نشرة القانون والأخلاقيات في التكنولوجيا
الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 12:18
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
بقلم: القانون والأخلاقيات في التكنولوجيا «Law and Ethics in Tech»
يَعِدُنا وادي السيليكون باستمرار بعالم مثالي برّاق، يعالج فيه الذكاء الاصطناعي الأمراض المستعصية، ويرفع كفاءة العمل على مستوى العالم، ويجعل مفهوم المال نفسه شيئاً من الماضي. غير أن واقعاً أشد إثارة للقلق يتشكّل خلف العروض المصقولة وحملات العلاقات العامة للشركات. فحفنة من أباطرة التكنولوجيا فاحشي الثراء، على رأس شركات ميتا وغوغل وأوبن إيه آي وأنثروبيك وإكس إيه آي، تتخذ بصورة منفردة قرارات تتعلق بالمستقبل المشترك للبشرية، خارج نطاق الرقابة الديمقراطية والمساءلة العامة.
يكشف هذا التركّز في السلطة عن مفارقة صارخة: الرؤساء التنفيذيون أنفسهم الذين يزعمون أن الذكاء الاصطناعي سيحل أعظم مشكلات البشرية يحذّرون، في الوقت نفسه، من أنه قد يقود إلى فناء الحضارة، ويصفون مسعاهم علناً بأنه «استحضار للشيطان». وبدلاً من التريّث في تطويره، سرّع هؤلاء سباق تسلّح ينذر بالكارثة لبناء أنظمة فائقة القوة، مقدّمين أنفسهم بوصفهم حراساً لا غنى عنهم لضمان بقاء البشرية.
ولفهم الوجهة التي يدفع إليها الذكاء الاصطناعي مجتمعاتنا، علينا تجاوز التسويق المؤسسي وفحص التصورات الفكرية والجذور التاريخية والأضرار المادية التي تقف وراء اندفاع النخبة التكنولوجية. فعندما نتجاوز الضجيج الاستهلاكي السطحي، نكتشف كيف يدفع مزيج سامّ من الأيديولوجيات الهامشية، وممارسات استغلال العمل، والتحالفات مع الدول السلطوية، وادي السيليكون نحو ما يسميه منظّرون نقديون وباحثون قانونيون «الفاشية التكنولوجية».
الحقيقة الأولى: عقيدة «تِسكرِيال» والسباق لبناء «إله آلي»
لفهم اندفاع وادي السيليكون المحموم نحو الذكاء الاصطناعي العام والذكاء الاصطناعي الفائق، لا بد من فهم الإطار الأيديولوجي الغريب الذي يؤثر في قادته. فقد صاغ الفيلسوف إميل توريس وعالمة الحاسوب تيمنيت غيبرو اختصار TESCREAL لوصف مجموعة من التصورات الفكرية شديدة الترابط: ما بعد الإنسانية، والإكستروبية، والتفرّدية، والكونية، والعقلانية، والإيثار الفعّال، والنزعة بعيدة الأمد.
ويلفت الدكتور إميل توريس إلى حقيقة تاريخية جوهرية في صميم هذه الأيديولوجيا، وهي أن ما بعد الإنسانية تمثّل، في جوهرها، «نسخة فائقة من تحسين النسل». فعلى خلاف تحسين النسل في القرن التاسع عشر، الذي سعى إلى تحسين النوع البشري القائم عبر التناسل الانتقائي، تسعى ما بعد الإنسانية إلى استخدام تقنيات جذرية لتجاوز البشر وإحلال نوع جديد كلياً من الكائنات ما بعد البشرية محلّهم. وفي أوساط الذكاء الاصطناعي بوادي السيليكون، يُشار صراحة إلى هذا الذكاء الفائق الافتراضي باسم «الإله الآلي». ويتصرف الرؤساء التنفيذيون لشركات التكنولوجيا عملياً بوصفهم كبار كهنة يتنافسون على إخراج معبود رقمي كليّ المعرفة إلى حيّز الوجود.
