أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - ناصر أو حداد - الجزائر: تناقضات أم أزمة في النظام؟ مسار الرأسمالية الجزائرية في خضم الأزمة العالمية















المزيد.....

الجزائر: تناقضات أم أزمة في النظام؟ مسار الرأسمالية الجزائرية في خضم الأزمة العالمية


ناصر أو حداد

الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 07:51
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


تجعل تناقضات الرأسمالية الجزائرية منها نظامًا هشًّا. وقد يعود إرث الحراك ليهدد السلطة إذا انفجرت هذه التناقضات.

تمر الرأسمالية العالمية اليوم بأزمة عميقة تهزّ البنية التي استقرت منذ الحرب العالمية الثانية. غير أن مظاهر هذه الأزمة تختلف من مكان إلى آخر. ففي المركز، أي البلدان المتقدمة، تتجلى في أزمة الربحية وفائض تراكم رأس المال؛ أما في الأطراف، فتتخذ أشكالًا غير متكافئة تبعًا للموقع الجيوسياسي لكل بلد، ولموقعه التابع في التقسيم الدولي للعمل وفي عملية تراكم رأس المال.

أما بلدان الأطراف، فتظهر الأزمة فيها في صورة هشاشة متزايدة وسعي إلى الاندماج في السوق العالمية، مع الارتهان للطرف الذي يعرض المقابل الأعلى.

تحاول كل منظومة رأسمالية، بحسب موقعها في هرم الاقتصاد الرأسمالي ومكانتها الجيوسياسية، أن تجد لنفسها مخرجًا من هذه اللعبة المروّعة. والرأسمالية الجزائرية مثال على ذلك. فهي لا تواجه حاليًا أزمة حادة على مستوى الاقتصاد الكلي، لكنها تنطوي، على مستوى الاقتصاد الجزئي، على تناقضات يصعب تجاوزها في الأمدين المتوسط والبعيد؛ وهو ما يجعلها هشّة وعرضة للاهتزاز.

مسألة منهجية

لفهم رهانات النقاش، ينبغي النظر إلى «الأزمة» بالاقتران مع «التناقضات». فعبارة «أزمة النظام وتناقضاته» تحيل إلى مفهوم محوري في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع: إذ إن النظام الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي يولّد، بفعل آليات اشتغاله نفسها، قوى متعارضة تنتهي إلى زعزعة استقراره. وفي الفكر الماركسي، تشكّل التناقضات سمة ملازمة لعمل الأنظمة ومحركًا للتاريخ؛ فلكل ظاهرة تناقضاتها الخاصة. وهذا ما يُعبَّر عنه بمفهوم «نفي النفي». وتبرز الأزمة حين يعجز النظام عن حل تناقضاته، أو حين يستلزم فكّ انسدادها تدخلًا من الخارج. فالأزمات ليست حوادث عارضة في مسار الرأسمالية، بل تنبع من داخلها وتُعدّ، وفق هذا التصور، نتائج عضوية لقوانين اشتغالها. وتقع الأزمة عندما تدخل العناصر الضرورية لاستمرار النظام في صدام مباشر بعضها مع بعض.

وفق هذا التصور، قد تفضي كل أزمة كبرى إلى ثورة، أو تفتح الطريق أمامها، بما تعنيه من قطيعة جذرية مع النظام القائم؛ وإذا لم تقع الثورة، فقد تفتح الأزمة المجال أمام الإصلاح. وهذا هو ثنائي الإصلاح والثورة الذي رافق التحولات السياسية الكبرى في القرن العشرين.

كان من الممكن أن تفضي أزمة أكتوبر 1988 في الجزائر إلى ثورة إسلامية على غرار الثورة الإيرانية. وكان يمكن لأزمة الحراك سنة 2019 أن تزعزع النظام من جذوره وتفتح الطريق أمام قطيعة ديمقراطية حقيقية. وينطبق الأمر نفسه على أزمة سنة 2001، التي كان من الممكن أن تنطلق من منطقة القبائل، بؤرة الاحتجاج آنذاك، لتدشّن مسارًا يطعن في نظام بوتفليقة. وكذلك أحداث أبريل 1980، التي أحدثت ثغرة في النظام في عهد الشاذلي.

يمكن توسيع هذا المنظور ليشمل تاريخ الرأسمالية برمّته، لكن ذلك ليس موضوعنا هنا.

