والكتابة، أي مهارة التواصل اللغوي الطبيعي بغير النظام الشفهي-سمعي، وذلك بقطع النظر عن مضمون الخطاب من حيث كونه إما علما أو مجرد كلام عاميّ عاديّ؛ وأخيرا هناك مفهوم الشخص "العادي" أو العادوي layman = profane))، ويطلق- في سياق الحديث عن علم معين - على الشخص غير الملمّ وغير العارف بأوليات ذلك العلم، أي كل من ليس له نصاب من الدراية بذلك العلم، ولو كان عالما في فروع أخرى من المعرفة، كعالم الرياضيات غير العارف مثلا بقضايا الجيولوجيا أو الفيزياء أو طب الأسنان.

أسوق اليوم (أبريل 2001) هذه التمييزات والتحديدات ، التي كثيرا ما شغلتني، وذلك على إثر اللجاجة واللغو اللذين أثيرا مؤخرا (بداية سنة 2001) بالمغرب حول تفاهتين من التفاهات، التي يحفل بها الواقع اليومي لتدافع الناس في كل مكان وزمان.
أولى هتين التفاهتين كلام قيل عنه إنه شعر ، وثانيهما أحاجي مسلسل لرسوم كارتونية اتضح أنها تزعج الكبارَ في وقارهم وحكمتهم في الوقت الذي تسلّي وثـثيـر خيال صغار هذا الجيل كما كانت تسلي صغار جيلنا وتثير خياله وتشحذه أحاجي شخصية "مُّـي غويلة" ("أمنا الغولة") وأحابيل "الديب والكَــنفود" ("الذئب والقنفد") و"حديدّان ومديدّان"، وكذا عنف وبطش أبطال ما كان يروى في الساحات العمومية في أفنية الجوامع من الغزوات والسير، أولئك الأبطال ("سيف بن ذي يزن"، "عنترة العبسي"، "سيدنا على ورأس الغول"، الخ.) الذين يقطعون مئات الرؤوس بضربة ذات اليمين ومئات أخرى في ضربة ذات الشمال، ويعلقون ضحاياهم من أجفار أعينهم، وكما كانت تصطادنا في الطريق إلى المدرسة حلقاتُ رواة فنون "الزوابع والتوابع" التي تصور عالم الأفاعي من ذوات القرنين وذوات المائة رأس من خلال مقتبسات منقحة ومزيد فيها من أدبيات "دقائق الأخبار في ذكر الجنة والنار".

فأما الكلام المحمول على أنه شعر فهو قول الشاعرة حكيمة الشاوي على أمواج الإذاعة المغربية احتفالا باليوم العالمي للمرأة (8 مارس 2001) - والعهدة على من سمع ذلك وعممه في الصحف والمناشير - ما يلي : "ملعون يا سيدتي من قال عنك: من ضلع أعوج خرجت" (الأحداث المغربية 22 أبريل 2001 ، ص 6، والتجديد عدد: 160)، وأما المسلسل فهو مسلسل فئران، وهوام، وزواحف بوكيمون (Pokemon) ، أو أبو قيمون الذي اجتاح مؤخرا شاشات العالم، تلك الشخصيات الكارتونية المتحركة القزمة اليابانية الجنسية، التي تقول بعض المناشير الموزعة مؤخرا بأنها أصنام ناطقة أصلا باللغة العبرية، لغة الصهاينة !)) فحق الجهاد من أجل محاربتها دعما للانتفاضة الفلسطينية بعد ذلك الفتح المبين الذي هوت من خلاله الأصنام الصخرية الأفغانية البوذية العملاقة تحت ضربات منجنيق التوحيد على يد بعض مهربي الأفيون من "الموحّـدين" الطالبان، وذلك أمام ذهول العالمين، وصمت القيمين خطابيا على قيم الحضارة ، كما حصل حينما دكّ منجنيق أسلاف الطالبان من التتر ايام "هولاكو" و"جونكيزخان" معالمَ حضارة الإسلام في بغداد وخرسان، بعد أن مهّـد لهم جيل من مدمني حشائش الأفيون ممن سُـمـّـوا بسبب ذلك الإدمان بالحشاشين؛ ومع ذلك يقال بأن التاريخ لا يعيد نفسه! .
وأما الظاهرة الجامعة بين تفاهتي ما قيل إنه شعر، وما قيل إنه أصنام صهيونة تسب الربّ، فهي تهافت الفِـرق، والشيع، والطوائف، عليهما وتحويلها إياهما إلى مسائل جوهرية تمس مصير الأمة وكيانها، توزع بشأنها المناشير، وتلقى الخطب في الجوامع، ويُـستغاث بسلطان عاهل البلاد؛ فأُصدِرت فتاوىً، وصاحت قبائلُ صحفية، وردت عليها قبائل أخرى، إلى آخر ما هناك من مظاهر النزوع نحو الفتنة، التي امتدت قلاقلها من نقابات النسب (نقابات بعض الشرفاء، مثل الشرفاء الوداغير بـمدينة فيكيك) إلى النقابات المهنية، كــ"الهيأة الوطنية للعدول"، التي فضلت أن تنصّـب نفسها وصيةً على العقائد في الوقت الذي تتجرجر فيه المشاكل المهنية لأعضائها أمام المحاكم (أنظر "الاتحاد الاشتراكي"6 ماي 2001)، مرورا بكل من لا يميز بين حدود بداية المسؤوليات وحدود نهاية الصلاحيات.

وإذ أفضل الا أفصّـل القول في ما جاءت به فتوحات المجاهدين في سبيل الله والتوحيد ضد مملكة الطاغوت، "أبي قيمون"، من كشوفات ربانية في ميدان علوم اللغة والأديان والسياسة ، كالإدعاء الضمني بوجود القرابة بين اللغتين العبرية واليابانية! والادعاء الضمني بوجود قرابة أيديولوجية ومصلحية بين اليهودية والصهيونية التي قيل إن المسلسل الصبياني يروج لأفكارهما وتحمل كائناته أسماء لغتهما العبرية، وبين أحفاد من خسروا الحرب في محور النازية أي اليابان الذي هو منتج ومسوق تلك الكائنات؛ إذ أفضل الا أفصّـل القول في كل هذه السرياليات، فإني أؤجل بذلك تفصيل القول في أمر تلك المناشير التي يوزعها المتسللون إلى عالم الثقافة والفكر على العامة، وكذا بعض المغفلين من المعلمين على صبية المدارس ممن فتنتهم الشخصيات الكارتونية لمسلسل "أبو قيمون" (أنظر الإتحاد الإشتراكي: 28 أبريل 2001 ص : 11)، معنـّفين بخطابهم ذاك أسس الكيان السيكو-اجتماعي للصبية بالإفزاع والتأثيم والرعب والإرهاب الفكري المبكّـر، وهو رعب ستحتفظ به وبردود فعله السيكولوجية الموتورة والمتوترة ذاكرةُ الجيل لا محالة، ليفعل فعله في الكبر محمولا في الذهنية والسيكولوجيا على جوهر الدين والعقيدة والهوية التي صيغت تلك التأثيمات باسم قيمها جميعا (انظر http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=106690)، وذلك كما احتفظت ذاكرة جيل شباب السبعينات بأصداء تلك المناشير القيامية التيئيسية التي كانت تفسد عليهم حلم الصبا في نهاية الخمسينات وبداية الستينات بدعوتها (أي تلك المناشير) للناس للاستعداد لقيام الساعة، وظهور الدجال، و رفع القرآن، وحلول الظلام لثلاثة أيام قبل أن يغمر الطوفان الأرض، انطلاقا - كما تدعي تلك المناشير - من "أحاديث نبوية" متعلقة بالقرن الرابع عشر الهجري كموعد لقيام الساعة اعتمادا على علامات جفرية كان "المجدوبون" يهتفون بها في الأسواق والساحات العمومية في أفنية الجوامع، من قبيل قولهم في سجع كهان بالعربية المغربية الدارجة:

شتـــــــــْف هيتـْف * لكبير تلـْف ، وصّغير تلـْف
هادا قرن ربعطاش * لا هْنــــــا ، لا مــــــــــــعاش
لا معا-مْن تـّعاشـْر * ولا معا-مْـــــــن تـّــــباشْــــــر
لمْـرا زوّلـت لـّـتام * ولحمارا دارت لـّـــــجـــــــام
سّـلوكي ولاّ نبـّاح * ولفقيه دار لمضمّا ولاّ شطّاح
شتـــــــــْف هيتـْف * لكبير تلـْف ، وصّغير تلـْف

