|
|
إبستيمولوجيا التصور الخطابي للعالم. دراسة تحليلية نقدية لأنظمة الوعي في الخطاب الفكري العربي
سعيد أراق
الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 23:52
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يبدو التذكر أحيانا مجرد استعادة باهتة لأحداث لم يعد بإمكانها أن تملك وجودا ممكنا إلا في شكل خيالات بدون روح، لكن بعض الذكريات تظل قابعة هناك؛ في ذلك الحيز المُعْتِمِ أو المضيء من العقل والوجدان، فتنبثق فجأة كضوء منبعث من غياهبِ ماضٍ قريب أو بعيدٍ لتلتحم في عقلك مع سؤال يشغلك أو تشغله؛ وهو سؤال فكري يفرض نفسه عليك بحكم تخصصك الأكاديمي أو شغفك بالحصول على أجوبة عن أسئلة تراودك وتستفزك كأنها تقيس مدى قدرتك على اصطناع أجوبة تمثلك وتمثلها. من بين هذا النوع من الذكريات القوية التي ظلت قابعة في العقل والوجدان، وأبقتني مشدودا للحظتها بعقلي وتساؤلاتي، وعاجزا عن نسيان سينوغرافيتها الإنسانية والمكانية والزمنية هي ذكرى جَلْسَةٍ جمعتني مع صديق في مقهى باليما في العاصمة المغربية الرباط منذ عشرة أشهر. التحقت بنا امرأة من معارفه. انضمت إلينا، طلبت قهوة، وأخرجت سيجارة وشرعت في التدخين. رأت نظراتِ انزعاجي، فقالت بصوت فيه رعشة ومَسْكَنَةٌ وفتور: - هذه السيجارة التي تَرَى تحكي قصتي؛ إنها ليست حكاية إدخال الدخان ونفثه، إنها حكاية روح تنفث بعضا من حزنها وغضبها مع كل نفثة دخان؛ هذه السيجارة التي تحترق هي أنا. لذلك أرجوك لا تنظر إلي بتلك النظرات، قل: "الله يعفو". لم أشعر أن كلامها يستدعي مني جوابا لأنه بدا لي تبريريا؛ نوعا من ذلك التبرير الذي أصبح ثقافة وأسلوبَ تفكير واعتقاد عند عموم الناس. من خلال قراءةٍ استعادية عميقة لمسارٍ شخصيٍ طويل من الارتحال عبر الأيام والسنين، انتبهتُ إلى أن ما أسمعه وما سمعته من كلام الناس في كل موقعٍ تلفظي شخصي أو رسمي، دَهْمَائِيٍّ أو "مُتَثَاقِفٍ" هو التبرير، كأن العالم حلبة لا إمكانية للتواصل فيها باللغة إلا عبر خطابٍ تبريري محتقن بشعور دفينٍ ومُخْجِلٍ بالذنب والتقصير والرغبة في تبرئة الذات. لكن بصرف النظر عن هذا التشخيص الثقافي والسيكولوجي، فإن ما قالته تلك المرأة استفز في عقلي فكرة إشكالية وإبستيمولوجية ذات بعد خطابي: الناس حكايات، والعالم نفسه حكاية. الحياة سرديات. وكل من يحسن التبرير أو يتوهم أنه يُحْسِنُهُ يسعى –بشكل واع أو غير واع- إلى التحكم في السرد، والتحكم في الحكاية، لأن من يتحكم في السرد يتحكم في العالم أو يتوهم التحكم فيه. لكن ما الصيغة التي تنشأ بها ومن خلالها كل حكاية أو سَرْدِيَّةٍ شخصية أو جماعية؟ تلك الصيغة هي الخطاب: البناء الخطابي للذات وهي تتحول في اللغة وباللغة إلى ذاتٍ مُتَمَوْقِعَةٍ في العالم، مُتَجَلِّيَةً لنفسها فيه. إن العالم مجال احتكاك تراجيدي بالأشياء والأحداث والأفكار والزمن والموت والحياة؛ كل شكل من هذا الاحتكاك يُسْفِرُ عن حكاية، ويتحول إلى سردية من سرديات الذات وهي تنفق عمرها في طريقٍ وُجُودِيٍّ لا تملك اختيار السير في طريق سواه. كل حكاية إذن صيغة سردية معبِّرة – رمزيا وإبستيمولوجيا- عن تجربة وجودية للذات وهي ترتاد العالم وتقيم فيه. لكن الحكاية لا تسرد نفسها من خلال حكائيتها الخالصة، بل "تَنْسَرِدُ" من خلال الذات التي تسرد نفسها في الحكاية وعبرها: إن الذات لا تحكي حكاية عن ذاتها بل تحكي ذاتها في الحكاية، تحكي معناها الخاص، تسرد بُطُولَتَهَا الآشِيلِيَّةَ أو تسرد تبريرها لفشلها التراجيدي، لأن خلف كل حكاية -حتى تلك التي تبدو حكايةَ نجاح أو إنجاز عظيم- يوجد شكل من أشكال الفشل المتخفي: الفشل الوجودي الذي يجعل كل نجاحٍ مُمْكِنٍ محدودا بفشل لا يُرَى لكنه كامن في مدافن الذات العميقة، الذات التي يستهلكها الزمن والتعب وعدم الرضا عن بشاعة العالم وسفالة البشر. من الناحية الوجودية، هذا هو المأزق الأبدي للكائن، لكن من الناحية السردية هذه حكاية كل الناس وهم يبحثون عن أنفسهم في حكايات يَتَمَاهَوْنَ معها حتى تصير هويتهم ويصيروا شخصياتِها وأحداثَها. لكن ما يبدو لي مُسْتَغْرَبًا في كل مقام تلفظي أو خطابي هو سرديات التبرير، هو خطابية التهرب من المواجهة؛ نجد هذا النوع من الخطابية في الكثير من الشعر العربي الحديث والكثير من الرواية العربية الحديثة: تبريرُ قيمةِ الإبداع ببكائية التبرير؛ تبرير ما يعتبر فشلا عاما من خلال منظورٍ إبداعي كئيب. وهذا ما وجدتُه كذلك في كلام المرأة التي التحقتْ بنا في مقهى باليما: امرأة جذابة بلباس غربي غاية في الأناقة، أنوثة متدفقة وفاخرة، وثقافة تثير التأمل والإعجاب لكنها ثقافة تستضمر خطابية التبرير مثل الكثير من الخطابيات التي تنتشر في سوق التواصلات الاجتماعية وأنشطة التلفظ وثرثرات المحادثة. ظلت ذكرى تلك المرأة تلاحقني، فأسمع صدى صوتها الهادئ، ورعشته الفاترة، وأنوثتها المتوهجة، وأناقة حركاتها البورجوازية على الطريقة الرباطية، وأسأل نفسي: هل مستعملو اللغة في المجال الاجتماعي يعرفون العالم ويتعرفون عليه كما هو في حقيقته الخالصة أم أنهم يَعْرِفُونَهُ ويَتَعَرَّفُونَ عليه كصياغة لغوية، كتلفظٍ خطابي، كحصيلةِ نشاطٍ تداولي من طبيعة ذهنية إسقاطية وتبريرية؟ هل لدى الكائنات البشرية القدرة على فهم العالم لأنه متحقق وجوديا في ذاته أم لأن تحققه ليس حصرا تحققا فينومينولوجيا وأنطولوجيا، بل تحققا في اللغة، وجودا في الكلام، حضورا في التلفظ، صدى رسمٍ بالكلمات؟ هل الكينونة هي الذات والعالم كما هما أم أن الخطاب والكلام هما اللذان يمنحان الكينونة صيغتها وشكلها ومعناها؟ العالم نسق من الظواهر التي لا يمكن احتواؤها بالإدراك إلا بشكلٍ تَمَثُّلِيٍّ دَرَجَ الناس على تسميته "وَعْيًا" حتى فَقَدَ هذا المفهوم معناه من كثرة الاستهلاك والاستعمال. وسواء تعلق الأمر بالتمثل أو الوعي فإن ما يستقر منهما في الذهن هو المعاني التي نمنحها لأشياءِ وتَشَيُّؤَاتِ العالم. إن العالم لا يمنحنا معناه أبدا (والسبب في ذلك أن العالم انغلاقٌ على سرٍّ هو كُنْهُ حقيقته)، بل يمنحنا الوهم والقدرة على إضفاء المعنى عليه. وحصيلة المعاني التي نضفيها على العالم هي ما نسميه وَعْيًا أو تَمَثُّلاً؛ إننا إذن لا نعي العالم بل نعي المعاني التي نُسْبِغُهَا عليه؛ إننا نَعِي مَعَانِينَا فيه، إننا نتعرف على أنفسنا في صيغة نظرتنا إليه وتَمَثُّلِنَا إياه. ومجموع تلك المعاني هي سردياتنا الإنسانية حول العالم، وفَرَادَةُ تلك المعاني هي سردية كل شخص منا وهو يتأمل العالم ويتأمل نفسه في مرآته المَجْلُوَّةِ أو غير المجلوة بالمعنى الذي نجده عند الشهرستاني، وهو معنى أستعيره مجازيا لا عِرْفَانِيًّا. الفرق بين العالَم كما هو في تحققاته الدالة عليه وبين العالَم كما نراه من خلال نسق المعاني التي نُسقطها عليه هو الفرق بين الحقيقة والوهم، الفرق بين الشيء في ذاته والشيء في مجمل انعكاساته وقد صارت موضوع تَمَثُّلٍ. هذه قضية إدراكية وإبستيمولوجية، لكنها أيضا قضية خطابية. المعنى لا يصير منكشفا تداوليا للذات وللآخرين إلا في شكل ممارسة تلفظية، والممارسة التلفظية (كل ممارسة تلفظية) هي خطاب، أي توظيف خاص ومقصود للغة من أجل تقديم المعنى الدال على قَصْدِيَّاتِ الذات. إن الحديث عما أسميه "الرؤية الخطابية للعالم" يعني أنها قضية إبستيمولوجية وإدراكية واستبصارية في الوقت نفسه. الرؤية الخطابية للعالم ليست رؤية تتوقف عند حدود اللغة بل تنفتح على رصد ما أسميه "الظل" الكامن خلف خطاب اللغة، خلف الذات التي تدعي الانكشاف وهي تتخفى خلف الخطاب الذي تسكبه في شكل سردية تنكرية Une dénégation narrative بالمعنى الذي نجده عند جاك لاكان. إن الذات تصطنع نفسها من خلال اصطناع معناها الخاص، لكن القراءة الخطابية للذات تكشف دائما أن ما تصطنعه الذات لنفسها من معنى ليس معناها الشخصي بل معناها المستمد من معاني وسرديات الآخرين، وهذا ما يجعل معنى الذات بِيرْسُونَا Persona: قناعا اجتماعيا، مَحْفَلَ استيرادِ المعنى لتلبسه الذات ويلبسها، لتعيش به لأنها عاجزة عن العيش بمعناها الخاص، أو عاجزة عن توليد معناها الحقيقي الدال عليها والمُشَاكِلِ لها؛ نجد هذا النوع من السرديات التنكرية في خطابات السياسيين، والخطابات القومية، ونجدها بشكل كبير في الخطابات الإسرائلية الصهيونية، ونجدها في سرديات الكثير من المثقفين والمفكرين "الحداثيين!" العرب، ونجدها كذلك في سرديات الغرب عن نفسه، وسردياته عن الشرق التي فضحها إدوارد سعيد. لا أحد يملك الشجاعة لرؤية حقيقته في المرآة التي هي مرآته، بل يَسْتَنِيبُ عنها مرآة الآخرين ليبدو لهم بالصورة التي يريد لهم أن يرونه عليها. ذلك ما فعلته تلك المرأة، وذلك أيضا ما يفعله كل من يتخذ من الكلام وسيلةً لممارسة لعبة الأقنعة والبروباغندا والتبرير. من منظورٍ تحليلٍيٍّ تداولي وتلفظي وخطابي، يمكن القول إن استعمال اللغة هو المستوى الأول من التلفظ، واستعمال اللغة بقصدية لغوية مُبَنْيَةٍ وغير مُصَرَّحٍ بها هو ما نسميه تلفظا Enonciation. واستعمال التلفظ من أجل تحقيق غاية التأثير هو ما يسمى خطابا. والخطاب هو ما لا يقال تصريحا في المستوى اللغوي والتلفظي؛ إنه النشاط التلفظي وقد صار مَحْفَلَ تأثير Instance d’influence واستراتيجية تلاعب Stratégie de manipulation. السؤال الآن هو: ما الذي كان لغةً وتلفظًا وخطابًا في كلام المرأة وهي تقول: (هذه السيجارة التي تَرَى تحكي قصتي؛ إنها ليست حكاية إدخال الدخان ونفثه، إنها حكاية روحٍ تنفث بعضا من حزنها وغضبها مع كل نفثة دخان؛ هذه السيجارة التي تحترق هي أنا. لذلك أرجوك لا تنظر إلي بتلك النظرات، قل: "الله يعفو")؟ - ما كان لغةً في هذا الكلام هو اللغة نفسها، هو الوَحَدَاتُ المعجمية المشدودة إلى بعضها تركيبيا. يتعلق الأمر هنا بِنَحْوِ اللغة La grammaire du langage، أي المستوى القاعدي في الكلام The basic level of language. - وما كان تلفظًا في كلام المرأة هو نسق الانْتِقَاءَاتِ المعجمية والتقابلات المعنوية المحمَّلة بشحنات عاطفية شجية وعِتَابِيَّةٍ: هذه السيجارة هي قصتي/ إنها حكاية روح حزينة وغاضبة بسبب ظلم الناس والعالم/ هذه السيجارة التي تحترق هي أنا/ لذلك أرجوك/لا تنظر إلي بتلك النظرات/قل: الله يعفو. - وما كان خطابًا في كلام تلك المرأة هو: أنا لا أدخن لأن التدخين اختياري، بل أدخن لأن العالم ظلمني ودفعني إلى التدخين ضد إرادتي؛ أنا ضحية قسوة الناس ووحشية العالم والحياة The victimic-plaintive level، أنا بريئة في عالم لا يرحم. أنا لا أستحق أن تنظر إلي بتأفف، أنا أستحق أن تشفق علي، أن تبحث لي عن تبرير، أن تراني ضحية، وتتعاطف مع وجعي بدل أن تحمِّلني مسؤولية أفعالي وتنظر إلي بتأفف واحتقار. لا أريد أن أرى نفسي في مرآة تكشفني على ما أنا عليه، بل أريد مرآة تقبل ما أصطنعه من تبرير لكي أقبل نفسي، وأخلي مسؤوليتي، وأطمئن إلى صورتي في أعين الآخرين. سيرورة بناء التلفظ في هذا النسق من الانتقاءات التلفظية هي: - المستوى التشخيصي المشحون بصوت العاطفة، بالمعنى الذي نجده عند جاك لاكان The passionate-diagnostic level of voice (هذه السيجارة التي تَرَى تحكي قصتي). - المستوى التَّظَلُّمِيِّ المنطوي ضمنيا على سرديةِ الشكوى من ظلم الناس والعالم The plaintive level of The grievance narrative (إنها ليست حكاية إدخال الدخان ونفثه، إنها حكاية روح تنفث بعضا من حزنها وغضبها مع كل نفثة دخان ). - مستوى التماهي الإسقاطي The level of projective identification (هذه السيجارة التي تحترق هي أنا) - المستوى التَّوَسُّلِيِّ (لذلك أرجوك) The supplicating level - المستوى التوجيهي (لا تنظر إلي بتلك النظرات ) The level of the gaze-reproach - المستوى الأَمْرِيِّ أو ما يمكن أن نسميه -باصطلاحٍ عَالِمٍ- مستوى الآمر الصادر عن الشخص الذي يملك المعنى The level of The signifier’s injunction: (قل: "الله يعفو")
إن الخطاب التبريري في كلام هذه المرأة ليس ما قالته الكلمات، ولا ما قالته الانتظامات التلفظية، بل ما هو كامن في عمق الخطاب، ما يثوي فيه وخلفه من سردية التبرير، وتبرئة الذات، وتحميل الشرور كلها للظلم الآتي من العدو الخارجي، من الظالم الأبدي، من الشيطان المتلبس بصورة البشر وسفالة العالم. السردية الخطابية إذن هي خطاب الذات حين تقول: أنا مجرد ضحية في عالم قاسٍ ومُدان، لذلك لا تلمني، بل لُمِ العالم الذي جعلني على ما أصبحت عليه بدون إرادتي، وإن لم تفعل ذلك فأنت شرير مثل كل البشر الأشرار. أنا البراءة وانتم الشر، أنا الضحية وجميعكم جلاد.
ما يهمني من هذه الحكاية ليس ما تتضمنه من سردية تبريرية مثل الكثير من سرديات الناس وهم يتدافعون في دروب الحياة، ويطاولون مشاكل صغيرة لكنها تبدو لهم دوما كبيرة، أكبر مما يستحقون أو يطيقون، بل ما يهمني هو كيف يكون العالم موضوعَ كلامٍ وتَلَفُّظٍ بَدَلَ أن يكون موضوعًا لذاته وبذاته؟ كيف نتصور العالم على شاكلتنا ووعينا به، ونبنيه في الوعي والتمثل والإدراك كما نريد أن نكون فيه أو كما نريد للناس أن يروا صورتنا فيه؟ مدار هذه الأسئلة هو ما أسميه: إبستيمولوجيا التصور الخطابي للعالم. حين يأتي الإنسان إلى العالم تَتَلَقَّفُهُ اللغة، تتسرب شيئا فشيئا إلى طبيعته المستعِدَّة لاسْتِضْمَارِهَا حتى تصير لسانَ الشخص وهويته ولعبة الصدق فيه أو الكذب لديه. حين يأتي الإنسان إلى العالم يحتك به احتكاك لَعِبٍ واكتشاف، لكنه شيئا فشيئا يحتك به كَمُسَمَّيَاتٍ ومعانٍ وتأويلات. وحين يتمكن من استعمال اللغة تعبيريا وتواصليا تنشأ لديه القدرة الخطابية La compétence discursive. وحينها تتحقق هويته ككائن خطابي، أي كائن مُزَوَّدٍ بالقدرة على إنتاج الخطاب Homo discurrens (الإنسان الخِطابي). إن القدرة الخطابية –بالشكل الذي تُستعمل به في الكثير من التفاعلات الاجتماعية- تبدو جوهريا قدرة تلاعبية حتى حين لا تظهر كذلك لأول وهلة. ما أقصده بالقدرة التلاعبية هو توظيف اللغة كبناء تلفظي مُحَمَّلٍ بالمُضْمَرات les Iimplicites التي تختفي خلفها الذات لتبرِّر ما لا يُبَرَّر. تتحول القدرة الخطابية في هذا المستوى إلى قناع تلفظي discursive masking، أو إن شئنا استعمال مصطلح صادم: خطابية ميكيافيلية Machiavellian Discursivity. لكن إذا تجاوزنا هذا المستوى الذي أسميه الاستعمال الدَّهْمَائِيَّ للخطاب، أي استعمال الخطاب في مستواه الأدنى المرتبط بالتفاعلات الاجتماعية اليومية العادية، فإن التصور الخطابي للعالم متعلق بقضية إبستيمولوجية نخبوية تستحق فعلا أن تُطرح كقضية فلسفية بالمعنى الاستكشافي للكلمة وليس بالمعنى التجريدي المنفصل عن ظاهريات العالم الذي نقيم فيه بالذات