|
|
الإلحاد كحقّ إنساني بين حرية العقل وحرية الضمير
رسلان جادالله
الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 00:37
المحور:
حقوق الانسان
مقدمة: ليس الإيمان امتيازًا والإلحاد جريمة بالنسبة للذهنية الدينية يعتبر الإلحاد أكبر كبائر الشرور، فالملحد هو عدو الله، وبالتالي فهو عدو الخير والحق والأخلاق، بل كثيرا ما تذهب هذه الذهنية إلى حد اعتبار الملحد شخصا غير سوي حتى في عقله، أو على الأقل سيعتبر إلحاده عورة، وسيكون مطالبا، بل ومرغما، بأن يستره ويخفيه كعورة، بل و كأسوأ عورة. وفي مثل هذه الأوساط المحمومة، سيجد الملحد نفسه في بيئة شديدة العدائية والخطر، وليس أمامه من خيار إلا الاختيار بين درجات كلها جسيمة من هدر الحقوق، والمفاضلة فيها بين أهون الشرور، المتمثل بالتضحية بحريته الضميرية على مستوى الممارسة، أو بين تعريض حريته وسلامته بل وحياته نفسها لأشد الأخطار. هذا كله يتغير بشكل جذري وثوري في الفكر القائم على العقل والمجتمع المنظم بالعقل. فهنا لا يعود الإلحاد قطعا جريمة، ولا مرضًا، ولا خللًا أخلاقيًا، ولا اعتداءً على المؤمنين، بل يعتبر ببساطة موقفا فكريا من سؤال وجود الإله، وقد يكون نتيجة بحث وتأمل ونقد للأدلة، كما قد يكون الإيمان نتيجة مسار فكري أو تجربة شخصية أو تربية موروثة؛ وهنا بصرف النظر عن الموقف المعتقدي الذي يتبناه الإنسان، لا يحق للدولة أو المجتمع أن يعاقباه على قناعة ضميرية لا تنتهك حقوق الآخرين، بل يصبح من واجبهما ضمان هذا الحق له وحمايته عند تفعيله وممارسته. وفي المجتمعات الحديثة المتحررة، حرية الاعتقاد لا تعني فقط حق الإنسان في الإيمان، بل تشمل أيضًا حقه في ألّا يؤمن، وحقه في تغيير معتقده، وفي إعلان موقفه ومناقشته ونقد المعتقدات الأخرى؛ وإذا كان من حق الإنسان أن يعتنق دينًا، فمن حقه بالقدر نفسه أن يرفض جميع الأديان، من دون أن يتحول هذا الرفض إلى تهمة أخلاقية أو سبب للحرمان من أية حقوق.
أولًا: ما الإلحاد، وما الذي يحق لنا أن نستنتجه منه؟ الإلحاد، في معناه الشائع، هو عدم الإيمان بوجود إله أو آلهة؛ ولا يلزم من ذلك أن يزعم كل ملحد امتلاك برهان نهائي على استحالة وجود أي إله، فقد يكون موقفه أنه لم يجد دليلًا كافيًا يبرر الإيمان؛ ومن الضروري هنا التمييز بين عدم الاقتناع بدعوى ما وبين الادعاء القطعي ببطلانها؛ فالمواقف الإلحادية ليست جميعها متطابقة، مثلما أن المؤمنين لا يتبنون جميعًا تصورًا واحدًا عن الله أو عن أسس الإيمان. لكن هذا التمييز لا يجعل الإلحاد موقفًا أقل مشروعية، بل يضعه في موضعه الطبيعي، من حيث أنه موقفٌ فكريٌ قابلٌ للنقاش، شأنه شأن المعتقد الديني؛ ولا يحتاج الإنسان إلى إذن من الأكثرية المتدينة كي يشك أو يرفض أو يعلّق حكمه، كما لا تصبح قناعته حقيقة لمجرد أنها قناعته؛ فالإيمان والإلحاد كلاهما يخضعان للنقد، والحجج تُقاس بقوتها لا بعدد المؤمنين بها أو بقداستها المعلنة. لكن هنا يوجد فارقٌ منطقيٌ أساسيٌ، فعدم الاقتناع بوجود الإله لا يحتاج إلى إثبات عدم وجوده، بينما الادعاء بوجوده يحتاج إلى ما يبرر تصديقه، ومن يرفض دعوى لعدم كفاية أدلتها لا يتحمل تلقائيًا عبء إثبات نقيضها، فصاحب الدعوى هو الملزم بإثباتها.