ومعناه
"شاطاف هاطاف" * كبير السن ضلّ، وصغير السن ضلّ
إننا في القرن الرابع عشر * لا هناء ولا معاش
ليس هناك من هو أهل للمعاشرة * ولا من هو أهل للمباشرة
فالمرأة قد أماطت اللثام * والأتان قد اتخذت اللجام
السلوقي أصبح ينبح * والفقيه تمنطق وأصبح راقضا
"شاطاف هاطاف" * كبير السن ضلّ، وصغير السن ضلّ

وبناء على إحجامي ذاك، حرصا على وحدة الموضوع، فإن إشاراتي وملاحظاتي ستتركز على ما دار حول ما نسب إلى الشاعرة أمينة الشاوي من سباب ومعايرة تتعلق بقصة "خلق المرأة من ضلع ". إن أول ما سمعت بقصة الخلق هذه كان أيام الصبا في حلقة غناء لشاعر شعبي متجول من طائفة "الروايس" الأمازيغيين، بسوق ثلاثاء المنابهة ببلاد سوس. كان الرايس يغني على نغمات ربابه السوسي الوحيد الوتر، والشجي الجرس والاثر، قصة شخصية سماها "سيدنا عقمان"، وهي قصة أدركت الآن أنها ضاربة في القدم، إذ تتداخل فيها عناصر من اليهودية، والمسيحية، والإسلام، في مزيج ثقافة شعبية خارجة عن الزمان والمكان، ومغزاها يتمحور حول تصوير خِـصل عدم الوفاء لدى النساء كما تصورها الثقافة السائدة. ومن الأبيات التي أحتفظ بها من تلك القصيدة والتي صيغ مضمونها في قصائد أخرى من نفس الغرض قوله:

ماخّ ور د اغزديس يكُــنان ا-يگان امود * اوا ن-حوّا ياف يبليس اسمون يدوم
ومعناه :
"أليس الضلع الأعوج هو الشتل * التي انـبـثـقت منه حواء، فوجد إبليس أنيسه الدائم؟"

لقد آمنت حينئذ بالقصة وبمغزاها، كما آمنت بمغازي قصص الغزوات والسير التي تداخلت بعد ذلك مع زادي المدرسي الأولي في تكامل وتشابك وتناصّ غني ومعقد، لا يجرؤ على التساؤل بشأنه من تلقى تربية حسنة أساسها الطاعة والتصديق كأصل: تصديق الوالدين، وتصديق الكبار عامة، ومنهم المعلم، والفقيه، والمجدوب، والشاعر الشعبي الحكيم صاحب ما يسمونه "علم الكرش" ("الكرش" هو "البطن"؛ والمقصود "علم الباطن" الذي اختلط أمره عليهم فسموه "علم البطن")؛ ومن تجرأ على كل هؤلاء بالتساؤل فهو "مسخوط ربّي".

عادت قصة الخلق بعد ذلك بنحو ربع قرن لتتقاطع مع بُعد جديد مكتسب من حيز وعيي وتصوري، حينما قررت ذات يوم أن أوسع أفق علمي بالواقع من غير وسطاء من الرواة في ميدان نصوص التنزيل، وذلك بقراءة التوارة في نصها الأصلي. فتوجهت وأنا حينئذ بباريس إلى "زقاق الورود" (Rue des Rosiers) فأديت مبلغ 150 فرنكا فرنسيا بمكتبة بيبليوفان (Bibliophane)، وهو ثمن النسخة العبرانية حينئذ من كتاب التناخ (תנך)، أي التوراة والأنبياء والكتب. ولما وقفت على الآية 21 من الفصل الثاني من سفر التكوين (בראשית) وجدت مايلي : "(21) وايـيـفـيـل يـهـواه إيـلـوهـيـم تـارديـمـا عـال ها أدام وايــيـشـيـن وايـيـقّـاح أحات مـيـصّـالـعـوتـاو وايـيـسـجـور بـاسـار تـاحـتـيـنا (22) وايـيـبـيـن يـهـوا إيـلـوهـيـم إيـت هـاصيـلاع أشـيـر لاقـاح مـيـن هـاأدام لإيـشـا وايـبـيـئـها إيـل هـاأدام".(*1) ومعنى هتين الآيتين: " (21) ثم أوقع الرب، الله، آدمَ في سبات فنام، فانتزع إحدى أضلاعه وكسا مكانها لحما.(22) ثم صور الرب، الله، الضلعَ التي انتزع من آدم امرأةً فعرضها على آدم". (قارن بمختلف الترجمات العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية اوالإسسبانية ... إلخ).
إن توالي الوقوف على مظاهر من هذا القبيل مما يسميه الأدباء المعاصرون بالتناص (intertextualité) بين قصيدة أمازيغية يغنيها مغنّ غزواتي (troubadour) سوسي بربابه في حلقة شعبية ملؤها الطرب والخشوع والاعتبار، في سوق أسبوعية من أسواق قبيلة المنابهة من بني معقل بــ"سوس العالمة" حسب تعبير الحاج المختار السوسي، وبين إصحاحي الفصل الأول من سفر التكوين من جهة أخرى، لـمِن بين الأمور التي رسخت لدي الشعور بمحدودية باع "معرفةٍ" قائمةٍ على مجرد عنــعنــةٍ وحيدة البعد، وقوّت عندي الإحساس بزيف أي قناعة، وهشاشة أي شخصية فردية أو جماعية تقوم على ذلك النوع من "المعرفة" على سبيل الحصر.
ولقد حصل لدي نفس الشعور وأنا أقرأ "قصة داود والعنكبوت" الواردة في الأدبيات الهكَـادية اليهودية؛ ومفادها أن داود رأى يوما ورودا جميلة في رياض أبيه، فقال : רבונו של עולם، מה יפה עולמך ("يارب العالمين، ما أبهى خليقتك"). ثم ما لبث بعد ذلك أن رأى عنكبوتا بشعة المنظر فقال : רבונו של עולם، למה בראתה את העכביש ("يارب العالمين [لكن] لمَ خلقت العنكبوت؟"). ولما هم شاوول قائد بني إسرائيل (المسمى "طالوت" في القرآن الكريم)، لسنوات بعد ذلك، بالإيقاع بالنبي الشاب داود، خوفا من انتقال قيادة بني إسرائل إليه بعد ما حققه من شعبية إثر قتله في المبارزة للقائد الفلسطيني القوي حينئذ المدجج بأثقل السلاح من درع وخودة ومجن، وذلك بمجرد حجارة مقلاعه باعتباره شابا راعيا، حسب ما جاء في التاناخ، أسر ابن ذلك القائد، جوناتان، الذي كان خليلا حميما صديقا وفيا لداود، الي هذا الأخير بما يخططه أبوه شاوول، ثم نصحه بالفرار والاختباء في مغارة من المغارات بالعراء. ولما خرج جُند شاوول للبحث عن داود لقتله، لم يتركوا كهفا ولا شعبة إلا مسحوها. ولما وقفوا على مدخل المغارة المعنية وجدوا نسيج عنكبوت مضروبا عليه فانصرفوا، فنجا داود.
ولما رأى داود تلك المعجزة اعتبر فقال ربطا لتجارب الحاضر بتجارب الماضي: "يارب العالمين، ما من شيء خلقته، إلا ولحكمة خلـقـته". وبذلك كُـتب له أن أتم رسالته، وحقق ملكه. المهم في كل هذا هو إن كل مطلع على تراث أدبيات السيرة في التراث الإسلامي سيدرك لامحالة قوة التناص القائم على أساس سيناريو المغارة والعنكبوت أو الحمامتين، وليس المقام مقام تفصيل القول في أوجه هذا النتناص. صحيح أن الكتب السماوية منظومة متناسخة، وأن اللاحق منها جاء مصدقا لما بين يديه وناسخا له، كما بين ذلك بالحجة الكلامية، والعلم المتعدد الأبعاد، العالمُ الكبير، السموءل بن يحيى بن عباس المغربي (ت570هـ) في كتابه في المناظرة "بذل المجهود في الرد على الـيهود"؛ إلا أن الأمر بالنسبة للمغارة والعنكبوت يتعلق بتناص قائم ليس مع نص العهد القديم، المقنن والمعترف به من حيث المبدإ كنص تنزيل من طرف الديانات الإبراهيمية الثلاث (من يهودية ومسيحية وإسلام) ولكن مع مجرد الأدبيات الهكَـادية أو ما يسمى بمكتوبات الربيين المتأخرة عن مرحلة تدوين العهد القديم، أي ما هو بمثابة روايات الآثار والسير في الإسلام. صحيح كذلك أن كثيرا من أهل الكتاب كانوا قد دخلوا الإسلام في مرحلة مبكرة من مراحل تكوّن الفكر الإسلامي حاملين معهم زادهم المعرفي والثقافي الغني والقوي حينئذ بالقياس إلى زاد من دخل الإسلام من وثـنـيـي الجزيرة، وأن دخولهم الإسلام، إذا كان من شأنه أن يغير سلوكاتهم فيما يتعلق بفقه العبادات والمعاملات وفيما يتعلق بأسس تصور العقيدة من الأركان، فإنه ما كان من الممكن أن يخلصهم ويقطع صلتهم الذاكرية قطعا بزادهم من ثقافة المتخيل والتمثيلات التي كانت تتداخل حينئذ مع الثقافة الإسلامية الناشئة. إلا أن علوم العقيدة، وعلوم الصحف الأولى، وعلوم الملل والنحل، مما ظهر في ساحة الثقافة الإسلامية، لم تفرز نظرية معينة متماسكة حول طبيعة ومعالم هذا التداخل وهذا التناص، يتضافر فيها علم التاريخ، وعلوم الناسخ والمسنوخ، وعلوم تحقيق الكتب المقدسة، وخطوات تواريخ تقنينها وتوقيفها، والتمييز بين المقـنَّـن المخرج منها والمجرَّح والمستدرك (appocryphe). كل ما تم إفرازه هو موقف قناعي مطلق يصدر عن حكم أولي بديهي هو من قبيل أحكام علم التحقيق، ألا وهو الحكم "بالتحريف" - بمفهومه الحرفي- على المتداول منذ ظهور الإسلام من مصاحف التوراة والإناجيل، مع إضافةِ نظريةٍ للمؤامرة يُجملها مفهوم فضفاض هو "الإسرائيليات" يجرّح به كثير مما "لا يروق" من الأحاديث أو الآثار أو التفاسير في إطار فترة معينة وفرقة معينة. وبقي متوسط معرفة "المحققين" من الأولين والآخرين بتلك الساحة في هذا الباب لا يتعدى ما لخصه الشيخ محمد بن أحمد بن إياس الحنفي المصري (القرن العاشر الهجري) في ميثولوجيا كتابه المسمى "بدائع الزهور في غرائب الدهور"، الذي ما يزال يعاد طبعه بآلاف النسخ إلى اليوم كأهم مصدر من مصادر تحقيق الخبر في الملل والنحل.(*3) ولقد بـيـنت هذا بالتفصيل في عرض بملتقى مراكش حول اللغات والحضارات الشرقية الذي نظمته كلية الآداب بالرباط ( 22-25 ماي 1997) تحت عنوان" المعرفة بالكتب والصحف الأولى، ما بين الرأي والبينة".