كتجربة وجودية، ونقيم فيه كاحتكاك به وتفاعل معه من خلال أربعة مستويات من المعرفة والتَّعَرُّفِ، وهذه المستويات هي: 1- التَّمَثُّلُ، 2- الوعي، 3- الإدراك، 4- الاستنارة. أنطلق في هذا المستوى من الفكرة التالية: العالم خطاب في ذاته، أي أنه انتظام تلفظي لكن ليس من طبيعة لغوية بل من طبيعة مادية وفينومينولوجية، وهو أيضا انتظامٌ دَالٌّ من خلال نسقِ رموزه القابلة للتأويل والتشفير وفك التشفير واستنباط المعنى الكامن فيه أو بناء المعنى الاستلزامي المُحَايِثِ له. العالم بهذا المعنى معطى كِنَائِيٌّ لا يُكتشف في مستواه الحسي الأول بل يُكتشف –مجازيا- من خلال "لاَزِمِ معناه" بالمعنى البلاغي أو "الاستلزام الحواري" بالاصطلاح الذي نجده في النحو الوظيفي. وحصيلة ذلك الاكتشاف هو ما يصبح خطابا حول العالم. إن العالم خطاب دَالٌّ في ذاته، إنه نسقٌ من العلامات الدالة المندمجة في نظام معقد من الأنساق؛ وهو بهذا المعنى نسق إيقوني وسيميولوجي شامل وكوني. وحقيقته الإيقونية والسيميولوجية في المستوى الفينومينولوجي، وحقيقته الميتافيزيقية في المستوى الروحي والاستبصاري هما اللتان تجعلان منه موضوع تأويل واختبار: تأويل خطابه العام عبر تأويل ظواهره الأنطولوجية بأبعادها الفينومينولوجية والثاوية. وهذا النوع من التأويل هو طاقة السيميوزيس Sémiosis أو سيرورة التدليل التي تجعل العالم منكشفا للذات بوصفه نظاما وانتظاما من العلامات. ومحتوى ذلك التأويل لا يمكن أن يُصاغ إلا بوصفه خطابا حول العالم بأحد مستوياته الإبستيمولوجية الأربعة: خطاب تَمَثُّلِيٌّ حول العالم، أو خطاب وَعْيٍ بالعالم، أو خطاب إدراك للعالم أو خطاب استنارة في إدراك حقيقة العالم في ذاته؛ وخطاب الاستنارة هو أعلى درجات الإدراك لأنها درجة استبصارية، ولا يمكن أن يحرزها إلا من يملك "سِرَّ الْعَارِفِ" -بالمعنى الذي نجده عند ابن سينا في كتابه "الإشارات والتلميحات"- وهو الاتصال بالحق (الله) أو درجة الوصول (إلى الله) والعرفان. لكن رد هذه التفاصيل إلى مستواها الدلالي الخام، يقودنا إلى الفكرة التالية: نجد أنفسنا هنا أمام خطابيةٍ مضاعَفة: العالم من حيث هو خطاب في ذاته، والخطاب من حيث هو تمثيل للعالم باللغة. وإذا شئنا التعبير عن هذه الثنائية الخطابية باستعمال مصطلحين من مصطلحات "علم النص" أو "لسانيات النص"، يمكن القول: العالم من حيث هو خطاب في ذاته هو نَحْوُ العالم La grammaire du monde، والخطاب من حيث هو تمثيل للعالم باللغة هو نَحْوَ الخطاب التمثيلي للعالم La grammaire du discours représentatif du monde. معنى هذا أن ما نقوله عن العالم باللغة هو في الحصيلة خطاب حول خطاب، بناء المعنى الفينومينولوجي من خلال بناءٍ تشفيريٍّ لغوي وتلفظي. وهذا يقودنا إلى فكرة عميقة جدا هي: إن جزءا كبيرا من وعينا بالعالم وعيٌ خِطابي. إننا لا نملك القدرة على إنتاج العالم ماديا، لكننا نملك القدرة على إنتاجه خطابيا. إن توالد العالم غير قابل للاستنساخ والتكرار في المستوى الفينومينولوجي، لكن معنى العالم يتوالد أبديا في المستوى الخطابي. وهذا النوع من الوعي الخطابي بالعالم وَعْيٌ تَمَثُّلِيٌّ لأن في المستوى الخطابي لا قدرة لأيٍّ كان أن ينتج العالم كما هو في ماديته، بل ينتجه من خلال معادله الرمزي المتمثل في اللغة أولا، ثم التلفظ ثانيا، ثم الخطاب ثالثا. وإذن، هناك دائما هُوَّةٌ بين العالم كما هو في ذاته والعالم كما هو مُتَجَلٍّ في الخطاب؛ وهي ليست هُوَّةَ وَعْيٍ وإدراك فقط، بل هُوَّةَ تَبَايُنٍ بين المعطى الفينومينولوجي والمعطى الرمزي، بين العالم كمادية متحققة في ذاتها منذ الأزل وبين المعطى الرمزي المتمثل في اللغة كنسقٍ تلفظي يحتضن معاني الأشياء وليس الأشياء في ذاتها. إننا إذن نتمثل العالم لنعيد إنتاج تمثلنا له باستعمال اللغة، ثم نراعي في استعمال اللغة صيغةً من صيغ التلفظ حول العالم، ثم نبني هذا التلفظ سياقيا وقصديا ليكون خطابا حول العالم. هكذا يصبح العالم موضوع لغة، ثم موضوع تلفظ، ثم موضوع خطاب. صحيح أن الناس – بحسب قدراتهم- يتوقفون عند حدود الوعي بالعالم كموضوع للغة فقط، أو يرتقون إلى جعله موضوع تلفظ، أو يصلون إلى جعله موضوع خطاب. في كل هذه الحالات الثلاث إذن، يتعلق الأمر بتحويل التمثل إلى تمثيل، لكن في إطار تراتبية معرفية وتَعَرُّفِيَّةٍ تبدأ بالتمثل (وهي الدرجة الأولى من التعرف)، ثم الوعي (وهو الدرجة الوسطى من التعرف)، ثم الإدراك (وهو الدرجة العليا من التعرف)؛ التمثل هو الانطباعات الأولية Initial impressions، هو المعرفة الانطباعية المتولدة ذاتيا عن فَهْمٍ مُفَارِقٍ للعالم. وما أقصده بالفهم المُفَارِقِ للعالم هو الفهم الذي لا يفهم العالم كما هو بل يفهم فَهْمَهُ الخاص للعالم؛ إنه فهم من طبيعة استبطانية. والتمثل من هذه الزاوية وَعْيٌ مُزَيَّفٌ أو هو- بصيغة تراجيدية أكثر- وَعْيٌ مُشَوَّهٌ ومُشَوِّهٌ؛ إنه سيمولاكر Simulacre. أما الوعي فهو ما يمكن أن نسميه الأفكار الأولية First thinkings، أي تلك الأفكار التي نَبْنِيهَا ونَسْتَبْنِيهَا في أذهاننا من خلال مخزون الأفكار الجاهزة التي تنتجها هيئات التأثير Agencies of influence ومؤسسات إنتاج المعنى والأفكار؛ وهي مؤسسات مرجعية لكل نوع من أنواع الوعي. وغالبا ما تكون تلك المؤسسات ثقافية بالمعنى الرمزي وليس بالمعنى المادي؛ إنها –باختصار دقيق- مؤسسات الحس المشترك التي يُرَدُّ إليها –غالبا- كل موضوع من الموضوعات المشتركة Les lieux communs (Topos)، علما أن المقصود بالموضوعات المشتركة هو الأفكار السائدة والجاهزة المطروحة في الطريق مثل معاني الجاحظ. أما الإدراك فهو الوعي المُطَابِقُ لموضوعه؛ والمقصود بـ"الموضوع" هو العالم. والمقصود بالعالم ليس الأشياء والتشيؤات المادية الخاصة حصرا بالعالم من حيث هو إطار وجودي أبدي فقط، بل العالم كحيز طبيعي شامل وكوني لأنظمةٍ وجودية عابرة زمنيا (كالإنسان، وملحقاته، وحالاته، وتحولاته، وأفعاله، وحركاته، وسكناته، وسياقاته، وآفاقه وممكناته). الإدراك إذن هو الوعي الذي ينتظم في سيرورةٍ من النباهة التي تتجاوز مستوى الحس المشترك إلى مستوى التَّفَرُّدِ Individuation ليس بالمعنى اليونغي الخالص وإن كان يستوحيه، وليس بالمعنى السْكُولاَسْتِيكِي الذي نجده عند طوما الإكويني مثلا، بل بمعنى الاكتمال المعرفي الذي لا يكون اكتمالا إلا بوصفه انسلاخا للوعي الفردي من أنظمة المعاني والقيم المضافة مسبقا، والاحتكام –في المقابل- للذات المُتَفَرِّدَةِ في وعيها/وبِوَعْيِهَا الخاص. هذا النوع من الوعي المتفرد الذي يعي ذاته في العالم ومن خلاله هو ما يقود –احتمالا لا يقينا- إلى الإدراك، أي إلى الدرجة القصوى من الوعي الممكن وقد صار مُتَعَالِيًا عقليا مطابِقا لموضوعِ وَعْيِهِ. الإدراك إذن تَطَلُّعٌ لا يتحقق إلا في مستوى الوعي المُطَابِقِ لموضوعه؛ أي الوعي الذي ارتقى ورَقَّى نفسَه إلى مستوى التَّبَيُّنِ؛ وهو وعي من طبيعة مُتَمَنِّعَةٍ لكنها ممكنة في حالات قصوى من التأمل وإعمال البصيرة والاستبصار والنظر. وهذا النوع من الوعي نادر -في الناس- ومَنِيع. من التمثل إلى الوعي إلى الإدراك هناك دوما مسافة بين ما نعتبره معرفة حول العالم وما نعتبره خطابا حول العالم. وإذا كان الأمر كذلك، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: في أي مستوى من مستويات المعرفة بالعالم تقع الخطابات التي ينتجها الناس حول العالم؟ إذا توقفنا مثلا عند الخطاب الذي ينتجه المفكرون الذين يصنفهم المصنفون في فئة "المفكرين الحداثيين" العرب: من خلال تفكيك الخطابات التي ينتجها المفكرون العرب –مثلا- بصدد العالم، ما مستوى معرفتهم بالعالم؟ هل هي معرفةُ تَمَثُّلٍ أم معرفةُ وَعْيٍ أم معرفةُ إدراكٍ؟ قد تختلف الأجوبة باختلاف المنظور والموقع وحتى المرجعية الإيديولوجية، لكن الفكر العربي الحديث قائم في مجمله العام على المنظور الثنائي والاختزالي للعالم: الشرق/الغرب؛ الأنا (الشرقي)/الآخر (الغربي)؛ التقدم (الغرب)/التخلف (الشرق)؛ الديمقراطية (الغرب)/الاستبداد (الشرق)؛ الحداثة (الغرب)/القدامة والتقليد (الشرق)؛ التنوير (الغرب)/الظلامية (الشرق)... هذه الثنائيات مشدودة لتصور اختزالي للعالم: العالم بالنسبة للكثير من المفكرين العرب هو الغرب ولا شيء سواه، وحتى بالنسبة لمفكري النهضة كان العالم الذي يتحدثون عنه ليس العالم في امتداداته الكبرى، بل أوربا في جغرافيتها الحضارية الحصرية؛ هذا التصور الاختزالي للعالم ليس وعيا بل تمثلا؛ والتمثل هو الوعي الاستبطاني الضيق المرتد إلى رؤيته الذاتية المُفَارِقَةِ لحقيقة العالم ككيان كوني مُمْتَدٍّ ومُتَمَادٍ جغرافيا وحضاريا، وكموضوع للوعي والإدراك الشامل. جزء كبير من الفكر العربي الحديث قائم مرجعيا على تصور ثنائي هيغيلي مركزه الغرب: روح التاريخ والروح المطلقة، المقياس الحضاري، المعيار التحضري، الهوس الفكري، النهاية الحتمية للتاريخ بالمعنى الذي نجده عند فرانسيس فوكوياما. هذا النوع من التفكير الثنائي سردية خطابية في ذاتها؛ إنه تقسيم مقيم في الذهن، ومتجذر فيه –مرجعيا- كمعطى إدراكي وليس كتقسيم تحليلي وإجرائيٍّ وصفيٍّ وتشخيصيٍّ خالص؛ إنه طوبوس Topos، أي الفكرة المُدْرَكَةُ معرفيا وذهنيا كيقينية مقبولة مرجعيا لمجرد أنها شائعة، بدون مساءلة نقدية لمدى صحتها ووجاهتها المعرفية والتحليلية. هذا النوع من التفكير الثنائي Binary thinking الذي نجده في الفكر العربي منذ تحليلات مفكري النهضة، يؤسس ويُمَؤْسِسَ -في الفكر العربي- الخطاب أو التفكير المَانَوِي Manichaean Thinking الذي يسترشد في وعيه بالعالم بعقليةِ أبيض/أسود Black-and-white thinking، أي ما يمكن أن نسميه التقسيم الثنائي الخطابي والمرجعي للعالم Dichotomous Thinking. صحيح أن هذا