ثانيًا: لماذا يُعدّ الإلحاد حقًا من حقوق الإنسان؟ الحق في حرية الفكر والضمير والدين حق أصيل، وليس منحة تمنحها الأكثرية لمن يوافقها، ولا امتيازًا مشروطًا باعتناق عقيدة بعينها، وهو يشمل حرية الإنسان في أن يكون متدينًا أو لادينيًا، وأن يغيّر دينه أو يرفض الانتماء إلى أي دين، وأن يعبّر عن آرائه ضمن القواعد العامة التي تحمي حقوق الآخرين. وإذا كان الإيمان اختيارًا واجب الحماية في المجتمع الحديث من قبل الدولة الحديثة، فلا معنى لهذه الحماية إن كان عدم الإيمان مستثنى منها، فالحرية التي تسمح للإنسان باعتناق دين، لكنها تعاقبه على رفضه، ليست حرية اعتقاد، بل هي استبداد ديني تفرضه الأكثرية على الأقلية، أو الحاكم على المحكوم. وفي العلاقة بين الحقوق والإنسان، فمن الجوهري جدا التركيز على جوهرية ارتباط حقوق الإنسان بهوية الإنسان كإنسان، ولا يستثنى منها أي حق، ولا يجوز أن يفقد الإنسان حقه في المواطنة والمساواة والأمان والعدالة والعمل والتعليم وسوى ذلك من شروط العيش الإنساني الكريم، ولا أن يتعرض للتهديد أو الإكراه أو العنف بسبب إلحاده، ولا يصح أن يُعامل بوصفه أقل أخلاقًا أو أقل وطنية أو أقل استحقاقًا للثقة لمجرد أنه لا يتبنى عقيدة الأغلبية، فالمساواة القانونية لا تُبنى على اتفاق الناس في أسئلتهم الميتافيزيقية، بل على كونهم أشخاصًا حقيقيين متساوين في الإنسانية، ومتساوين بالإنسانية في الكرامة والحقوق. وتشمل الحرية كذلك حق المتدين في الدفاع عن دينه، وحق الملحد في نقده، وحق كليهما في الرد والنقاش السلمي؛ والنقد المنضبط، يختلف بشكل جوهري عن الهجوم العدائي، فليس نقد الدين اعتداءً على المتدين نفسه، كما أن نقد الإلحاد ليس اعتداءً على الملحد بحد ذاته؛ لكن الاعتداء يبدأ حين يتحول الخلاف إلى تهديد أو تحريض على العنف أو تمييز أو سلب لحقوق الآخرين. أما الأفكار والمعتقدات، بما فيها الأفكار المقدسة لدى أصحابها، فلا يمكن منحها حصانة من النقاش العام من دون تقييد حرية الفكر نفسها، فاحترام حق الإنسان في الإيمان لا يقتضي فرض تقديس معتقده على سواه، وبالمثل، فاحترام حقه في عدم الإيمان لا يقتضي اعتبار الإلحاد حقيقة نهائية لا تقبل النقد.
ثالثًا: المفاضلة بين الدين والإلحاد - أيهما أصح من جهة العقل؟ إذا أردنا مقارنة الدين والإلحاد بجدية، فعلينا أن نحدد معيار المقارنة؛ لا يكفي أن نقول إن الدين يمنح المعنى أو أن الإلحاد يحرر العقل؛ فهذه عبارات عامة لا تحسم المسألة؛ السؤال الأدق هو: ما نوع الدليل الذي يسند الادعاء؟ وهل تتناسب درجة اليقين مع قوة هذا الدليل؟ وهل يمكن فحص الادعاء ومراجعته، أم يُطلب من الإنسان قبوله لأنه مقدس أو موروث؟ تطرح الأديان التقليدية عادةً ادعاءات تتجاوز الخبرة اليومية، مثل وجود الإله، والوحي، والمعجزات، وصحة نصوص أو تعاليم محددة، واحتكار طريق النجاة أو الحقيقة؛ وتتعد هذه الأديان التي تشترك أو تتشابه في هذه الادعاءات، رغم تناقضاتها الكبيرة في أمور جوهرية أخرى، ونفيها أو لتكذيبها لبعضها البعض؛ لكن مع ذلك فتعدد الأديان وتعارض ادعاءاتها لا يثبت وحده تلقائيا أن جميعها باطلة، إنما يفرض سؤالًا لا يمكن تجاوزه، وهو "ما المعيار الذي يميز بينها، ولماذا تكون دعوى دين بعينه أحق بالتصديق من دعاوى الأديان المنافسة؟".
هنا لا يكفي أن يستشهد كل دين بنصه المقدس لتصديق نفسه، لأن النصوص المتعارضة لا تستطيع جميعًا أن تكون صحيحة بالمعنى نفسه لمجرد أن أتباعها يؤمنون بها، كما أن وراثة الاعتقاد وانتشاره في مجتمع معين لا يشكلان دليلًا على صحته، وإلا لكان الاعتقاد الصحيح يتغير من بلد إلى آخر تبعًا للبيئة التي يولد فيها الإنسان. وهذا ما يجعل أي دين يدعي الصحة مطالبا بحزم بتقديم الثبوتيات الحاسمة على صحة ادعائه هذا، التي تصمد في الفحص الصارم عند اختبار العقل لها بمنهجية منطقية علمية دقيقة. أما الإلحاد، في صورته القائمة على عدم الاقتناع، فلا يحتاج إلى بناء تفسير شامل لكل شيء أو إثبات استحالة كل تصور ممكن للإله، ويكفي صاحبه أن يقول أن الأدلة المعروضة عليه لا تبرر الإيمان الذي يُطلب منه.. وهذه ميزة منطقية مهمة، فعبء إثبات الدعوى يقع ابتداءً على من يطرحها، لا على من يمتنع عن قبولها، فمن يدّعي وجود كائن أو حقيقة غيبية لا يصبح ادعاؤه مرجحًا لمجرد أن الآخرين عاجزون عن دحضه دحضًا مطلقًا، ولو كان العجز عن نفي أي ادعاء كافيًا لتصديقه، لأصبح علينا تصديق عدد لا نهائي من الادعاءات المتعارضة التي لا نملك وسيلة لحسمها. لقد نجح العلم في تفسير كثير من الظواهر التي نُسبت تاريخيًا إلى قوى غيبية، وكشف آليات طبيعية كانت مجهولة، ووسّع فهمنا للكون والحياة من دون الحاجة إلى افتراض تدخل إلهي لتفسيرها؛ ولم يكن هذا التقدم مجرد استبدال تفسير بتفسير، بل نقلًا لمعيار التفسير نفسه من الإحالة إلى قوى مفارقة للطبيعة إلى البحث عن آليات محددة، وأدلة قابلة للفحص، وفرضيات يمكن اختبارها ونقدها؛ لكن ذلك لا يعني أن العلم أثبت استحالة وجود إله، فإثبات هذه الاستحالة هو حكم ميتافيزيقي أوسع مما تتيحه المعطيات العلمية المتوفرة وحدها؛ لكن هذه الحدود لا تمنح التفسير الإلهي أي أفضلية معرفية، فمجرد افتراض وجود إله لا يفسر ظاهرة، ولا يسد فجوة في المعرفة، ولا ينافس تفسيرًا علميًا قائمًا؛ ولكي تكون الإحالة إلى فاعل إلهي تفسيرًا ذا قيمة معرفية، لا بد من تحديد ما الذي تفسره هذه الإحالة، وكيف تفسره، وما الأدلة التي تسندها، وما الذي تضيفه إلى ما نعرفه بالفعل؛ أما الاستعاضة عن تفسير طبيعي ممكن بعبارة «إنها إرادة إلهية»، فلا تقدم تفسيرًا منافسًا، بل تتوقف عند تسمية مجهول من دون الكشف عن آليته.. وحين يُستدعى الإله فقط لسد فجوة في المعرفة، فإن اتساع المعرفة قد يزيح هذه الفجوة من دون أن يحسم السؤال الميتافيزيقي كله، لذلك لا يصح الادعاء بأن العلم أثبت عدم وجود الله، كما لا يصح استخدام ما لم يحسمه العلم دليلًا على وجوده. ومن هنا، يمكن القول إن الإلحاد القائم على تعليق التصديق إلى حين تقديم دليل كافٍ هو موقف متسم بانضباط منطقي ومعرفي أكثر من الاعتقاد الجازم بدعوى غيبية لا تتوافر عليها أدلة حاسمة مشتركة؛ لكنه مع ذلك لا يمنح صاحبه عصمة عقلية، فالملحد قادر على الوقوع في المغالطات، كما أن المؤمن قادر على التفكير النقدي. والمفاضلة المنطقية لا تكون بين أشخاص يحملون هويتين، بل بين حجج محددة، وتحديد أيها أوضح، وأقوى دليلًا، وأقل اعتمادًا على الافتراضات غير المثبتة؛٩ والإيمان لا يصبح صحيحًا لأن بعض المؤمنين عقلانيون، كما لا يصبح الإلحاد صحيحًا لأن بعض الملحدين عقلانيون؛ وما ينبغي فحصه هو الحجج نفسها، لا هوية أصحابها.
