|
|
تحليل أدبي شامل لرواية «عبث الأقدار» لنجيب محفوظ
الحسين افقير
كاتب مغربي .
(Houcine Oufkir)
الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 07:43
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
قبل الخوض في تحليل رواية لا بد من اعطاء تعريف مقتضب عنها : أولًا: التعريف بالرواية
تُعدّ «عبث الأقدار» أولى روايات نجيب محفوظ المنشورة، وقد اتجه فيها إلى استلهام التاريخ المصري القديم، ولا سيما عصر الأسرة الرابعة وبناء الأهرام. وتنتمي الرواية إلى المرحلة التاريخية في مشروع محفوظ الروائي، إلى جانب روايتي «رادوبيس» و«كفاح طيبة».
غير أن محفوظ لا يقدم التاريخ بوصفه تسجيلًا للوقائع فحسب، بل يعيد تشكيله فنيًا ليطرح أسئلة تتجاوز العصر الفرعوني، مثل طبيعة السلطة، وحدود إرادة الحاكم، والصراع بين النبوءة والواقع، ومقدار قدرة الإنسان على مقاومة ما يظنه قدرًا محتومًا.
تدور الرواية حول الفرعون خوفو، وبناء هرمه، والنبوءة التي تهدد عرشه، والطفل ددف الذي يصبح محورًا للصراع بين إرادة الملك وما يبدو أنه مكتوب في الأقدار.
ثانيًا: ملخص الأحداث
تبدأ الرواية في قصر الفرعون خوفو، حيث يظهر الملك محاطًا بأبنائه ووزرائه ورجاله المقربين. ويجري الحديث عن الهرم العظيم الذي يشرف على بنائه المعمار المبدع ميرابو. ويكشف هذا المشهد منذ البداية عن شخصية خوفو؛ فهو ملك قوي، شديد الاعتداد بسلطانه، مؤمن بأن القوة هي أساس الحكم، لكنه ليس خاليًا تمامًا من مشاعر القلق والتأمل.
في أثناء ذلك، تتكشف خلفية خطيرة تتصل بنبوءة قديمة مفادها أن طفلًا سيولد من نسل كاهن رع، وسيكون له شأن عظيم، وقد يرتبط مستقبله بعرش مصر. يخشى خوفو أن تتحول النبوءة إلى حقيقة تهدد ملكه، فيتخذ موقفًا عدائيًا من الطفل وأسرته، محاولًا القضاء على الخطر قبل أن ينمو.
يولد الطفل ددف في ظروف مضطربة، ويحيط به الخوف منذ لحظة ميلاده. وتضطر أمه زايا إلى الهرب به حفاظًا على حياته، فتتعرض الأسرة لمطاردة ومخاطر كثيرة. وبفضل سلسلة من المصادفات والتدخلات الإنسانية، ينجو الطفل من القتل، ويكبر بعيدًا عن حقيقته ونسبه الملكي أو الديني.
ينشأ ددف شابًا قويًا شجاعًا، مخلصًا، محبًا لمصر، ولا يعرف في البداية حقيقة أصله. ويصبح قائدًا عسكريًا بارزًا، ويخدم العرش بإخلاص، حتى إنه ينقذ حياة خوفو من مؤامرة خطيرة. وفي هذه المرحلة تظهر المفارقة الأساسية في الرواية؛ فالشخص الذي يخشاه خوفو باعتباره تهديدًا محتملًا لملكه يتحول إلى حامٍ له وخادم مخلص لمصر.
يتعرض ددف بعد ذلك لصراع داخلي وأسري، حين تنكشف له حقيقة مولده، ويعلم أن خوفو كان مسؤولًا عن المأساة التي أحاطت بطفولته. كما تتكشف علاقته بأمه الحقيقية وبالأسرة التي احتضنته. ويصبح عليه أن يختار بين الانتقام من الماضي، والوفاء لمصر والعرش، وبين حبه للأميرة مري سي عنخ.