وتؤثر هذه الأيديولوجيا الجذرية في خطط الشركات بطرق ملموسة ومقلقة:
سام ألتمان «أوبن إيه آي»: جادل ألتمان، في تدوينة بعنوان «الاندماج»، بأن تجاوز الذكاء الاصطناعي لقدرات العقل البشري أمر حتمي. وقدّم البشر غير المندمجين مع الآلة بوصفهم «برنامج إقلاع بيولوجياً» مؤقتاً للذكاء الرقمي، سينحسرون في نهاية المطاف إلى فرع جانبي من شجرة التطور. كما دفع عشرة آلاف دولار للانضمام إلى قائمة انتظار لدى شركة «نيكتوم» المعنية بنقل محتويات الدماغ إلى وسيط رقمي، وشارك في تأسيس مشروع لواجهات الربط بين الدماغ والحاسوب لتيسير هذا الاندماج.
راي كورزويل وديميس هاسابيس «ديب مايند»: يجسّد كورزويل النزعتين الإكستروبية والتفرّدية، ويروّج لفكرة إطالة العمر بما يكفي لبلوغ الخلود الرقمي، مستهدفاً الوصول إلى «تفرّد» قادر على تحسين ذاته بحلول عام 2032. ويتحرك هاسابيس، الشريك المؤسس لشركة ديب مايند، بدافع تفرّدي مشابه يسعى إلى هندسة ذكاء يتطور ذاتياً.
إليعازر يودكوفسكي «العقلانية»: يُعدّ من الشخصيات المؤسسة للفكر العقلاني المعاصر، واشتهر بطرحه حساباً أخلاقياً نفعياً يرى أن إخضاع شخص واحد لتعذيب متواصل طوال خمسين عاماً أفضل أخلاقياً من تعرّض عدد هائل يفوق التصور من البشر لإزعاج طفيف تسببه ذرّة غبار في العين.
إيلون ماسك «إكس إيه آي/سبيس إكس»: يجسّد ماسك النزعة بعيدة الأمد بصورتها التقليدية، إذ يستشهد صراحة بتمدّد الشمس بعد مليارات السنين لتبرير إعطاء الأولوية للاستيطان الفضائي على كواكب متعددة، على حساب معالجة المعاناة البشرية الفعلية والراهنة على الأرض.
«نشأت هذه الأيديولوجيات جميعها من ما بعد الإنسانية الحديثة… وهي أيديولوجيا ترى وجوب تطوير تقنيات متقدمة تتيح لنا إعادة هندسة الكائن البشري جذرياً، وصولاً إلى خلق نوع جديد ما بعد بشري… وفي وادي السيليكون ومحيطه، يُطلق حتى على الذكاء الاصطناعي بالغ التطور، أو ما يسمى الذكاء الفائق، اسم “الإله الآلي”. وهذا يعني أن الرؤساء التنفيذيين لشركات التكنولوجيا الكبرى، المتسابقين لإطلاق أنظمة ذكاء اصطناعي أشد قوة باستمرار، ينصّبون أنفسهم عملياً كهنةً يجلبون قوة الإله الآلي إلى العالم».
الدكتور إميل توريس، فيلسوف ومؤرخ
وفي المحصلة، تختزل الحسابات الأخلاقية لمنظومة «تِسكرِيال» البشر الأحياء إلى تشويش إحصائي يمكن الاستغناء عنه. فمن خلال إعطاء الأولوية لتريليونات افتراضية من الكائنات الرقمية التي قد تعيش في عوالم مجرّية مثالية في مستقبل بعيد، يمنح مديرو وادي السيليكون أنفسهم ترخيصاً أخلاقياً لتجاهل التدمير البيئي الراهن، واستغلال العمالة عالمياً، وزعزعة الاستقرار الاجتماعي على نحو ممنهج.
الحقيقة الثانية: الجذور الخفية للذكاء الاصطناعي، وكيف يعيد التصنيف الرياضي إنتاج منطق تحسين النسل في القرن التاسع عشر
يُسوَّق تعلّم الآلة المعاصر بوصفه علماً موضوعياً بالغ التطور، غير أن بنيته الرياضية الأساسية موروثة مباشرة من حركة تحسين النسل في القرن التاسع عشر. فالأدوات الإحصائية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي الحديث، ومنها الانحدار اللوجستي والارتباط الإحصائي وتصنيف الأنماط في الشبكات العصبية، صمّمها الإحصائيان البريطانيان الأوائل فرانسيس غالتون وكارل بيرسون. وكان كلاهما من دعاة تحسين النسل الصريحين، وقد ابتكرا هذه الصيغ الرياضية لقياس الجماعات البشرية وترتيبها وتصنيفها، بغرض إثبات التفوّق الوراثي للنخب البيضاء الثرية.
