أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر على الرابط البديل ادناه
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=106362

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - محمد المدلاوي المنبهي - قضية الصحراء: عودة إلى تطوير الخطاب والسياسة في المغرب (*1)















المزيد.....



قضية الصحراء: عودة إلى تطوير الخطاب والسياسة في المغرب (*1)


محمد المدلاوي المنبهي

الحوار المتمدن-العدد: 2012 - 2007 / 8 / 19 - 00:48
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


بعد ثلاثين سنة من تعايش المغاربة، على توالي أجيالهم، مع مسألة الوحدة الترابية، في شقها المتعلق بالأقاليم
الجنوبية، وبأوجهها السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والجيوسياسية، والديبلوماسية، لم يشرع هؤلاء المغاربة، كمجتمع مدني على الأقل، في تجاوز مجرد وظيفة المباركة الشعاراتية لما يكون في دائرة الضوء من أوجه التدبير الرسمي للملف إلا مند أقل من سنة ونصف من الآن ونحن في أكتوبر 2004. ولقد كانت أول فرصة مفتوحة حقا من حيث المبدأ والسياق على الأقل، لمطارحة أمر هذه المسألة مطارحة عمومية وحوارية من وجهات نظر متعددة من حيث المبدإ كذلك، ومن جانب أطراف متعددة المواقع (مسؤولون حكوميون، وحزبيون، وحقوقيون، وإعلاميون، وديبلوماسيون) هي تلك الفرصة التي دشنتها القناة الثانية دوزيم حينما نظمت حلقة حوارية حول الموضوع في أكتوبر 2004.

ومع ذلك، فإن الشيء الذي يستوجب أن يـُوقـَف عنده بخصوص فحوى تلك الحلقة الحوارية نفسها هو أن ثلاثين سنة من عمر هذا المشكل، تغيرَ خلالها المشهدُ السياسي المغربي، من حيث الأجيال، ومن حيث مدارس الحكم والتدبير، ومن حيث ظروف ممارسة الحريات العامة، وتغير نظام القيم الأيديولوجية والثقافية المشكـّـلة لمرجعية المواقف السياسية على الصعيدين المحلي والعالمي مند أن برزت إلى الوجود قوى جديدة (الثورة الإيرانية وأصداؤها وتداعياتها الفكرية والجيوسياسية) واختفت أنظمة و امبراطوريات بقيمها التي كانت تحكم ثنائية التقاطب العالمي، لم تعمل مع ذلك على تغيير زاوية النظر إلى المشكل بشكل جوهري ولو بدرجة واحدة. فإذا ما عكست تلك الحلقة الحوارية اختلافات وتباينات في تقويم الوضعية وفي الحكم على بعض الأداءات المتعلقة بتدبير الملف (الأداء الديبلوماسي مثلا) أو بدلالة بعض مستجدات هذا الملف على المستويين الدبموماسي (اعتراف جنوب إفريقيا بــ"الجمهورية العربية الصحراوية") أو الجيوسياسي (صفقات التسلح الجزائري) - وهي اختلافات تعكس اختلافا في قيود مواقع المسؤولية لدى المشاركين (ما بين وزير هو في نفس الوقت زعيم حزب سياسي، وشخصيات أخرى من عالم الصحافة) وليس تقدما في كيفية النظر و في تصور آفاق تدبير الملف- فإن تقاليد الإجماع التقليدي، أي انتفاء أي حوار فعلي من حيث الجوهر، هي ما جمع، في تلك الحلقةن ما بين جيلين كثيرا ما يُعتقد أنهما يشكلان مدرستين في التفكير والنظرة إلى الأمور.

فقد اتفق الجميع للمرة ما بعد الآلاف، باختلاف المواقع والمسؤوليات خلال تلك الحلقة، على ترديد نفس الطرح التقليدي للمشكل، ذلك الطرح الذي يرى - ويبني خطابه التعبوي الداخلي، والإقناعي الخارجي، على أساس ما يراه - بأن مشكل الصحراء"مشكل ثنائي بين المغرب والجزائر ولا شيء غير ذلك". ذلك هو جوهر الطرح التقليدي، الذي لم يغير أيّ َ مظهر من مظاهر التعبير عنه مرورُ ثلاثين سنة حافلة بالمتغيرات الوطنية، والجهوية، والعالمية أخذ على إثرها جيلٌ في الانسحاب من الساحة بمقتضى القانون الطبيعي للحياة البيولوجية، وأخذ جيل آخر يحل محله، مع ما رافق هذا التناوب القسري في الأجيال مما يُعتقد حتى الآن أنه نوع من التطور في الفكر والممارسة السياسيين في الساحة المغربية. فأطروحة الثنائية المطلقة للمشكل ما بين المغرب والجزائر أطروحة التقــت حولها مند البداية أطراف المغرب الرسمي، في الحكم كانت أم في المعارضة على اتساع نطاق طيف هذه المعارضة، وذلك مند أن عجّـل تطورُ تداعيات الحرب الباردة على الصعيد العالمي في بداية السبعينات بوثيرة مسطرة تصفية الاستعمار من الصحراء، وذلك لما أعلن النظام الفرانكي الاسباني سنة 1974 عن نيته في تصفية ذلك الإرث الاستعماري على إثر ما أدى إليه تمردُ الجيش البرتغالي في المستعمرات الإفريقية من قيام ثورة القرنفل (25 أبريل 1974) التي أطاحت بالربيب الإيبيري للنظام الفرانكاوي، نظام سالازار في الجارة البرتغال.

