أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - التدين العقلاني الأخلاقي















المزيد.....

التدين العقلاني الأخلاقي


عبدالجبار الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 22:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عبد الجبار الرفاعي
يتحقق الدين في حياة الإنسان في أنماط متنوعة من التدين، من أعقلها وأجملها وأكثرها تهذيبًا وتأدبًا التدين العقلاني الأخلاقي. في هذا التدين تسبق الغيرة على الإنسان الغيرة على الله، لا تبدأ في هذا التدين الغيرة على الله إلا عند الغيرة على الإنسان. التدين العقلاني الأخلاقي هو ذلك النمط من التدين الإنساني الذي تمتلئ فيه الروح، ويروي ظمأ الكائن البشري للصلة بالله، فينشغل بإشباع الحاجة الوجودية للكائن البشري، وإشباعها يكرس بناء الروح، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وتلك وظيفة الدين العظمى في بناء شخصية الفرد وتمتين بنية المجتمع.
إرواء ظمأ الكائن البشري للصلة بالله يشكل بنية أساسية متينة لحياة روحية وأخلاقية ملهمة للفرد والمجتمع، بنية ترتكز عليها العلاقات الاجتماعية الصالحة، وتساعد على بناء أمن عائلي وسلم مجتمعي، وتعمل على بناء أرضية ملائمة لعمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وتحفيز النشاط الاقتصادي السليم، وخلق بيئة مناسبة للثقافة والآداب والفنون. في ظل حياة روحية سليمة وضمير أخلاقي يقظ يمكن إعداد إنسان مسؤول حيال الوطن، وأكثر وفاء للنظام العام، وأشد التزامًا بتطبيق القوانين. هذا النمط من التدين ينشد حياة روحية ملهمة، وضميرًا أخلاقيًا يقظًا، وتذوقًا لجماليات الوجود.
التدين العقلاني الأخلاقي تدين يتجلى فيه صوت العقل، بموازاة حياة الروح ويقظة الضمير الأخلاقي، يتذوق فيه المتدين تجليات الجمال في الوجود. تدين تتكرس فيه كينونة الكائن البشري، ويحقق فيه الدين وظيفته في إرواء ظمأ الإنسان للصلة بالله. تدين يتموضع فيه الدين في مجاله الخاص، وينجز وعوده في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إنه تدين متصالح مع العقل والروح والقلب والضمير. لا يقترن الدين في هذا الشكل من التدين بالخوف، ولا بالرعب. الإيمان بالله في هذا التدين حالة يتذوقها الإنسان، وليس معلومة يدركها، والتوحيد يعني حياة توحيدية ملهمة، وليس اعتقادًا بمفاهيم ذهنية محنطة. الإيمان فيه ليس فكرة يتأملها المتدين، أو معرفة يتعلمها، أو معلومة يتذكرها. الإيمان فيه حالة للروح يعيشها، وتجربة للحقيقة يتذوقها.
يحتفي هذا التدين بالفن، ويدرك حاجة كل كائن بشري العميقة إلى الجمال، كحاجته إلى كل ما هو أساسي في حياته. إنه تدين يدرس الدين بوصفه ظاهرةً لها حقيقتها في أفقها الخاص، ويمكن إدراك جوهرها في الفضاء الخاص للحياة الروحية. الدين حقيقة يمكن اكتشاف تعبيراتها وتجلياتها وآفاقها بالعقل والعلوم والمعارف البشرية، غير أن هذه العلوم والمعارف لا تدرك مدياتها الباطنية القصية وجوهرها الروحي العميق، وإن كانت ترسم حدودها، وتحدد خارطة تميز ما هو ديني عما هو دنيوي. يدرك هذا التدين أن احترام الآخر المختلف ضرورة تفرضها ثقة الإنسان بدينه وهويته وثقافته، ويبرهن على أخلاقية دينه وإنسانيته. فمن لا يحترم الآخر المختلف في مجتمعه يغترب عن محيطه وعصره، ويفتقد الحجة التي تؤكد مصداقية أخلاقية دينه وإنسانيته.
يرى التدين العقلاني الأخلاقي أن أكثر الأساليب الموروثة لتبليغ الأديان والدعوة إليها والتبشير بها استنفدت فاعليتها؛ لذلك يشدد على أهمية الذكاء العاطفي ورعاية مشاعر الإنسان، وأثره ذلك النفسي الإيجابي في نظرة الآخر إلى مصداقية تدين الإنسان وأخلاقية دينه. للعواطف الصادقة سحر آسر في مشاعر البشر، من طبيعة الإنسان أن ينجذب إلى من يحب الناس، ويشفق على البؤساء ويرعاهم، مهما كانت ديانتهم. عبر العواطف الصادقة، والكشف عن الجوهر الروحي والقيم الأخلاقية المشتركة بين البشر، والحوار الأخلاقي البعيد عن المنطق الوثوقي للمقولات الاعتقادية المغلقة، يمكن التدليل على الدور الذي يؤديه الدين في إنتاج المعنى للحياة، والتأكيد على ضرورة التدين الأخلاقي لإنتاج ما يمنح الروح سكينتها وطمأنينتها، ويوقظ الضمير الأخلاقي.
