ايران و - اسرائل- وأسئلة المواجهة .


فريد العليبي
الحوار المتمدن - العدد: 7947 - 2024 / 4 / 14 - 20:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في البد كانت السفينة " الإسرائيلية " المحتجزة ايرانيا من دبي في اتجاه فلسطين المحتلة . وكان السؤال ماذا تحمل ؟ علما انه تردد منذ مدة خبر امداد الامارات العربية المتحدة الكيان الصهيوني بمواد تموينية وان هناك جسرا يمر منها اليه عبر الاردن والسعودية بل انه ربما كان أطول من ذلك بكثير ليكون منطلقه الهند ، ويذكر ايضا ان الامارات مرتبطة بعلاقات ديبلوماسية وتجارية مع الكيان وربما عسكرية وثقافية أيضا وقد فهم ذلك على انه رد على ضرب القنصلية او جزء منه.
وتتالت الأسئلة حول ما اذا كانت بعض الأقطار العربية المطبعة ستتأثر بالمواجهة في حال اتساع نطاقها مثل الامارات والبحرين والأردن الخ .. وكان لافتا خلال الهجوم الحاصل بعد ذلك قول مصدر عسكري في القوات المسلحة الإيرانية ان طهران تراقب التحركات العسكرية الأردنية وانه في حال التعاون بين الكيان والمملكة فان الأردن سيكون هدفا إيرانيا مستقبلا.
وبلغت الأسئلة مدى أوسع لتطال رد الفعل الأمريكي المحتمل وما اذا كان البنتاغون سيستعمل قواعده في المنطقة ومنها تلك المتمركزة في قطر وتركيا والبحرين والأردن وسوريا والعراق الخ .. وتبين بعد ذلك ان أمريكا وانجلترا وفرنسا قد استعملت قواتها البحرية والجوية لاعتراض المسيرات والصواريخ الإيرانية في نجدة معلنة لـ" إسرائيل " بما ذكر بالعدوان الثلاثي على مصر الناصرية سنة 1956 التي حضرت فيه إنجلترا وفرنسا بينما غابت أمريكا وقتها ، أما ايران الحالية فهي تواجه وحدها ظاهريا على الأقل عدا مساعدة المقاومة العربية من لبنان واليمن والعراق وفلسطين .
وكان ضروريا ربط تلك الأسئلة بمعلومات تقول ان المواجهة ستكون جزئية بعد اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الإيراني مع نظيرته الألمانية يوم 11 أفريل 2024 عبر فيه عن عزم بلاده الرد على تدمير القنصلية بـ"طريقة ملائمة ومحدودة"، بحسب ما نقله موقع "أكسيوس" الإخباري . علما ان المانيا كانت دوما عراب العلاقات الإيرانية الغربية وهى التي كانت الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين حزب الله و" إسرائيل " لتبادل الاسرى في مناسبات مختلفة وقد تبين بعدها ان وزير الخارجية الإيراني قد اجرى اتصالات مع نظرائه أيضا في هولندا وبلجيكا وقبرص و من ثمة شرعية الاستنتاج ان الامر يتعلق بان الهجوم الإيراني اذا حدث خلال المدة التي حددتها أمريكا ( نهاية الأسبوع ) فذلك معناه انه متحكم به و جزئي وتحت السيطرة بما يتطابق مع الحذر الاستراتيجي الذي تتصف به السياسة و العسكرية الإيرانية في نفس الوقت .
ولا ريب ان ايران ابلغت طرفا ثالثا قد يكون روسيا او المانيا او سوسيرا بموعده وان ذلك الطرف ابلغ امريكا وهذه أبلغت " إسرائيل " وان المطلوب من أمريكا كان التحكم بردود الفعل الصهيونية وحسن ضبطها فالهجوم الايراني حصل كما توقعت أمريكا وكان مستغربا ان الكيان هو من أعلن عن بدايته على لسان ناطقه الرسمي مع تحديد طبيعته باعتباره لن يشمل الا أهدافا عسكرية .
ثم كان اعلان ايران عبر تلفزيونها الرسمي بعد ذلك عن الهجوم ونسبته الى الحرس الثوري . و ذلك الاعلام المسبق ثبت غداة الهجوم عندما قال وزير الخارجية الإيراني انه تم ابلاغ دول الجوار به قبل 72 ساعة وان الهجوم كان مدروسا ومحدودا في حين وصفه الرئيس الإيراني بالمسؤول والمتناسب.
ومن ثمة انتفى عنصر المفاجأة هذه المرة بعكس الهجوم الصهيوني على القنصلية التي قالت أمريكا نفسها صادقة أو كاذبة انها لم تعلم به الا قبل دقائق من التنفيذ والطائرات في الجو والايدي تستعد للضغط على أزرار الصواريخ لتحول القنصلية الى ركام .