وإذْ حصل أن قد كان لتداعيات تلك الحرب الباردة انعكاساتٌ كذلك على الخارطة السياسية الداخلية بالمغرب، بمختلف قناعات و ولاءات أطرافها (الملك والنظام المخزني حينئذ، ومختلف الأحزاب العلنية والمجموعات السرية) في إطار النظام العالمي والمعطى الجيوسياسي لتلك الفترة، فإن تلك الانعكاسات هي التي أدت، انطلاقا من حسابات مختلفة، إلى التقاء أطراف المغرب الرسمي لتلك الفترة (النظام المخزني والأحزاب الشرعية)، على الرغم من تناقضاتها المباشرة، حول نفس الطرح، أي الطرح الذي "تكــرّم" على الجارة الجزائر بهدية اعتبارها، ثم تكريسها في الخطاب التعبوي الداخلي، وفي الخطاب الإقناعي الخارجي، كطرف رئيسي في نزاع اعتبر ثنائيا على سبيل الحصر، طرفُه الثاني هو المغرب. فحينما أعلن المرحوم الملك الحسن الثاني في خطاب عيد الشباب للعاشر من يوليوز 1974 عن طرح ملف الوحدة الترابية كملف ذي أولوية واستعجال – تماشيا منه مع السباق الذي دشنته أحداث شبه الجزيرة الإيبيرية في محيط عالمي يتحكم فيه التقاطب بين المعسكرين الشرقي والغربي، كانت أطر حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مثلا في السجن، كامتداد لتداعيات أحداث خنيفرة و مولاي بوعزة (مارس 1973) التي قام بها جماعة من الثوريين المغاربة الذين تسربوا من جزائر نظام المرحوم هواري بومدين الاشتراكية والشعبية، وذلك بعد أن سلحهم النظام الثوري الليبي الفتيّ، وبعد أن استفادوا من تداريب عسكرية في ما بين الجزائر وسوريا ثم ليبيا، بينما كانت أطراف أخرى من طيف اليسار (مجموعتا "إلى الأمام"، و "23 مارس") تواصل النقاش، ما بين أقبية السجون المغربية وبين المهجر، حول مدى صواب فكرة "البؤرة الثورية" كإطار عملي تاكتيكي للتعامل مع قضية تصفية الاستعمار الاسباني في الأقاليم الجنوبية. كان كل ذلك يجري على خلفية أرضية عامة كانت تتميز، على مستوى الدوائر العليا للدولة، بالعمل على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية المغربية، وعلى رسم معالم خارطة سياسية جديدة، على إثر الانقلابين العسكريين الفاشلين المتواليين ما بين العاشر من يوليوز 1971 والسادس عشر من غشت 1972، خارطة جديدة سيلعب فيها اليسار الاتحادي (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) دورا أساسيا، وهو الحزب الذي كانت أطره (و في مقدمتها المرحوم عمر بن جلون ومحمد اليازغي، الكاتب الأول الحالي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) قد خرجت على التو من السجن في نهاية صيف 1974 على إثر الخطاب الملكي لعيد الشباب الذي طرح قضية الصحراء كإطار لممارسة السياسة، فكانت قضية الوحدة الترابية على التو من الأدوات الأساسية الأولى التي اعتمدها ذلك الحزب لإعادة بناء الأداة الحزبية على أسس أساليب جديدة للعمل السياسي تقطع مع أساليب جماعة مولاي بوعزة وخنيفرة وغيرهما، حيث انطلق مثلا زعيم الحزب حينئذ، المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، مباشرة بعد الخطاب في مهمة ديبلوماسية رسمية عبر العالم لتفسير موقف الدولة المغربية؛ إنها الخطوات التي تـُـوجت مظاهرُ التعبئة الوطنية التي وازتها في العمل الداخلي للحزب، في إطار روح المحافظة على تماسك الجبهة الداخلية"، بعقد الحزب بيعد ذلك لمؤتمر "الوضوح الأيديولوجي" في أساليب العمل - أي المؤتمر الاستثنائي - وذلك في أجل قياسي، أي في يناير 1975 الذي أصبح الحزب يسمى بمقتضاه "الاتحاد الاشتراكي للقوات الصعبية". وأتذكر من بين جزئيات استمرار تشكيل قضية الوحدة الترابية، بعد ذلك، لأساس العمل الحزبي قصد إعادة "بناء الأداة" في إطار روح "المحافظة على تماسك الجبهة الداخلية" حتى بعد المؤتمر الاستثنائي، أن المرحومين، عبد الرحيم بوعبيد، و عمر بن جلون، كانا قد تنقلا إلى مدينة وجدة في ربيع 1975 للمحاضرة حول ملف الوحدة الترابية دائما، وأن المرحوم عمر بن جلون قد رافع في الخريف الموالي (سبتمر 1975) بموسكو من أجل نفس الملف في حظيرة المؤتمر الأفروأسيوي، وأن الاستعدادات التي كانت القواعد في الفروع تقوم بها، بعد شهر من ذلك، قصد إحياء الذكرى العاشرة (29 اكتوبر 1975) لاختطاف الزعيم المهدي بن بركة، قد ألغيت بقرار حزبي مركزي في آخر لحظة؛ وأتذكر بأن المناضلين في الجهة الشرقية قد وجدوا العزاء، ذلك اليوم، في بث التلفزة الجزائرية – في أطار مزايدات "مغرب الشعوب" لفيلم L’Attentat للمخرج Costa Gavras، الذي يعالج قصة الاختطاف كما صورها المخرج، والذي ربما كانت برمجته السياسية جدا من طرف التلفزة الجرائرية، وراء قرار الحزب، القاضي بإلغاء ذاك الاحتفال رفعا لكل التباس، وكتعبير عن فك نهائي لكل ارتباط مشبوه ومع التداخلات السابقة ما بين سلوك بعض أطر الحزب في صيغته القديمة وبين ولاء خارجي .