بالرجوع إلى قصة "خلق المرأة من ضلع آدم"، بما يقوم على أساسها من تناص غريب ما بين قصيدة "سيدنا عقمان" الأمازيغية للرايس السوسي بألحان ربابه ذات السلم الخماسي (pentatonique) وما بين "سفر التكوين" من الـتوراة العبرانية، المتواترة بالخط المهمل منذ أكثر من ألفي سنة، والموقوف ضبطُها بعد ذلك من حيث نَـقـْطي الإعراب والإعجام منذ قيام الحركة الماصورية في القرنين السابع والثامن الميلاديين، المعاصرة تقريبا لحركة ضبط الخط الكوفي المهمل، بما يعنيه كل ذلك من واقع تناصي نسجتـه القرون والحقب، وتوالي الأجيال، وتبدل الأحوال، وتناسخ الملل والنحل وتداخلها مع الثقافات المحلية في كل مكان، على شكل موروثـات ثقافـيـة متداخلة الطبقات "الجيولوجية"، مثل ذلك الكلام الموروث المتعلق بخلق المرأة والذي تـتـقاطع فيه المعرفة العالمة بالثقافة الشعبية والشعارات الشعبوية، والذي تبرّمت من بعض حمولاته "الذكورية" الشاعرةُ حكيمة الشاوي (الأحداث المغربية ، 30 أبريل 2001) من خلال ردّ فعـلِها الشتمي والسِـبـابي، الذي يرسخ على كل حال ثقافة المرأة التقليدية في حُــلة لغة الألفية الثالثة؛ بالرجوع إلى ذاك الكلام العادي الذي يمكن أن يسمع مقابلـُه بالعربية الدارجة أو بالأمازيغية في كل حلقة أو حمّـام، يقف المرء مشدوها مرتبكا وهو يقرأ في الصفحة السادسة من جريدة الأحداث المغربية ( 22 أبريل 2001) ما يلي في إطار الضجة التي أحدثها البيت الشعري غير الموفق فنيا الوارد في قصيدة الشاعرة المذكورة :

"(...) وهو التفسير الذي لا يؤيده أحمد الريسوني، أستاذ المقاصد الإسلامية بجامعة محمد الخامس ورئيس حركة التوحيد والإصلاح، حيث يرى في تصريح لتوفيق بوعشرين أن الشيء المؤكد هو أن القصيدة اقتبست عباراتٍ من أحاديث نبوية معروفة، فيها الصحيح بلا جدال مثل الحديث [القائل] : ("..."). و[مثل الحديث المروي] عن أبي هريرة أن النبي قال :" المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإنك إن أقمتها كسرتها وإن تركتها تعش بها وفيها عوج"؛ وإسناده صحيح (و) إن لم يرد في الصحيحين".

ولا شك في أن مثل هذا الجنوح الآلي إلى حملٍ مقصودٍ لأمور تافهة، في حد ذاتها باعتبارها وقائع، إحالة مقصودة لدلالاتها على المرجعيات الدينية والهوياتية الحساسة بالنسبة للجمهور والسواد، وفق محورٍ من العنعنة أحاديّ البعد يدرِج تلك الأمور مباشرة على صعيد الخلافات العقدية الكبرى، هو ما جعل كثيرا من الناس - في مناخ اجتماعي وسياسي يتميز بتقاطب ثـنائي في الشارع وفي الصحافة والمؤسسات قائم اليوم حول ما يرمز إليه الثـامن من مارس من كل سنة في قاموس سيميولوجيا حرب ما سمي بــ"خطة إدماج المرأة في التنمية" بالمغرب - هو ما جعل ذلك الجمهور وذلك السواد يصرفون بسهولة قول الشاعرة، غير الموفق أدبيا على كل حال، إلى وجهة مرجعية معينة، ويحملونه محْملاً ما كان ينبغي له نظرا لما أشرنا إلى بعض أوجهه من تناص معقـد، ما كان بوسع جيل المحدّثين من واضعي أسس التحقيق من "ترجيحات المتن والسند" و "تجريحاتها" فكُّ تداخلاته في الماضي، بينما انصرف الجيل الحالي من الخاصة- الذي سخر الله له تكنولوجيا علم التوثيق ومعالجة المعطيات والمعلومات ويسرها له بفضل علوم وتقنيات أمثال كوتمبرغ (Gutemberg) وبيل غيط (Bill Gate) – وأحجم عن الاشتغال بالعلم بما هو "علمُ دارية" وليس خطابة ورأيا، مكتفيا ببعض الرواية الانـتـقـائـيـة، لأنه نزّاع ميال، بحكم تكوينه وثقافته، إلى مجرد إصدار الأحكام المغلظة فأخذ يبثها اليوم عبر ما وفرت له تلك التقنيات من سبل للنشر والتعميم يتكلف غلاظ القفا من جيل شباب انقطع عنه سندُ العلم بتشغيلها لصالح ذلك الجيل من "الخاصة".
وهكذا، فزيادة على ما حصل من نقل نازلة الضلع - وماهي بنازلة - إلى منابر الجوامع، يقف المرء صدفة في ركن لتصوير الوثائق بمؤسسته الجامعية، فإذا بطائفة من الطالبات المتفاوتة درجات السفور أو الاحتجاب ينتظرن الدور للحصول على نسخة من منشور وضع في المكان عنوة رهن الإشارة ويتم تصوير النسخة منه للعموم بعد دفع الثمن. إنه منشور وأي منشور! إنه نداء واستغاثة من نوع "وامعتصماه!"، مرفوع إلى "مولانا أمير المومنين محمد السادس، على يد كل من وزير الأوقاف، ووزير العدل، ووزير الداخلية، تحت إشراف كل من رئيس المجلس العلمي ووالي الولاية". إنها وثيقة صادرة عن نقابة للشرفاء بظهير تاسيس رقم 257 بتاريخ 1368هـ. لقد أصدرها محررها النقيب "المزوار"، ومتولي جمع توفيعاتها المفتوحة للعموم، من المنقبـيـن وغير المنقبـين، بمن فيهم من فئات سائر المواطنين غير الشرفاء، وذلك بفاتح أبريل من سنة 2001، غير مبـال بما يلصقه المغرضون بهذا اليوم من أيام الله من رموز تتعلق بالصدق والكذب، خصوصا وأن الوثيقة تدعي بأنها صادرة "عن الشرفاء، والأعيان، والفقهاء، والاساتذة، وكل القوى الغيورة على الدين والوطن من ساكنة المغرب الشرقي". تقول الوثيقة، من بين ما تقول، باسم الاساتذة، و ... كل الغيورين مخاطبة عاهل البلاد:

"لقد اهتزت مشاعر المواطنين المؤمنين من رعاياكم وهم يستمعون على أمواج الإذاعة الوطنية لشعر نظمته المسماة حكيمة الشاوي بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، يوم 8 مارس، وضمنته لعنا صريحا لمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألبست بذلك لنفسها عار الكفر والردة...". (راجع تصريجا بالتتكفير بهذا الصدد في http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=106690)

إن السياق ليؤكد، إذن، ما كان يغلب على الظن – مع أن بعض الظن إثم - بأن هذه الهرولة الـفاقدة للصواب ليس فقط فيما يتعلق بجوهر موضوع المنشور المذكور ولكن حتى في شكل صياغته كذلك من حيث بديهياتُ حقِّ النطق باسم الآخرين من هيئات أو فئات، وهذا الجنوح الاستعجالي لحمل كلام - هو إلى اللغو أقرب - محمل الأمر الجلل الذي يـُستنفر له جلالُ المُلك وهيبةُ السلطان، ولصرف ذلك الكلام في الأذهان، وبمقتضى الأحكام المرجعية المؤطرة للخطاب، إلى ما يوجب التكفير على طريقة أيام تـُـهَـم الزندقة - وهي الوجه القديم لتهمة "كل ما من شأنه"، وإلى ما يرجى من وراء ترسيخه فيها من استعداء مباشر لسواد العامة على من يتم تكفيره من خلال كل ذلك، إنما مردهما إلى حُـمّى المناخ السياسي-الاجتماعي الذي تقاطبَ مؤخرا (2000-2001) حول موضوع "مهارشة الذكر والأنثى" المدعوة رسميا بمسألـة "خطة إدماج المرأة في التنمية"، والتي ضَبطت إيـقاعـاتِـها رقصاتُ مسيرة مدينة الرباط الحداثية، وجدباتُ مسيرة البيضاء الإسلامية، في ظل واقع شلت فيه مبادرات أغلبية النخبة السياسية و عجزت فيه النخبة الفكرية من القبائل "التقليدية" و"الحدايثة"، على السواء، عن التأثير في ساحة الذهنيات من خلال إفراز "معرفة عالمة"، وفرز لتلك االمعرفة فرزا منهجيا عن "الموروث الثقافي" الذي يتسلل إلى قوالب العلم وخِـطاباته كما تـتسرب ريح العدوى.
وأذكر بصدد هذا القبيل من التسرب سلسلة من المقالات القيمة لكن اليتيمة، كان قد نشرها الاستاذ محمد يتيم منجّـمةَ على أعمدة جريدة "التجديد" (نوفمبر-ديسمبر1999) قبل أن يعيد نشرها مجتمعة سنةً بعد ذلك (ديسمبر 2000) في العدد 21 من سلسلة "كتاب الجيب" من "منشورات الزمن" تحت عنوان "الحركة الإسلامية بين الثقافي والسياسي"، وقبل أن تُـغمرَ أفكار تلك المقالات وتـتـيتّـم وتـُحجب روحُها في غمرة التدافع السياسوي الذي انخرط فيه صاحبها وأصحابه فيما بعد، وينعدم تفعيلها في الواقع السلوكي الملموس، الذي أصبح وقد استبد به نفس ذلك القبيل من الخطاب الذي سوقـته الشاعرة الشاوي، أي عبارات السب والشتم ولو في حق غريم غير مسمى! وليسمح لي الأستاذ يتيم بأن أورد مسالك من أقـوالـه، ولعلي كنت قد راسلته في هذا الشأن فلم يجب لا بأحسن من التحية ولا بمثلها. يقول:

"لا تزال استجابة النخبة لكثير من المواقف تتشابه في كثير من الخطوط مع استجابة الرجل العادي ورجل الشارع البسيط" ("الحركة الإسلامية..." ص5). "كما أن ظواهر مثل الاختلاف والانقسام والتجزئة وسلوك الإقصاء ومصادرة حق الآخر في التعبير والوجود...إلخ، تخترق الجسد العربي والإسلامي ومكوناته بمختلف أسمائها ومسمياتها بغض النظر عن انتماءاتها السياسية والايديولوجية. ويكمن الفرق أحيانا في (...) [مفردات قاموس] خطاب الإقصاء؛ إذ قد يكون اتهاما بـ "الرجعية" أو "الظلامية"؛ كما قد يكون اتهاما بـ "الزندقة" و"الكفر" (نفس المرجع). ويقول الكاتب في مكان آخر :"فالمتأمل في الأمثلة السابقة يلاحظ أن عالم الافكار والمعرفة الذي تمثله اليوم النخبة المتعلمة، ما فتئ يتأثر بالمواقف والأحاسيس والمسبقات الجماعية والرواسب التاريخية، أي أنه لم ينجح بعد في إعادة صياغة الثقافة" (نفس المرجع،ص 10). "فإذا أخذنا مجال التفسير نجد أن بعض التفاسير القديمة ذهبت إلى أن قوله تعالى مثلا (وليس الذكر كالأنثى) تقريرٌ لأفضلية الذكر على الأنثى (...). ومعلوم أن قراءة النص الديني بتلك الطريقة لم يكن سوى تعبير عن انتفاضة "ثـقافة" لم تكن تعير المرأة اعتبارا" (التجديد 24 نوفمبر 1999).

إن كل هذا يعود بنا إلى ما استهللت به هذا المقال من "ضرورة فرز المفاهيم" وترسيخ الغائب منها، لفظا وغاية، كمفهوم الفكر العادوي (opinion profane)، المقابل لمفهوم "الأمية" من جهة، باعتبار هذه الأخيرة مجرد عدم اكتساب مهارةٍ معينة من المهارات التقنية، هي مهارة القراءة والكتابة (على غرار مهارة السياقة أو تشغيل الحاسوب مثلا)، والمقابل من جهة ثانية لمفهوم "الـتـفـقه والعالمية" في ميدان محصور من الميادين، باعتبار التفقه يعني الاقتدار على الإحاطة الموضوعية، وغير العاطفية، بجوهر وعوارض موضوع معين، في الطبيعيات، أو البرهانيات، أو الانسانيات، أو الشرعيات، وذلك عن طريق بذل الجهد، والمراجعة، والمسائلة الدائمة، المنفتحة على التعديلات النسبية للأحكام على ضوء اتساع إحاطة الاستقراء بالمعطيات، أي أنه يتعين "بذل المجهود لإعادة رسم ما بين العلم والعامية من حدود".
ذلك أن تفاهتي حشرات سلسلة "ابي قيمون"، ونازلة "خلق المرأة من ضلع آدم"، قد بينتا، بشكل كاريكاتوري وسخيف، إلى أي مدى استشرى واستفحل تداخل الفكر العامي العادوي، ضمن ما هو مروّج ومسوق حاليا، بما هو محسوب على الفكر العلمي، في مناخ من الكسل و من ثقافة التبرير الجبرية، "التي تعلـق دائما أخطاء الذات وسلبياتها وعجزها على معطياتٍ هي خارج الإنسان، فتؤله بذلك حتميات اجتماعية، أو الاقتصادية، أو طبيعية، أو قوى دولية" (محمد يتيم ، "التجديد" 5 أبريل 2000). وفي مقدمة هذه القوى الدولية المؤلهة كما يؤله العامة قوة الشيطان، ينتصب ذلك الصنم الجديد الذي آمن به، على سبيل الشرك والإشراك في صفات القدرة المطلقة (omnipotence) والعلم المطلق (omniscience) والوجود المطلق (omniprésence) كلُّ من يعتبر هذا الصنم موجودا في كل محفل ومكان، لا نهائي العلم والقدرة، ويجري من الفرد ومن الجماعة مجرى الدم، ويـطّـلع على محاضر التجمعات وسرائر الافئدة - سبحانه تعالى عما يصفون، إذ ليس كمثله شيء لا من الانس ولا من الجانّ!- ألا وهو صنم الصهيونية، الذي ضبطه أصحاب الرقى والتعاويذ من الدعاة وخطباء المدرجات المنابر والأسواق والفضائيات والأقراص المدمجة يتسلل متنكرا في صور فئران وأرانب "أبي قيمون" ليلقن أبناءنا، عبر لغة شيطانية هي مزيج من العبرانية واليابانية!) ) عبارات من قبيل "أنا يهودي"، "إن الله ضعيف"، "كن يهوديا"، "أمنيتي أن أكون يهوديا"، "إن الله بخيل" ، "إن الله غبي" ("الإتحاد الإشتراكي" 21 أبريل 2001).
وإذ تقول القاعدة السيميوطيقية الفقهية بأن "حاكي" الكفر ليس بكافر، فإنه لا يسع المرء إلا أن يتساءل، بجد وبكل صفاء ومجرد فضول معرفي، عما عسى أن يكون عليه ضمير من "صاغ" هذه العبارات التجذيفية من السفهاء صياغة أولى مهما كانت نيته، تلك العبارات التي لا يُـتصور سبٌّ أو شتم أوغلُ منها في الجاهلية الجهلاء، وفي الإلحاد الشعبوي الذي يصبح معه إلحاد الفيلسوف الألماني "نيـتــشه" تصوفا. أم أن المنشور الذي يحمل هذه العبارات والذي وقـِّع باسم "أخ في الله ناصح يرجو منكم الدعاء له" إنما هو من منشورات الصهيونية المدسوسة والرامية إلى تشوية الفكر والعقلية الإسلامية؟. إنه ما كان قد سماه السيد محمد يتيم "التفسير الـتآمري لأحداث التاريخ. فالإخفاقات تفــسر بمكر الصهيونية العالمية، والامبريالية الأمريكية، والصليبية العالمية وهلم جرا" ( محمد يتم؛ "التجديد" 5 أبريل 2000). ألا إنه يتعين "بذل المجهود لإعادة رسم ما بين العلم والدجل من حدود".