رابعًا: هل يحتاج الإنسان إلى الدين كي يكون أخلاقيًا؟ القول إن الأخلاق لا وجود لها من دون الدين لا يصمد قطعا أمام الواقع، فالمؤمنون والملحدون على السواء قادرون على التعاطف والعدل والإيثار، كما أنهم قادرون على الأنانية والقسوة والجريمة؛ ووجود أشخاص متدينين أخلاقيين لا يثبت أن الدين شرط للأخلاق، ووجود ملحدين يرتكبون جرائم لا يثبت أن الإلحاد ينتج الجريمة، فالانتقال من سلوك بعض الأفراد إلى حكم شامل على جماعة كاملة هو مغالطة فجة صارخة. والأخلاق يمكن تأسيسها على الاعتراف بأن البشر كائنات قادرة على الألم والحاجة والازدهار، وعلى مبادئ مثل تقليل الأذى، واحترام الكرامة، والإنصاف، والتبادلية، وصون الحقوق؛ وهذه الأسس قابلة للنقاش والتطوير من خلال العقل والخبرة والحوار العام، ولا يحتاج الإنسان إلى افتراض مراقب غيبي كي يدرك أن تعذيب الأبرياء أو اضطهاد المختلفين يسبب المعاناة ويمتهن الكرامة البشرية. كما أن ربط الأخلاق بالطاعة الربانية يثير سؤالًا جوهريًا: هل يكون الفعل خيرًا لأنه يحترم الإنسان ويمنع الأذى، أم يصبح خيرًا لمجرد أن السلطة الربانية أمرت به؟ فإذا كان الخير لا يُعرف إلا من خلال الأمر الرباني، فكيف نثبت عدالة الأمر الرباني وننفي عنه الظلم؟ وإذا كان الإنسان يحتاج إلى استخدام عقله للحكم على عدالة ذلك الأمر، فهذا يعني أن العقل الأخلاقي له دور أساسي في حسم مفهوم الخير، وإذا اكتفينا بربانية الأمر ومنعنا عنها مساءلة العقل، فهذا يعطي مفهوما للخير خارجا عن نطاق العقل، ولا يمكنه وصفه والحال كهذا إلا بأنه "مفهوم خير عديم العقل". وفي المقابل، لا ينبغي إنكار أن الدين قد يمنح الكثيرين معنى شخصيًا أو دافعًا إلى مساعدة الآخرين؛ لكن هذه الفائدة لا تثبت صحة الادعاءات الغيبية، ولا تبرر فرض الدين على من لا يؤمن به؛ كما أن الدين قد يُستخدم لتبرير التمييز العنصري أو تكفير المخالف أو إضفاء القداسة على العنف؛ وحين يحدث ذلك، فهنا تتحول الجريمة في الذهنية الدينية إلى خير لمجرد أنها نُسبت إلى أمر مقدس، وهذا أفظع أشكال ودرجات الإجرام. عقلانيا، معيار الحكم الأخلاقي يقوم على أسس إنسانية تركز على أثر الفعل ومبرراته وحقوق المتضررين، وفي هذا لا تدخل العناصر الدينية بتاتا إلا بصفتها أمورا تندرج تحت تحت حق حرية الضمير؛ فالعمل الإنساني الخلوق يقاس بمفاعيله الإنسانية، ولا يفقد قيمته لأن صاحبه ملحد أو المستفيد منه ملحد، والعمل المؤذي إنسانيا، لا يصبح أخلاقيًا قطعا لأن مرتكبه يزعم أنه ينفذ أمرًا مقدسًا، فهنا هذه القداسة الجهوية لا تخيرن الفعل الشرير، بل إن الفعل الشرير نفسه يجعل هذه القداسة مدانة، ويحولها ليس فقط إلى قداسة باطلة، بل إلى قداسة جهنمية؛ وتحت هذا الحكم تندرج أفاعيل مثل الغزو الجهادي، وسبي النساء، وقتل الزنادقة وحرق الهراطقة، وتدمير التراث الفني الإنساني بذريعة محاربة الأصنام، وما شابه، وهذه كلها جرائم ضد الإنسانية وضد الحضارة مشرعنة دينيا ولا تختلف في طبيعتها البربرية عن تقديم الأضاحي والقرابين البشرية عند عبدة الأصنام، والذي تغير فيها فقط هو شكل الصنم وأسلوب تقديم المحرقة. خامسًا: حرية الاختيار لا تعني أن جميع الأفكار متساوية إن ضمان حرية الاعتقاد، دينيًا كان أم غير ديني، لا يعني تحصين المعتقدات من النقد، ولا التسوية بين ادعاءاتها من حيث الصدق والصلاحية العقلية والأخلاقية، فلكل إنسان الحق في اعتناق ما يشاء من معتقدات أو