أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - ضآلة امتيازات العلوم الطبيعية في التراث















المزيد.....

ضآلة امتيازات العلوم الطبيعية في التراث


عبدالجبار الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 18:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


د. عبد الجبار الرفاعي
عززت انحسار الاهتمام بالعلوم الطبيعية والرياضيات والفنون شبكة من الامتيازات الدنيوية التي منحت المشتغل بالمعارف الدينية منزلة قلما نال مثلها المشتغل بدراسة الطبيعة والفن. مع أن الفلاسفة لم يحظوا دائمًا برعاية السلطة، وتعرض بعضهم للملاحقة والتضييق، فإن تراتب المعارف السائد منح المعارف الإلهية مقامًا أرفع من العلوم التي تبحث في الجسد والمادة والطبيعة والجمال. عملت الثقافة الدينية على ترسيخ هذا التراتبية، حين ربطت قيمة المعرفة بصلتها بالدين ونصوصه، ووسعت مؤسسات التعليم الديني والأوقاف مجال الرعاية للفقيه والمحدث والمفسر.
حين تقترن المكانة الاجتماعية وفرص التعليم والكسب بنمط معين من المعرفة، تتجه إليها أكثر المواهب، وتضيق أمام العلوم الطبيعية والرياضيات والفنون فرص استقطاب الدارسين.كان طلب المعارف الدينية، ولا سيما الفقه، يفتح في كثير من مدن العالم الإسلامي قبل العصر الحديث مسارات للعيش والمكانة الدينية والاجتماعية. وإذا استعملنا تعبير "سوق العمل" المعروف اليوم استعمالًا تقريبيًا، فإن هذه المعارف اتصلت بسوق عمل ممتازة، أتاحت للمؤهلين من دارسيها فرصًا للتدريس والقضاء والإمامة والخطابة والوعظ والعمل في شؤون الأوقاف، وأحيانا القرب من السلطان ووجهاء وأعيان المدينة. ولم تنحصر الحاجة إليها في الشعائر، بل امتدت إلى تنظيم المعاملات والزواج والميراث والوصايا والفصل في الخصومات، مما منح المشتغل بها حضورًا في حياة الناس.
وقد وفرت بعض المدارس لطلابها السكن ومخصصات للمعيشة، ورصدت الأوقاف موارد لأجور المدرسين والعاملين، فخففت كلفة التعلم، وجعلت التفرغ له ممكنا لفئات لا تستطيع تحمل نفقاته. غير أن هذه الموارد لم تضمن لكل طالب وظيفة أو استقرارًا ماديًا؛ فقد تفاوتت الفرص والامتيازات بحسب العصر والمدينة والمذهب ودرجة الصلات بأصحاب النفوذ في المؤسسات الدينية والسياسية. في ضوء ذلك يمكن فهم الإقبال عليها بوصفها متصلة، إلى جانب الدوافع الدينية والمعرفية، بإمكانات العيش والترقي والاعتراف الاجتماعي؛ فاختيار ما يتعلمه الإنسان يتأثر عادة بمن يمول تعلمه، وبما يرجو أن تتيحه له معرفته من رزق ومكانة.
احتاجت السلطة إلى بعض أصحاب هذه الوظائف لتسويغ شرعيتها، وضبط المجال العام، والفصل في الخصومات، والإشراف على الأوقاف، وتنظيم شؤون الأسرة والمعاملات. واحتاج المجتمع إليهم في تعليم الدين وأداء العبادات، وعقود الزواج وقسمة المواريث وتجهيز الموتى وسائر ما يتصل بحياته الدينية. أسهم هذا التداخل بين حاجات السلطة والمجتمع وموارد المؤسسات في تجديد الطلب على المعارف الدينية، وضمان استمرار تعليمها وتوارث وظائفها، ومنح طلابها دورًا مهنيًا واجتماعيًا ورمزيًا مرموقًا.
في الوقت الذي أحاطت بالمختص في المعارف الدينية شبكة متصلة من الوظائف والمصالح والامتيازات، كانت فرص المشتغل بالطبيعيات والرياضيات والفلك والتشريح والصيدلة والفنون والموسيقى أقل ضمانًا وانتظامًا واستقرارًا، ولم تتوافر له بالقدر نفسه مؤسسات تضمن استمرار عمله وتعليمه وتكوين أجيال من المختصين بعده، وإن رعت البيمارستانات والمراصد وبعض الأوقاف جانبًا من هذه العلوم، غير أن رعاية كثير من المشتغلين بها ظلت وثيقة الصلة بحاجات السلطان والبلاط؛ فهذا طبيب يعالج السلطان، وذاك فلكي يضع تقويمًا له، أو مهندس يشرف على البناء والري، أو عالم يجري أبحاثه في مرصد يموله السلطان. كان حضور المختص بالعلوم والفنون في البلاط السلطاني يمنحه موارد للعمل ومكانة اجتماعية، لكنه يجعل استقراره عرضة لتقلباتها؛ فقد يفقد بموت راعيه أو سقوط دولته أو تغير أولوياتها مورد رزقه، ويتوقف مشروعه، ويتفرق طلابه. أضعف هذا الارتهان فرص تراكم المعرفة وترسيخ تقاليد البحث العلمي، حين غاب التمويل المستقر الذي يحمي المؤسسة العلمية من تقلبات الرعاية الفردية.