غالبًا ما تكشف هذه الأزمات عن تناقضات كامنة داخل النظام. وقد تُفتعل الأزمة أيضًا أو يجري صنعها بتدخل واعٍ؛ وعندها يسارع النقد السطحي إلى وصفها بأنها “مؤامرة”.

عهد تبون وطبيعة التناقضات في الجزائر

انطلاقًا من هذا المنظور، سنحاول تحديد تناقضات النظام الذي أرساه الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، سعيد شنقريحة، ثم تقدير احتمالات تحوّلها إلى أزمة.

في ظل الأزمة البنيوية للرأسمالية العالمية، تسعى الجزائر في مرحلة ما بعد الحراك إلى إعادة تنشيط اقتصادها، الذي أُعيدت هيكلته وفق القواعد النيوليبرالية منذ عهد بوتفليقة. غير أن هذا التحرير الاقتصادي لم يفضِ إلى اندماج كامل في دوائر السوق العالمية، خلافًا لما جرى في المغرب. فقد انخرط المغرب بدرجة واسعة في حركة النقل البحري، وسلاسل الإنتاج الصناعي، والمنظومات العسكرية الأمريكية، والسياسات الغربية؛ أما الجزائر فما تزال أقل اندماجًا وأكثر استقلالية نسبيًا. وهي توظّف إمكاناتها في مجال الطاقة لتؤدي دور «الشريك» لأوروبا التي تعاني أزمة مرتبطة بالحرب في أوكرانيا، ولا سيما في قطاع الطاقة. لكن هذا الدور يظل هشًّا. وتحاول حكومة تبون، وهي تناور بين أكثر من طرف، أن تجعل الجزائر فاعلًا تحسب واشنطن وبروكسل وموسكو وبكين حسابه، من دون أن تتمكن أي قوة من الهيمنة عليها بالكامل. ولا تنبع هذه المكانة المحورية أساسًا من اندماج الجزائر في الشبكات العالمية، بل من سعيها إلى التأثير في توازنات عدة في الوقت نفسه: إمدادات الغاز إلى أوروبا، وأمن منطقة الساحل، واستقرار البحر المتوسط، وعلاقاتها بروسيا والصين، وغيرها.

ورغم ما تملكه الجزائر من احتياطيات الطاقة والبنية التحتية اللازمة لاستغلالها، فضلًا عن سجلّها بوصفها موردًا موثوقًا، فإن تقادم قاعدتها الصناعية، وطابع الحوكمة البيروقراطي والزبوني، ولا سيما في شركة سوناطراك وفي المؤسسات الاقتصادية عمومًا، إلى جانب الارتفاع السريع في الاستهلاك المحلي، كلها عوامل تزيد هشاشتها.

لكن قطاع الطاقة يصطدم بعقبة أساسية تتمثل في تنامي الاستهلاك المحلي باستمرار. ووفق الأرقام الرسمية، يبلغ معدل الزيادة نحو 6%، ما يستنزف جزءًا كبيرًا من الإنتاج. كما أن أسعار الغاز «المنخفضة جدًا» وفق المعايير النيوليبرالية، والمدعومة بإعانات متزايدة، تشجع الطلب الداخلي. وهذا الطلب مشروع في حد ذاته، لكنه يصعب التوفيق بين استمراره وبين الضغوط الرامية إلى زيادة الصادرات.

من المرجح أن تبون وشنقريحة يأخذان في الحسبان هذه المخاطر التي ربما تتفاقم وتتحول إلى أزمة. وللتعويض عن ذلك، تتجه الأنظار إلى الإمكانات المنجمية الكبيرة. وتُطرح مكامن معدنية عدة، وفي مقدمتها خام الحديد في غارا جبيلات، الذي تُقدّر احتياطاته بنحو 3.5 مليارات طن، بوصفها رافعة صناعية رئيسية. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب خبرة تقنية ورؤية بعيدة المدى، وهو ما يُستند إليه في تبرير استثمارات ضخمة يُموَّل معظمها من المال العام. ولدى الجزائر أيضًا إمكانات في مجال الغاز الصخري، لكن التعجيل باستغلالها يظل مسألة حساسة سياسيًا وبيئيًا.