رفضها، ولكل إنسان الحق في مناقشتها ونقدها وكشف تناقضاتها وآثارها؛ وحرية الاعتقاد تحمي حق الإنسان في الإيمان، ولا تمنح المعتقد حصانة من النقد، فالمعتقدات حرة في الوجود، والأفكار خاضعة للمساءلة. يمكن للملحد أن يرى أن الأدلة الدينية غير مقنعة، ويمكن للمؤمن أن يرى أن الإلحاد مخطئ، لكن لا يملك أي منهما حق تحويل تقييمه الفكري إلى امتياز قانوني لنفسه أو إلى حرمان للآخر من حقوقه، فحرية الضمير لا تتوقف على اتفاق الناس، ولا ينبغي أن تتوقف على حسم سؤال وجود الإله. كذلك، لا تعني حرية الاختيار أن كل إنسان اختار معتقده من نقطة بداية مستقلة، فمعظم الناس يتلقون دينهم من بيئتهم المعتقدية في الطفولة، قبل أن تتاح لهم فرصة الفحص، ولذلك فوراثة دين لا تشكل قطعا أفضلية اختيارية أو حقائقية على وراثة دين آخر، كما أن الخروج عليه ليس في حد ذاته دليلًا على تفوق عقل الخارج. والمعيار في حرية الفكر هو مدى استعداد الإنسان لفحص ما ورثه، ومراجعة قناعاته، والاعتراف بحدود معرفته، وعدم فرض استنتاجاته على الآخرين بالقوة؛ فالمؤمن الذي يفحص أدلته بجدية يختلف عن الذي يكتفي بتكرار ما تلقنه، والملحد الذي يفكر نقديًا يختلف عن الذي يتخذ الإلحاد هويةً مغلقة لا تسمح بمراجعة أي فكرة. والمطلوب ليس استبدال دوغمائية دينية بدوغمائية إلحادية، بل إخضاع الادعاءات جميعها لمعيار واحد، هو دوما البحث عن الدليل، والاتساق المنطقي، والاستعداد للمراجعة، والقدرة على التغيير.
سادسًا: مجتمع لا يقدّس الإيمان ولا يجرّم الإلحاد المجتمع الحر ليس مجتمعًا بلا أديان، بل مجتمع لا تمنح فيه الأديان سلطة على ضمائر الناس، ولا يُدفع فيه الملحد إلى إخفاء موقفه خوفًا من العقوبة أو النبذ أو العنف؛ والدولة المحايدة لا تفرض الإيمان ولا تفرض الإلحاد، بل تحمي حق الناس في تبني المعتقدات أو رفضها، وتضمن أن تكون المواطنة والحقوق متساوية بصرف النظر عن ذلك. وتتطلب هذه القاعدة حماية قانونية فعلية من التمييز والتحريض والعنف، وضمان حرية التعبير والبحث والتعليم، ورفض تحويل التكفير أو وصم اللادينيين إلى مبرر لسلبهم الأمان أو الحقوق؛ وفي الوقت نفسه، لا تعني حرية التعبير إعفاء أي شخص من المسؤولية عن التهديد أو التحريض المباشر على الاعتداء؛ كما وتعني أيضا حماية حقوق جميع المؤمنين والمتدينين بالقدر نفسه، ومنع تعرضهم إلى أي انتقاص أو عسف أو اضطهاد من قبل أي طرف آخر تحت أية ذريعة أو مسمى طالما أنهم يمارسون أديانهم ومعتقداتهم بشكل سلمي ودون أي ضرر وضمن قواعد قانون المجتمع الحر. والحد الفاصل ليس بين كلام مقدس وكلام غير مقدس، بل بين التعبير عن الرأي وبين الاعتداء على حقوق البشر، فمن حق المؤمن أن يدعو إلى دينه بالحجة، ومن حق الملحد أن يدعو إلى موقفه وينقد الأديان بالحجة، ومن حق الجمهور أن يستمع ويقارن ويرفض الطرفين، أو يقبل هذا أو ذاك؛ أما فرض العقيدة بالقوة، أو استخدام القانون لإسكات المخالف لمجرد اختلافه، فهو انتهاك لحرية الضمير، وانتهاك معها لإنسانية الإنسان. وبنفس الوقت، لا يتطلب احترام حرية الدين أن تتوقف المجتمعات عن نقد المؤسسات الدينية أو القوانين أو التقاليد المستندة إلى أصول دينية، بل إن النقاش المفتوح ضروري كي يستطيع الناس مراجعة القواعد التي تنظم حياتهم المشتركة، والتأكد من أنها تحمي بشكل متساو حقوق الجميع، ولا تصنع تميبزا دينيا، وتفاوتا في الحقوق أو تقليصا للحريات، تحت راية الأديان.
