سليمان الخنوشي
الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 00:47
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
الملخص
يهدف هذا المقال إلى تحليل التحولات التي يشهدها النظام الدولي من خلال دراسة التوترات الأمريكية الإيرانية والحرب الروسية الأوكرانية، بالاستناد إلى نظريات علم الاجتماع السياسي والعلاقات الدولية. وينطلق من فرضية مفادها أن الصراعات الراهنة لا يمكن تفسيرها من خلال الاعتبارات العسكرية والاستراتيجية وحدها، بل ينبغي ربطها ببنية النظام الدولي، وتنافس النخب السياسية، وصراع المصالح الاقتصادية، وآليات إنتاج الشرعية السياسية، وتوظيف الخطاب الأمني والقومي. ويعتمد المقال المنهج التحليلي المقارن، من خلال توظيف الواقعية السياسية، ومفهوم الهيمنة، ونظرية الأمننة، والاقتصاد السياسي للصراعات، بهدف الكشف عن الأبعاد البنيوية والاجتماعية التي تسهم في إنتاج النزاعات واستمرارها. ويخلص إلى أن التوترات الراهنة تعكس أزمة في آليات إدارة التنافس الدولي، وتكشف عن محدودية القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية في تحقيق تسويات سياسية مستدامة. كما يؤكد أن مستقبل النظام الدولي يرتبط بمدى قدرة القوى الكبرى على التوفيق بين مصالحها الاستراتيجية ومتطلبات القانون الدولي والأمن الجماعي وحماية المجتمعات من الآثار الإنسانية والاجتماعية للحروب.
الكلمات المفتاحية: علم الاجتماع السياسي؛ النظام الدولي؛ الهيمنة؛ الأمننة؛ الواقعية السياسية؛ الولايات المتحدة؛ إيران؛ روسيا؛ أوكرانيا.
Résumé
Cet article analyse les transformations de l’ordre international à travers les tensions entre les États-Unis et l’Iran ainsi que la guerre russo-ukrainienne, en mobilisant les principales approches de la sociologie politique et des relations internationales. Il repose sur l’hypothèse selon laquelle les conflits contemporains ne peuvent être expliqués uniquement par les considérations militaires et stratégiques, mais doivent également être appréhendés à travers la structure du système international, les intérêts des élites politiques, les rapports de domination, les mécanismes de légitimation et les effets du discours sécuritaire. L’étude adopte une démarche analytique et comparative fondée sur le réalisme politique, la théorie de l’hégémonie, la sécuritisation et l’économie politique des conflits. Elle montre que les crises actuelles révèlent les-limit-es de la puissance militaire et des sanctions économiques lorsqu’elles ne s’accompagnent pas de mécanismes politiques crédibles de règlement des différends. L’article souligne enfin que la stabilité internationale dépend de la capacité des acteurs à concilier leurs intérêts stratégiques avec le respect du droit international, la sécurité collective et la protection des populations civiles.
Mots-clés : sociologie politique ordre international hégémonie sécuritisation réalisme politique États-Unis Iran Russie Ukraine.
مقدمة
يشهد النظام الدولي تحولات متسارعة تعكس تزايد التنافس بين القوى الكبرى، وتصاعد النزاعات المسلحة، وتراجع قدرة الآليات الدبلوماسية على احتواء بعض الأزمات الاستراتيجية. وتبرز المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية، باعتبارهما من أبرز مظاهر هذه التحولات، لما لهما من انعكاسات على موازين القوى الإقليمية والدولية، وأسواق الطاقة، والتحالفات العسكرية، ومستقبل المؤسسات متعددة الأطراف.
وتكتسب هذه الأحداث أهمية خاصة لأنها تكشف عن تداخل مستويات متعددة من الصراع؛ فإلى جانب المواجهة العسكرية، توجد منافسة على النفوذ، وصراع حول تعريف التهديدات الأمنية، وتباين في التصورات المتعلقة بالسيادة والنظام الدولي، فضلًا عن توظيف الأدوات الاقتصادية والإعلامية في إدارة النزاعات. لذلك، فإن الاقتصار على متابعة التطورات الميدانية أو التصريحات الرسمية لا يكفي لفهم طبيعة التحولات الجارية، بل يستدعي الأمر تحليل البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تنتج هذه الصراعات وتؤثر في مساراتها.