ويمثل القطاع الزراعي بدوره أحد مسارات تطوير الرأسمالية الجزائرية في ظل نهج تبون وشنقريحة. ويُقدَّم الاستثمار الزراعي في الصحراء بوصفه خيارًا سياديًا، ويتجسد ذلك في مشروعات مع شركاء كبار؛ من بينها تخصيص 117 ألف هكتار لمجموعة بلدنا القطرية لإنتاج الحليب، ومشروعات للحبوب تشارك فيها الشركة الإيطالية بونيفيكي فيراريزي على مساحة تبلغ 36 ألف هكتار. وتحتل الزراعة الصحراوية موقعًا محوريًا في هذه الاستراتيجية، التي تستهدف تحقيق الاكتفاء الغذائي، وربما التصدير أيضًا، بما قد يدفع الاقتصاد الوطني. وعلى المدى القصير، يُفترض أن يؤدي نقل الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية إلى الجنوب إلى نشوء أقطاب اقتصادية جديدة وتوفير فرص عمل زراعية. وهذا، على الأقل، ما يروّج له الإعلام المؤيد للحكومة. أما النقد الذي يمكن إثارته في الوقت الراهن، فيتعلق بالتبعات البيئية التي قد تنجم عن زراعة الصحراء.

في سياق التغير المناخي والاختلالات المتفاقمة بفعل الضغط البشري على البيئة، تكتسب الآثار البيئية والاقتصادية المحلية أهمية حاسمة، خصوصًا بالنسبة إلى السكان الذين قد تهدد القرارات الاقتصادية سبل عيشهم. ومع ذلك، لا تزال هذه المسائل في الوقت الراهن ثانوية لدى غالبية السكان. وهنا يُطرح دور الزراعة المعتمدة على التكنولوجيا في جعل هذا النموذج قابلًا للاستمرار، في وقت أظهرت فيه الزراعة التقليدية حدودها. وأمام هذه الإشكالية، يظل المجتمع في حالة ترقّب وانتظار للنتائج، لا سيما أن التعبير السياسي عن هذه المسألة الجديدة يكاد يكون غائبًا في الجزائر. فالاحتجاجات في هذا المجال تكاد تنحصر في أصوات قليلة من اليسار المنبثق من صفوف حزب العمال الاشتراكي (PST). وحتى حزب العمال بقيادة لويزة حنون، الذي يتمتع بحضور معروف وبوجود قانوني وانتخابي، لا يبدو أنه يمنح هذه القضية اهتمامًا يُذكر.

أما القطاع الآخر الذي يبدو محوريًا في إعادة تموضع الرأسمالية الجزائرية في عهد تبون، فهو القطاع الأمني في علاقته بدول الساحل. فهذه المنطقة المجاورة تمثل امتدادًا مهمًا للأمن الوطني الجزائري. وبفضل مجالها الصحراوي وحدودها مع مالي والنيجر وموريتانيا وليبيا، تتأثر الجزائر مباشرة بالتفكك السياسي والأمني الذي تشهده منطقة الساحل الغارقة في الأزمات. والمفارقة أن الاضطراب على حدودها قد يخدم الجزائر، في بعض النواحي، أكثر مما يضرّ بها.

وتقدّم السلطة الجزائرية نفسها للعالم بوصفها قوة تسعى إلى تحقيق الاستقرار. فهي لا تطمح بالضرورة إلى السيطرة على منطقة الساحل، بقدر ما تسعى إلى تثبيت استقرارها. وقد عزز انسحاب فرنسا من مالي وبوركينا فاسو ثم النيجر موقع الجزائر بوصفها شريكًا عسكريًا وأمنيًا يصعب الاستغناء عنه. لكن التحديات كثيرة، في ظل الحضور الروسي، وتكاثر الأنظمة العسكرية، وتفكك الترتيبات الأمنية الإقليمية، وهي تحولات أعادت تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالجزائر بعمق. وهكذا تجد الجزائر نفسها مضطرة إلى أداء دور استراتيجي، لكنه مكلف.

من هذا المنظور، قد تنشأ الأزمة بفعل عوامل خارجية أكثر من نشوئها من الداخل، أو نتيجة تفاعل العاملين معًا. لكن، في المرحلة الراهنة، ومع إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وانشغال الولايات المتحدة في عهد ترامب وإسرائيل بأزمة إيران ومضيق هرمز، فضلًا عن استنزاف الحرب في أوكرانيا لروسيا، يبدو أن الجيش الجزائري وأجهزته الأمنية مرشحون لترسيخ موقعهم بوصفهم عنصرًا لا غنى عنه في استقرار المنطقة.