في نهاية الرواية، يواجه خوفو حقيقة النبوءة. فقد ظن أنه قضى على الطفل الذي يمكن أن يهدد عرشه، لكنه يكتشف أن ددف هو ذلك الطفل نفسه، وأن محاولته لمقاومة القدر قادته، بصورة غير مباشرة، إلى تحقيقه. ومع اقتراب موته، يعلن خوفو أن ددف هو الأحق بالعرش، خصوصًا لأنه أثبت شجاعته ووفاءه وأصبح زوجًا للأميرة التي يجري في عروقها دم الفراعنة.
وهكذا ينتهي الصراع بأن يسلّم خوفو بما حاول طويلًا إنكاره، ويعترف بأن الإنسان قد يملك القوة، لكنه لا يستطيع التحكم في جميع نتائج أفعاله.
ثالثًا: دلالة العنوان «عبث الأقدار»
يحمل العنوان دلالة مركزية في بناء الرواية. فكلمة «العبث» لا تعني أن الأحداث بلا معنى بالضرورة، بل تشير إلى التناقض الظاهري بين ما يخطط له الإنسان وما تنتهي إليه الأمور.
يعتقد خوفو أنه يستطيع السيطرة على مصيره بفضل قوته وسلطانه. وعندما يسمع بالنبوءة، يحاول أن يواجهها مواجهة مباشرة، فيأمر بالقضاء على الطفل الذي يظن أنه مصدر الخطر. غير أن أفعاله لا تمنع النبوءة، بل تسهم بصورة غير مباشرة في تحققها.
وتتمثل مفارقة العنوان في النقاط الآتية:
1. خوفو يحاول قتل الطفل، لكنه لا يقتله. 2. الطفل الذي يخشاه خوفو يصبح أحد أكثر الناس إخلاصًا له. 3. العنف الذي يمارسه الملك لحماية عرشه يؤدي إلى خلق الظروف التي تجعل ددف جديرًا بالعرش. 4. رغبة خوفو في مقاومة المستقبل تنتهي إلى صناعة ذلك المستقبل.
لذلك يمكن فهم العنوان على أنه تعبير عن مفارقة القدر؛ فالقدر يبدو كأنه يعبث بخطط البشر، أو أن الإنسان نفسه يشارك، دون أن يدري، في تحقيق ما يحاول منعه.
رابعًا: الشخصيات الرئيسية
خوفو
خوفو هو الشخصية المركزية في الرواية، وهو فرعون قوي يحيط نفسه بمظاهر العظمة والهيبة. يؤمن بأن القوة أساس الحكم، ويرى أن الطاعة لا تتحقق إلا بالسيطرة والردع.
ومع ذلك، لا يقدمه محفوظ بوصفه طاغية مسطحًا أو شريرًا خالصًا. فهو يشعر أحيانًا بالمسؤولية تجاه الشعب، ويتساءل عن العلاقة الصحيحة بين الحاكم والمحكوم: هل يجب أن يعيش الشعب لخدمة الفرعون، أم ينبغي أن يكرس الفرعون نفسه لخدمة الشعب؟
هذه الازدواجية تمنح الشخصية عمقًا نفسيًا. فخوفو قوي أمام الآخرين، لكنه ضعيف أمام الخوف من الموت. ويؤمن بقدرته المطلقة، لكنه يرتبك أمام النبوءة. ويمارس العنف، لكنه يعرف في داخله أن العظمة لا تقوم على القوة وحدها. كما يريد أن يترك أثرًا خالدًا، لكنه يكتشف في النهاية أن الخلود لا يتحقق بالهرم وحده، بل بما يتركه الإنسان من أثر في مصائر الآخرين.
يتحول خوفو في نهاية الرواية من ملك يواجه القدر بالقوة إلى إنسان يتأمل أخطاءه ويعترف بحدود إرادته.
ددف
يمثل ددف الشخصية المقابلة لخوفو. فإذا كان خوفو يؤمن بالقوة والسيطرة، فإن ددف يجسد الشجاعة والوفاء والإنسانية.