كل هذه التداخلات جعلت مختلف الأطراف الفاعلة رسميا، أو الناشطة سرّيا في ساحة السياسة المغربية تستقبل المهمة الوطنية التي عجّـل بطرحها احتدامُ أحداث الظرفية الدولية في إطار الحرب الباردة، استقبالا ينطلق من حسابات تاكتيكية وتجريبية مختلفة، أملتْ بدورها تحالفاتٍ وانتظاماتٍ مختلفة للأطراف السياسية الفاعلة، حسب موازين الوضعين الدولي والإقليمي. فلنتذكر جميعا في هذا الباب - كمجرد أشارات تذكيرية - بأن العلم الأمريكي كان في مقدمة أعلام الدول التي تصدرت وفودها المسيرة الخضراء (350.000 مدني ومدنية) التي أعطى الملك الحسن الثاني إشارة انطلاقها في اتجاه الأقاليم الجنوبية يوم 09 يوفمبر 1975، وأن البلاغات العسكرية المغربية الأولى بعد بدء الحرب كانت تلحّ على التفاصيل التشريحية لبعض القتلى في الصف الآخر، من قبيل "الوجوه الشقراء"، أو "انعدام الختان"، كإشارات إلى تورط ألمانا الشرقية وكوبا عمليا في القضية وفي الحرب، وكتدليل بالتالي على موقع هذه القضية من التقاطب بين المعسكرين، وعلى أدوار الأطراف الإقليمية في إطار ذلك التقاطب. ولنتذكر، بالمقابل، بأن "جبهة الرفض والتصدي" في العالم العربي (الجزائر، ليبيا وسوريا وبعض اليسار الفلسطيني)، و بقية الدول التي كانت تصنف كاشتراكية على الصعيد العالمي، كانت من بين المحتضنين الأوائل لجبهة البوليزاريو.

أما الآن، وقد انقلبت كثير من المعطيات السابقة رأسا على عقب، سواء على صعيد النظام العالمي العام، بقيمه الجديدة وبتحالفاته المعاد تربتيبها، أم على مستوى الوضعية السياسية والثقافية والأيديولوجية داخل المغرب وفي محيطه الإقليمي، فهل من السليم عقلانيا الاستمرارُ في اجترار نفس الطرح القديم الذي طرحت به قضية الصحراء من طرف المغاربة، أي أطروحة ثنائية المشكل بين المغرب والجزائر على سبيل الحصر في إطار تقاطبية الشرق والغرب؟.

أكيد وأكيد جدا أن للدولة الجزائرية مصالح وطموحات وأطماعا تعبّـر عنها كل مرة حسب ما تسمح به الظرفية وموازين القوة، وتوظف لتحقيقها ما تتوفر عليه من قدرات اقتصادية، وعسكرية، وديبلوماسية، وأن على الدولة المغربية أن تعدّ لكل ذلك ما يقتضيه من العُـدة و من الحسابات الجيوسياسية الاستراتيجية، وما يلائم أجرأة تلك الحسابات من خطط ديبلوماسية رسمية تــتــكيف مع الظرفية ومع ما تحتمه الواقعية من استعدادات لكل الاحتمالات كما يقتضي ذلك المنطق الجيوسياسي. إلاّ أن المساهمة في تحقيق تقدم جوهري في كيفية معالجة الملف المعني، خصوصا على المستوى المدني، والفكري، والجمعوي، والحزبي، لا يمكن أن تتم بالاقتصار على مجرد ترويج خطاب أخلاقي في ميدان سياسة التعبئة الوطنية وخطة الإقناع الديبلوماسي الموازي، خطاب ينتمي، على صعيد تطور الفكر السياسي، إلى ما قبل كتاب " الأمير" لـــ ماكيافيلّي حول منطق السياسة، بل إلى ما قبل "المقدمة" لابن خلدون حول منطق عصبيات الدول. لقد سمعنا في الحلقة الحوارية المذكورة في أول هذا المقال استعراضا لشواهد موثقة بالمراجع وبالمصادر لمختلف أوجه ما يشعر به البعض ويقدمه للآخرين بشكل خطابي كمجرد سيكولوجية مَرَضية و لا-أخلاقية تتمثل في مسلسل مستمر من "معاكسات ٍ" تاريخية للمغرب من طرف "الطغمة الحاكمة في الجزائر"، كما لو أن مجرد فضح تلك الممارسات، عن طريق إثبات وجودها بالمراجع والتوثيق، كفيل بأن يضع لها حدا، أو أن يقاومها ويبطل مفعولها لمجرد أن جوهرها لا-أخلاقي. كما أننا سمعنا في الحصة المذكورة انتقادات لأداء الديبلوماسية المغربية الرسمية، كما سمعنا تفاصيل عن حقيقة ودلالات حمّى التسلح لدى الدولة الجزائرية، وعمّا يتعين على المغرب أن يستخلصه من ذلك السباق؛ لكننا بالمقابل لم نلمس في النقاش صدى للتغييرات الكبرى التي حصلت في الداخل وفي الخارج فيما يتعلق بإعادة تصور هرمية أطراف النزاع وتمييز ما هو رئيسي وجوهري منها عما هو من طوارئ ظرفيةٍ معينة. أفــنـسي المتتبعون للأمور مثلا في هذا الباب بأن المعاكس الرئيسي الأول للمغرب في هذه القضية، على الصعيد الإقليمي، كان هو النظام الليبي، الذي كان يتعامل مع القضية على خلفية تداعيات مساندته المعنوية والإعلامية المكشوفة من خلال برنامج "صوت التحرير" لانقلابي يوليوز 1971 و غشت 1972 بالمغرب، في إطار إضفاء الشرعية إقليميا حينئذ على الانقلاب الأبيض الذي أطاح من خلاله الجيش الليبي بقيادة معمر القدافي بالملك إدريس السنوسي لسنتين قبل انقلاب الصخيرات، أي في يوم الفاتح من سبتمر 1969؟ أفهل نسوا بأن القوافل المسلحة الأولى للبوليزاريو كانت تنطلق من ليبيا التي كان قد تابع فيها مؤسس جبهة البوليزاريو، المرحوم الولي مصطفى السيد، أولى تدريباته العسكرية ، وأن الجزائر ما كانت تعمل في تلك الفترة بالضبط إلا أنها كانت تغمض العين، لحساباتها المستقبلية الخاصة، حتى تتمكن من استثمار أمثلَ لما عسى أن يسفر عنه تطور تناقضات أطراف الظرفية في هذا الاتجاه أو ذاك؟