ويتداخل هذا الإرث الرياضي بعمق مع النشأة المؤسسية لوادي السيليكون نفسه:
منظومة بالو ألتو: أنشأ قطب السكك الحديدية ليلاند ستانفورد منشأة لتربية الخيول في بالو ألتو، ووضع تدريبات صارمة لعدو الأمهار بهدف تحسين خصائص خيول السباق. وقد أسّس هذا المنطق القائم على التحسين البيولوجي لنمط ثقافي طبع المنطقة.
التعقيم بغطاء أكاديمي: طبّق عالم التصنيف ديفيد ستار جوردان، أول رئيس لجامعة ستانفورد، منطق تربية الخيول على الجماعات البشرية، ودافع بشدة عن فرض الدولة تعقيم الأفراد الذين يُعدّون «أدنى» اجتماعياً أو بيولوجياً.
اختبار الذكاء: أعاد عالم النفس بجامعة ستانفورد لويس تيرمان صياغة أداة فرنسية للتشخيص التربوي، ليبتكر اختبار «ستانفورد بينيه» للذكاء، الذي صُمّم صراحة لترتيب قيمة البشر منذ مراحل مبكرة من حياتهم، وتبرير منع الفئات ذات الدرجات المنخفضة من الإنجاب.
روّاد الترانزستور وتحسين النسل: أمضى ويليام شوكلي، الذي أسهمت أبحاثه في الترانزستور والحائزة جائزة نوبل في نشوء صناعة العتاد بوادي السيليكون، سنواته الأخيرة يروّج لادعاء أن السود أدنى ذكاءً من الناحية الوراثية. وقد نُفّذت في كاليفورنيا نحو عشرين ألف عملية تعقيم قسري، أي ما يقارب ثلث مجموع هذه العمليات في الولايات المتحدة.
الذكاء الاصطناعي الحديث لا «يفكر» ولا يمتلك فهماً واعياً؛ إنه يجمع مجموعات هائلة من البيانات لاستخراج الارتباطات الإحصائية، وتصنيف المدخلات، وترتيب المخرجات. ولأن تعلّم الآلة يرث بيانات البشر التاريخية، فإنه يحوّل التحيّزات الاجتماعية الموروثة إلى قواعد رسمية ويضخّمها تحت غطاء الحياد الرياضي.
«لطالما قالت قصة تحسين النسل: نعم، أنتم الذين قررتم أنكم أفضل من الجميع، أنتم محقّون. ويمكننا إثبات ذلك بالعلم، ومن ثم يبدو الأمر عادلاً بطريقة ما… تقوم الفكرة الأساسية للشبكات العصبية إلى حد بعيد على التصنيف والترتيب… وفكرة إمكان ابتكار تكنولوجيا ذات ذكاء متفوق تنطوي منذ البداية على افتراض لا يقتصر على كون الآلة أكثر ذكاءً، وإنما يمتد إلى اعتبار بعض البشر أكثر ذكاءً وبعضهم الآخر أقل».
الدكتور دان ماكويلان والأستاذ ديف كاربف
عندما تستخدم أنظمة التوظيف المؤتمت، أو محركات التقييم الائتماني، أو أدوات الفحص التنبؤي لاستحقاق الرعاية الاجتماعية، تعلّم الآلة لفرز البشر، فإنها تعمل بوصفها محركات متقدمة تقنياً للفرز القائم على منطق تحسين النسل. وكما أشار روي أوستن، نائب رئيس ميتا السابق لشؤون الحقوق المدنية، حين استخدمت أمازون خوارزمية توظيف مؤتمتة دُرّبت على ملفات الموظفين السابقين، استبعد النظام المتقدمات من النساء بصورة منهجية. ولأن بيانات التدريب عكست معياراً تاريخياً يتمحور حول الرجال البيض، خلصت الخوارزمية إلى أن النساء أقل تأهيلاً بطبيعتهن، في مثال تقليدي على التمييز المؤتمت: «مدخلات رديئة، مخرجات رديئة».