مع ذلك، تظهر على هذا البناء مؤشرات هشاشة واضطراب ماليين، تنعكس آثارهما على الأوضاع الاجتماعية وعلى عالم الشغل.

يقوم هذا النموذج النيوليبرالي، القائم على توسيع خصخصة الاقتصاد مع استمرار ثقل الدولة الريعية، على الارتباط برأسمالية مالية تنطوي على نزعات إمبريالية. ولا تستطيع الخطابات التي تمجّد الاستثمار المنتج أن تحجب كيفية اقتسام الريع وتحويله إلى «ملاذات ضريبية». وكما حدث في عهد بوتفليقة، تستحوذ فئات من الأوليغارشية على حصة كبيرة من الريع والأرباح بالعملة المحلية، ثم تحوّلها إلى أصول مقوّمة بالدولار أو اليورو. ويكتب الاقتصادي عادل عبد الرزاق على شبكات التواصل الاجتماعي: «لهذا السبب لا غنى عن السوق الموازية لليورو كي تحافظ برجوازيتنا على قيمة سوقية في الاقتصاد العالمي. ويدفع الدينار الثمن باهظًا، وكذلك الجزائريون. ولهذا أيضًا تتبدد خطابات تمجيد وطنية الحكام وأبواقهم أمام الجاذبية الصامتة لليورو والدولار والاستثمارات العقارية في فرنسا وإسبانيا ودبي. […] إن ما يسود هو انعدام الشفافية في إدارة النقد والمالية، وانعدام الشفافية في إسناد الصفقات العمومية، ونظام الزبونية في منح القروض المصرفية».

ويرافق هذه الديناميةَ الاقتصاديةَ تحوّلٌ في سوق الشغل، ولا سيما بالنسبة إلى الشباب، كما يلاحظ عبد الرزاق. لكن هذه الحركية، التي يجري الاحتفاء بها كثيرًا، لا تخفي الاستغلال المفرط في القطاع الخاص، الرسمي وغير الرسمي، بل وحتى في بعض المؤسسات والشركات والإدارات العامة. وفي المقابل، يُحال النقاش كله إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي وإلى الوعود المعلّقة على سراب المشروعات المنجمية في غارا جبيلات وتبسة وأميزور.

وفي خطاب حديث أمام أرباب العمل والفاعلين الاقتصاديين، دعا الرئيس تبون، بنبرة انتصارية، إلى «التعاون لمواكبة الانتقال من اقتصاد موجّه إلى اقتصاد ليبرالي، مع الحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة». لكنه اضطر في الوقت نفسه إلى الإقرار بما يعتري نموذجه الليبرالي من حدود وتناقضات. فقد أُعلن عن خطة تشارك فيها وزارتا الداخلية والتجارة الداخلية، إلى جانب المندوبية السامية للرقمنة، لمراقبة الأسعار ومكافحة المضاربة التي وصفها بأنها «جريمة في حق الشعب».

وأشار تبون كذلك إلى خلل يتمثل في انخفاض نسبة إعادة عائدات الصادرات من خارج قطاع المحروقات إلى البلاد، مستحضرًا في المقابل مؤشرات الاقتصاد الكلي، من نمو واحتياطيات من النقد الأجنبي وغياب للمديونية الخارجية.

ويترافق الإعلان عن الليبرالية الاقتصادية مع تصور لدولة «قوية» على الصعيد السياسي؛ وهي قوة تتخذ، في الواقع، شكلًا قمعيًا. فكل تعليق على الاقتصاد لا يحظى بترخيص السلطة قد يعرّض صاحبه للعقاب.

وقد تجلّى ذلك سريعًا في إدانة أحد الأكاديميين، وفي خفض رتبة وزير بسبب تصريحات انتقد فيها الارتفاع الحاد في أسعار الطماطم. فأصبح التحليل الاقتصادي الذي يتضمن تحفظًا على الخط الرسمي أو يثير التساؤلات حوله عرضةً للعقاب بالسجن. وقد دفع الأكاديمي جلول سلامة ثمن ذلك يوم الخميس 15 أكتوبر، إذ حُكم عليه بالسجن أربع سنوات بعد انتقاده، في مقابلة تلفزيونية، مردودية مشروع غارا جبيلات المنجمي. ووجهت إليه تهمة استنادًا إلى المادة 196 مكررًا من قانون العقوبات، التي تجرّم نشر «أخبار كاذبة من شأنها المساس بالنظام العام».