وتتجلى أهمية علم الاجتماع السياسي في قدرته على الربط بين السياسة الخارجية والبنية الداخلية للدول، وبين المصالح الاقتصادية والقرارات الاستراتيجية، وبين الخطاب السياسي وآليات إنتاج الشرعية. كما يسمح بفهم الكيفية التي تتحول بها المخاوف الأمنية إلى مبررات للتعبئة السياسية وتوسيع الإنفاق العسكري، والكيفية التي تنتقل بها تكاليف النزاعات من المستوى الدولي إلى الحياة اليومية للأفراد والجماعات.
وتؤكد التطورات المسجلة في أكتوبر 2026 راهنية هذا التحليل. فقد أشارت تقارير رويترز إلى استمرار الخلافات الأمريكية الإيرانية بشأن شروط إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، في ظل تعثر التوصل إلى تسوية نهائية. وفي الجبهة الأوكرانية، تواصلت التحركات الدبلوماسية بالتزامن مع استمرار الهجمات والخلافات حول شروط وقف إطلاق النار والدعم الغربي لأوكرانيا.
انطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تجاوز الوصف الإخباري للأحداث نحو تفسير سوسيولوجي سياسي يربط بين الصراعات الراهنة وبنية النظام الدولي، وتنافس النخب، وإنتاج الخطاب الأمني، والآثار الاقتصادية والاجتماعية للحروب.
الإشكالية والمنهجية
تتمحور الإشكالية المركزية للمقال حول السؤال الآتي: إلى أي حد تعكس المواجهة الأمريكية الإيرانية والحرب الروسية الأوكرانية أزمة بنيوية في النظام الدولي وصراعًا على الهيمنة وتوزيع القوة، وما دور العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تفسير استمرار هذه الصراعات وحدود تسويتها؟
ويتفرع عن هذا السؤال تساؤل يتعلق بمدى قدرة القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية على تحقيق الأهداف السياسية المعلنة، فضلًا عن دور النخب الحاكمة والخطابات الأمنية في تعبئة المجتمعات وتحديد الخيارات الاستراتيجية. كما يطرح المقال مسألة قدرة المؤسسات الدولية على احتواء النزاعات عندما تتعارض المصالح الأساسية للقوى الكبرى.
منهجيًا، يعتمد المقال المقاربة التحليلية المقارنة، من خلال توظيف مفاهيم ونظريات علم الاجتماع السياسي والعلاقات الدولية لتفسير حالتين مختلفتين من حيث السياق التاريخي وطبيعة الأطراف، لكنهما متصلتان بتحولات أوسع في النظام الدولي. ويستند التحليل إلى الأدبيات النظرية الأساسية، وإلى تقارير إخبارية موثوقة بشأن المستجدات الراهنة. ولا يدعي المقال إجراء دراسة ميدانية أو اختبارًا إحصائيًا، بل يقدم تركيبًا نظريًا يسعى إلى تفسير الوقائع ضمن سياقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الصراعات المعاصرة لا تنتج عن عامل منفرد، بل عن تفاعل بنية النظام الدولي مع مصالح النخب الحاكمة، وآليات إنتاج الشرعية، والتنافس الاقتصادي، والتصورات المتبادلة للتهديد والأمن.
أولًا: الواقعية السياسية ومعضلة الأمن في النظام الدولي
تقدم الواقعية السياسية إطارًا أساسيًا لفهم التنافس الدولي، انطلاقًا من اعتبار الدولة فاعلًا يسعى إلى حماية مصالحه وتعزيز أمنه وموقعه في النظام الدولي. وقد شكل كتاب هانز مورغنثاو، Politics Among Nations، أحد المراجع المؤسسة لهذا الاتجاه، بينما طور كينيث والتز في كتابه Theory of International Politics مقاربة بنيوية تربط سلوك الدول بتوزيع القدرات في النظام الدولي (Morgenthau, 1948 Waltz, 1979).