الحقيقة الثالثة: وراء أسطورة الذكاء الاصطناعي، استيلاء واسع على الملكية الفكرية واستغلال للعمل البشري
يقدّم وادي السيليكون الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه معجزة رقمية نظيفة، تكاد تكون بلا وزن أو كلفة مادية. لكن الواقع، كما توضّح كيت كروفورد، الباحثة في مايكروسوفت ريسيرش، في كتابها «أطلس الذكاء الاصطناعي»، هو أن التكتلات التكنولوجية تعتمد على نموذج صناعي استخراجي يشبه الاستعمار التاريخي، إذ تتعامل مع البيانات المتاحة للجمهور، والإبداع الفني البشري، والموارد الطبيعية، باعتبارها أشياء بلا مالك تنتظر استخراجها لتحقيق أرباح الشركات.
ويجري هذا الاستخراج عبر ثلاث سلاسل إمداد متميزة:
الاستيلاء الواسع على الملكية الفكرية: تجمع شركات الذكاء الاصطناعي الأعمال الأدبية المحمية بحقوق النشر، ومجموعات الأعمال الفنية، وبيانات التتبّع الخاصة عبر الإنترنت، من دون موافقة أو تعويض. ودفعت شركة أنثروبيك، التي أسّسها داريو أمودي، أحد أبرز واضعي «قوانين التوسّع» في الذكاء الاصطناعي، 1.5 مليار دولار تعويضات قانونية بعد قرصنة كتب محمية بحقوق النشر بصورة غير مشروعة لتدريب نماذجها. ووصل اندفاع الشركة لجمع البيانات إلى شراء 166 طناً من الكتب الورقية باللغة الكورية لتغذية خوارزمياتها، ما أثار إدانة شديدة من الكاتبة أرونداتي روي، الحائزة جائزة بوكر، ومن مبدعين حول العالم.
استغلال العمالة العالمية القائمة على المهام: المحرّك الخفي لتعلّم الآلة هو عمل بشري يدوي هائل. فشركات مثل «سكيل إيه آي»، التي أسّسها ألكسندر وانغ، الذي أصبح مليارديراً في الرابعة والعشرين قبل أن تضخ ميتا نحو 14 مليار دولار في شركته، تعتمد على جيوش من العمال منخفضي الأجر في الفلبين وكينيا وفنزويلا. ويتقاضى هؤلاء مبالغ زهيدة عن كل مهمة لتوسيم البيانات وتصفية المحتوى المروّع والصادم نفسياً، في عمل شُبّه بـ«إلصاق العيون على الدمى». ويعانون من انتشار سرقة الأجور وصدمات نفسية حادة، من دون ضمانات العمل الأساسية.
الاستنزاف البيئي والتفاوت المحلي: يتطلب تدريب النماذج التأسيسية الضخمة استخراجاً كثيفاً للمعادن اللازمة للعتاد المتخصص، ويستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه المحلية لتبريد مراكز البيانات، ما يرفع فواتير الخدمات على المجتمعات المحيطة. وفي المقابل، تقف الثروة المذهلة المتركزة في قمة وادي السيليكون على طرف نقيض من أوضاع عمال الخدمات المحليين، الذين يُضطر كثيرون منهم إلى العيش في السيارات ومواقفها أو في شقق مكتظة، رغم عملهم في أكثر من وظيفة.
الذكاء الاصطناعي التوليدي آلة استخراجية تستنزف النظم البيئية للكوكب وقوة العمل البشرية لإشباع متطلبات التوسّع المؤسسي.
الحقيقة الرابعة: صعود الفاشية التكنولوجية، وتحالف الشركات الكبرى مع القوة العسكرية ودولة المراقبة
تخلّت شركات التكنولوجيا الكبرى إلى حد بعيد عن ادعائها التاريخي بأنها قوة سياسية ليبرالية محايدة. وهي تعمل اليوم على بناء تحالف استراتيجي مع حركات اليمين المتطرف، والأجهزة العسكرية، وهيئات المراقبة الداخلية، في تقارب بنيوي يُعرف باسم الفاشية التكنولوجية.
تمثّل الفاشية التكنولوجية تحالفاً صريحاً بين رأس المال الرقمي الاحتكاري، الذي تتصدره شخصيات مثل بيتر ثيل وأليكس كارب وإيلون ماسك وسام ألتمان، وبين سلطة الدولة ذات النزعة القومية. وإلى جانب أدوات القمع المادي التقليدية، يفرض هذا النمط من الحكم السيطرة السياسية عبر المراقبة الجماعية المؤتمتة، ودمج البيانات، وبناء الملفات التنبؤية، والضبط الخوارزمي.