ولعل ما سهل وعمق التداخل والتلابس ما بين دجل الفكر العامي والعادوي من جهة، وبين قوالب الفكر العلمي من جهة ثانية، الأمورَ التالية، أسوقها على سبيل الظن والتخمين ورأيي الشخصي العادوي في هذه النقطة بالضبط، أسوق رأيي العادوي غير المختص هذا استفزازا لعلمائنا في الأنثـربولوجيا، والاجتماع، والعلم بالواقع عامة، الذين ما زلنا ننتظر أن نقرأ لهم في هذا الميدان السوسيو-معرفي، لا في ميدان طقوس الدفن، أو رمزيات طعام العزاء في المجتمعات ما-قبل-الصناعية مثلا، فأقول :
إنه ليخيل للمرء بأن الثقافة العادوية العامية كانت لها في الأجيال السابقة فضاءات خاصة أهمها الحلقة العمومية، في الساحات والأسواق، كتلك الحلقة التي سمعت فيها لأول مرة قصة خلق المرأة من الضلع من خلال قصيدة "سيدنا عقمان" الأمازيغية، وهي مؤسسات اجتماعية وظيفية كانت تقوم بتصريف قيم وخطابات معينة، كانت لها حواملها الخاصة بها، هي الأدوات الشفهية، من عربية دراجة، وأمازيعية، وما أنتجتا من موروث على صيغة مرددات وأمثال، وغزوات، وجفريات، ورباعيات، وسير وأزليات...الخ. وإذ توسع استعمال مهارة الكتابة والقراءة من جهة، والتحكم في مظهر من مظاهر العربية الفصحى من جهة أخرى، تلك اللغة التي كانت أداة المعرفة العالمة وحاملها مما أكسبها هالة خاصة تضفي منها على كل ما صيغ وفق غريب قاموسها ومرهف قواعد إعرابها؛ وإذ ضاق المجال العمراني والاجتماعي إلى درجة اختفت معها ساحات مؤسسة "الحلقة" من دون أن تتأسس مؤسسات ثقافية بديلة، فاعلة ومؤطرة، من مسرح وأوبيرا ونواد وغيرها، فإن المضامين والوظائف السوسيو-ثقافية التي كانت تقوم بتصريفها مؤسسة "الحلقة" قد تسربت إلى فضاءات أخرى كـالكُــتّـاب، والجريدة، والجامع، والجامعة، وذلك في حُـلّـة تحوز أبهة القلم وهيبة اللغة الفصحى، على أعمدة الصحيفة، و مدارج المدرج، و من على المنبر؛ بدل مشهد افتراش الارض الغبراء بجوار العشابين والبهلوانيين ومروضي الثعابين.

إن هذه المشروعية المزيفة التي انتحلت لباسَها الثقافةُ العامية والعادوية فاقتحمت بها متنكرة محافلَ العلم، هو ما حوّل ما كان تفكيرا شعبيا له سماته الشكلية التي كان يعرف بها وينماز، وله وظائفه السوسيو-ثقافية التوازنية والوسيطة، إلى عملة مزيفة تمكن قوتها الإبرائيةُ المزيفةُ الدجالين من العامة ممن يحسنون القراءة والكتابة، من الخوض خوضا شعبويا فتنـيا في أمور الدين والدنيا بغير علم، فيفـتون في البيداغوجيا، والدراما، والبيولوجيا، والاقتصاد، وعلم اللغة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وفي الملل والنحل، والعقائد، والمقاصد، والأحكام، ... إلخ، مع ميل مخزني - كما جبلت على ذلك العامة في كل زمان - إلى اختزال أحكام الشرائع الخمسة الممكنة عقليا، بحدّها الأصلي وهو "المباح"، وحدّها الأقصى الموجَب وهو "الواجب"، وحدّها الأقصى السالب وهو "الحرام" أو "الممنوع"، وحدها الأوسط الموجَب وهو "المندوب" أو "المستحب"، وحدّها الأوسط السالب وهو "المكروه"، إلى مجرد حدين ثنائيين مانويين، هما "الفرض" الذي يـُـعاقـب على تركه، و"الحرام" الذي يـُعاقــَب على فعله، لاغين بذلك كل المسافة العريضة التي تركتها نظرية أحكام الشرع لتدبير عالـَم أخلاق المدينة من نظم سلطانية، وتقنيات تربوية، وبيداغوجية، وتنظيمات اجتماعية مدنية ومهنية، وفنون هندامية وإبداعية ...إلخ، وهي المسافة الممتدة ما بين المندوب المستحب، الذي يـُـتاب على فعله ولا يعاقب على تركه، والمباح الذي لا يُـتاب ولا يعاقأَب لا على فعله ولا على تركه، والمكروه الذي يتاب على تركه - والأعمال بالنيات-، ولا يعاقب على فعله.

إن الجنوح الواعي أو غير الواعي إلى الإستثمار المخزني لصفة "التمشيخ" بالشكل الذي صوره "ابن المؤقت" في "الرحلة المراكشية" لدى شيوخ الزوايا في عصره هو الذي يدفع إلى سيادة فكرٍ شرعيٍ أرضيته ثقافة مخزنية قوامها ثنائية الأمر والنهي، وتـُـلغَى فيه مسافة اليسر الممتدة ما بين المكروه والمندوب، مرورا بعالم المباح الذي هو الأصل في الأشياء، إذ الأصل في الأشياء الإباحة كما تقول أصول الفقه. إنه الفكر المزدكي المانوي لكن بتبسيط بغير علم. والمقصود هنا بـ"العلم" - حينما يتعلق الأمر بنوازل من قبيل تلك التي عجلت بتحبير هذا المقال، ليس هو فقط علوم الشرع المقصودة لذاتها من حيث هي "علوم رواية وعلوم ودراية"، ولا فقط ما يرتبط بتلك العلوم من حيث توقف تحصيلها عليه، أو ما كان يسمى بــ"علوم آلة" (من لغة، ومنطق، وأصول،)، بل المقصود كذلك، وبالخصوص، ما يسميه السيد محمد يتيم بــ"العلم بالواقع"، وذلك إذ يقول : "فالاجتهاد ليس فقط عملية تطويع تعسفي للنص و لعنقه حتى يتماشى مع الأمر الواقع، ولكنه عملية استكناه لأبعادٍ ما كانت لتتكشـف في عصور سابقة، ولذلك احتاج الإجتهاد إلى عنصر ثان يضاف إلى علوم الشريعة، وهو علم الواقع بابعاده المختلفة، طبيعية كانت أن إنسانية اجتماعية..." (يتيم؛ التجديد 1/12/1999).