ينشأ ددف بعيدًا عن أصله، ولذلك تتكون شخصيته من خلال التربية والتجربة لا من خلال النسب وحده. وتكمن قيمته في أنه يثبت أن الأحقية بالحكم لا تقوم على الدم الملكي فقط، بل على الشجاعة والإخلاص للوطن والقدرة على تحمل المسؤولية وحماية الناس والوفاء لمن أحسن إليه.
دفدف هو أيضًا أداة القدر التي تتحول بها النبوءة إلى واقع. لكنه لا يحقق مصيره بالقوة المجردة، بل من خلال أفعاله الإنسانية والوطنية.
زايا
تمثل زايا صورة الأم التي تتحول غريزة الأمومة لديها إلى قوة مقاومة. فهي لا تستسلم للسلطة ولا للنبوءة، بل تحاول إنقاذ طفلها وسط الخطر.
وتكشف شخصيتها عن الجانب الإنساني في الرواية؛ إذ يقابل خوفو، بما يمثله من سلطة عامة، عالم الأسرة والأمومة والخوف الخاص. ومن خلال زايا، يوضح محفوظ أن قرارات الحكام الكبرى تؤثر في أناس عاديين لا يملكون القوة ولا النفوذ.
الأميرة مري سي عنخ
تمثل مري سي عنخ البعد العاطفي والإنساني في الرواية، كما تؤدي دورًا مهمًا في حل أزمة النسب والشرعية. فهي ابنة الفرعون، وارتباطها بددف يجعل انتقاله إلى العرش مقبولًا داخل النظام الملكي.
لكن دورها لا يقتصر على كونها وسيلة للشرعية السياسية؛ فهي شخصية محبة وقلقة وممزقة بين الخوف على ددف والولاء لأبيها. وبذلك تجسد الصراع بين روابط الدم ومشاعر القلب.
ميرابو
ميرابو هو المعمار الفنان الذي يشرف على بناء الهرم. ومن خلاله يقدم محفوظ نموذج الإنسان المبدع الذي يرى في العمل قيمة تتجاوز مصلحة الحاكم الفردية.
في الحوار بينه وبين خوفو يظهر اختلاف جوهري في مفهوم القوة. فخوفو يختزل القوة في القهر، بينما يرى ميرابو أن القوة الحقيقية يمكن أن تقترن بالرحمة والمحبة والإبداع.
خوميني
يمثل خوميني رجل الدين والوزير الذي يقف بين السلطة والضمير. وهو من الشخصيات التي تكشف طبيعة البلاط الفرعوني، حيث يتداخل الدين بالسياسة والطاعة بالحسابات الشخصية.
وتظهر شخصيته بوصفها شخصية حذرة، تعرف خطورة مخالفة الملك، لكنها تدرك أيضًا أن للملك ضعفًا وأن السلطة ليست مطلقة كما تبدو.
أمراء القصر ورجال الدولة
يمثل الأمراء ورجال الدولة عالم الطموح السياسي. فهم يعلنون الطاعة لخوفو، لكن موت ولي العهد يكشف رغبتهم في الوصول إلى العرش. ومن خلالهم ينتقد محفوظ التملق السياسي والنفاق الذي يزدهر حول السلطة المطلقة.
خامسًا: الصراع بين الإنسان والقدر
الصراع بين الإنسان والقدر هو المحور الفكري الأبرز في الرواية، ويظهر في مستويات متعددة.
خوفو في مواجهة النبوءة
يرى خوفو أن النبوءة تهديد مباشر لملكه، فيحاول تحويل المستقبل إلى شيء يمكن التحكم فيه. غير أن محاولته تقوم على الخوف، والخوف يقوده إلى ارتكاب أفعال تسهم في تحقق النبوءة.
ددف في مواجهة أصله
يعيش ددف في البداية دون أن يعرف حقيقة مولده. وعندما يكتشفها، يواجه أزمة هوية؛ هل هو ابن الأسرة التي ربته، أم ابن الكاهن، أم الشخص الذي كتب له القدر أن يكون ملكًا؟
لكن الرواية لا تجعل النسب وحده أساس الشخصية، بل تؤكد أن الإنسان يصنع قيمته بأفعاله.