وفق هذا المنظور، لا يمكن فهم السياسة الأمريكية تجاه إيران من خلال الملف النووي وحده، على الرغم من مركزيته، بل ينبغي ربطها أيضًا بالتوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وأمن الخليج، والممرات البحرية، ومصالح الحلفاء الإقليميين. وفي المقابل، تنظر إيران إلى قدراتها الاستراتيجية وعلاقاتها الإقليمية باعتبارها عناصر للردع وحماية الدولة من الضغوط الخارجية.
وتكشف هذه العلاقة عن معضلة الأمن، حيث يمكن للإجراءات التي يتخذها طرف لتعزيز أمنه أن تُفسَّر لدى الطرف الآخر باعتبارها تهديدًا. وعندما تستجيب كل دولة لمخاوفها من خلال توسيع قدراتها العسكرية أو تعزيز تحالفاتها، فإنها قد تسهم، من دون أن تقصد بالضرورة، في زيادة انعدام الثقة ورفع احتمالات التصعيد.
وقد ظهرت هذه الدينامية بوضوح في المواجهة الأمريكية الإيرانية خلال عام 2026، إذ ربطت واشنطن التوصل إلى اتفاق بتغييرات جوهرية في القدرات النووية الإيرانية، في حين تمسكت طهران بمواقفها التفاوضية وطرحت ترتيبات تتعلق بمضيق هرمز ورفع القيود الاقتصادية. وتشير تقارير رويترز إلى أن المفاوضات ظلت تواجه خلافات بشأن الشروط النووية وترتيبات الملاحة البحرية، بما يعكس صعوبة تحويل التفوق العسكري والضغط الاقتصادي إلى تسوية سياسية مقبولة للطرفين.
ولا يعني ذلك أن المخاوف الأمنية الإيرانية والأمريكية متطابقة من حيث طبيعتها أو آثارها، وإنما يوضح أن تصورات الأمن لدى الدول قد تتحول إلى مصادر للتصعيد عندما تغيب الثقة المتبادلة والضمانات القابلة للتحقق.
أما في الحرب الروسية الأوكرانية، فتتداخل مسألة سيادة أوكرانيا واستقلالها مع تصورات روسيا لأمنها الاستراتيجي وموقعها في النظام الأوروبي. وتفسر الواقعية جزءًا من سلوك الأطراف من خلال التنافس على النفوذ والتحالفات والردع، لكنها لا تقدم مبررًا قانونيًا لاستخدام القوة أو انتهاك سيادة الدول. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين تفسير دوافع الفاعلين والحكم على شرعية أفعالهم.
وتتمثل القيمة التفسيرية للواقعية في إظهار أن الصراعات تتشكل ضمن شبكة من المصالح والتهديدات المتبادلة، غير أن استمرارها لا يمثل نتيجة حتمية لتنافس الدول؛ إذ تظل الخيارات الدبلوماسية، والوساطة الدولية، والضمانات الأمنية، عوامل قادرة على تغيير مسار النزاع.
ثانيًا: الهيمنة والصراع على إعادة تشكيل النظام الدولي
تتجاوز نظرية الهيمنة مفهوم القوة العسكرية لتشمل القدرة على صياغة القواعد الدولية والتأثير في المؤسسات والتحالفات وتحديد القضايا التي تحظى بالأولوية في الأجندة العالمية. وتسمح أفكار أنطونيو غرامشي، ولا سيما مفهوم الهيمنة، بفهم العلاقة بين الإكراه والقبول في ممارسة السلطة، مع ضرورة مراعاة أن تطبيق هذا المفهوم على العلاقات الدولية يمثل امتدادًا تحليليًا يتجاوز سياقه الأصلي المتعلق بالصراعات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمعات (Gramsci, 1971).