ويُعدّ استغلال مكمن الحديد الضخم الواقع قرب تندوف، بمحاذاة الحدود مع المغرب وموريتانيا، أحد المحاور الأساسية للسياسة الاقتصادية التي يدفع بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. ويرتبط المشروع بخط للسكك الحديدية يمتد قرابة ألف كيلومتر، يُفترض أن يتيح نقل الخام. لكن انتقاد هذا المشروع يبدو خطًا أحمر لا يُسمح بتجاوزه!

من التناقضات إلى الأزمة

لا تتيح لنا هذه النظرة العامة إلى دينامية الرأسمالية الجزائرية في قطاعاتها الرئيسية، وإلى تناقضاتها البنيوية الأوسع، أن نتحدث عن أزمة بالمعنى الدقيق للكلمة، على الأقل ضمن الأفق الزمني القصير الذي نتناوله. لكن من الضروري إبراز هذه التناقضات وجعلها مفهومة لدى قطاعات واسعة من الناس.

ولفهم إمكان تحوّل التناقضات إلى أزمة، ينبغي نقل مركز الاهتمام من الاقتصاد والأمن إلى السياسة. فمهما بلغ حجم التناقضات، تمارس الفئة الحاكمة سلطتها إما بالقوة، عبر الشرطة والجيش، وإما بالقبول أو بانكفاء المعسكر الشعبي واستسلامه للأمر الواقع. وتبدأ الأزمة حين يتعذر إخفاء التناقضات أو احتواؤها بوسائل الضبط المعتادة؛ أي حين يختل التوازن وتنفجر التوترات المتراكمة بصورة مفاجئة وعنيفة.

وهذا أحد الدروس التي أفرزتها الأزمة التي مهّدت للحراك. فقد كانت أزمة سياسية نابعة من انسداد النظام وعجزه عن معالجة شغور منصب الرئاسة، الذي يشكّل حجر الزاوية في بنية السلطة الجزائرية. ومع ذلك، ظل نظام بوتفليقة قائمًا نحو عشرين عامًا، رغم ما حمله من تناقضات.

ومن هنا يمكن تحديد أزمة أفق لدى المعسكر الشعبي ونخبه السياسية. والمقصود بأزمة الأفق عجز النخب السياسية والنقابية والفكرية عن بلورة مشروع بديل. وتتجلى هذه الأزمة في استمرار الانكفاء والاستسلام. ولا يمكن تفسيرها بالقمع الذي يستهدف السكان وكل صوت مخالف وحده؛ فجذورها تعود أيضًا إلى الرهان على إصلاح نظام يستعصي إصلاحه، وهو رهان دافعت عنه غالبية النخب السياسية طوال الحراك، وإلى العجز عن شق الطريق الذي عبّر عنه شعار «يتنحّاو قاع» («ليرحلوا جميعًا»).

لكن المسألة لا تتمثل في إقامة تعارض مجرّد بين «الإصلاح» و«الثورة»، على غرار النموذج الذي أطلقته ثورة أكتوبر 1917. فالسؤال لا يزال مفتوحًا.

اليوم، وفي مواجهة الانكفاء السياسي للمعسكر الشعبي وللمعارضة السياسية والنقابية والجمعوية، تبرز ضرورة إعادة البناء. ويمكن هنا استحضار مقطع لتروتسكي: «إن العهود الرجعية، مثل عهدنا، لا تكتفي بتفكيك الطبقة العاملة وإضعافها وعزل طليعتها، بل تخفض أيضًا المستوى الفكري العام للحركة، إذ تدفع الفكر السياسي إلى الوراء، نحو مراحل تجاوزها منذ زمن طويل. وفي مثل هذه الظروف، تتمثل مهمة الطليعة قبل كل شيء في ألا تنجرف مع تيار التراجع العام، بل أن تسبح عكس التيار. وإذا لم تسمح موازين القوى غير المواتية بالاحتفاظ بالمواقع السياسية التي شغلناها سابقًا، فعلينا على الأقل التمسك بمواقعنا الفكرية، لأنها تختزن خبرة الماضي التي انتُزعت بكلفة باهظة. وقد يبدو هذا النهج في نظر الحمقى ضربًا من “الطائفية”. لكنه في الحقيقة يمهّد لقفزة هائلة جديدة إلى الأمام مع موجة الصعود التاريخي المقبلة». ¹