القدر والفعل الإنساني
لا يقدم محفوظ القدر باعتباره قوة تلغي إرادة الإنسان تمامًا. فالشخصيات تتخذ قرارات حقيقية؛ خوفو يقرر المطاردة، وزايا تختار الهرب، وددف يختار الوفاء، وخوفو في النهاية يختار الاعتراف به وريثًا.
ومن ثم، فالقدر في الرواية لا يعمل منفصلًا عن أفعال البشر، بل يتشكل من خلال اختياراتهم. وهذه نقطة مهمة؛ فالرواية لا تدعو إلى الاستسلام السلبي، بل تكشف حدود الغرور البشري حين يظن الإنسان أنه يملك النتائج كلها.
سادسًا: الزمان والمكان
الزمان
تجري الأحداث في مصر القديمة، في عهد خوفو، خلال عصر بناء الهرم الأكبر. وهذا الإطار الزمني يمنح الرواية طابعًا تاريخيًا واضحًا، لكنه لا يحولها إلى كتاب تاريخ.
فالزمن الفرعوني يستخدمه محفوظ لبناء عالم روائي يمكن من خلاله مناقشة قضايا عامة، مثل الحكم الفردي، والعلاقة بين الدين والسياسة، واستغلال العمال، والصراع على السلطة، والخوف من المستقبل، والبحث عن الخلود.
المكان
يتوزع المكان بين القصر الفرعوني، وهضبة الأهرام، ومواقع بناء الهرم، والصحراء والطرق البعيدة، والمعسكرات، والبيوت والمخابئ، والمعابد والأماكن الدينية.
ويؤدي المكان دورًا رمزيًا، فالقصر يمثل السلطة والمراقبة والخوف، بينما تمثل هضبة الأهرام مشروع الخلود والعظمة. أما الصحراء والطرق فتجسد التيه والمطاردة والتحول، وهي المساحات التي يهرب فيها ددف من قدر الموت إلى قدر الملك.
ويبدو الهرم نفسه مكانًا يجمع بين الحياة والموت؛ فهو بناء عظيم يشهد على قدرة الإنسان، لكنه أيضًا مقبرة تذكّر بأن كل سلطة بشرية تنتهي بالموت.
سابعًا: الرموز والدلالات
الهرم
يرمز الهرم إلى رغبة الحاكم في تحدي الزمن والبحث عن الخلود. لكنه يحمل دلالة مزدوجة؛ فهو إنجاز حضاري عظيم، وهو أيضًا ثمرة جهد شاق بذله ملايين العمال لخدمة مجد فرد واحد.
وبذلك يطرح الهرم سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا: هل يجوز أن تتحول طاقة الشعب إلى وسيلة لتحقيق خلود الحاكم؟
الشمس
ترتبط الشمس في الرواية بعظمة الفرعون وبالرموز الدينية المصرية. وهي تشير إلى السلطة والنور والخلود، لكنها قد تتحول أيضًا إلى قوة ساحقة تحرق العمال وتكشف هشاشة البشر أمام الطبيعة والزمن.
الطفل
يمثل الطفل ددف المستقبل الذي يحاول النظام القديم قتله. ولذلك فهو ليس مجرد شخصية، بل رمز لإمكان ظهور نظام جديد أو قيمة جديدة من داخل عالم السلطة نفسه.
النبوءة
ترمز النبوءة إلى المعرفة الغامضة التي تعجز السلطة عن إخضاعها. كما تكشف عن خوف الحكام من المستقبل، وعن ميلهم إلى محاربة الاحتمال قبل وقوعه.
القصر
القصر فضاء للهيبة، لكنه أيضًا فضاء للخوف والمراقبة والمنافسة. فكل شخص فيه يعلن الولاء، بينما يخفي وراء صمته طموحًا أو قلقًا أو مصلحة.
الهرم والقبر
يجمع الهرم بين الرغبة في الخلود وحقيقة الموت. فالفرعون يبني قبره كي ينتصر على الفناء، لكن القبر نفسه يظل شاهدًا على أن الخلود الجسدي مستحيل.