رسالة الاستخلاف والغياب عن أوديسا لفائف البحر الميت
ومن بين مظاهر العلم بالواقع، من حيث أن التاريخ عامة وكذلك تاريخ الأفكار جزء من معطيات الواقع، هناك مثلا العلم بوجود "قصة المغارة والعنكبوت" في الأدبيات الهاكَـادية اليهودية، وكذلك العلم بوجود قصة "خلق المرأة من ضلع آدم" في التاناخ أو العهد القديم، وذلك قبل الشروع في التفسيرات والتأويلات، وقبل الإسراع إلى صرف الكلام وحمله على ما يستعدى من وراءه إصدارُ الأحكام المغلظة بالكفر والزندقة و"كل ما من شأنه أن ...". إن كثيرا من الأوجه الممكنة لهذا العلم بالواقع قد غيبته عجرفةٌ من بقايا ثقافة الجاهلية على مستوى أمة بكاملها - وهي الأمة التي تؤمن مع ذلك، برسالة "التكريم" و"الاستخلاف" و"الوسطية" و"ختم الرسالات" - وذلك حينما أخلت هذه الثقافة، على سبيل المثال مرة أخرى، إخلالا تاريخيا، بفرض، هو فرض كفاية على الأقل، من العيار التاريخي، حينما لمعت تلك الأمة بغيابها، وتقاعست عن انتداب الخبراء المحققين للمشاركة في تحقيق ودراسة مخطوطات "لـفائـف البحر الميت" (Dead Sea Scrolls)، التي تطرح اشكالات جوهرية بالنسبة لمدى تاريخانية الناسخ والمنسوخ ما بين المسيحية واليهودية، والتي لم تساهم فيها أمة ختام الرسالات إلا من خلال ما قام به بعض الرعاة الذين عثروا صدفة على جرّات اللـفـائـف الأولى أثناء بحثهم عن شياههم الضالة في بعض المغارات بفلسطين، أو من خلال ما قام في الجهة بعد ذلك من شبكات مافيا المهربين الذين اتجروا بعد ذلك في تهريب ما يتم العثور عليه من تلك اللفاثف يشترون بها ثمنا قليلا خلال الاربعينات من القرن العشرين لدى شياطين الغرب الماديين من ألمان وفرنسيين وانجليز وأمريكان ورواد مستوطني الحركة الصهيونية. وتحضرني بهذا الصدد قصة "حسن ظاظا" مع اللغة العبرانية في بداية الاربعينات كما رواها في العدد 244 (فبراير مارس 1997) من مجلة الفيصل السعودية؛ وهي قصة ذات دلالة، انطلقت من رسالة الماجستير التي ناقشها ظاظا في الجامعة العبرية بالقدس بتقدير "ممتاز" كما يقول، وذلك حول "أثر الفكر الإسلامي في الفكر العبري في إسبانيا الإسلامية". ومما جاء في القصة ما يلي :

"... وكان من المفترض أن أكمل دراستي في الجامعة العبرية؛ ولكن حدث أن عدت إلى مصر في إجازة بعد حصولي على الماجستير بعد أن سجلت موضوع رسالة الدكتوراه، فأخبرني وزير المعارف الاستاذ عبد الرزاق السنهوري باشا، وكان مستشار الصياغة لميثاق جامعة الدول العربية، أن استمراري في الجامعة العبرية قد يمثل اعترافا بوجود علمي وأكاديمي لإسرائيل في فلسطين وهو ما يتعارض مع توصيات جامعة الدول العربية التي لم يكن قد صيغ ميثاقها بعد، وخيرني بين إكمال دراستي في مصر أو الانتظار حتى تنتهي الحرب لأسافر في بعثة إلى الخارج، ففضلت الانتظار حتى جاء التحاقي بالسربون...".

إن مختبرات الفيلولوجيا والتحقيق بتلك الجامعة العبرية (التي أسست لعشرين سنة قبل قيام دولة إسرائيل والتي كانت من الدعائم الجدية الأولى لذلك القيام) هي التي كونت، لسينين أخرى بعد ذلك الموقف النضالي المشهود للجامعة العربية، أطر الخبراء الذين مكنوا إسرائيل فيما بعد من المساهمة الفعالة في فريق التحقيق الدولي، ومن توجيه مسار ما آلت إليه لـفـائـف البحر الميت بعد ذلك في إطار صراع علمي ما يزال قائما إلى اليوم بين خبراء ومحققي أطراف لاهوتية متعددة أبرزها الفاتيكان والمؤسسات الربية الإسرائيلية، وفي غياب كلي للاطراف التي لم تنتدب عنها خبراء، إما لأنها لا تتوفر عليهم لانشغال مؤسستها التكوينية بتكوين مصدري الأحكام العموميين ومتعقبي أوجه المآمرات الحقيقية والوهمية عن العمل على تطوير العلم بالواقع، وإما لأن تلك الأطراف غير معنية، على مستوى الوعي، بمهمة الاستخلاف، أو غير مدركة لمفهومه وكـنهه عمليا من حيث أنه يعني من بين ما يعني المشاركة الفعالة في توجيه الفكر الكوني، وإما بسبب اجتماع هذه النقائص كلها. أما اللفائـف، وما تبقى منها بعد التهريب الذي لحقها تحت وصاية السلطة الأردنية لذلك العهد، فقد كانت من بين أولى الغنائم التي بادر الضابط العسكري والخبير المحقق في نفس الوقت (!)، يكائيل يادين (Egal Yadin)، إلى اختطافها بمجرد أن دخلت وحدات اسحاق رابيـن إلى القدس سنة 1967، وهي الآن ترقد في قبة "ضريح الكتاب" (Sanctuaire du Livre) بالمتحف الوطني الإسرائيلي بمدينة القدس، ذلك الضريح ذي التصميم المعماري الموضوع وفق استراتيجية تحصينية مستلهمة من روح حصن "الماصاداه" (Massadah).

وباختصار، نقول كخلاصة، بعد هذا الاستطراد الذي كان لابد منه، بأن عنصر "العلم بالواقع" (علوم واقع المجتمع والانسان خصوصا)، الذي يتعين أن يضاف إلى برامج التكوين في الدراسات الإسلامية، حسب ما دعا إليه محمد يتيم، هو بالضيط العنصر الذي كان يـُـنتظر من ندوة "المادة الإسلامية في التعليم المغربي وقضية التنمية" التي انعقدت بمدرج الشريف الإدريسي بكلية الآداب بالرباط (14- 15 بريل 2001) أن تـُصدر بشأن العناية به توصية خاصة، بدل التمادي في ترديد شعارات جوفاء من قبيل قول إحدى توصيات تلك الندوة ما يلي :
"ثالثا: مراعاة خصوصيات التلميذ المغربي عند بناء برامج العلوم الطبيعية، واعتماد منهجية تربوية في التأليف تتوخى تعزيز العقيدة الإسلامية وتقويتها" (صحيفة "التجديد"، 21 أبريل 2001، ص5).