النوع من التفكير موجود أيضا بشكل صريح أو كامن في الخطاب الغربي حول العالم، لكن ما يهمني هنا ليس الخطاب البنائي للعالم من زاوية المنظور الغربي، بل من زاوية تخصيصية ذات صلة مباشرة بالخطاب الفكري العربي حول ذاته. لكن بصرف النظر عن هذه الأفكار التي عرضتُها في شكلِ تنبيهاتٍ على سبيل التشخيص الحجاجي، لا يهمني هنا مدى وجاهة أو ضحالة هذا التصور الذي نجده في الفكر العربي، ما يهمني بالأحرى هو وضع الفكرة المرجعية العامة التي يصدر عنها المفكرون العرب في سياق تشخيصي بطريقة إجرائية وليست تحليلية، والسبب في ذلك أن الغاية من الحديث العَرَضِيِّ عن الفكر العربي هو قياس درجة معرفته بالعالم: هل هي درجة تمثل Representation أم درجة وعي Consciousnessأم درجة إدراكPerception ؟ هذه ثلاثة مفاهيم أساسية في الإبستيمولوجيا أو نظرية المعرفة؛ وهي ليست مفاهيم تراتبية في سَلَّمِ درجاتِ التمكن المعرفي بل هي الدرجة الأدائية والتمثيلية من الناحية الخطابية؛ ما ينتجه التمثل خطابيا يختلف عَمَّا ينتجه الوعي خطابيا، وهذا بدوره يختلف عما ينتجه الإدراك خطابيا. ما ننتجه تَمَثُّلِيًّا في خطابنا حول العالم هو المعرفة التمثلية أو الوعي المزيَّف أو الوعي المُشَوَّهُ والمُشَوِّهُ أو السيمولاكر. وهذا النوع من الخطاب حول العالم لا يجعل العالم منكشفا في الوعي ولا منكشفا في الإدراك، بل منكشفا في الغياب: غياب العالم (كما هو) عن الخطاب الذي يمثل العالمَ على غير ما هو عليه. وهذا النوع من الخطاب حول العالم خطير من الناحية الإبستيمولوجية، وخطير حتى من الناحية التدبيرية لعلاقتنا مع العالم، لأنه يقدم خطابا مزيفا عن عالم لا ينقاد إليك إلا إذا أدركته على ما هو عليه، والمقصود بما هو عليه: حقيقته، ليس بالمعنى اليقيني الإطلاقي بل بالمعنى البراكسيسي الأقرب إلى التَّعَرُّفِ الإدراكي المتعقل منهجيا ورؤيويا. مأزق الإنسان وحريته يتمثلان في عملية التحويل الطوعي والإكراهي الأبدي للعالم إلى تمثيلٍ لغوي أو تلفظي أو خطابي. يَدَّعِي الفكر أو التصور العام للمفكرين أن الفكر –بالمعنى المعرفي والتحليلي الذي يتولاه من يسمى مفكرا أو من يعتبر نفسه كذلك- أن ما ينتجه المفكر ليس مجرد تمثيل لغوي للعالم، وليس مجرد تمثيل تلفظي للعالم، بل هو خطابٌ نَبِيهٌ حول العالم، أي خطابٌ تمثيلي لمحتوى الإدراك الذي وصل إليه المفكر المُزَوَّدُ بالقدرة على الإدراك، أي القدرة على إنتاج المعرفة الحقة. إحدى الخدع الكبرى التي يقع فيها المفكرون العرب، ويُوقِعُونَ فيها أتباعَهم هو بناءُ خطابٍ تَمَثُّلِيٍّ حول العالم وطرحه في سوق الأفكار على أنه حقيقة العالم. إن الخطابية La discursivité هي القدرة على إنتاج الخطاب؛ والخطابية إذن هي حصيلة وشكل الخطاب في الوقت نفسه. لكن الخطابية ليست القدرة والحصيلة فقط بل هي أيضا شكل الذات وموقعها وقيمتها حين تمارس وجودها في التاريخ كوجودٍ دَالٍّ له جدواه، أو كوجودٍ مُنْحَبِسٍ في الإيديولوجيا أو كوجود متحرر منها، أو متصارع معها، أو متصارع بها، أو متصارع من أجلها، أو متصارع مع نفسه، أو متصارع مع ما يمكن أن يكون خصمَه أو مُلْهِمَهُ. في قلب كل ممارسة خطابية هناك صراع أو شكل من أشكال الصراع. وغالبا ما يكون هذا الصراع مع طرف أو جهة أو فكرة أو إيديولوجيا أو نظام أو موقف أو حتى مع الذات، الخ. لكن الصراع الذي لا نخوضه -لأننا لا ندرك خطورته- هو الصراع ضد التمثلات، ضد الوعي المزيف، ضد الإدراك المشوَّه والمشوِّه للعالم. هذا النوع من الصراع إبستيمولوجي وليس فلسفيا؛ إنه ليس صراعا من أجل الصراع بل صراعا من أجل الارتقاء بمعرفتنا للعالم إلى مستوى الإدراك الذي يمنحنا القدرة على معرفته معرفة تمكننا من التموقع فيه تَمَوْقُعَ شَرَفٍ حضاري. إن صراعنا أو ما ينبغي أن يكون كذلك ليس إنتاج الخطاب حول أنفسنا وحول العالم الذي ننتمي إليه بإرادتنا ورغما عنا، بل إنتاج الوعي بأن الخطاب الذي ننتجه لا يمكن أن يكون تمثيليا للعالم إلا حين نقيسه بمقياس التمثيلية الإدراكية، وليس التمثيلية التَّمَثُّلِيَّة. إبستيمولوجيا التصور الخطابي للعالم إذن ليست نظرية، بل برنامجا تَطَلُّعِيًّا لأداءٍ عقلي يخاطب العالم كما هو لِاكْتِنَاهِ حقيقته الممكنة إنسانيا وعقليا وبراكسيسيا، وهو أيضا برنامجٌ يخاطب الخطابات التي ينتجها الناس حول العالم ويسائلها. وما أقصده بالناس في هذا السياق التحليلي ليس عامة الناس، بل الناس الذين يتولون إنتاج الخطابات الاعتبارية حول العالم، أي الخطابات التي تعتبر في مؤسسات إنتاج المعنى وسُوقِ الأفكار خطابات فكرية نخبوية تستمد قيمتها من قيمة الوضع الاعتباري لمنتجيها (المفكرين وأصحاب الرأي). إبستيمولوجيا التصور الخطابي تفتح الباب واسعا لمساءلة الخطابات التي تكتسي قيمةً مُفْتَرَضَةً في مشهدنا الثقافي وبنيتنا الذهنية، لكنها ليست مساءلة من زاويةِ ما تتضمنه تلك الخطابات من أفكار بل من زاوية درجة تمثيلها للواقع والعالم: هل هو تمثيلٌ تَمَثُّلِيٌّ أم تمثيلُ وعي أم تمثيلُ إدراك؟ هل هذه الخطابات تقدم العالم كما هو أم كما َيَتَمَثُّلُهُ أصحابها استبطانيا، أي بطريقة مُغْرِقَةٍ في الذاتية المنفصلة عن الواقع الموضوعي. صحيح أن مساءلة تلك الخطابات لا يمكن أن تنفصل عن مساءلة محتواها الفكري والأفكاري (نسبة إلى الأفكار)، لكن الغاية في نهاية المطاف ليست مناقشة الأفكار في ذاتها، لأن مناقشة الأفكار تبقيك ضمن مداها الخاص، وهو غالبا مدى ضيق مهما كانت رحابته، بل الغاية هي مساءلة درجة التمثيل الخطابي للعالم لمعرفة الدرجة الإدراكية التي تحققت للمفكر العربي أو لم تتحقق له؛ يتعلق الأمر إذن بمنظور إبيستيمولوجي وليس منظورا تحليليا نقديا من طبيعة ثقافية وأدبية. في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إننا لا ندرك العالم بل ندرك تمثلاتنا حول العالم؛ إننا ندرك النسخة التَّمَثُّلِيَّةَ من العالم، تلك النسخة التمثلية التي عممتها التحليلات والخطابات الفكرية منذ مفكري عصر النهضة وصولا إلى موجة المفكرين الحداثيين والتاريخانيين والإبستيمولوجيين والمحللين الثقافيين (النقد الثقافي). إن خطابية المتن الاصطلاحي والمنهجي المعتمَد في الفكر العربي الحديث والمشدودة هَوَسِيًّا إلى إيديولوجيا الحداثة وليس منطق الحداثة نفسه، هي خطابية تمثلية حول عالم لا يمكن فهمه فَهمْاً يرتقي إلى مستوى الوعي أو الإدراك إلا إذا فهمنا النظام الرأسمالي نفسه بوصفه وقودا تاريخيا وحضاريا للغرب. إن حقيقة العالم ليست حقيقة حداثية بالمعنى التشخيصي والاصطلاحي للكلمة بل هي حقيقة الجوهر الرأسمالي للنظام العالمي. النظام الرأسمالي ليس مجرد نظام اقتصادي بل هو الغرب وقد تجلى في نظامٍ رَسْمَلَ ذاته حضاريا A civilizationally self-capitalized system . الحداثة سمة عَرَضِيَّةٌ من سمات هذا النظام المُرَسْمَلِ، وليست هي النظام. والديمقراطية نفسها سمة مُنْبَجِسَةٌ من الطريقة التي بني بها الغرب -تاريخيا- نظامه الرأسمالي الذي أضحى حقيقة الغرب التي لا يريد أن يراها الكثير من الناس. وتغييب الحقيقة الرأسمالية للعالم يُفَوِّتُ على الكثير من المفكرين الحداثيين العرب فرصة الوعي بالعالم، ويبقيهم في مستوى التمثل الاستبطاني لعالم لا يفهمونه كل الفهم لكنهم ينتجون خطابات حوله تتخذ شكل تحليلات طليعية إما باسم التاريخانية أو المنهج الإبستيمولوجي أو منهج النقد الثقافي أو المنهج النفسي الفرويدي، لكنها تظل إبستيمولوجيًا مجرد تحليلات من نمط التحليل الثقافي. ومن المثير أن مفهوم الحداثة نفسه في الفكر العربي الحديث ليس مفهوما تحليليا بل هو خطابية Une discursivité، أي إنتاجية كلامية بالمعنى التلفظي التداولي؛ إن الكثير من المفكرين والمثقفين العرب لا يتحدثون عن الحداثة بل يبنون خطابهم الخاص حول الحداثة، مما يجعل خطاباتهم حول الحداثة خطابات تَمَثَّلِيَّةً نابعة من فَهْمٍ شخصي وتأويلٍ مُفَرْدَنٍ individualisée Interprétation. والدليل على ذلك أن كل واحد من المفكرين الحداثيين العرب يُعَرِّفُ الحداثة تعريفا خاصا به بحيث لا نجد عندهم حداثة تتحدث عن نفسها بخطابها الخاص الذي نشأ تاريخيا في سياق خاص، بل نجد الحداثة التي نشأت خطابيا في تمثلاتهم الخاصة، في مرجعياتهم الذاتية التي تستفرد بالمفهوم لكي تجعل منه ما تريد أن يدل عليه، لا ما يدل عليه في سياقه الحضاري والتاريخي الرأسمالي. لا يتعلق الأمر هنا بمصادرة جدوى وقيمة ووجاهة الفكر العربي الحديث، بل يتعلق بمساءلةٍ تستمد قيمتها الإشكالية من منظور مختلف ليس بوصفه منظورا إبستيمولوجيا فقط، بل بوصفه مقترَحا تحليليا مغايرا يسترشد بالنموذج التصوري الخطابي الذي يمثل في الوقت الراهن حركة تحليلية ونقدية تَحَوُّلِيَّةً في مجال الفكر والثقافة والسياسة والأدب والتاريخ والإعلام. إن إبستيمولوجيا التصور الخطابي للعالم تستضمر بعدًا معرفيا لكن ليس من زاويةٍ تراكمية بل من منظور مساءلاتي: كيف تصاغ المعرفة خطابيا؟ هل تصاغ بوصفها معرفةً تَمَثُّلِيَّةً أم معرفةً ارتقت إلى درجة الوعي أم معرفةً ارتقت إلى مستوى الإدراك؟ إن التفكير في الخطابات الفكرية أو غير الفكرية (السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية) من زاوية هذا المدخل المعرفي الخطابي يتيح الانفتاح على منظور مختلف لكنه ممكن وضروري بالنظر إلى ما يَعِدُ به من مدارات إشكالية وتحليلية مُجْدِيَةٍ من الناحية المنهجية والمعرفية. وفي كل الحالات ليس الخطاب –بمعناه الإنساني الاستعمالي العام- معادلا تمثيليا وفيا للواقع؛ إنه -بحكم قابليته ليكون ويَتَكَوَّنَ كخطاب- ينطوي على شيء متسرب إليه من خارجه، وذلك الشيء هو وساطة اللغة (النَّحًوُ التشفيري للعالم The Cryptographic Syntax of the World)، ووساطة درجة الإدراك (النَّحًوُ الذهني التكويني للمعرفة The Generative Mental Grammar of Knowledge)، ووساطة الأفكار (النَّحًوُ التمثلي للعالم The Representational Grammar of the World)، ووساطة الموقع الاجتماعي (النَّحًوُ الإيديولوجي وشكل الإقامة في العالم The Ideological Grammar and the Form of Dwelling in the World). كل هذه المعطيات سِيقَتْ في هذا المقال من أجل وضع الفكرة التالية في سياقٍ تحليلي وإبستيمولوجي من منظور شخصي، وهذه الفكرة هي: إن إنتاج الخطاب حول العالم ليس تمثيلا للعالم كما هو على وجه الذات والصفات، بل هو تمثيل للعالم كما ينعكس في التَّمَثُّلِ والوعي. إن الخطاب حول العالم ليس هو العالم، بل هو الترميز التلفظي للعالم من خلال تحويلِ نَحْوِيَّتِهِ الأنطولوجية La grammaticalité ontologique إلى نَحْوِيَّةٍ خِطابية Grammaticalité discursive، أي تحويل التَّمَظْهُرِ الفينومينولوجي للعالم إلى تَمَظْهُرٍ خِطابي وتشفير تلفظي. هذا هو المستوى الأول والسطحي من الإشكالية التي تناولتها في هذا المقال، لكن المستوى الأعمق من هذه الإشكالية هو: إن الخطاب ليس مجرد انتظام تلفظي مُعَبِّرٍ عن قَصْدِيَّةٍ Intentionalité وموقعٍ ورؤيةٍ وسياق، بل هو درجة من درجات الوعي؛ إنه معطى معرفي: إنه إبستيمولوجيا تكشف درجة حقيقتها من خلال التدبير اللغوي للمعطى الفينومينولوجي المتحقق وجوديا في العالم ككيان. الخطاب بهذا المعنى لوغوس Logos بالمعنى الاستبصاري الذي نجده عند الإغريق، وخاصة عند أفلاطون وأرسطو اللذين ربطاه بالحقيقة والنظام من خلال الاحتكام إلى المنطق والعقل. كلما كان الخطاب مشدودا مرجعيا إلى درجةٍ عليا من التمثيل الإدراكي للعالم عبر الوعي المطابِق لموضوعه، كلما كان هذا الخطاب لُوغُوسًا. وكلما تضاءلت درجة وَعْيِهِ التمثيلي للعالم يصير مِيثُوسًا Mythos، أي معطى تمثليا من طبيعة أدبية تخيلية على الطريقة الهوميروسية. في مرآة إبستيمولوجيا التصور الخطابي للعالم لا يرى الإنسان نفسه فقط، ولا يرى العالم فقط، بل يرى ما يحجبه عن العالم، وما يحجب العالم عنه: يرى الوساطة الاستعمالية والأداتية التي تنتظم إبستيمولوجيًّا في الانتظامات التلفظية التي قد لا نُلْقِي لها بَالاً، لكنها خطابات، أي شكل من أشكال الوجود المتحقق ترميزيا من خلال وساطة اللغة، والمتحقق معرفيا من خلال إحدى درجات التراتبية الثلاثية للوعي بالعالم: التَّمَثُّلُ، والوعي، و الإدراك. الخطابات بهذا المعنى ليس ما يقال حول العالم، بل ما تقوله الخطابات عنك، وما تُظْهِرُهُ فيك ومنك، وما تُخْفِيهِ فيك وعنك؛ إنها أنت في أدنى درجات الوعي حين يكون وعيك بالعالم تَمَثُّلِيًّا، وهي أنت حين يكون وعيك بالعالم وعيا بنفسك وبموقعك فيه، وهي أنت حين ترتقي إلى أعلى درجات الوعي وهي درجة الإدراك وقد صار تَعَرُّفًا على العالم وموقعك الاستنجازي الممكن فيه. وهذا الموقع الاستنجازي الممكن هو ما أسميه بكلمة إيحائية لكنها بليغة: القيمة والحضور.
#سعيد_أراق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرواية واستدماج الوعي والتخييل
-
الوضع العربي: الدين, الحداثة, والتوافقات المفقودة
-
حَرْبَنَةُ المواجهة وعَنْفَنَةُ التاريخ
-
حَرْبَنَةُ العالم وعَنْفَنَةُ التاريخ
-
الآخر الذي نحيا به ويحيا بنا
-
الإعلام وإعادة تشكيل المرتكزات
-
السلعنة العالمية للدعارة
-
المطلق الديني والمطلق الحداثي: نحو أي أفق؟
-
بوابات العبور الموجع نحو الكتابة
-
الخطاب الغربي المفلس حول الحرية والديمقراطية
-
فلسفة التدوين
-
نحو تخطي طور المرآة في الكتابة النسائية
-
اللامعنى وأنظمة الاستفراغ الدلالي
-
ميثولوجيا الواقع
-
نهر الحياة والموت
-
lieu communالمرأة من حيث هي موضع مشترك
-
المعرفة أو الشغب المتوج جنونا
-
جينيالوجيا الإرهاب المعاصر
المزيد.....
-
بعد استنزاف المخزونات بحرب إيران.. أمريكا تسرّع تصنيع الصوار
...
-
-عودة الغايب- فضل شاكر يستعد للقاء جمهوره من جديد، كيف مهّدت
...
-
المستشار ميرتس أمام تحدي تصاعد مشاعر الحنين إلى عهد ميركل
-
اليونان تحيي ذكرى ضحايا مجزرة لينغياديس وتجدد مطالبتها ألمان
...
-
قرار مفاجئ في ليبيا.. حظر واسع لتصدير المنتجات الزراعية والغ
...
-
رسائل لإسرائيل وإثيوبيا.. ما مخرجات قمة العلمين بين مصر والس
...
-
قطر والأردن يدينان استئناف إسرائيل العمل في -خط سوفا 53- بسو
...
-
سياسية ألمانية: ميرتس مستعد لتوريط بلادنا في حرب مع روسيا لت
...
-
مدفيديف: لن نضحي بعلاقاتنا مع إيران
-
التحالف بقيادة السعودية: مستمرون بتقديم الدعم العملياتي الكا
...
المزيد.....
-
من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية
/ غازي الصوراني
-
التطوع الرقمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
العمل التطوعى نماذج وتطبيقات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
المزيد.....
|