في هذا الإطار، يمكن قراءة المواجهة الأمريكية الإيرانية باعتبارها اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على إدارة التوازنات الإقليمية، بينما تمثل الحرب الروسية الأوكرانية تحديًا لبنية الأمن الأوروبي والعلاقات بين موسكو والدول الغربية. ولا تقتصر المنافسة هنا على السيطرة الميدانية، بل تشمل كذلك القدرة على فرض الشروط التفاوضية، والحفاظ على التحالفات، والتأثير في أسواق الطاقة، وكسب التأييد الدولي.
وتبرز أهمية هذا التحليل في أن القوى الكبرى لا تعتمد على الإكراه وحده، بل تسعى أيضًا إلى تقديم سياساتها باعتبارها دفاعًا عن الاستقرار أو السيادة أو الأمن الجماعي. وتؤدي هذه الخطابات وظيفة في إنتاج الشرعية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الممارسات الفعلية تتوافق مع المبادئ المعلنة.
فقد تدافع دولة عن مبدأ السيادة في سياق معين، بينما تنتهكه في سياق آخر، كما قد تتبنى دولة خطاب حماية النظام الدولي، ثم تلجأ إلى إجراءات أحادية تزيد من تعقيد النزاع. ولذلك، ينبغي أن ينصب التحليل على العلاقة بين الخطاب والممارسة، وعلى مدى اتساق السياسات الخارجية مع قواعد القانون الدولي.
وتكشف التطورات الأمريكية الروسية في أكتوبر 2026 عن تعقيد إضافي في علاقات القوة؛ إذ أشارت رويترز إلى توتر العلاقة بين واشنطن وكييف عقب مواقف أمريكية واتفاق يتعلق بإمدادات الديزل الروسي، في الوقت الذي واصلت فيه بريطانيا إعلان دعمها لأوكرانيا والدعوة إلى استمرار الضغط الاقتصادي على موسكو.
وتبين هذه الحالة أن العلاقات الدولية لا تقوم دائمًا على معسكرات ثابتة؛ فقد تتعاون الدول في ملف اقتصادي، بينما تختلف في ملف عسكري أو أمني. كما أن التحالفات قد تتغير تبعًا للأولويات الداخلية والمصالح الاستراتيجية، وهو ما يجعل تحليل السياسة الخارجية أكثر تعقيدًا من تقسيم العالم إلى أطراف متجانسة وثابتة.
ومن ثم، فإن الحديث عن انتقال النظام الدولي إلى تعددية قطبية ينبغي أن يتم بحذر. فتصاعد التنافس بين القوى الكبرى لا يعني تلقائيًا قيام نظام دولي أكثر عدالة، كما أن تراجع قدرة دولة على فرض إرادتها لا يضمن ظهور قواعد بديلة تحظى بقبول واسع. إن التعددية القطبية قد توسع مجال المناورة أمام الدول المتوسطة والصغيرة، لكنها قد تزيد أيضًا من صعوبة التنسيق الدولي إذا غابت القواعد والمؤسسات القادرة على إدارة تضارب المصالح.
ثالثًا: الأمننة وإنتاج التهديدات والشرعية السياسية
تتيح نظرية الأمننة، التي طورها باري بوزان وأولي ويفر وياپ دي وايلد، فهم الكيفية التي تتحول بها قضية سياسية أو استراتيجية إلى تهديد وجودي يستدعي اتخاذ إجراءات استثنائية. فتعريف التهديد لا يرتبط فقط بخصائص الخطر المادي، بل يتأثر أيضًا بالخطاب السياسي، وبقدرة الفاعلين على إقناع الجمهور بضرورة التعامل مع قضية معينة بوصفها أولوية أمنية قصوى (Buzan, Wæver, & de Wilde, 1998).
في المواجهة الأمريكية الإيرانية، يحتل الملف النووي والأمن الإقليمي مكانة مركزية في الخطاب السياسي، بينما تستند روسيا وأوكرانيا إلى تصورات متباينة للأمن والسيادة والتهديدات الاستراتيجية. وتؤثر هذه الخطابات في تحديد الخيارات المتاحة أمام صناع القرار، لأنها قد تجعل بعض التنازلات السياسية تبدو، أمام الجمهور، بمثابة تخلي عن المصالح الوطنية.