يرى التدين العقلاني الأخلاقي إلى أن الحاجة إلى المعتقدات تكفي لاعتناقها، ولا يعني اعتناق الإنسان لها بالضرورة إقامة الدليل عليها أو القناعة العقلية بها. مهما أقمت من أدلة على عدم صحة معتقد ما، لن يتخلى عنه صاحبه ما دام محتاجًا إليه. إذا أردت تحرير إنسان من معتقداته المغلقة المتشددة، فحرره أولًا من احتياجاته النفسية والعاطفية والمادية التي تدعوه إلى اعتناقها، ثم أعد توجيه هذه الاحتياجات في أفق تدين أخلاقي منفتح.
ينشد هذا الشكل من التدين التحرر من كل ألوان الاستعباد والوثنية. التدين العقلاني الأخلاقي يقف ضد كل ما يستعبد الروح، والقلب، والضمير، والعقل، فكل وثن يستعبد على شاكلته. جوهر الوثنية موقف اعتقادي يستلب الإنسان، حين يرفع قيمة شيء صنعه هو، أو شيء آخر، ثم يخدع نفسه بصورة زائفة يخلع عليها خصائص وصفات لا تليق إلا بالإله، فيستسلم لها ويرضخ، مقابل الحط من قيمته وهدر كرامته، حتى يغدو ذلك المعبود سببًا في مسخ إنسانيته.
التدين العقلاني الأخلاقي هو الأقل حضورًا في الحياة الفردية والاجتماعية اليوم، وغالبًا ما تصدر الأحكام السلبية على الدين بسبب شيوع الأشكال الأخرى للتدين، وشحة حضور هذا التدين. من هنا يظن كثيرون أن تلك الأشكال وحدها تمثل الدين، وقلما ينتبه مَن ينتقد الدين إلى حضور التدين الأخلاقي في حياة شخصيات روحية وأخلاقية ملهمة.
الحياة الأخلاقية سلسلة مواقف، يصنع مجموعها طورًا وجوديًا خاصًا للكائن البشري، وهي الشرط الذي يتحقق به حضوره الإنساني في العالم. يتأنسن الإنسان بالأخلاق، ومن دونها يفقد إنسانيته؛ لذلك لا يعبر الدين عن حضوره الأصيل في الحياة إلا من خلال الحياة الأخلاقية. الحياة الأخلاقية تفضح كل تمثيل للدين يتلفع بأقنعة زائفة، فكل من ينتهك الأخلاق يهدر المعنى الإنساني للدين. لا قيمة لأي حكم ديني يتناقض مع أحكام العقل العملي الأخلاقي.كل فعل يرتدي قناعًا دينيًا من دون مضمون أخلاقي ليس، في مفهومي، دينًا، مهما يكن الشخص أو الجهة التي يصدر عنها.
إن أخطر ما يهدد وجود الدين في المجتمع ضمور الحس الأخلاقي في حياة الفرد والجماعة، وتفشي التبريرات والحيل التي تتخفى بنصوص دينية وتتخذها ذريعة لتسويغ انتهاك كرامة الإنسان والتضحية بحقوقه، واتخاذ الدين وسيلة للارتزاق، وتوظيفه في صراعات السلطة والثروة، واستغلاله قناعًا يخفي الممارسات اللاأخلاقية والمواقف اللاإنسانية.
الصلة بين الدين والأخلاق ديناميكية حية، يتفاعل فيها الدين مع الأخلاق، وتتفاعل الأخلاق مع الدين، حتى يغدو كل منهما معززًا للآخر، كما يتجلى ذلك في التدين الأخلاقي والتدين الرحماني. يمكن أن يكون الإنسان الأخلاقي غير مؤمن، كما نرى في شخصيات نبيلة تنضبط مواقفها وسلوكها بالمعايير القيمية الأخلاقية في حياتها الشخصية وتعاملها مع الآخرين. فهو صادق لا يكذب، وأمين لا يخون، وثقة لا ينقض عهدًا ولا يخلف وعدًا، ويسعى إلى إسعاد الناس ورعايتهم.
الإنسان متدين لأنه متخلق، وليس متخلقًا لأنه متدين . الأخلاق أساس الدين، والدين يرسخ الأخلاق ويغذيها. من لا أخلاق له لا يمكن أن يكون متدينًا أخلاقيًا، وإن أمكن أن يكون متدينًا زائفًا شكليًا يلتزم صوريًا بأداء العبادات ويمارس الشعائر. يحضر التدين الزائف في كل المجتمعات، ويستعمل لتمويه السلوك اللاأخلاقي وإخفائه، ويتفشى بوصفه مرضًا أخلاقيًا للسلطة في حكومات الإسلام السياسي.