وتجسّد شركة بالانتير، المتعاقدة في مجال الدفاع، والتي شارك بيتر ثيل في تأسيسها ويتولى أليكس كارب إدارتها التنفيذية، هذا المسار. ففي نيسان/أبريل 2026، أصدرت الشركة بياناً مقلقاً من 22 بنداً يلخّص كتاب كارب «الجمهورية التكنولوجية». وقد حلّل الباحث رزكار عقراوي هذه الوثيقة، التي تعرض صراحة الأساس النظري للفاشية الرقمية:
البند الأول: يؤكد أن نخبة المهندسين في وادي السيليكون تقع على عاتقها «واجبات أخلاقية» لخدمة آلة الحرب التابعة للدولة، محوّلاً الضمير الفردي إلى رأس مال عسكري للشركات.
البند الخامس: يستخدم منطق الحتمية لإلغاء النقاش الأخلاقي، معلناً أن «السؤال ليس ما إذا كانت أسلحة الذكاء الاصطناعي ستُبنى؛ السؤال هو من سيبنيها».
البند السادس: يطالب بإعادة التجنيد العسكري الإلزامي، بما يرسّخ الإكراه الذي تمارسه الدولة في خدمة الصراع الجيوسياسي.
البند الحادي والعشرون: يروّج لعنصرية حضارية صريحة، مؤكداً أن «بعض الثقافات أنتجت إنجازات حيوية، بينما لا تزال ثقافات أخرى مختلّة ومتخلّفة»، في إحياء تقني متقدم لمقولة «عبء الرجل الأبيض» الاستعمارية التي استُخدمت لتبرير الهيمنة.
وتحوّل بالانتير هذه الأيديولوجيا إلى بنى تحتية فعلية للمراقبة والعمل العسكري:
أنظمة الترحيل الجماعي: حصلت بالانتير على عقد بقيمة 29.8 مليون دولار مع إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية «ICE» لتشغيل «نظام إدارة دورة الهجرة» المعروف باسم «ImmigrationOS»، ونظام إدارة ملفات التحقيق. كما طوّرت تطبيق «ELITE»، الذي يجمع السجلات المالية، والنشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، وعناوين السكن، وبيانات برنامج «ميديكيد» الخاصة بأقسام الطوارئ، في خرائط لملفات الأشخاص، لحساب درجات احتمالية تُستخدم في تعقّب المهاجرين وترحيلهم.
منصات الاستهداف في ساحات القتال: ترتبط بالانتير، إلى جانب غوغل وأمازون ومايكروسوفت، بعقود واسعة مع الأجهزة العسكرية في مجالي الاستهداف وإدارة المعارك، وتوفّر منصات لاتخاذ القرار بالذكاء الاصطناعي في الزمن الحقيقي، تُستخدم في مناطق حروب مثل غزة.
دمج منظومات المراقبة الحكومية: تتصدر بالانتير وسبيس إكس وأندوريل الشركات العاملة على مشاريع عسكرية مثل «القبة الذهبية»، بالتوازي مع التعاون مع «إدارة الكفاءة الحكومية» المعروفة اختصاراً باسم «DOGE» والمرتبطة بماسك، لإنشاء واجهات برمجة تطبيقات تربط أنظمة وزارة الأمن الداخلي ببيانات الضرائب لدى مصلحة الإيرادات الداخلية، بهدف استهداف المقيمين غير الحاصلين على وثائق إقامة نظامية.
«تُنشئ بالانتير بنية تحتية رقمية لأشكال متعددة من عنف الدولة وسيطرتها، تعتمد عليها السلطوية المعاصرة، من البرمجيات التي تيسّر الترحيل الجماعي إلى الذكاء الاصطناعي المستخدم في الحروب ضد الشعوب الخاضعة للاستعمار… وكما يكتب الباحث في التكنولوجيا جاثان سادوفسكي: “منذ نشأتها، تمثّل هدف بالانتير في توفير… الطبقة الأنطولوجية للفاشية، بما يساعد على تحويل أهدافها الأيديولوجية إلى واقع مادي”».
ألبرتو توسكانو، مؤلف كتاب «الفاشية المتأخرة»، نقلاً عن جاثان سادوفسكي
تعتمد هذه المنظومة التي تصل الشركات بأجهزة الدولة على جمع كميات هائلة من بيانات المواطنين مع تجاوز قوانين الخصوصية. ففي كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، أتاحت وزارة العدل لشركات تكنولوجية خاصة الوصول إلى قاعدة بيانات حكومية تضم صور وجوه خمسين مليون مواطن و120 مليون أجنبي، لتدريب خوارزميات مراقبة تجارية من دون موافقة أصحاب البيانات.