ومن الواضح أن هذا الاقتباس كُتب في سياق انحطاط الستالينية. وليس المطلوب اليوم العودة إلى كلاسيكيات الفكر وحدها، بل الانكباب على مهام المرحلة الجديدة من دون التفريط في النضالات النظرية والسياسية التي خيضت على مدى سنوات طويلة، والمرتبطة بتاريخنا وتجربتنا الخاصة، من أحداث أبريل 1980 إلى الحراك. فقد دشّنت الأولى دورة النضالات في الجزائر ما بعد الاستعمار، فيما أغلقت الثانية هذه الدورة وفتحت الباب أمام مستقبل لم تتحدد ملامحه بعد، ويتعين علينا الإسهام في بنائه.

لا يقتصر التحدي اليوم على توحيد أوسع قطاعات ممكنة؛ بل يقتضي أيضًا تحديد السياسة التي ينبغي الدفاع عنها عندما تتسارع الأحداث. فعندما تنشأ أوضاع ثورية حقيقية، قد تصبح الترددات والتسويات مكلفة. وسيكون من الضروري عندئذ التمسك بخط سياسي متماسك، ثوري وأممي ومناهض للرأسمالية وديمقراطي، وتقديم أفق واضح للعاملات والعمال.

المصدر: Algérie : contradictions ou crise du système – une voie incertaine dans la crise mondiale pour le capitalisme algérien | Inprecor

¹ «البلشفية أم الستالينية؟ حول الجذور التاريخية والنظرية للأممية الرابعة»، 29 أغسطس 1937؛ نُشر في مجلة «الأممية الرابعة»، العدد 4، يناير 1938. الاقتباس أعلاه ترجمة عربية عن النص الفرنسي الوارد في الأصل.



#ناصر_أو_حداد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجزائر: تناقضات أم أزمة في النظام؟ مسار الرأسمالية الجزائري ...


المزيد.....




- إيطاليا.. احتجاجات واسعة ضد الحكومة تجتاح أكثر من 50 مدينة
- مواد تتعلق باعتداءات جنسية على أطفال.. ماذا صادرت الشرطة من ...
- بيسكوف: موسكو لن تطرح الهجمات على مصافي النفط الروسية خلال م ...
- سوريا.. حريق في مطار دمشق الدولي والسلطات تعلن إخماده بسرعة ...
- العليا الإسرائيلية تصدر قرارا جديدا يلزم الجيش باتخاذ خطوات ...
- مصر.. القنصلية الروسية تكشف تفاصيل إصابة 4 من الروس في حادث ...
- القناة 15 العبرية: الشاباك يستعين بالموساد لكشف شبهات التدخل ...
- -كلاشينكوفا- في العلمين المصرية
- قوات الأنظمة المسيرة الروسية
- الجزائر.. تفكيك شبكة إجرامية وضبط 69 كيلوغراما من الكوكايين ...


المزيد.....

- حوار الرفيق ع.الغني القباج مع جريدة -المناضل-ة- / عبد الغني القباج
- عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية / مصطفى بن صالح
- بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها / وديع السرغيني
- غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب / المناضل-ة
- دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية / احمد المغربي
- الكتاب الأول - دراسات في الاقتصاد والمجتمع وحالة حقوق الإنسا ... / كاظم حبيب
- ردّا على انتقادات: -حيثما تكون الحريّة أكون-(1) / حمه الهمامي
- برنامجنا : مضمون النضال النقابي الفلاحي بالمغرب / النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
- المستعمرة المنسية: الصحراء الغربية المحتلة / سعاد الولي
- حول النموذج “التنموي” المزعوم في المغرب / عبدالله الحريف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - ناصر أو حداد - الجزائر: تناقضات أم أزمة في النظام؟ مسار الرأسمالية الجزائرية في خضم الأزمة العالمية