الأوضاع السياسية في كوردستان وطريق الحل


منظمة البديل الشيوعي في العراق
الحوار المتمدن - العدد: 7200 - 2022 / 3 / 24 - 05:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

الصراع الدائر بين الحزبين البرجوازيين القوميين الحاكمين في إقليم كوردستان بلغ أوجه، صراع حول كيفية تشكيل الحكومة المركزية في العراق، حيث يرى كل منهما نفسه في أحدى الجبهتين المعاديتين للثورة ، جبهة ( الصدر ) و ( الاطار التنسيقي) والتحول الى بيضة القبان في كفة الاستقطابات للدول الرجعية في المنطقة وامتداداتها الدولية .
في هذه الأجواء السياسية، نرى بأن غالبية سكان هذا الإقليم، لا يعلوا وجوههم الاستياء والتذمر حول حياتهم ومعيشتهم، هم وعوائلهم ومستقبل أبنائهم فحسب، بل ويضطرون، وبشكل يومي، الى الاضراب والتظاهر والاعتراض في الشوارع ضد تأخر صرف رواتبهم، ضد انعدام الخدمات الأساسية كالنفط والغاز والكهرباء والماء ، ضد سوء وغلاء الخدمات في القطاع الصحي والتعليمي وضد البطالة و غلق باب التعيين في القطاع العام من قبل حكومة الإقليم .
هذا في الوقت الذي ظهرت شريحة من الأغنياء من أصحاب الملايين والمليارات الذين يمتلكون الشركات العملاقة وكبار التجار وبالأخص داخل اقطاب السلطة ومن هم في الرديف الأول داخل الحكومة والأحزاب والمؤسسات الحاكمة في الاقليم، وبذلك تمركزت السلطة والاقتصاد ككتلة متراصة تحت قبضة أقلية في إقليم كوردستان من جهة، وفرض الفقر والبطالة وانعدام الحقوق على غالبية الجماهير الكادحة في الإقليم من جهة أخرى، بحيث تحول الوضع داخل المجتمع الى تنامي ظاهرة ارتكاب الجرائم والاقدام على الانتحار واغتيال النساء وتزايد عدد الضحايا من الشباب أثناء محاولتهم الهجرة الجماعية خارج البلاد كطريق للخلاص من هذه الأوضاع المأساوية التي خلقتها السلطة. ليس هذا فحسب، بل ان الحكومة والأحزاب المليشياوية الحاكمة لم تتردد في مواجهة موجة الانتفاضة والتظاهرات والاعتراضات الجماهيرية بالحديد والنار والقمع الدموي لها .
ان الاجندة والمنهاج الاقتصادي لحكومة الإقليم وأحزاب السلطة وكذلك جميع قوى المعارضة البرجوازية القومية والليبرالية والإسلامية، تلخصت في الخصخصة والنيو ليبرالية، وقد تجلى ذلك في المؤتمر المشترك الذي انعقد في أربيل بتأريخ ( ٣٠ / ٥ / ٢٠١٦ ) تحت شعار ( الإصلاح في اقتصاد اقليم كوردستان ) بين ( البنك الدولي ) و(حكومة إقليم كوردستان ) بمؤازرة ومساندة ( الأمم المتحدة ) حيث أعلنوا عن استراتيجية لمدة ثلاث سنوات وخطة للإصلاح الاقتصادي في إقليم كوردستان، وقد هنأ ( مسعود البرزاني ) رئيس الإقليم آنذاك وبعث برسالة تأييد ودعم لهذه الخطة يوم ( ٩ / ٦ / ٢٠١٦ ) .
محتوى هذه الخطة وهذا الإصلاح كان تملص وتهرب حكومة الإقليم بأسرع ما يمكن من الصرف على الخدمات العامة، إيقاف التعيينات وتوفير فرص العمل في القطاع العام، خفض اعداد العمال والموظفين، إحالة وتقديم الخدمات للمواطنين عن طريق الشركات والتي ترتبط كل منها، بطريقة أو بأخرى، بأحزاب السلطة. الكابينة الوزارية التاسعة التي بدأت أعمالها في تموز عام ( ٢٠١٩) سارعت بتنفيذ هذا المشروع بخطى أسرع تحت مسمى الإصلاح.