أفليس هناك إذن تخلف مفارق و أناكروني يتمثل في الاستمرار في تجاهل متعجرف للطرف الرئيسي الثاني في هذه القضية، الذي لا تُغيـّر هويتـَـه تقلباتُ الظرفية (انسحاب موريتانيا من حلبة الحرب، تغيير ليبيا لسياستها بعد ذلك)، والتمادي في تقزيم لاعقلاني لهذا الطرف باستعمال ألقاب هجائية خطابية من قبيل المرتزقة ، صنائع الجزائر و ما شابه ذلك؟
لم أسمع خلال تلك الحصة، مما يتعلق بمحاولة الإجابة عن هذا السؤال، إلا إشارة واحدة عابرة لم يتم الوقوف عندها بالقدر الذي كان يتعين أن يتم به، وهي التي أشار من خلالها أحد المشاركين، السيد البرزاني، وهو من الأقاليم الصحراوية وإطار سابق في جبهة البوليزاربو، إلى أن "أطر البوليزاريو كانوا كلهم شبابا مغربيا معارضا في بداية السبعينات" (أي قبل أن تتأسس جبهة البوليزاريو في ماي 1973 على إثر أحداث يُـمسك لحد الآن كلُّ الذين عايشوها من قريب أو بعيد عن الحديث عنها بتفصيل ومسؤولية). فلعلّ المشارك المذكور، السيد البرزاني، كان يشير من خلال إشارته تلك إلى أطروحة "البؤرة الثورية" التي كان يراد لها أن تنطلق من الجنوب، آخر معاقل جيش التحرير، والتي التقى حولها كثير من الشباب اليساري المغربي في بداية السبعينات. ملامح هذه الأطروحة البدئية ما تزال تترائى، وإن من بعيد، من خلال الكيفية التي يعيد بها الخطاب الدعائي لجبهة البوليزاريو هيكلة الأحداث التاريخية المغربية. فمعارك جيش التحرير المغربي بالجنوب مثلا (1956-1958)، بما فيها معركة إيكوفيون ، يتم تقديمها في ذلك الخطاب كجزء من تاريخ كيانٍ صحراوي ضارب في القدم ويمتد في الماضي إلى الألفية الأولى قبل الميلاد، وتنتظم عبر امتداده الحركتان المؤسِستان للدول بالمغرب، الحركة المرابطية والحركة الموحـدية. كما أن ذلك الخطاب يطلق على ذلك الجيش تسمية "جيش التحرير الصحراوي" (انظر الموقع http://www.wsahara.net/history.html )

إن فكرة البؤرة الثورية هذه كانت فكرة تاكتيكية سياسية لممارسة المعارضة الراديكالية، كانت قد بدأت تعبر عن نفسها في أدبيات قطاع هام مؤثر من طيف اليسار المغربي السبعيني منذ أن خصصت مجلة "أنفاس" (عدد 7-8 ، ديسمبر1971- يناير 1972) دراسة مفصلة للوضع السياسي كما كانت تراه، في الأقاليم الجنوبية، التي كانت حينئذ ما تزال تحت الاستعمار الاسباني، دراسة تم الحديث خلالها عن" مؤتمر العيون" لأعيان القبائل الصحراوية، الذي نظمته اسبانيا يوم 17 يونيو 1970 و الذي قاطعه "الحزب المسلم" حينئذ وأقام مؤتمرا موازيا ضرارا له بمكان قريب، مع ما ترتب عن ذلك من أحداث دامية إثر مقتل المفاوض الاسباني الذي دعا المعارضين إلى الالتحاق بمؤتمر الأعيان وتدخل القوات الإسبانية التي أسقطت ما يفوق عشرة قتلى. كما تحدثت الدراسة عن مناضلين أمثال سيدي ابراهيم بصيري، وكذا عن الوجوه البارزة لشيوخ القبائل الممثلين للقبائل الصحراوية في برلمان الكورتيس الاسباني، أمثال المرحوم الحاج "خطري ولد سيدي سعيد الجماني"، الذي أصبح، بعد خمس سنوات من ذلك، من الوجوه التي راهن على تمثيليتها المغربُ بعد المسيرة الخضراء (1975) إلى جانب بعض الأطر الشابة حينئذ لحزب "الاتحاد الوطني الصحراوي" الفتي، أمثال السيد "خلي هنا ولد رشيد"، الرئيس الحالي لــ"لمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية". وكان من بين الأفكار "التحليلية" المؤسسة حينئذ لنظرية "البؤرة الثورية" لدى اليسار المغربي، ضرورة الحيلولة دون استخدام "النظام المغربي" لأي طرح معين لملف الصحراء في اتجاه أو في آخر، ولأي تفاهم محتمل حولها خصوصا بعد زبارة وزير الخارجية الاسباني "لوبيز برافو" للرباط سنة 1970 وتسليم السلطات الاسبانية للمعارضين المغربيين أحمد بنجلون وسعيد بونعيلات، وذلك من أجل استعادة شرعية التي كانت قد اهتزت سنة بعد ذلك على إثر محاولة الانقلاب العسكري الفاشل لعاشر يوليوز1971، وإطلاق بعض الثوريين المغاربة لبرنامج الأربعاء "صوت التحرير" انطلاقا من إذاعة ليبيا التي لم يكن قد مرت إلا سنتان على إسقاط الملكية بها على يد الكولونيل معمر القدافي، ذلك الطرح الممكن الذي كانت المعارضة الثورية المغربية عامة تنظر إلى احتمال الإقدام عليه، من جهة أخرى، كمجرد محاولة من النظام المغربي للتفاوض مع اسبانيا من أجل ألا يتضرر موقعه في السوق العالمية للفوسفاط بعد اكتشاف فوسفاط بوكراع وبداية استغلاله في إقليم الساقية الحمراء بالصحراء.