غير أن الأمننة لا تعني أن التهديدات مجرد منتجات لغوية؛ فالقدرات العسكرية والهجمات المسلحة ومخاطر الانتشار النووي لها أبعاد مادية ينبغي التحقق منها. وتكمن الفكرة الأساسية في أن وجود الخطر لا يحدد وحده كيفية الاستجابة له، لأن تفسيره وترتيب أولوياته يتأثران بالسياقات التاريخية والمصالح المؤسسية والتصورات السياسية.
وتتصل هذه الدينامية بمسألة الشرعية السياسية. فالحكومات تحتاج إلى تبرير قراراتها المتعلقة بالحرب والإنفاق العسكري والتفاوض أمام المواطنين. وقد يؤدي ذلك إلى تقديم المواجهة الخارجية باعتبارها ضرورة لحماية الدولة، بينما قد تدفع التكاليف الاقتصادية والإنسانية بعض الفئات الاجتماعية إلى المطالبة بمراجعة السياسات المتبعة.
وتشير تقارير رويترز في أكتوبر 2026 إلى أن الحرب الأمريكية الإيرانية أصبحت مرتبطة بضغوط اقتصادية وسياسية داخل الولايات المتحدة، في ظل المخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. ويبرز ذلك أن السياسة الخارجية لا تُصنع بمعزل عن البيئة الداخلية، بل تتأثر بتفاعل اعتبارات الأمن القومي مع الرأي العام والشرعية الانتخابية والتكاليف المعيشية.
كما يؤدي الإعلام دورًا مهمًا في بناء التصورات العامة عن الخصم والحليف والتهديد. فوسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية تسهم في تداول التصريحات والصور والمعلومات، وقد تساعد على توثيق الانتهاكات وكشف معاناة المدنيين، لكنها قد تساهم أيضًا في نشر المعلومات المضللة وتكريس الاستقطاب.
ومن منظور سوسيولوجي، لا يكفي تحليل مضمون الخطاب الرسمي، بل ينبغي دراسة الجهات التي تنتجه، والجمهور الذي يستهدفه، والوظائف السياسية التي يؤديها، ومدى اتساقه مع الوقائع المتاحة. فحين يتحول الخصم إلى عدو مطلق، تصبح التسوية أكثر صعوبة، لأن التفاوض يتطلب الاعتراف بإمكان تنظيم الاختلاف، بينما تقوم صورة العدو المطلق على نفي إمكان التعايش السياسي معه.
رابعًا: النخب الحاكمة والاقتصاد السياسي للصراعات
تساعد المقاربة النخبوية، كما تظهر في أعمال رايت ميلز، على دراسة العلاقات بين مراكز القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية، وفهم كيفية تأثيرها في تحديد الأولويات العامة. ولا تعني هذه المقاربة أن جميع القرارات الخارجية تُتخذ لخدمة المصالح الخاصة للنخب، وإنما تؤكد ضرورة دراسة البنية المؤسسية والقيود السياسية والمصالح التي تؤثر في عملية صنع القرار (Mills, 1956).
في الولايات المتحدة، تتداخل القرارات الخارجية مع النقاشات المتعلقة بالإنفاق العسكري وأسعار الطاقة والتنافس الحزبي والتأييد الشعبي. وفي إيران، تتفاعل السياسة الخارجية مع موقع المؤسسات السياسية والأمنية، ومع الآثار الاقتصادية للعقوبات والقيود التجارية. أما في روسيا وأوكرانيا، فقد أعادت الحرب ترتيب الأولويات الاقتصادية والأمنية، ورفعت مكانة الصناعات العسكرية والتعبئة الوطنية في إدارة الموارد.
ويكشف هذا التداخل أن قرار الحرب أو التفاوض لا يتحدد فقط بحسابات موازين القوة، بل يتأثر كذلك بالكلفة السياسية للتراجع عن المواقف المعلنة. فقد يجد القائد السياسي صعوبة في قبول تسوية لا تحقق جميع الأهداف التي سبق أن قدمها للرأي العام باعتبارها ضرورية للأمن الوطني. وفي المقابل، قد يؤدي ارتفاع الكلفة المالية والاجتماعية إلى زيادة الحوافز نحو التفاوض.