على الرغم من وجود أوقاف لبعض المستشفيات والمراصد، فإنها لم تبلغ في انتشارها واستمرارها ما بلغته أوقاف المدارس الدينية والمساجد، ولم توفر للمشتغلين بدراسة الظواهر الطبيعية والرياضيات والفلك استقرارًا مؤسسيًا مماثلًا. وعلى الرغم من أن بعض هذه المؤسسات أتاح التعليم وتوارث الخبرات، فإنها لم تؤسس على نطاق واسع جماعة علمية ومهنية تتمتع بقدر من الاستقلال، وتتولى تكوين أجيال جديدة من الباحثين، وتحمي حرية البحث، وتضمن تراكم المعرفة والخبرة واستمرار تطويرهما.
يفسر هذا التفاوت جانبًا من انصراف العقول الذكية إلى المعارف الدينية؛ فطالب هذه المعارف لا يختار تخصصه استجابة لميله المعرفي وحده، بل ينظر أيضًا إلى ما يتيحه له من فرص عيش واستقرار ومكانة اجتماعية وروحية. يرى الشاب الموهوب أن الفقه والحديث والتفسير تفتح له أبواب التدريس والقضاء والإفتاء، فيما تظل فرص اشتغاله بالطب أو الفلك أو الرياضيات أقل استقرارًا وأشد ارتباطًا برعاية تتقلب بتقلب أحوال أصحابها، لذلك يزداد احتمال اختياره المجال الذي يبدو أكثر ضمانًا لمستقبله.
لا يحتاج هذا التحول إلى قرار يمنع العلوم الطبيعية والفنون، إذ يكفي أن تمول الدولة والمجتمع والمؤسسة الدينية معرفة وتهمل معرفة أخرى، حتى تنتقل العقول بالتدريج إلى المجال الذي يحظى بالاعتراف والمكافأة والمكانة الاجتماعية، فتستقطب المعارف الأوفر رعاية وضمانًا عددًا أكبر من المواهب، وتفقد المعارف الأقل رعاية قدرتها على اجتذاب الطلاب والباحثين وتجديد تقاليدها.
واكب الامتياز المادي امتياز رمزي عميق التأثير؛ فقد أسبغ الخطاب الديني على المشتغلين بالفقه والحديث والتفسير مكانة وراثة الأنبياء وحراس الشريعة والعارفين بأحكام الله، فيما مالت مراتب التصنيف المعرفي والاجتماعي إلى وضع المشتغلين بالطب والصيدلة والهندسة والفلك والفنون في منزلة أصحاب الصناعات النافعة. ارتبطت المعارف الدينية بهداية الإنسان ومصيره الأخروي، واستمدت من هذه الصلة شرفًا انعكس على مكانة أصحابها الروحية، فيما ارتبطت تلك العلوم بحاجات الجسد والعمران وتدبير الحياة الدنيا.
في تراثنا جرى تقديم شرف موضوع المعرفة على قيمة نتائجها وآثارها في سعادة الإنسان وجعل حياته أجمل، فصار الاشتغال بالعلوم الطبيعية والفنون أدنى مرتبة من الاشتغال بالمعارف الدينية. كما انصرف لقب "العالم" في الثقافة المجتمعية إلى المختص بالمعارف الدينية، واقترنت مكانة الطبيب والجراح والصيدلي والفنان وصانع الآلات بمهارته العملية ومنفعته المباشرة، من دون أن ينال دائمًا ما يستحقه جهده من اعتراف بقيمته العلمية، وما يتطلبه تكوينه العلمي والمهني من ملاحظة دقيقة وذكاء وخبرة وتجريب.
امتلكت المعارف الدينية بنية مؤسسية أتاحت لها الاستمرار بعد موت المدرس أو السلطان؛ فالمدرسة والوقف ومناهج التعليم والإجازات والوظائف المتوارثة في تقاليدها، والشبكة التي تعترف بأهلية صاحب الاختصاص الديني، أسهمت في وصل الأجيال وضمان استمرار التعليم. أما المشتغل بالعلوم الطبيعية والفنون فكان استمرار عمله، في كثير من البيئات، أشد ارتباطًا ببقاء راعيه وموارد المؤسسة التي تحتضنه. حين تنقطع الرعاية يضطر إلى البحث عن ممول آخر ومكان جديد، وإبراز منفعة عملية تقنع أصحاب المال والسلطة بدعم أبحاثه. جعل هذا التفاوت استقرار البحث العلمي وتراكم نتائجه أكثر عرضة للانقطاع، وأضعف قدرة المؤسسات العلمية على الاحتفاظ بخبراتها وتواصلها عبر الأجيال.
اكتسب المشتغل بالمعارف الدينية، خاصة الفقه، سلطة روحية ومعرفية، وحصل على الوظيفة والمعاش واللقب والوجاهة والقرب من السلطان أحيانًا، أما المشتغل بالعلوم الطبيعية والفنون فغالبًا ما ارتبطت رعايته بما يقدمه من خدمة مباشرة للسلطان وبلاطه، وظل استمرارها مرهونًا بإرادة الراعي وتقلبات السلطة. ومع تواصل هذا الاختلال قرونًا، تجاوزت المشكلة قلة عدد العلماء إلى ضعف البيئة التي تتيح ظهورهم، وترعى بحوثهم، وتحفظ أعمالهم، وتتيح تراكم اكتشافاتهم ومراجعتها والبناء عليها، وتؤهل أجيالًا تواصل ما بدأوه. فازدهار العلم يحتاج إلى مؤسسات تضمن استمرار البحث والتعليم، وتمنح العلماء الوقت والموارد والحرية اللازمة لتجديد المعرفة.
لم يتعطل العقل العلمي بفتوى أو موقف منفرد، وإنما تراجعت فاعليته حين التقت رؤية تقلل من قيمة العلوم الطبيعية والفنون بمؤسسات تكافئ المشتغل بالمعارف الدينية، وتهمل مَن ينفق حياته في تفسير ظواهر الطبيعة واكتشاف قوانينها، أو يبدع في الفنون المتنوعة التي تغني ثقافة الإنسان وتشبع احتياجاته المعنوية. وأضعف استمرار هذا الاختلال قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة العلمية وتطويرها.