الحقيقة الخامسة: الحوكمة الخوارزمية و«تفاهة الشر» الجديدة
في تحليله للسلطوية الرقمية، يعيد الفيلسوف مارك كوكيلبيرغ توظيف مفهوم حنّة آرنت الكلاسيكي عن «تفاهة الشر». فقد لاحظت آرنت أن الفظائع المنهجية يرتكبها، إلى جانب أصحاب الأيديولوجيات المتطرفة، موظفون عاديون ينفّذون القواعد الإدارية بصورة عمياء، من دون تعاطف أو تأمل أخلاقي أو حكم شخصي مستقل.
وفي العصر الرقمي، يؤتمت الذكاء الاصطناعي هذا الانفصال الأخلاقي. فمن خلال تفويض قرارات مصيرية إلى خوارزميات معتمة، يعزل المديرون البشريون والهيئات الحكومية والرؤساء التنفيذيون أنفسهم عن المساءلة الأخلاقية، ويتعاملون مع التوصيات المؤتمتة بوصفها حقائق رياضية لا تقبل الطعن. وتدفع هذه الدينامية البنيوية المجتمع بعيداً عن الحقوق الدستورية، ونحو «الحوكمة الخوارزمية»، أي منظومة يجري فيها فرز السكان وضبطهم والسيطرة عليهم بهدوء عبر الارتباطات الإحصائية.
وتتجلى هذه السيطرة الخوارزمية في مختلف جوانب الحياة اليومية:
الاستبداد في مكان العمل: يفيد سائقون يعملون لدى منصات مثل أوبر وليفت بأن حساباتهم تُعطَّل آلياً من دون مراجعة بشرية، عندما تتعطّل برمجيات التعرّف على الوجه بعد أن يحلق أحدهم لحيته أو يقصّ شعره. ويواجه عمال مطاعم الوجبات السريعة حالات فصل مؤتمتة مماثلة، من دون إتاحة مسار بشري للتظلّم.
الاستغلال في الرعاية الصحية: تستخدم المستشفيات أدوات بالانتير المؤتمتة لإدارة العاملين، فتنتج جداول عمل مضطربة تُجبر الممرضات والممرضين على العمل ستة أيام متتالية من دون راحة كافية، مع فرض عقوبات آلية على الموظفين إذا تعارضت جداولهم مع الأهداف التي تحددها الخوارزميات.
بناء الملفات التنبؤية: تُدخل المدارس الحكومية وهيئات الرعاية الاجتماعية معلومات الخلفيات الأسرية، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، والسجلات السلوكية، في خوارزميات تنبؤية. وتُنشئ هذه الأدوات ملفات للأطفال منذ مراحل مبكرة، فتتنبأ بإخفاقهم الدراسي أو تورطهم المستقبلي في الجريمة، وتقيّد فرصهم بصورة استباقية.
ولتعميق هذه السيطرة، تستهدف الفاشية التكنولوجية النفس البشرية. واستناداً إلى كتاب إريك فروم «الهروب من الحرية»، يشير كوكيلبيرغ إلى أن الاغتراب والعزلة في المجتمعات الحديثة يولّدان قلقاً نفسياً عميقاً. وبينما قدّمت السلطوية التاريخية حركات سياسية جماهيرية لتخفيف هذا القلق، تعرض شركات التكنولوجيا الكبرى حميمية اصطناعية يولّدها الذكاء الاصطناعي. ويمثّل اندفاع مارك زوكربيرغ نحو استخدام روبوتات المحادثة «لمكافحة وباء الوحدة»، عبر إنشاء أصدقاء اصطناعيين، استراتيجية للتهدئة العاطفية شديدة التخصيص، يخضع فيها المستخدمون للتوجيه الخوارزمي مقابل تعاطف مُحاكى.
وتعاني هذه الأنظمة أيضاً من اختلالات داخلية حادة. فهي تولّد حلقات متكررة من التملّق، وتخبر القادة السلطويين بما يرغبون في سماعه، مع تعرّضها لمخاطر الانهيار تحت وطأة التعقيد، وانقطاع تدفق البيانات، وإخفاقات إدارية يتعذر احتواؤها.