وقد نضجت فكرة البؤرة الثورية مع انعقاد المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذي شهد صعود التيار اليساري الجذري إلى قيادة المنظمة الطلابية القوية، والذي أدرج خلاله ذلك التيار ملفَ الصحراء تقيةً سرّا في أشغال "لجنة فلسطين" التي كان صاحب هذا المقال مسيرا لأشغالها ومقررا لها، والتي حضر المرحوم، الوالي مصطفى السيد، مع بعض رفاقه المنحدرين من الأقاليم الصحراوية إحدى جلساتها التي خُصصت للقضية، فألقي (أي الوالي) بالمناسبة عرضا أمام أعضاء اللجنة كان عبارة عن تلخيص لما كانت قد نشرته مجلة أنفاس والذي أشرنا إليه إعلاه. وكان ذلك في أحدى القاعات السفلية بكلية العلوم بالرباط في نهاية الأسبوع الثاني من شهر غشت 1972، أي ليوم أو يومين قبل زوال السادس عشر من غشت 1972 الذي انفضت خلاله أولُ جلسة عمل فعلية للمؤتمر الطلابي، بعد يومين من مفاوضات الكواليس حول التوازنات التمثيلية انسحب على إثرها التيار الذي كان سابقا على رأس قيادة المنظمة الطلابية. لقد انفضت تلك الجلسة على إثر انفراط رئاسة المؤتمر لمّا قفز أعضاؤها من الشباب الجامعي الحالمين بالبؤرة الثورية، الواحد تلو الآخر من المنصة، فارّين خارج القاعة غير مكترثين بالمؤتمرين، وذلك على إثر سماع قعقعة قصف طائرات جماعة "أمقران" و"الكويرة" للقصر الملكي على بعد أمتار من الكلية، بعد أن أفشلت "البَـرَكة"، حسب تعبير الصحافة الفرنسية حينئذ، محاولةَ إسقاط طائرة البوينغ الملكية العائدة بالمرحوم الحسن الثاني من باريس. وقد صادق المؤتمر الطلابي، بعد استئنافه، على وثيقة ضمن مقرراته تتماشى مع أطروحة البؤرة الثورية المذكورة، إلا أن هذه الوثيقة قد تمّ طمسها بعد سنوات من ذلك واستبدلت بها "وثيقة" أخرى على يد الأطراف التي حضّرت للمؤتمر السادس عشر (1979)، الذي شارك فيه بدوره صاحب هذا المقال بصفته عضو بالمجلس الإداري المنبثق عن المؤتمر 15، والذي أعيدت من خلاله الشرعية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، في إطار روح استكمال آخر عناصر تماسك الجبهة الداخلية، بعد ست سنوات من حظر دُشن بالقبض على قيادة المؤتمر الخامس عشر للمنظمة، والذي دُعي لعقده على إثر استقبال المرحوم الحسن الثاني لقياديين سابقين للمنظمة الطلابية في مقدمتهم الاستاذ الطيب بناني، الرئيس السابق للاتحاد قبل المؤتمر الخامس عشر.

لم أر بعدها المرحوم، الوالي مصطفى السيد، ذاك الزميل السابق في الدراسة بمعهد محمد الخامس بتارودانت للتعليم الأصيل، حيث كان متميزا بنحافته، و طول قامته، ولونه الصحراوي، وقسماته الرقيقة، وبتكتمه، وأنفته الصحراوية البادية على كل حركاته، إلى أن شاهدته على شاشة التلفزة الجزائرية سنة 1976 بصفته أمينا عاما لجبهة البوليزاريو. وقد علمت فيما بعد بأنه - وبعد تأسيس جبهة البوليزاريو، بالحكونية إذا لم تخنني الذاكرة، يوم 20 ماي 1973، أي بعد تسعة أشهر من مشاركته في المؤتمر الطلابي بكلية العلوم بالرباط - قد التحق بليبيا للتدريب العسكري، ثم قضى فترة تدريبية أخرى بألمانيا الشرقية، رمز المعسكر الشرقي حينئذ، و البقية يعرف بعضَها الجميع أو قل البعض، إلى أن قضى نحبه في قصف جوي من طرف طائرات الجاكَـوار الفرنسية المدعمة للجيش الموريتاني على إثر أحد هجومات جبهة البوليزاريو على العاصمة الموريتانية نواكشوط يوم 09 يونيو 1976 في إطار تركيزها حينئذ على تفكيك الحلقة الضعيفة في اتفاقية مدريد الثلاثية (بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا) ألا وهي الحلقة الموريتانية التي كان قد آل إليها إقليم وادي الذهب بمقتضى تلك الاتفاقية بناء على سياسة انتصابها أو تنصيبها كطرف معني بالقضية في مرافعات محكمة العدل الدولية التي كان المغرب الرسمي قد اختارها بعد الخطاب الملكي ليوليوز 1974 كإطار لمعالجة الملف.