ثامنًا: القضايا الفكرية والسياسية
الاستبداد وتأليه الحاكم
تصور الرواية مجتمعًا تتركز فيه السلطة في يد الفرعون، حتى تصبح إرادته قانونًا وطاعته واجبًا دينيًا. وهذا يوضح خطورة الحكم الذي يمزج السلطة السياسية بالقداسة.
القوة والرحمة
يؤكد خوفو أن القوة أساس الملك، بينما يمثل ميرابو صوتًا مختلفًا يرى أن القوة بلا رحمة تتحول إلى قسوة. وتكمن القيمة الأخلاقية للرواية في أنها لا تنكر أهمية القوة في حماية الدولة، لكنها ترفض أن تكون القوة مبررًا لإهدار الإنسان.
الشعب والسلطة
يظهر العمال في بناء الهرم بوصفهم قوة جماعية هائلة، لكنهم محرومون من القرار. إنهم يصنعون المجد الحضاري، بينما ينسب المجد إلى الفرعون وحده.
وهنا تطرح الرواية سؤالًا صريحًا حول العلاقة بين الحاكم والشعب: هل الشعب وسيلة لتحقيق خلود الحاكم، أم أن الحاكم مسؤول عن رعاية الشعب وحماية مصالحه؟
الشرعية السياسية
تنتقل شرعية ددف من النسب إلى الفعل. فحتى عندما يكون أصله غامضًا، تثبت أفعاله أنه جدير بالقيادة. ثم يأتي الزواج من مري سي عنخ ليجمع بين الشرعية الأخلاقية والشرعية الملكية.
دور الدين
الدين في الرواية جزء من البناء السياسي والاجتماعي. فالكهنة يملكون المعرفة والتأثير، والملك يستند إلى المقدس لتثبيت حكمه. لكن الرواية تكشف أيضًا أن رجال الدين ليسوا خارج الصراع، بل يشاركون في صناعة القرار أو التستر عليه.
الخوف من المستقبل
خوفو لا يحارب ددف بسبب فعل ارتكبه، بل بسبب ما قد يفعله مستقبلًا. وهذا يكشف طبيعة الأنظمة التي تعاقب الناس على الاحتمال قبل الجريمة، أو على أصلهم قبل اختيارهم.
تاسعًا: أسلوب نجيب محفوظ
السرد التاريخي
يستخدم محفوظ لغة فخمة تتناسب مع الجو الفرعوني. وتكثر الأوصاف المرتبطة بالقصور والذهب والعرش والطقوس والآلهة، مما يساعد على بناء عالم تاريخي مقنع.
الوصف
الوصف في الرواية ليس مجرد زينة لغوية، بل يؤدي وظائف متعددة؛ فهو يبرز هيبة الفرعون، ويوضح الفارق الطبقي بين القصر والعمال، ويضفي على الأهرام طابعًا أسطوريًا، ويعكس الحالة النفسية للشخصيات.
الحوار
الحوار هو الأداة الأهم في كشف الأفكار. فمن خلال الحوار بين خوفو وميرابو تظهر فلسفة القوة والرحمة، ومن خلال حوارات القصر يظهر التملق والخوف والطموح، ومن خلال الحوار بين ددف وأمه تنكشف المأساة القديمة.
التدرج النفسي
لا يعتمد محفوظ على الأحداث وحدها، بل يتابع أثرها في نفوس الشخصيات. فنرى خوفو ينتقل من الثقة إلى القلق، ثم إلى الإنكار، ثم إلى الاعتراف. ونرى ددف ينتقل من الجهل بأصله إلى الصدمة، ثم إلى النضج وتحمل المسؤولية.
المزج بين الواقعي والأسطوري
تمتزج الوقائع التاريخية المتخيلة بالنبوءة والأحلام والمصادفات. وهذا المزج يناسب عالم مصر القديمة، حيث كانت الأسطورة والدين جزءًا من تفسير الناس للحياة والسياسة.