فما عسى أن يكون المضمون الملموس لتلك المراعاة المطالب بها في التأليف التربوي لمقررات برامج العلوم الطبيعية؟ إذا كان الأمر يتعلق بمجرد تدبيج النصوص يالبسملة، وتذييل فقراتها بإضافة "والله أعلم" إلى كل جملة من جمل التعميمات والأحكام والنظريات العلمية، التي هي أمور نسبية أساسا بمقتضى تعريف طبيعة العلم الطبيعي نفسه، فيقال مثلا بأن "البترول حصيلة جيولوجية لمواد عضوية مستحاثة متحللة تنتمي إلى كذا وكذا من ملايين السنين، والله أعلم"، بشكل يجعل عبارة "والله أعلم" تتكرر في ملل إلى أن يتم اختزالها استثقالا إلى مجرد "ولعم"، فإن ذلك منتهى ابتذال القناعات الأساسية وتحويلها إلى مجرد رُقىً وتعاويذ لفظية كهنوتية.
وإذا كان المقصود بـ"خصوصيات التلميذ المغربي عند بناء برامج العلوم الطبيعية" و بــ"اعتماد منهجية تربوية في التأليف تتوخى تعزيز العقيدة الإسلامية وتقويتها" هو أن يهجُر النصُُّ موضوعَه العلمي المعين، ويهجر الأستاذُ الموضوعَ العلمي للحصة نحو التغني بأمجاد السابقين، حقيقية كانت تلك الأمجاد أم أسطورية شعبية، ونحوَ خطابٍ بكائـي أمام مكر عدوّ غيبي مؤلــّهٍ بشكل وثني وتُـحمَل على دسائسه كل أوجه العجزُ الذاتي عن استعادة الدخول إلى التاريخ، فذلك منتهى مظاهر إضاعة مال الأجيال من حيث إهدار الوقت، وتزجيته، والعبث بعمر الناشئة، ومن حيث تبذير التجهيزات، وأكل لأموال الناس بالباطل من خُطب وأحاجي تذكر ببكائيات المجدوب الشعبي في الأسواق الأسبوعية مما كنا قد أوردنا منه عينة.
أم أن المقصود بتلك المراعاة في إعداد المادة العلمية بطريقة "تتوخى تعزيز العقيدة الإسلامية وتقويتها" هو إخضاع معاني القرآن، البعيدة الغور والكلية المرامي بحكم تصوُّر كل تنزيل، وليُّ أعناق تلك المعاني الكلية لتتهافت وراء تقلبات التطور الطبيعي للنظريات العلمية، كما يفعل بعض تجار التفسير من المهووسين الذين يستهويهم سحر وكيمياء الرقمولوجيا (numérologie) والقبالة (kabbale קבלה) الشعبية من المنبهرون ببهلوانيات أمثال موريس بوكاي، الذين يبحثون في القرآن الكريم عن بعض الوصفات "العلمية" بنفس المنهج الذي تؤوّل به العرّافة الفرنسية، "مادام صولاي" (Madame Soleil) الرباعيات الجفرية للمجدوب الإفرنجي، نوستراداموس (Michel Nostradamus، القرن 16م)، أولئك المهووسين من أمثال من قال عنهم الاستاذ عبد الله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية في رده "أخطاء زغلول النجار في تفسير القرآن" بأنهم هجروا رباطات وثغور البحث العلمي الذي ينفع الناس، بحيث "يستبيح طبيب أو مهندس أو عالم أو باحث لنفسه أن يترك ميدان بحثه حين يستشعر أنه لن يحقق ما يطمح إليه في مجاله من ذيوع وشهرة، إلى ساحة الدعوة الإسلامية، وهو موقن أنه سوف يحقق الشهرة، بـيـسر فيها". "الأحداث المغربية"، 15 أبريل 2001).
لقد ساق عبد الله النجار أمثلة سخيفة لذلك القبيل من القبالة الهجينة، كمحاولة زغلول النجار إثبات "إعجاز القرآن" و"تعزيز العقيدة الإسلامية وتقويتها" عن طريق السماح لنفسه بالخروج عن أسس عـدّ آي السُــوَر القرآنية لمجرد رغبته الصبيانية في الحصول على رقم يـبـني عليه تأويلا قباليا رقمولرجيا لسورة الحديد! لقد سمح النجار لنفسه باحتساب البسملة كآية، فتصبح له بذلك آياتُ سورة الحديد ستا وعشرين آية (26) وليس خمسا وعشرين (25) كما هو العد المتعارف عليه؛ وبذلك يـثبت هذا المفسر الفذ المعجزة العلمية للقرآن في ميدان الفيزياء النوويية! إذ يكون حينئذ الرقم الذري للحديد، الذي وهو 26، حسب علم الفيزياء النووية، قد تم ترميزه في وتشفيره في عدد آيات سورة الحديد نفسها من محكم التنزيل منذ الأزل، وقبل أن يتحول الهيدروجين الأولي إلى هيليوم، ويتحول الهيليوم عبر سلسلة من التحولات النووية إلى بقية العناصر الثقيلة! وبذلك لن يبقى إلا ... مهمة فك هذا الترميز عمليا بانتظار قيام مختبرات "العلم الوضعي" لشياطين "الغرب المادي" باقتحام عالم "متناهيات الصغر"، وإقامة جداول الارقام الذرية، والأوزان الجزيـئـية، والخصائص التكافؤية، ليقوم "الروحانيون" بعد ذلك بتنبيه غفلة الشياطين الغافلين في مختبراتهم إلى أن أرقام جداولهم التي أفنت فيها العمرَ أجيالٌ منهم من أمثال "بيير" و "ماري-كوري" (Pierre et Marie Curie) أرقام كانت قد صيغت منذ الأزل في موسوعة الـتـنـزيل الذي بين أيديهم.

ألا، لقد تفـُـهَ قولا ما يزعمون! ومن الطريف أن أورد هنا بعض المُـلح تخفيفا على القارئ، فأجلو عنه غم وضيم هذا الإسفاف، بأن اشير إلى أنه كان بإمكان زغلول النجار أن ينحت رقمه السحري بطرق أقل تمحّلا واعتسافا، وأكثر اتفاقا وأناقة وإتقانا، لو أنه كان فعلا راسخا في مهارة فن الرقمولوجيا والقبالة التي برع فيها متصوفوا اليهود من خلال كتب من قبيل كتاب "سيفير يصيرا" (ספר יצירה) المجهول صاحبه، و كتاب "البهاء" (ספר הזהר) الذي ينسبه المحققون لـ"ابن لـيـئـون" الأندلسي، الذي نحله ورفع سنده إلى "ربي شمعون بار-يوحاي" (רבי שמעון בר יוחי). كان بإمكانه، بكل بساطة، أن يستعمل "حساب الجُمّـل"، الذي كانت تقوم على أساسه "حمارية الحساب" المعتمدة في تحفيظ عمليات االضرب إلى حدود الستينات من القرن العشرين في المدارس العتيقة ببلاد سوس على الخصوص، حيث كانوا يقولون مثلا (بَـبْــدٍ = 10)، (بَـجْـوٍ = 6)، (بَـهْــيٌ = 10)... الخ؛ أي (4=2×2) ، (6=3×2) ، (10=5×2) ، وهلمّ جرّا، على اساس أن للأبجدية قيما حسابية تبدأ بالألف وقيمته "1" وتنتهي بالشين وقيمته "1000"، حسب نظام "أبـجـد"، "هــوز"، "حـطي"، "كلمن"...الخ. وحيث أن قيمة الدال هي "4"، وأن قيمة الحاء هي "8"، وقيمة الياء هي "10"، فقد كان بإمكان الاستاذ زغلول أن يستنتج عدد "الرقم الذري" للحديد، الذي هو "26" بمجرد جمع القيم العددية لاسم السورة، أي :(ح + د + ي + د)، وهو ما يعطي (8 + 4 + 10 + 4) = 26، فيريح الناس ويستريح. بل كان بإمكانه، لو أنه كان ملما بأوليات القبالة اليهودية التي استهوته في غير علم من حيث لم يكن يدري ما استهواه، أن يدعي بأن الحديد بنفسه، ذي البأس الشديد، والذي فيه منافع الناس، إن هو إلا ترميز للقدرة الإلهية بما أن الرقم "26" رقم مقدس في قباليات أهل الكتاب والصحف الأولى من حيث أنه حاصلُ جمعِ قيم الأحرف المكونة لاسم الجلال الأول في اليهودية الأولى ألا وهو الرباعي الحرفي יהוה "يـهــوه" الذي يكتب ولا يتلفظ به وحاصل جمع أحرفه هو (ي=4 + هـ=10 + و=6 + هـ=10) = 26.
لو فعل ذلك لكان قد أثبت للقاصرين عن إدراك الإعجاز القرآني بما عدا الكشوفات السحرية ليس فقط "إعجاز" القرآن، ولكن أيضا "إعجاز" وقداسة اللغة العربية بالنظر إلى أنها سمّـت عنصر الحديد بأحرف (ح-د-ي-د) لقرون قبل ظهور الإسلام لما كانت ما تزال لغة ثقافة وثنية في معظمها؛ وقصة ذلك الوجه من أوجه القداسة أغنية شعبية عربية أخرى قديمة يرددها كل من قصر بالفعل عن إدراك أسرار اللغات بصفة عامة، واللغة العربية بصفة خاصة. لو فعل ذلك المفسر "العصري جدا" وحتى النخاع ذلك لسلك أقصر سبل التهافة بنفسه وبمن ينبهر بمثل بهلوانيات ما أطلق عليه في التسعينات "البهتان الفكري" (Imposture intellectuelle) من ضعاف العقول، ومتوسطي الذكاء.
فإن كانت مثل هذه البهلوانيات هي المقصود من المطالبة بـ"منهجية تربوية في التأليف تتوخى تعزيز العقيدة الإسلامية وتقويتها"، فقد ضعف الطالب والمطلوب! ألا إنه يتعين "بذل المجهود لإعادة رسم ما بين العلم والجهالة من حدود".

ومن الإتفاقات، أنه في نفس الوقت الذي كانت فيه ندوة "المادة الإسلامية... وقضايا التنمية" تجري أشغالها لتختم أعمالها بمثل هذه التوصيات الشعارية، كانت هناك أصوات متعددة المشارب والمكانات والاختصاصات، ما بين عرض وتدخل، ومنها صوت العبد الضعيف، تنادي في "الملتقى الوطني للبحث العلمي والتنمية" (مركز الإستقبال والندوات -الرباط 13-14-أبريل 2001) بضرورة العناية بالبحث الأساسي، وعدم الانسياق وراء شعار المراهنة على حلم "نقل التكنولوجيا" عبر موقف الاهتمام بالبحث التطبيقي دون غيره مما تروّج له برامج مصالح التعاون الدولي، التي لا تطمح، وهذا شيء طبيعي، إلا إلى تحقيق مصالحها المباشرة المتمثلة في تأهيل سوقنا الوطنية للرفع من طاقاتها الإستيعابية (مثال علوم الإتصال وعلاقتها بتوسيع سوق الأجهزة والخدمات) وفي التخلص من الصناعات ذات التشغيل المكلـّـف عن طريق ترحيلها في إطار العولمة، بعد تأهيل يد عاملة وأدمغة عاملة أقل كلفة. كما نادت تلك الأصوات -وهذا ما يهمنا هنا- بضرورة تطعيم البحث العلمي، الأساسي منه والتطبيقي، بما يناسب كلا منهما من علوم مساعدة، كالابستيولوجيا، والفلسفية، والإلهيات، وعلوم الأخلاق، والمجتمع، مما لا تقوم نهضة علمية أصيلة في أمة من الأمم بغير توفره.
أما بعد، فإني أصرح - وعلى عاتقي العهدة، إذ كفى بنفس المرء عليه شهيدا - بأني لم أحتفل بيوم الثامن من مارس، كما لا أحتفل بكل ما له طابع طقوسي، ولم اسمع قصيدة الشاعرة، ولم أكتشف بأن هذه الأخيرة قد أصبحت بطلة بالرغم عنها وعن أمثالي إلا عندما اقتحم علي منشور "الفاتح من أبريل" للشرفاء المستغيثين عقر المؤسسة التي أعمل بها وهو مرفوع على قارعة الطريق إلي عاهل البلاد! فلولا ذلك المنشور لكان الأمر بالنسبة لي ولكثيرين من أمثالي بمثابة تفاهة طـُـويتْ؛ إذ لو كان سباب الشاعرة بالفعل حكمة أو فضيلة لصدق عليه قول الشاعر :