أما صديق آخر من نفس الطينة، وزميل سابق في الفصل، ما زلت أحتفظ فيما أعتقد، بصورة جماعية للفصل تجمعني به مع أستاذة الانجليزية Miss Caningham، في قسم الرابعة ب من الطور الثانوي حسب التسمية القديمة (1967)، حيث كان يجلس مباشرة أمامي، وذلك بنفس معهد التعليم الأصيل بتارودانت (معهد محمد الخامس)، بعد أن انتقل إليه من ثانوية ابن سليمان الروداني للتعليم العصري بنفس المدينة، ألا وهو ابن طانطان، السيد الليلي محمود، الذي ما زلت أتذكر روعة خطه اليدوي بالحرف اللاتيني، وكذا ابتسامته ومَلاحة نكتته، فقد انقطعت صلتي به بدوره مند أن تم توجيهي إلى المدرسة العليا للأساتذة بكلية الآداب بفاس، بينما اختار هو كلية الحقوق بالرباط، حيث عايش في آخر المشوار الجامعي، حسب ما بلغني، متاعب إدارية ذات علاقة ببعض الوثائق، إلى أن شاهدته بدوره على شاشة التلفزيون الجزائري بنفس السنة، على إثر إعلان السيد "ولد زيـّو" عن قيام "الجمهورية العربية الصحراوية" يوم 28 فبراير 1976، وذلك بصفة ذلك الزميل القديم بمعهد تارودانت رئيسا لأول حكومة لتلك الجمهورية العربية (ما بين 1976 و1982) ولكن باسم آخر هو محمد الأمين ولد أحمد . وقد أصبح بعد ذلك وزيرا للتعليم بثغر تيندوف (1985-1988)، وهو الآن عضو الكتابة الوطنية لجبهة البوليزاريو، ومستشار لدى الرئاسة بنفس المكان، باسم محمد الأمين أحمد ، أي بإسقاط ملحوظ لكلمة ولد ، وتلك دلالات سيميولوجية أخرى ليس هذا مكان تفصيل أمرها. ولعل مثل هذه التفاصيل الطانطانية، والرودانية، والرباطية، هي من بين ما كان يفكر فيه زميلنا في الفصل الدراسي، الصديق السابق، الليلي محمود (أي محمد الأمين أحمد رسميا) حين قال في أحد تصريحاته الأخيرة من نوع المذكرات ما يلي:
"(...) هناك، مع ذلك، أمور لا يمكن نشرها في الوقت الراهن؛ وإذا ما كُـتب لحرب التحرير أن تستمرّ أكثر، فإن كثيرا من الذكريات المهمة يمكن أن يدفنها النسيان مع الفاعلين الذين عايشوها. وإذا ما باح بها المرء من هؤلاء قبل الأوان فإن من شأن ذلك أن يفقده اعتباره كرجل دولة" (نشر في العدد 99 لشهر فبراير 2001 من Bulletin du comité suisse de soutien du peuple sahraoui).

وبما أن صاحب الشهادة الحالية ممن كان يشاطر هؤلاء الرفقاء وغيرهم فكرة البؤرة الثورية إلى جانب المشوار الدراسي وشبه الجهوي – كما اتضح ذلك ضمنيا مما سبق ذكره – فأنه قد حاول من جهته يوما الالتحاق بتيندوف في صيف 1980 فلم يتم ذلك في النهاية بعد أن قضى حوالي أسبوعين في فندق من فنادق العاصمة الجزائرية حيث أنزلته مصالح الأمن الجزائرية التي اختارت له اسم "علي الملياني"، وذلك قبل أن تقرر تلك المصالح – بعد سلسلة من التحقيقات - إرجاء التحاقه بتيندوف إلى حين اكتمال بعض الشروط، فقادته نفس المصالح إلى مطار هواري بومدين حيث كانت قد استقبلته أول مرة. وذلك كان آخر عهد صاحب الشهادة بمغامرة حلم البؤرة الثورية؛ "وتلك الأيام نداولها بين الناس".

خلاصة القول هي أن الطريقة التي اختار المغرب الرسمي في بداية السبعينات من القرن الماشي أن يعالج بها قضية الصحراء، التي اندرجت بدورها حينئذ في آلية تقاطب الحرب الباردة بين المعسكرين، وما تميزت به تلك الطريقة، على مستوى التدبير، من أحداث أبرزها قمع المظاهرة الوطنية التي كان قد قام بها في ربيع 1972 بمدينة طانطان بعض شباب المناطق الجنوبية (ومنهم مؤسس البوليزاريو، الولي مصطفي السيد، وعمر حضرمي، مسؤول الأمن العسكري سابقا بجبهة البوليساريو وحكومتها بمخيمات تيندوف بالجزائر ووالي مدينة سطات المغربية اليوم بعد انشقاقه عن جبهة البوليساريو وحكومتها كما فعل العشرات وعلى رأسهم إبراهيم حكيم، وزير خارجيتها السابق)، وما تلا ذلك القمع من ملاحقات واختطافات اتسعت لتشمل سائر فصائل اليسار التي كانت قد أدرجت تحرير الصحراء من الاستعمار الاسباني في إطار برنامج شمولي للتغيير الراديكالي بالمغرب عامة كما كانت تصوره قيمُ تلك الفترة، هو ما جعل قسطا كبيرا من هذا الشباب المعارض حينئذ يبحث لنفسه عن حلفاء جواريين وجهويين ضمن ما كانت توفره له رقعةُ الظرفية الإقليمية والعالمية في إطار تقاطب المعسكرين.