#عبدالجبار_الرفاعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلطة الخوارزميات الخفية
- محمد في المصادر السريانية: كتاب يعيد استكشاف المراحل التكوين ...
- تهذيب اللغة ضرب من الكرم الأخلاقي
- معارك السلطات على اللغة والتأويل
- تبديل الاسم يبدّل الحكم على المسمّى
- العالم كما ترسمه اللغة
- اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية
- الشكوك بوصفها منهجًا في التراث العلمي
- في التدين الشعبوي يحتجب الله
- أسلمة الفلسفة أيديولوجيا لا فلسفة
- تعليمُ الفلسفة تعليمٌ للتفكير الفلسفي
- مدينة الشطرة محطة الوعي الأولى
- في الفلسفة شيءٌ من ذات الفيلسوف
- التدين العقلاني الأخلاقي
- انحسار دور العقل إثر تحريم الفلسفة
- الحق في الاختلاف
- المعرفة العلمية بالأديان تخفض التعصب
- في الأمومة تتجلى ذروة التضحية
- الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية
- لم تتوحّد البشرية في دين واحد


المزيد.....




- فان دايك يشيد بعودة الروح القتالية إلى ملعب أنفيلد بعد سلسلة ...
- وفد سياحي وأمني يزور الطائفة السامرية في نابلس للتهنئة بعيد ...
- قداسة البابا يستقبل رئيس الكنيسة الأسقفية
- محمد البراهمي.. أكاديمي على رأس حركة التوحيد والإصلاح المغرب ...
- مجلس الديانة الإسلامية في فرنسا يدين تهديدات بالقتل استهدفت ...
- إسرائيل: محتجون يطالبون بحكومة وحدة عربية يهودية بعد الانتخا ...
- دراسة: جيل ما بعد الألفية يقود عودة التدين في أمريكا
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى
- جرافات الاحتلال تسوّي بالأرض ثلاثة بيوت فلسطينية غرب سلفيت
- الكرك: حين تُستهدف الجنازة قبل الكنيسة


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - ضآلة امتيازات العلوم الطبيعية في التراث