ورغم ان ذلك قد وفر فرصة للتخلص من الصداع الإيراني الدائم منذ سنوات وهو الذي يهدد بالتطور لكي يصبح صداعا نوويا عبرت أمريكا عن رغبة في تلافي حرب ضد ايران، ويفسر ذلك بأن بايدن يواجه تحديا انتخابيا داخليا فترامب يهدد بإحالته على التقاعد النهائي والخروج مهزوما من الحلبة الرئاسية في ظل حرب الإبادة الجماعية في غزة التي جعلت جزء غير قليل من الأمريكيين ينفرون منه ومن حزبه ، فضلا عن ان أمريكا تواجه تحديا خارجيا ممثلا في الحرب الروسية الأوكرانية فهي لا تريد تشتيت قو تها والتورط في خوض مواجهة على جبهات متعددة في ظل تراجع القوات الأوكرانية التي تفقد يوميا المزيد من مواقعها امام تقدم عسكري روسي جعل ممثل روسيا في مجلس الامن يطلب من نظرائه الغربيين الاستعداد لتقبل استسلام أوكرانيا قريبا دون قيد أو شرط.
ويبدو ان ايران كانت حريصة على أن يتم هجومها بداية ونهاية تحت الأضواء ودون أدنى مفاجأة كما قلنا حتى انها كانت تصرح بكل خطوة تخطوها فبعد ساعات قليلة من بدء الهجوم أصدرت بعثتها في الأمم المتحدة بلاغا قالت فيه ان الرد انتهي وهو ما اثار التوجس الصهيوني في البداية وفهم على انه تبادل أدوار بين المؤسستين السياسية والعسكرية في الجمهورية الإسلامية حتى ان الناطق باسم الجيش الصهيوني فند ذلك قائلا ان الهجوم مستمر ولكن المؤسسة العسكرية الصهيونية نفسها ما لبثت ان اكدت ذلك قائلة في تواصل مع السكان القابعين في الملاجئ انه لا حاجة الى البقاء فيها ثم كان تصريح رئيس هيئة الأركان المسلحة الإيرانية عن نهاية الهجوم وانتفاء الرغبة في مواصلته مع الاستعداد على الرد على الرد في حال حصوله .
واستخلص البعض ان الأمر أقرب الى مسرحية ذات فصول معلومة ولكن العقل السياسي والعسكري الرسمي في ايران كان يشتغل على نحو آخر فهو مدرك انه يقوم بعمله اضطرارا لا اختيارا وان ايران تخوض مواجهة عادلة وتناصر قضية فلسطينية لا تقل عدلا ولكنها وحدها تقريبا كما قلنا واذا كانت إسرائيل منظورا اليها لوحدها تمثل صيدا سهلا فإنها عندما تكون تحت حماية حلف الناتو فإنه من الأفضل مواجهتها جزئيا ومؤقتا وان الاستراتيجي هو خط المقاومة الشعبية وهو ما ترسخ عبر السنين من خلال الحروب الرسمية السابقة التي انتهت كلها بالخسران جراء انخرام كبير في موازين القوى بينما حققت المقاومة انتصارات جزئية .
وبدا الكيان واثقا من نفسه حتى انه في بعض لحظات الهجوم لم يكن في حاجة الى اطلاق صفارات الإنذار مكتفيا بتشغيل منظومات الدفاع الجوي بأنواعها المختلفة ، وكان واضحا انه تلقى دعما فعالا من طرف دول امبريالية ثلاث على الأقل هي أمريكا وانجلترا وفرنسا ،التي تتالت اعترافاتها المتبجحة بعد ذلك باسقاط جزء من الطائرات والصواريخ المهاجمة في أجواء العراق وسوريا وربما في الأردن أيضا اما الطيران الصهيون فقد غادر بعضه أجواء فلسطين المحتلة للمشاركة في حملة التصدي تلك ولا يعرف ان حلق في أجواء اقطار عربية، ومرة أخرى بدا الكيان باعتباره ثكنة امبريالية لا يمكنها الاستمرار في الحياة الا في كنفها
لقذ عانت المؤسسة العسكرية الإيرانية جيشا وحرسا طويلا من تلك الثكنة من قتل جنودها و ضباطها في العراق وسوريا وفي ايران نفسها دون اعلان عن مسؤوليتها غالبا والان وجد ت المناسبة للرد بعد مهاجمة قنصلتيها فكان الانطلاق من ارضها نفسها لا من خلال المقاومات التي تتبعها في المنطقة معلنة نهاية مرحلة " صبرها الاستراتيجي " بعد توغل " الثكنة " في صلفها وغطرستها من جهة ومن جهة ثانية بعد اكتمال استعدادها لذلك على ما يبدو، حتى انها قالت ان جنودها قد تدربوا على الهجوم الأخير منذ أشهر .
واليوم يجد العرب الذين خسروا أنظمة رسمية كانت في تناقض معلن مع أمريكا و" إسرائيل" في ايران دولة ونظاما وشعبا ما يعيد لذلك التناقض وهجه مع استفادة من تجارب السنين ضمن سيرورة طويلة من المجابهة مع الثكنة ورعاتها ، تلك المجابهة التي تتصاعد اليوم ويمكن ان تكون لها في الغد القريب لحظاتها الأشد حرجا وقوة والتي لا تحتاج تنظيم صفوف المقاومة العربية وحدها وانما أيضا حسن تدبير العلاقة مع حلفائها في الإقليم والعالم قاطبة بعيد عن النعرات الطائفية والقومية والدينية وما شابهها.