خاتمة: الحرية لا تحتاج إلى إجماع الإلحاد ليس عقيدة يجب أن تعتنقها البشرية، مثلما أن الدين ليس امتيازًا يحق له احتكار المجال العام؛ كلاهما خيار فكري أو معتقدي مشروع؛ وقد يكون الإلحاد بالنسبة إلى بعض الناس النتيجة الأكثر أمانة لبحثهم العقلي، بينما يظل آخرون مؤمنين لأسباب يرونها وجيهة؛ والقانون لا يحسم هذا الخلاف العقدي، ولا ينبغي له أن يفعل، بل وظيفته هي أن يمنع تحويله إلى قهر. أما من جهة الحجة، فلا تستمد الفكرة قوتها من قِدمها أو شيوعها أو قداسة النص الذي يعلنها عند فئة من الناس، بل من الأدلة التي تسندها؛ ومن جهة الحقوق، لا يحتاج الإنسان إلى إثبات صحة إلحاده أو أيمانه كي يستحق الحرية والمساواة، بل يكفي أنه إنسان له ضمير وعقل وكرامة. إن المفاضلة بين الدين والإلحاد تظل نقاشًا معرفيًا وفلسفيا مفتوحًا، لكن المساواة في الحقوق قطعا ليست مسألة معلقة على نتيجة ذلك النقاش؛ ولا يجوز إخضاع حقوق الإنسان لامتحان عقائدي، ولا اشتراط إيمانه بإله أو نفيه كي يستحق المواطنة والأمان والكرامة. ومن حق المؤمن أن يؤمن، ومن حق الملحد ألّا يؤمن، ومن حق كليهما أن يناقش الآخر وينقده، ولكن ليس من حق أيٍّ منهما أن يحتكر الحقيقة أو يسلب الآخر حق الاختيار.
*****
تنويه: ساهم الذكاء الصناعي في تحرير هذا العمل.
***** بيروت ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
#رسلان_جادالله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
السويداء.. خريطةٌ لإخضاع الضحية لا لإنصافها
-
كيف تمارسون الجنس المقدس والروحاني
-
الكنيسة الأرثوذكسية تحل محل الحزب الشيوعي في روسيا في عهد بو
...
المزيد.....
-
قضاء بوسطن يعطل قرار إدارة ترامب بتقليص مهلة طعون اللاجئين
-
حملة حقوقية تعارض ترشح لانا نسيبة لقيادة الأمم المتحدة
-
الجالية اليمنية في تركيا تحتج أمام الأمم المتحدة بإسطنبول وت
...
-
الأونروا تحذر من تدهور الأوضاع الإنسانية في الخليل جراء عدوا
...
-
حقوقيون يعارضون ترشح لانا نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم الم
...
-
سويلم يبحث مع الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكاف
...
-
الحكومة اليمنية والأمم المتحدة توقّعان إطاراً للتعاون التنمو
...
-
الكويت.. أحكام بالإعدام تثير مخاوف على التعايش الداخلي مع ت
...
-
الأونروا تحذّر من تفاقم التهجير القسري بالخليل
-
بيان ادانة و استنكار بشأن الاعتداءات المبلغ على الكورد في تل
...
المزيد.....
-
اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا
...
/ محسن العربي
-
مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي
/ عبد الحسين شعبان
-
حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة
/ زهير الخويلدي
-
المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا
...
/ يسار محمد سلمان حسن
-
الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
نطاق الشامل لحقوق الانسان
/ أشرف المجدول
-
تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية
/ نزيهة التركى
-
الكمائن الرمادية
/ مركز اريج لحقوق الانسان
المزيد.....
|