فإذا لم يكن هناك من شك، كما أكدنا على ذلك سابقا، في أن للجزائر مصالح و أغراضا جيوسياسية في قضية تصفية الاستعمار من الصحراء، وقل نفس الشيء بالنسبة لاسبانيا، أو ليبيا، أو موريطانيا، في فترات معينة، فإنه من باب التخلف الأناكروني عن مواكبة متغيرات الظرفية والتاريخ، الاستمرارُ في ترديد خطاب يرسخ الجزائر كطرف ثان رئيسي جوهري في هذه القضية على سبيل الحصر، والتمادي في تجاهل الطرف الثاني الجوهري حقيقةً ألا وهم ذلك الفريق ممن كانوا حاملين لفكرة البؤرة الثورية الذين انتهت بهم تقليات تحالفات المرحلة وإكراهاتها إلى إعلان قيام "الجمهورية العربية الصحراوية" انطلاقا من مخيمات تيندوف على أرض الإدارة الجزائرية تحت نظام المرحوم هواري بومدين. إن الاستمرار والتمادي في ترديد مثل ذلك الخطاب ليمثل مفارقة صارخة من منظور الوضعية الداخلية التي أصبحت تتسم في المغرب بقيام صيرورة جدية لــ"المصالحة الوطنية" من خلال العمل المتواصل لتصفية الإرث السياسي لما اصطلح على تسميته بسنوات الرصاص، وذلك عبر مبادرات سياسية، منها على سبيل المثال والرمز تنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة التي عالجت و تعالج ملفات كثير من قدماء المعارضين، بمن فيهم بعض من كانوا قد أدرجوا معارضتهم يوما في أفق البؤرة الثورية، [وفي مقدمتهم الرئيس السابق لتلك الهيئة، المرحوم إدريس بنزكري]، و كذا من خلال ما هو قائم من أوجه التمرن على الممارسة الديموقراطية، سياسيا، وثقافيا، وترابيا لامركزيا، ومن خلال توسّع هامش الحريات العامة بما فيها حرية التعبير لمطارحة ملفات كثيرة كانت تصنف ضمن طابوهات الحساسية، مما يسمح في النهاية بإعادة طرح ملف الصحراء من وجهه السياسي الجوهري الأصلي قصد معالجته في ذلك الإطار بالدرجة الأولى بدل الضياع في لبوساته الجيو-سياسية الطارئة دون غيرها.

كما يمثل الاستمرار في ترديد مثل ذلك الخطاب مفارقة و تخلفا أناكرونيا من منظور الوضعية العالمية التي لم تعد تحكمها نفس التقاطبات التي كانت قد أدت إلى اندراج ذلك القطاع من طيف المعارضة المغربية الراديكالية في الإطار الذي اندرج فيه مع بداية بروز قضية الصحراء. فبعد اختفاء و تلاشي القيم التي لم تكن تتصور السياسة العصرية للمجتمع إلا على شكل ممارسة ثورية أداتها العنفُ الثوري المندرج في تقاطبية المعسكرين الاشتراكي الشرقي والرأسمالي الغربي، وبعد انفراط تقاطب هذين المعسكرين الذي كان يؤطر تلك القيم، والذي كانت شعاراته الأممية، رأسمالية كانت أم اشتراكية، تسمح بطمس كثير من الحقائق الانسانية، والإثنية، والجهوية، والثقافية، والقفز على كثيرٍ من الوقائع الملموسة داخليا وجهويا، لم يعد من الممكن لا للخطاب الرسمي، ولا للخطابات الحزبية، ولا الجمعوية، ولا المدنية عامة، أن يحقق شيئا ذا بال، لا في ميدان التعبئة الداخلية، و لا على صعيد الإقناع الخارجي، ولا أن يقوم باختراقات ذات شأن في الأوساط المعنية الجوهرية، إذا لم تدرج القضية - على مستوى مناسب معين من مستويات طرحها و معالجتها - إدراجا واعيا في إطار ما توفره الأجواء الجديدة من إمكانيات المكاشفة الشفافة والمساءلة وحتى المحاسبة إن لزم الأمر وأمكن سياسيا، وفي إطار ما توفره تلك الأجواء كذلك وعلى الخصوص من أطر دستورية وسياسية مواتية لمد الجسور على صعيد بقية المستويات الملائمة، مع من يهمهم الأمر من بين فاعلي الطرف الجوهري الثاني، الذي يتمثل في أطر هيئة البوليزاريو، وسائر الفعاليات الصحراوية المؤثرة في الداخل وفي المنفى على مختلف المستويات، من مستوى سياسي عصري، ومستوى قبلى تقليدي، ومستوى تجديد الأجيال وتشبيبها، وذلك في أفق استكمال الوحدة الترابية للوطن في إطار استكمال المصالحة الوطنية على أسس دستورية وسياسية وثقافية جهاتية تتماشى مع أفق الهيكلة الحداثية اللامركزية للدولة الحديثة.