عكس ما تذهب اليه التحليلات السياسية للقوى الليبرالية والمعارضة البرجوازية القومية الليبرالية والإسلامية من كون هذه الأوضاع ناجمة عن قلة الخبرة والكفاءة لقسم من السياسيين وقادة الأحزاب والحكومة، فإنها ناجمة عن عمل واعٍ مشترك ومنسق للسلطة المحلية للبرجوازية الكوردية مع المؤسسات البرجوازية الامبريالية العالمية. تحولت كوردستان، منذ أمد بعيد، الى جزء من السوق الرأسمالية العالمية ونسقت سلطتها وتكاملت مع سلطة الدول البرجوازية الرجعية في المنطقة ومع استراتيجية وخطة الدول الامبريالية الغربية وبالأخص الامبريالية الامريكية.
اليوم، وصل المجتمع في كوردستان الى طريق مسدود، لا يمكن للجماهير بأي شكل من الاشكال الاستمرار بحياة كهذه التي فرضتها عليهم السلطة، وان سلطة الإقليم عاجزة عن تقديم أية حلول لهذه الازمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخانقة التي تَعمّ المجتمع. منذ أمدة بعيد ظهر الوجه الحقيقي لهذه السلطة كسلطة للثورة المضادة ومعادية للجماهير الكادحة والاحرار، كسلطة ذكورية رجعية معادية للمرأة.
في هذه الأثناء، تسعى المعارضة البرجوازية الليبرالية القومية والإسلامية الى تجميع قواها والاستفادة من هذه الاعتراضات وتحويلها الى رأسمال سياسي وتوجيه ضربة الى السلطة من أجل إيجاد تغيير شكلي سياسي في السلطة و هيمنتها الاقتصادية، وذلك من أجل فسح المجال لهم للمشاركة في السلطة من جهة، والحفاظ على البرلمان والمؤسسات البنوية للسلطة البرجوازية ونظامها الاقتصادي النيو ليبرالي من خطر انتفاضة جماهير العمال والكادحين من جهة أخرى.
إزاء هذه الأوضاع ، كان ولا يزال رد الطبقة العاملة والمفقرين والشابات والشباب التحرريين ومنذ أمد بعيد، هو الانتفاضة والنضال الثوري الجماهيري للإطاحة بكلا النظامين في كوردستان وعلى صعيد العراق. أما المعارضة البرجوازية فكانت ولاتزال تسلك طريق الإصلاح المنقوص والتحايل والصراع البرلماني المبني على التوهم للحيلولة دون انتصار هذه الثورة.
بعكس المحاولات الوهمية للبرجوازية المعارضة، فان النضال الجماهيري المستقل لفرض المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخدمات العامة للجماهير في كوردستان على السلطة البرجوازية القومية الكوردية، وأي تقدم في هذا المجال وعلى صعيد التنظيم المستقل للعمال والشبيبة والنساء المضطهدات، ستوفر وتقوي وتهيء أكثر الأرضية السياسية والاجتماعية واستعداد قوة التغيير الثوري .
ان للعمال والكادحين والساعين الى الخلاص من قبضة النظام في إقليم كوردستان، مصلحة مشتركة طبقية واجتماعية وسياسية تجمعهم مع العمال والكادحين في معظم أرجاء العراق، عكس البرجوازية الحالية اليوم في العراق والمنقسمة على أساس القومية والطائفية والتابعة لهذه الدولة أو تلك أو في مسارات متضادة، والتي فرضت سلطتها الطبقية عن طريق التوافق والقمع من قبل ميليشياتها.
ان المهمة الأولية الأساسية هي تقوية معسكر ثورة العمال والمحرومين ضد نظامٍ يضطهد ضمن اطاره الانسان العامل والكادح، وكذلك التسلح بأفقهم السياسي والفكري الطبقي المستقل وببديلهم الاقتصادي والاشتراكي والأممي.
ان الحل هو التنظيم بأفق اشتراكي أممي يمكن من خلاله ربط الطبقة العاملة في كوردستان ونضالها مع نضال الطبقة العاملة في عموم العراق لإنهاء سلطة البرجوازية.
١٧ / آذار- مارس / ٢٠٢٢