المفارقة
تعتمد الرواية على مفارقات كثيرة، أهمها أن خوفو الذي يريد منع ددف من الوصول إلى العرش هو نفسه الذي يسهم في إعداد الطريق لوصوله إليه.
عاشرًا: بناء الحبكة
يمكن تقسيم الحبكة إلى مراحل أساسية:
المرحلة الأولى: التأسيس
يقدم محفوظ خوفو والقصر ومشروع الهرم وشخصيات البلاط، ويكشف طبيعة النظام السياسي القائم على الهيبة والطاعة.
المرحلة الثانية: ظهور الخطر
تظهر النبوءة، ويصبح الطفل ددف خطرًا محتملًا في نظر الملك. هنا ينتقل الصراع من مجرد صراع سياسي إلى صراع مع المستقبل.
المرحلة الثالثة: النجاة والنشأة
ينجو ددف من القتل، ويكبر بعيدًا عن أصله. وهذه المرحلة تؤجل كشف الحقيقة وتسمح بتكوين شخصية البطل من خلال التجربة.
المرحلة الرابعة: الصعود
يظهر ددف بوصفه شابًا شجاعًا وقائدًا قادرًا على حماية الوطن والملك. وتتزايد المفارقة؛ إذ يصبح العدو المفترض خادمًا للعرش.
المرحلة الخامسة: كشف الحقيقة
تنكشف صلة ددف بالنبوءة، ويظهر ارتباطه بالماضي وبالأسرة التي تعرضت للمطاردة. ويصبح الصراع نفسيًا وأخلاقيًا، لا سياسيًا فقط.
المرحلة السادسة: الحل
يموت ولي العهد أو يُقصى عن العرش، ويكتشف خوفو أن ددف هو الشخص الذي سعى إلى التخلص منه. وفي لحظة الاعتراف الأخيرة، يختار خوفو ددف وريثًا، فيتحول من مقاومة القدر إلى التسليم بحكمه.
ويتميز البناء بوجود تأخير متعمد للمعلومة؛ فالقارئ يعرف أن ددف مرتبط بسر خطير، لكنه ينتظر معرفة طبيعة هذا الارتباط. وهذا يخلق التشويق ويجعل الكشف النهائي مؤثرًا.
حادي عشر: الرؤية النقدية
تقدم الرواية رؤية مركبة للسلطة والقدر. فهي لا تكتفي بالقول إن الإنسان عاجز أمام مصيره، بل تبيّن أن الإنسان قد يملك حرية الاختيار، لكنه لا يملك التحكم الكامل في نتائج اختياراته.
ويبدو خوفو في البداية سيدًا للقدر، لأنه يملك الجيش والمال والقصر والقوة. لكن الرواية تكشف تدريجيًا أن امتلاك أدوات السيطرة لا يعني امتلاك المستقبل. فكلما حاول خوفو حماية عرشه بالخوف والعنف، ازداد اقترابه من النتيجة التي يخشاها.
أما ددف، فلا يصبح جديرًا بالعرش لأنه ابن نبوءة فحسب، بل لأنه يثبت إنسانيته في مواقف الاختبار. وهنا تلتقي النبوءة بالفعل الإنساني؛ فالقدر يفتح الطريق، لكن الشخصية هي التي تسير فيه وتمنحه معناها.
ثاني عشر: نقاط القوة والحدود الفنية
نقاط القوة
1. بناء عالم تاريخي واضح ومقنع. 2. تقديم شخصية خوفو بصورة مركبة تجمع القوة والضعف. 3. توظيف النبوءة في صناعة التشويق والصراع. 4. الجمع بين القضايا السياسية والأسئلة الفلسفية. 5. القدرة على تحويل التاريخ القديم إلى مرآة لقضايا إنسانية عامة. 6. إبراز التناقض بين عظمة الحضارة ومعاناة الإنسان الذي يصنعها.