فيتعين إذن تقويم الخطاب وإعادة توجيهه للعدول عن خطابية لغة الخشب والاختزال والهجاء، وذلك نحو اجتهادات عقلانية من أجل بلورة أطر سياسية وقانونية ملائمة تمكن من المصالحة الوطنية بشكل يأخذ بعين الاعتبار التاريخ البعيد والقريب، من حيث أن أمر الصحراء شيء مصيري بالنسبة للمغرب ككيان كما يبين ذلك التاريخ، ومن حيث أخذ تضحيات الثلاثين سنة الأخيرة بعين الاعتبار كذلك. ففي الوقت الذي عانى فيه البعض ما عاني على مستوى التضحيات البشرية، والتحملات الاقتصادية، والمعاناة السياسية لسنوات الرصاص، التي ارتبطت وةتداخلت في جزء منها مع قضية تصفية الاستعمار من الصحراء، تلك التضحيات التي امتدت عبر مجهودات تنمية المنطقة وتأهيلها اقتصاديا وعصرانيا، عانى فيه البعض الآخر في المخيمات من ويلات التبعات الحربية والاجتماعية والانسانية المترتبة عما حصل من اندراج تلك التصفية للاستعمار في بداياتها في دوامة منطق الوجه الجهوي لتقاطب الحرب الباردة. كما يتعين تطوير خطاب جدي وواقعي يحوز - من خلال واقعيته وغنى أفكاره واستقلاليتها عن وصفات لغة الخشب - مزيةَ القدرة على إقناع أولئك الذين كانوا بالأمس رفقاء نضال من أجل الخروج من ويلات سنوات الجمر، والذين حصل أن لفّـتهم أمواج الحرب الباردة في مظهرها الإقليمي وطوحت بهم إلى حيث هم اليوم، وذلك من أجل أن يشاركوا هذه المرة - بعد أن أصبحت الحرب الباردة في خبر كان، وأصبح المغرب على سكة أخرى - في مسيرة المغامرة الديموقراطية واللامركزية التي دشنها المغرب في المنطقة بكاملها، وذلك، بالطبع، من موقع معطيات جديدة لا تقفز على الوقائع الجديدة للتاريخ القريب، بل تأخذ تضحيات الجميع بعين الاعتبار؛ خطاب وتدبير يقطع مع أساليب وممارسات ونفاق شراء الذمم والولاءات الزائفة مع ما يترتب على تلك الممارسات من تنمية وتشجيع سلوكات الابتزاز والمساومة باسم الوطنية، وذلك من خلال تركيز هذا الخطاب الجديد المتنظر على أن المغرب لا يراهن في بناء توازناته الاستراتيجية الكبرى على اقتصاديات الريع ومنـته، محروقات كان ذلك أم فوسفاطا، ولا يعد أي طرف بشيء من ذلك على سبيل الإغراء، لا في ديبلوماسيته، ولا في استرضاءات مختلف مكونات كيانه العام. أنما يراهن، لبناء قوته وتلبية حاجيات مختلف تلك المكونات، على ما تعد به آفاق ديموفراطيته الفتية من تنمية للعنصر البشري باعتباره أضمن الخيرات وأدومها. ففي ذلك الأفق يتعين على المغرب أن يعيد تصريف مجهوداته لحل توترات الأقاليم الجنوبية عن طريق إشراكها، بشكل متميز، في وجه جديد من أوجه تطوير منجزاته الديموقراطية على مستوى تدبير شؤون الخصوصيات الجهوية التي تعتبر الخصوصية الصحراوية أبرزها وأعجلها. محمد المدلاوي. 25 أكتوبر 2004
-------------------------------------------------
(*1) هذه صيغة، مع شيء طفيف من التحيين، لمقال كان قد نشر في اليوميتن المغربيتين، الصباح (نوفمبر 2004) و الأحداث المغربية (عدد 2122؛ 17 نوفمبر 2004) تحت عنوان "من هو الطرف الجوهري الثاني بعد المغرب في قضية الصحراء؟ ".




#محمد_المدلاوي_المنبهي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر العراقي ضياء الشكرجي حول العلمانية والدين والاحزاب الاسلامية في العراق والشرق الاوسط
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسئلة حول التنوع الثقافي واللغوي في وسائل الإعلام بالمغرب (* ...
- اللغة العبرانية في عشرية تدبير اللغات الأجنبية بالمغرب (*1)
- فصيلة الأسئلة المغيَّبة في النقاش حول حرف كتابة الأمازيغية ( ...
- أسئلة حول اللسانيات والبحث العلمي بالمغرب (حوار)
- هل من تعارض وطني بين إنصاف الأمازيغية وتأهيل العربية؟ (حوار)
- موقع اللغة الأمازيغية من التعدد اللغوي بالمغرب
- انطباعاتٌ عن طباع وطبوعٍ وإيقاعاتٍ من بايروت
- عن اللقاء حول مسألة الديموقراطية في المملكة المغربية


المزيد.....




- رأي.. عبدالخالق عبدالله يكتب لـCNN: رسالة من أكاديمي إماراتي ...
- مكالمة هاتفية بين جندي ووالدته تم اعتراضها تكشف حقيقة حرب بو ...
- رأي.. عبدالخالق عبدالله يكتب لـCNN: رسالة من أكاديمي إماراتي ...
- سوريا.. القوات الأمنية تحبط محاولة تهريب مخدرات إلى الأراضي ...
- لجنة تحقيق وزارية ضد مدير عام شركة كهرباء الشمال وحمايته
- شولتس: خطر حدوث تصعيد نووي تضاءل وروسيا توقفت عن التهديد به ...
- زلزال بقوة 5,5 درجة في داغستان
- قلق في الولايات المتحدة الأمريكية من نمو المشاعر المؤيدة لرو ...
- محادثات تركية روسية في اسطنبول تتناول القضايا الإقليمية والد ...
- مرض نادر يجبر شابة سورية على الضحك حتى الإغماء (فيديو)


المزيد.....

- عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية / مصطفى بن صالح
- بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها / وديع السرغيني
- غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب / المناضل-ة
- دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية / احمد المغربي
- الكتاب الأول - دراسات في الاقتصاد والمجتمع وحالة حقوق الإنسا ... / كاظم حبيب
- ردّا على انتقادات: -حيثما تكون الحريّة أكون-(1) / حمه الهمامي
- برنامجنا : مضمون النضال النقابي الفلاحي بالمغرب / النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
- المستعمرة المنسية: الصحراء الغربية المحتلة / سعاد الولي
- حول النموذج “التنموي” المزعوم في المغرب / عبدالله الحريف
- قراءة في الوضع السياسي الراهن في تونس / حمة الهمامي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - محمد المدلاوي المنبهي - قضية الصحراء: عودة إلى تطوير الخطاب والسياسة في المغرب (*1)