ويرتبط ذلك بالاقتصاد السياسي للصراعات، الذي يدرس العلاقة بين الموارد الاقتصادية والسلطة السياسية وأدوات الضغط الدولي. فالعقوبات والتحكم في تدفقات الطاقة والقيود التجارية ليست مجرد إجراءات اقتصادية، بل أدوات تستهدف التأثير في سلوك الدول وتعديل حساباتها الاستراتيجية.
غير أن فاعلية العقوبات ليست مضمونة؛ فقد تضعف قدرة الدولة المستهدفة على تمويل أنشطتها، لكنها قد تدفعها أيضًا إلى تنويع الشركاء التجاريين وإيجاد قنوات بديلة للتبادل. كما يمكن أن تتحمل الفئات الاجتماعية الأقل قدرة على التكيف جزءًا كبيرًا من كلفتها، بينما تستطيع بعض الفئات الاقتصادية امتصاص الصدمات أو الاستفادة من التحولات في الأسواق.
وتتضح هذه الإشكالية في اضطرابات أسواق الطاقة المرتبطة بالمواجهات العسكرية. فقد أشارت رويترز في أكتوبر 2026 إلى أن استمرار المخاطر في الشرق الأوسط واضطراب بعض القدرات التكريرية، بالتزامن مع الحرب في أوكرانيا، يزيدان من تعقيد أسواق النفط والديزل ويحدان من فاعلية التصريحات السياسية وحدها في تهدئة الأسعار.
وتكشف هذه التطورات عن حدود التعامل مع الاقتصاد باعتباره أداة يمكن التحكم في نتائجها بصورة مباشرة. فالأسواق تستجيب لتوقعات الاستقرار، وكلفة النقل والتأمين، وحجم المخزونات، وتوافر الإمدادات، وليس فقط للقرارات السياسية المعلنة.
كما تنتقل آثار النزاعات إلى الدول التي لا تشارك مباشرة في العمليات العسكرية، من خلال أسعار الطاقة والنقل والمواد الأولية. وبالنسبة إلى المغرب، فإن اضطرابات الإمدادات الدولية قد تؤثر في تكاليف الاستيراد والإنتاج والقدرة الشرائية، وإن كان تحديد حجم الأثر يتطلب بيانات اقتصادية وطنية حديثة ولا يمكن استنتاجه من التطورات الجيوسياسية وحدها.
وهنا يتقاطع الاقتصاد السياسي مع علم الاجتماع السياسي؛ لأن الصدمات الاقتصادية لا تتوزع بالتساوي بين الفئات الاجتماعية. فالأسرة محدودة الدخل تكون أكثر تعرضًا لتأثير ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل، بينما تمتلك الفئات الأكثر ثراءً موارد أكبر للتكيف. وبذلك، يمكن أن تتحول أزمة دولية بعيدة جغرافيًا إلى عامل يعمق التفاوتات الاجتماعية ويضغط على السياسات العمومية والحماية الاجتماعية.
خامسًا: الحرب الروسية الأوكرانية وحدود الوساطة الدولية
توضح الحرب الروسية الأوكرانية أن النزاعات المعاصرة تتجاوز المواجهة بين جيشين لتصبح جزءًا من صراع أوسع حول الأمن الإقليمي والتحالفات الدولية وشروط التسوية السياسية. فقد أدى استمرار الحرب إلى تعميق الخلاف بين روسيا والدول الغربية، وإلى زيادة الاعتماد على الدعم العسكري والاقتصادي والعقوبات، بالتوازي مع محاولات دبلوماسية متكررة لوقف القتال.
وتكشف المستجدات المنشورة في أكتوبر 2026 عن استمرار التباين في المواقف بشأن وقف إطلاق النار. فقد اتهمت أوكرانيا روسيا بانتهاك التفاهمات المتعلقة بالبنية التحتية للطاقة، بينما أفادت تقارير لاحقة بأن الهجمات على أهداف النقل واللوجستيات استمرت رغم إعلان هدنة محدودة تخص منشآت الطاقة.