وإذا أراد الله نشر فضيلة * طويت أتاح لها لسان حسود

ولكن بما أن الأمر بعيد عن ذلك، في ملتي واعتقادي، وانه مجرد كلام عادي و"عادوي" حُـمّل قسرا أكثر مما يحتمل، وأقحمت في "عادويته" مؤسساتُ الأمة وركائزها إقحاما شعوبيا، فإني أعوذ بالله من شياطين الإنس مرددا :"نامت الفتنة، لعن الله موقظها". انتهى؛ 27 أبريل 2001.


---------------------------------------------------
(1*) نشرت صيغة أولى غير موثقة من حيث إثباتُ المراجع، وتخريجُ الآيات، وإخراجُ الإحالات الحديثة، في يومية "الأحداث المغربية" (27 ماي 2001)

(*2) (21) וַיַּפֵּל יְהוָה אֱלֹהִים תַּרְדֵּמָה עַל-הָאָדָם, וַיִּישָׁן; וַיִּקַּח אַחַת מִצַּלְעֹתָיו, וַיִּסְגֹּר בָּשָׂר, תַּחְתֶּנָּה. (22) וַיִּבֶן יְהוָה אֱלֹהִים אֶת-הַצֵּלָע אֲשֶׁר-לָקַח מִן-הָאָדָם, לְאִשָּׁה; וַיְבִאֶהָ, אֶל-הָאָדָם.

(*3) آخر طبعة أعرفها هي: "بدائع الزهور في وقائع الدهور". تأليف العالم الشيخ أحمد بن محمد بن أياس الحنفي. دار الرشاد الحديثة. الدار البيضاء. المغرب. 2003

(*4) مشروع "الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية" مشروع كان قد تقدم به السيد سيعد السعدي، كاتب الدولة في الحماية الاجتماعية والأسرة والطفولة في حكومة "التناوب" الأولى برئاسة عبد الرحمان اليوسفي وكانت تهدف إلى مراجعة "مدونة الأحوال الشخصية" فحصل بشأنها تقاطب بين المحافظين وفي مقدمتهم حركات الإسلام السياسي التي أعطت لذلك التقاطب السوسيو-سياسي طابعا دينيا (أو ما سمي بــ "a war between believers and apostates."، حسب تعبير مقالة حول المسألة في الصفحة بموقع "الحوار المتمدن؛ 18 يونيو 2007": http://www.rezgar.com/eng/show.art.asp?aid=387) حيث جاء مثلا في افتتاحية جريدة "التجديد" المغربية، عدد 51 بتاريخ 12 يناير 2000 ما يلي :
(( وستكتشف بعد القراءة المتأنية أن مناط الخلاف مع واضعي الخطة والمتعصبين لها ليس هو التنمية ولا إدماج المرأة في التنمية ، وأن القضية أكبر من هؤلاء ، إذ تتعلق بمواجهة مؤامرة على الأسرة المسلمة تقف وراءها قوى دولية هي التي زرعت الكيان الصهيوني في فلسطين .. وستكتشف أن الأمر لا يعدو أن يكون بالنسبة لفئة من بني جلدتنا خضوعا لدورة جديدة من دورات الاستعمار .. وستكتشف أن المستهدف هو هدم أحكام الشريعة الإسلامية وتقويض الأركان التي تقوم عليها الأسرة المسلمة .. وسيأخذك العجب العجاب ويذهب بك إلى أقصى حد الاستغراب ، حينما ستكتشف أن الذي يقوم على تنفيذ هذه الخطة الاستعمارية المسندة أمريكيا وصهيونيا ليس هو اليمين الليبرالي ( الرجعي ) ، كما عودنا خطاب أيام الحرب الباردة ، وإنما هو اليسار الاشتراكي التقدمي ، وجمعياته وشبكاته وجبهاته )). نقلا عن سعيد الكحل؛ "الحوار المتمدن" (http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=106226)

(*5) انظر :
Michael Baingent y Richard Leigh 1992 El escandalo de los manuscritos del mar Muerto; las revelaciones que hacen temblar al Vaticano. Circulo de Lectura
انظر كذلك :
Robert Eisenman et Michael Wise 1995 Les manuscrit de la mer Morte révélés. Fayard.


(*6) "البهتان الفكري" مفهوم ظهر في منتصف التسعينات لإدانة جنوح بعض المفكرين، في المدرسة الفرنسية على الخصوص (ديريدا مثلا)، نحو المبالغة في استعمال مفاهيم العلوم الطبيعية والرياضية استعمالا شرلطانيا في ميدان الخطابيات والأدبيات والعلوم الانسانية. انظر:
Alan Sokal & Jean Bricmont, (1997) Impostures intellectuelles, Paris, Odile Jacob, 1997; 2ème édition, Le Livre de Poche, 1999.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,921,400,016
- التسونامي والله Tsunami and God (بقلم الربي بنيامين بليخ)
- التربية والتعليم، وتفجير طاقات الشباب (تذكيرات لا بد منها)
- العطلة (1*)
- الحافظ الصغير (من وحي الكاريكاتور الذي زعزع أركان أمة) 1*
- قضية الصحراء: عودة إلى تطوير الخطاب والسياسة في المغرب (*1)
- أسئلة حول التنوع الثقافي واللغوي في وسائل الإعلام بالمغرب (* ...
- اللغة العبرانية في عشرية تدبير اللغات الأجنبية بالمغرب (*1)
- فصيلة الأسئلة المغيَّبة في النقاش حول حرف كتابة الأمازيغية ( ...
- أسئلة حول اللسانيات والبحث العلمي بالمغرب (حوار)
- هل من تعارض وطني بين إنصاف الأمازيغية وتأهيل العربية؟ (حوار)
- موقع اللغة الأمازيغية من التعدد اللغوي بالمغرب
- انطباعاتٌ عن طباع وطبوعٍ وإيقاعاتٍ من بايروت
- عن اللقاء حول مسألة الديموقراطية في المملكة المغربية


المزيد.....




- الشيعة في العراق يحيون ذكرى عاشوراء
- الكشف عن صفقات أسلحة ألمانية إلى دول عربية.. CNN ترصد التفاص ...
- الحوثي بعاشوراء يؤكد على 3 أمور.. وقرقاش يرد
- سلاح الجو الإيراني يجري تمرينا بالخليج وبحر عُمان
- داعية يثير جدلا بصورة يقارن فيها عاشوراء عند السنّة والشيعة ...
- وئام الدخيل -اول سعودية- تقدم الأخبار الرئيسية بالقناة السعو ...
- هل توقيع الـUN مذكرة مع الحوثي اعتراف بحكومتهم؟ غوتيريس يوضح ...
- رئيس لبنان السابق يغرد عن -الحشيشة-.. ماذا قال؟
- بإسناد من التحالف.. مقتل قيادي بـ-القاعدة- في اليمن
- لقاء بين ماكرون وعباس في باريس.. وأبومازن -يتحدى- بشأن المفا ...


المزيد.....

- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني
- المدرسة العمومية... أي واقع؟... وأية آفاق؟ / محمد الحنفي
- تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الليبية الحكومية 2013 / حسبن سالم مرجين ، عادل محمد الشركسي، أحمد محمد أبونوارة، فرج جمعة أبوسته،
- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين
- لدليل الإرشادي لتطبيق الخطط الإستراتيجية والتشغيلية في الج ... / حسين سالم مرجين - مصباح سالم العماري-عادل محمد الشركسي- محمد منصور الزناتي
- ثقافة التلاص: ذ.محمد بوبكري ومنابع سرقاته. / سعيدي المولودي
- دليل تطبيق الجودة والاعتماد في كليات الجامعات الليبية / حسين سالم مرجين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد المدلاوي المنبهي - بذل المجهود لرسم ما بين العلم والرأي من حدود(1*)