بعض الحدود الفنية
بحكم كون الرواية من أعمال نجيب محفوظ المبكرة، قد تبدو بعض المقاطع مباشرة في عرض الأفكار، وقد تميل الشخصيات الثانوية أحيانًا إلى أداء وظائف رمزية أكثر من كونها شخصيات مكتملة التعقيد. كما أن اللغة الاحتفالية والوصفية قد تطول في بعض المواضع، على حساب سرعة الحركة السردية.
لكن هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية الرواية، بل تكشف طبيعة المرحلة الأولى من تجربة محفوظ، حين كان لا يزال يختبر إمكانات الرواية التاريخية قبل انتقاله إلى أحياء القاهرة ومشكلاتها الاجتماعية في أعماله اللاحقة.
الخاتمة
تقدم «عبث الأقدار» رواية تاريخية تتجاوز حدود الماضي الفرعوني لتناقش قضايا مستمرة في حياة الإنسان، مثل الخوف من المستقبل، وغرور السلطة، والصراع بين القوة والرحمة، وحدود الإرادة أمام المصير.
وتكمن قيمة الرواية في أن نجيب محفوظ لا يصور القدر بوصفه قوة غامضة تلغي الإنسان، بل بوصفه شبكة معقدة من النتائج التي تنشأ عن أفعال البشر ومخاوفهم وطموحاتهم. فقد حاول خوفو أن يقتل النبوءة، لكنه ساهم في تحقيقها. وحاول أن يخلد نفسه بالهرم، لكنه وجد أن أعظم اختبار لخلوده يتمثل في القرار الذي اتخذه بشأن وريثه.
ومن الناحية الأدبية، تمثل الرواية بداية مهمة في مسيرة نجيب محفوظ، إذ تكشف اهتمامه بالتاريخ وبالبناء النفسي للشخصيات وباستخدام الماضي لطرح أسئلة سياسية وفكرية تتصل بالحاضر. ولذلك تظل «عبث الأقدار» عملًا ذا قيمة، لا لأنها تعيد سرد تاريخ مصر القديمة، بل لأنها تجعل ذلك التاريخ وسيلة للتفكير في الإنسان والسلطة والحرية والمصير.
#الحسين_افقير (هاشتاغ)
Houcine_Oufkir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دين رئيس الجمهورية الإسلام: ضرورة أم تمييز؟
-
عقوبة المجاهرة بالإفطار في الدول العربية
-
من هم المعتزلة؟ وما هي أصولهم الخمسة؟
-
أنتِ
-
النظام الدولي العالمي
-
متى غدُهُ؟
-
إلى حيث احلام تتحقق
-
انا والقلم
-
لست أنا
-
ابنته الغالية
-
اعترافات
-
ليت الصبر
-
لا يهم
-
لا تنتظرني
-
أيها القلب
-
حاول مرارا
-
انتحار الليل
-
هواه القاهري
-
على شطآنك
-
لا يليق بكِ
المزيد.....
-
شاهد.. دب يحبس نفسه داخل سيارة ويدمر مقصورتها بالكامل
-
رئيس وزراء قطر: فهم وجهات النظر المختلفة -أكثر أهمية من أي و
...
-
إيران ترد على مسؤول قطري حول الاجتماع الرباعي للسعودية وتركي
...
-
إعلام نرويجي: -فايننشال تايمز- رفضت تصحيح مقال حول محادثة بو
...
-
عراقجي: دبلوماسية الطاقة الإيرانية حققت تقدما في موسكو
-
ليبرمان يقطع صلاته بكتلة المعارضة ويدفع نحو حكومة وحدة
-
اندلاع النيران في سفينة شمال مدينة خصب في سلطنة عمان
-
تايوان: باكستان أغلقت مجالها الجوي لفترة وجيزة أمام الرحلات
...
-
رئيس لجنة الانتخابات الإسرائيلية يأمر بالتحقيق في شبهات تموي
...
-
من سوتشي إلى موسكو.. محطات الشراكة الروسية الإفريقية
المزيد.....
-
قراءة في العقل والثورة-3
/ نايف سلوم
-
قراءة في -العقل والثورة- -2
/ نايف سلوم
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
المزيد.....
|