وتشير هذه الوقائع إلى أن الاتفاقات الجزئية قد تخفف بعض مظاهر التصعيد، لكنها لا تكفي بالضرورة لإنهاء النزاع إذا لم تُدعَم بآليات تحقق واضحة، والتزامات متبادلة، وترتيبات سياسية وأمنية أوسع. كما أن التوصل إلى تفاهم بشأن منشآت الطاقة لا يعني بالضرورة وجود اتفاق بشأن الحدود أو السيادة أو الضمانات الأمنية أو مستقبل العلاقات بين الأطراف.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، تكشف هذه الحالة عن أهمية الشرعية الداخلية في عملية التفاوض. فكل طرف يسعى إلى تقديم التسوية باعتبارها متوافقة مع مصالحه الوطنية، وقد يؤدي الضغط الداخلي إلى تقليص هامش المناورة أمام القيادة السياسية. ولذلك، فإن نجاح الوساطة لا يتوقف فقط على اقتراح صيغة تقنية لوقف إطلاق النار، بل يتطلب بناء ترتيبات يمكن الدفاع عنها سياسيًا أمام المجتمعات المعنية.
كما أن استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا، مع ظهور اختلافات بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين بشأن أدوات الضغط على روسيا، يكشف أن التحالفات الدولية ليست بالضرورة متطابقة في جميع ملفاتها. وقد أبرزت تقارير رويترز في 13 أكتوبر 2026 استمرار الدعم البريطاني لأوكرانيا رغم الخلافات المرتبطة بالسياسة الأمريكية تجاه كييف وموسكو.
ويؤكد ذلك أن إدارة النزاعات تتأثر بتعدد الفاعلين وباختلاف حساباتهم الداخلية والخارجية. كما يبرز أهمية عدم اختزال الحرب في ثنائية بسيطة بين طرفين، لأن استمرارها يرتبط أيضًا بمواقف الحلفاء والوسطاء والمؤسسات الدولية، وبالاعتبارات الاقتصادية والإنسانية التي تؤثر في قدرة الأطراف على مواصلة القتال أو الانتقال إلى التفاوض.
سادسًا: نحو قراءة تركيبية لمستقبل النظام الدولي
تتيح المقارنة بين المواجهة الأمريكية الإيرانية والحرب الروسية الأوكرانية استخلاص مجموعة من الدلالات النظرية بشأن مستقبل النظام الدولي. أولها أن القوة العسكرية تظل عنصرًا أساسيًا في العلاقات الدولية، لكنها لا تضمن وحدها تحقيق الأهداف السياسية. وثانيها أن الأدوات الاقتصادية، بما فيها العقوبات والقيود التجارية، يمكن أن تفرض تكاليف على الخصوم، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير مواقفهم الاستراتيجية. وثالثها أن الخطاب الأمني والقومي يؤدي دورًا في تعبئة المجتمعات وتبرير السياسات، لكنه قد يتحول إلى عائق أمام التسوية عندما يجعل التنازل مرادفًا للهزيمة.
وتكشف هذه الدلالات أن النظام الدولي يمر بمرحلة تتداخل فيها محاولات المحافظة على ترتيبات القوة القائمة مع سعي بعض الفاعلين إلى تعديلها. إلا أن هذا التحول لا يسمح بالجزم بأن نظامًا دوليًا جديدًا قد اكتمل؛ فالتعددية القطبية ليست مجرد تعدد للقوى العسكرية، بل تتطلب مراكز متعددة للقدرة الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية، إلى جانب وجود قواعد ومؤسسات قادرة على تنظيم التنافس.
كما أن تعدد مراكز القوة لا يعني بالضرورة قيام نظام أكثر عدالة. فقد يوسع هامش المناورة أمام الدول الصغيرة والمتوسطة، لكنه قد يزيد أيضًا من مخاطر التنافس على مناطق النفوذ إذا لم تقترن التعددية بقواعد واضحة وآليات فعالة للمساءلة وتسوية النزاعات.