وعندما تعلن شخصيات عامة مثل إيلون ماسك أن التعاطف هو «نقطة ضعف أساسية في الحضارة الغربية»، فإنها تلخّص المنطق الحاكم للفاشية التكنولوجية: يُنظر إلى التعاطف الإنساني، وراحة العمال، والضمانات الديمقراطية، باعتبارها عوائق ينبغي إزالتها لتعظيم كفاءة الشركات.
الخاتمة: استعادة قدرة البشر على تقرير مصيرهم وفرض المساءلة
رغم التوسع السريع في المراقبة المؤتمتة وسلطة الشركات الاحتكارية، تتصاعد المقاومة الشعبية للفاشية التكنولوجية في أنحاء العالم. ينظّم العاملون في قطاع التكنولوجيا مقاومة جماعية عبر حملات مثل #NoTechForICE، ويقاوم الممرضون والممرضات في المستشفيات المراقبة الخوارزمية في أماكن العمل، ويقابل طلاب الجامعات خطابات التخرّج المتمحورة حول الذكاء الاصطناعي بصيحات الاستهجان التي تُجبر أصحابها على مغادرة المنصة. كما تنجح مجموعات محلية في منع إنشاء مراكز بيانات، دفاعاً عن المياه الجوفية وشبكات الكهرباء في مجتمعاتها، وتصدّياً لارتفاع تكاليف الخدمات.
هذا الصراع، في جوهره، معركة حيوية حول قدرة البشر على الفعل وتقرير مصيرهم. والسؤال الذي يحدّد ملامح عصرنا هو: هل ستُملي علينا خوارزميات مملوكة لحفنة من المليارديرات جداول عملنا، وحدود حرياتنا المدنية، وطبيعة رعايتنا الطبية، ومستقبلنا الديمقراطي، أم ستخضع هذه المجالات لإرادة مجتمعات بشرية تمارس رقابة ديمقراطية؟
تتطلب استعادة هذه القدرة تدخلات بنيوية ملموسة:
إقرار قواعد صارمة للمسؤولية القانونية وتطبيقها: اعتماد أطر تنظيمية قوية، مثل قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، لمساءلة المديرين التنفيذيين قانونياً وجنائياً عن الأضرار الخوارزمية.
إنفاذ قوانين مكافحة الاحتكار: تفكيك التكتلات التكنولوجية الاحتكارية التي تتحكم في منظومات البحث، والبنية التحتية السحابية، ومنصات تشغيل الأجهزة المحمولة.
نزع التسلّح التكنولوجي: حظر أنظمة الاستهداف الخوارزمية المستقلة في إنفاذ القانون، ومراقبة الحدود، والاستخدامات العسكرية.
التنظيم النقابي وبناء بنية تحتية ديمقراطية: دعم نقابات العاملين في التكنولوجيا، وحماية المبلّغين عن المخالفات، وإنشاء بنية تحتية للبيانات مملوكة للمجتمع وخاضعة لإدارة ديمقراطية.
ومع سعي شركات التكنولوجيا الكبرى إلى غرس بنيتها الخوارزمية في أعماق الحياة اليومية، يتعيّن على كل مواطن مواجهة سؤال أساسي: أي جوانب من حريتك واستقلالك وإنسانيتك الأساسية أنت مستعد للدفاع عنها والنضال من أجلها اليوم؟
المادة الصوتية المرتبطة بالمقال: الأيديولوجيات المظلمة للذكاء الاصطناعي والفاشية التكنولوجية
إخلاء مسؤولية الكاتب: تعبّر الآراء الواردة في هذا المقال عن وجهة نظري الشخصية وحدها، ولا تعكس آراء جهة عملي أو معتقداتها أو مواقفها. وتستند الآراء والمعلومات المقدّمة فيه إلى تجاربي الشخصية وتصوراتي. وأشجّع القرّاء على تكوين آرائهم الخاصة والبحث عن معلومات إضافية عند الحاجة. وقد استُخدم الذكاء الاصطناعي في إعداد الصيغة النهائية للمقال.
https://medium.com/law-and-ethics-in-tech/the-dark-side-of-the-machine-god-5-unsettling-truths-about-big-techs-ai-obsession-ed21e697b200
#نشرة_القانون_والأخلاقيات_في_التكنولوجيا (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