#عبدالجبار_الرفاعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انحسار دور العقل إثر تحريم الفلسفة
- الحق في الاختلاف
- المعرفة العلمية بالأديان تخفض التعصب
- في الأمومة تتجلى ذروة التضحية
- الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية
- لم تتوحّد البشرية في دين واحد
- لا محرم في التفكير الفلسفي
- حين تصير الهوية جرحًا مفتوحًا
- في سياق الادخار والتراكم تولد الدولة
- الاغتراب السياسي عن الوطن
- السلفية حالة متفشية في كل الأديان والمذاهب
- الدولة الوطنية ترسم حدودها خرائط الأرض
- في حروب الخوارزميات يتعطل القانون والأخلاق
- الهوية الوطنية بمعنى والهوية العقائدية بمعنى آخر
- تطور اللغة عند أمين الخولي ومهدي المخزومي
- الأخلاق لا تُغني عن القانون في بناء الدولة
- خذلت الجغرافيا بلاد الرافدين قبل أن يخذلها التاريخ
- لا مفهوم للمواطنة في دول الخلافة
- العجز عن التراكم عجز عن بناء الدولة
- -أكرهك-!


المزيد.....




- المغرب: إحباط -مخطط إرهابي- لخلية تابعة لتنظيم -الدولة الإسل ...
- سؤال عميق يؤرق اليهود الأمريكيين اليوم
- كلفة أن تكون شيعيا في الخليج بعد حرب إيرانبعد الحرب مع إيران ...
- من عمر بن الخطاب إلى الثورة السورية.. الجامع العمري على قوائ ...
- الجزائر: جبهة التحرير الوطني تتصدر نتائج الانتخابات التشريعي ...
- تشييع خامنئي من النجف العراقية.. كيف احتفظت المدينة الشيعية ...
- شقيقان من نابلس يحرسان إرث صناعة أهلة المساجد ومآذنها في فلس ...
- الناشط الإعلامي الأمريكي جكسون هينكل: خطة أمريكا للإطاحة با ...
- فنيش: لولا دعم الجمهورية الإسلامية ما كانت المقاومة لتحظى به ...
- الحوار أم الردع؟ موريتانيا تعيد تفعيل الحوار مع السجناء السل ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - التدين العقلاني الأخلاقي