ومن هنا، تبرز ضرورة تعزيز دور القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، ليس باعتبارها بديلًا عن السياسة وموازين القوة، بل باعتبارها أدوات لتنظيمها والحد من آثارها المدمرة. فغياب قواعد مشتركة أو تطبيقها بصورة انتقائية يزيد من احتمالات اللجوء إلى القوة، ويضعف ثقة الدول في إمكان حل النزاعات عبر التفاوض.
وتقتضي التسوية المستدامة كذلك الاعتراف بالأبعاد الإنسانية والاجتماعية للصراعات. فوقف إطلاق النار لا يمثل نهاية الأزمة إذا استمرت آثار التهجير وتدمير البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية وانعدام الأمن الغذائي. كما أن إعادة الإعمار تتطلب موارد مالية ومؤسسات فعالة وضمانات أمنية تسمح بعودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يصبح الأمن مفهومًا أوسع من مجرد حماية الحدود أو الحفاظ على التفوق العسكري؛ إذ يشمل أيضًا أمن الأفراد والمجتمعات، واستقرار الموارد الأساسية، وحماية الحقوق، وتوفير شروط التنمية. ويسمح هذا التوسع في مفهوم الأمن بربط تحليل العلاقات الدولية بقضايا العدالة الاجتماعية، وتفاوتات القوة، وتوزيع كلفة الحروب داخل المجتمعات وبين الدول.
خاتمة
يخلص التحليل إلى أن المواجهة الأمريكية الإيرانية والحرب الروسية الأوكرانية تمثلان حالتين كاشفتين عن التحولات التي يعرفها النظام الدولي، وعن التداخل بين موازين القوة والهيمنة والمصالح الاقتصادية والشرعية السياسية. فهذه الصراعات لا يمكن فهمها من خلال الاعتبارات العسكرية وحدها، بل ينبغي تحليلها ضمن سياقاتها البنيوية والاجتماعية، مع مراعاة دور النخب الحاكمة والخطابات الأمنية والاقتصاد السياسي في تشكيل قرارات الحرب والسلم.
وقد أظهرت الواقعية السياسية أهمية التنافس على الأمن والمصلحة، بينما أتاح مفهوم الهيمنة تحليل العلاقة بين القوة والشرعية. وكشفت نظرية الأمننة دور الخطاب في تعريف التهديدات وتبرير الإجراءات الاستثنائية، في حين أبرزت المقاربة النخبوية والاقتصاد السياسي كيفية ارتباط القرارات الخارجية بالمصالح المؤسسية والتكاليف الاجتماعية والاقتصادية.
غير أن تفسير هذه الصراعات لا يعني اعتبارها حتمية أو تبرير نتائجها. فالدبلوماسية والوساطة والمؤسسات الدولية والضغوط الاجتماعية تظل عوامل مؤثرة في تغيير مسارات النزاع. كما أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق تسوية مستقرة، وأن العقوبات الاقتصادية قد تفرض أعباء واسعة دون أن تحقق أهدافها السياسية كاملة.
وتتمثل الخلاصة الأساسية في أن مستقبل النظام الدولي لن يتحدد فقط بقدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها، بل كذلك بقدرتها على بناء قواعد مشتركة لتنظيم التنافس، واحترام السيادة والقانون الدولي، وحماية المدنيين، وتطوير آليات تفاوض تعالج مصادر انعدام الثقة.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن النظام الدولي الأكثر استقرارًا ليس بالضرورة النظام الذي تختفي فيه المنافسة، وإنما النظام الذي يمتلك مؤسسات وآليات تسمح بإدارة الاختلاف من دون تحويله إلى حرب، وتمنع تركيز كلفة الأزمات على المجتمعات الأكثر هشاشة. فالقوة قد تفرض وقائع مؤقتة، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية مستدامة؛ والهيمنة قد تتيح إدارة بعض الأزمات، لكنها لا تضمن الاستقرار ما لم تقترن بقواعد تحظى بقدر من القبول والعدالة.
#سليمان_الخنوشي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