أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - اسامة شافعي - تحليل رواية ساق البامبو لسعود السنعوسي















المزيد.....

تحليل رواية ساق البامبو لسعود السنعوسي


اسامة شافعي

الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 00:22
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


تأتي رواية «ساق البامبو» لسعود السنعوسي من منطقة شديدة الحساسية في الوعي العربي المعاصر: منطقة الإنسان الذي يولد عند تقاطع هويتين، ثم يُطلب منه أن يختار واحدة منهما كي يكون مقبولاً. صدرت الرواية عام 2012، وتدور أحداثها بين الكويت والفلبين، وقد فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2013. غير أن قيمتها لا تنبع من الجائزة وحدها، بل من قدرتها على تحويل قضية اجتماعية تبدو محددة ــ كقضية أبناء الزيجات المختلطة والعمالة الأجنبية ــ إلى سؤال إنساني واسع عن معنى الانتماء، وحدود العائلة، وحق الإنسان في أن يُعرّف نفسه بنفسه.

ليست الرواية حكاية شاب يبحث عن أبيه فحسب، بل حكاية إنسان يبحث عن المكان الذي يمكن أن يقف فيه من دون أن يشعر بأنه دخيل. فبطلها عيسى، أو خوسيه، ابن الأب الكويتي راشد والأم الفلبينية جوزافين، لا يرث من والديه اسماً واحداً ولا وطناً واحداً ولا ذاكرة مستقرة. إنه ابن عالمين، لكن العالمين لا يفتحان له أبوابهما كاملة. ومن هنا تتشكل المأساة الأساسية في الرواية: أن يكون الإنسان حاصلاً على انتماءين من الناحية البيولوجية، ومحرومًا منهما من الناحية الاجتماعية والنفسية.

تضع الرواية القارئ أمام سؤال الهوية بوصفها شيئاً يتجاوز الدم والجواز واللغة. هل يكون المرء كويتياً لأن أباه كويتي؟ أم فلبينياً لأنه نشأ في الفلبين وتشرّب لغتها وعاداتها؟ أم أن الهوية تجربة داخلية لا يمكن اختزالها في أصل أو نسب؟ عيسى لا يطرح هذه الأسئلة من موقع الفيلسوف المتأمل، بل من موقع شخص يدفع ثمنها كل يوم. ولذلك تبدو أزمته صادقة ومؤلمة؛ فهو لا يبحث عن إجابة نظرية، بل عن اعتراف يمنحه حق الوجود.
الهوية بوصفها جرحاً

تتحرك الرواية في فضاء من الانقسامات: الكويت والفلبين، الغنى والفقر، الشرعية الاجتماعية والنبذ، الصورة العائلية اللامعة والواقع المليء بالتناقضات. لكن السنعوسي لا يقدم هذه الثنائيات باعتبارها حدوداً ثابتة بين الخير والشر. فالفلبين ليست فردوساً بسيطاً، والكويت ليست مكاناً شريراً في المطلق. كلا المكانين يحمل الحنان والقسوة، الألفة والغربة، الذاكرة والخسارة.

في الفلبين يجد عيسى جذوره الأولى. هناك يتشكل وعيه بالعائلة والحب والفقر والعمل والحرمان. لكنه، مع ذلك، لا يشعر بأنه مكتمل الانتماء؛ لأن جزءاً من قصته غائب دائماً، هو الأب والوطن الذي لم يعرفهما إلا من خلال الحكايات. وعندما يصل إلى الكويت، لا يجد الوطن الموعود، بل يجد أبواباً مغلقة ونظرات متوجسة وعائلة تتعامل معه باعتباره خطراً على صورتها الاجتماعية. يتحول حلم العودة إلى أصل الأب إلى امتحان قاسٍ، وربما إلى وهم صنعته الحاجة أكثر مما صنعته الحقيقة.

بهذا المعنى، لا تكتفي الرواية بانتقاد الطبقية، بل تكشف كيف تصنع الطبقية لغة خاصة بها: لغة النسب، والاسم، والسمعة، والملكية، والمظهر. يصبح الزواج من جوزافين، في نظر عائلة راشد، خطأً لا لأن الحب غير موجود، بل لأن الاعتراف به يهدد ترتيباً اجتماعياً قائماً. أما الطفل الناتج عن ذلك الزواج، فيصبح دليلاً حياً على سرّ تريد العائلة دفنه. وهنا تكمن قسوة الرواية: عيسى لا يُرفض بسبب فعل ارتكبه، بل بسبب أصل لم يختره.

وتتسع القضية لتشمل العمالة الأجنبية في الخليج، لا من خلال خطاب مباشر أو شعارات سياسية، بل عبر حياة جوزافين. فهي ليست مجرد خادمة تؤدي وظيفة داخل بيت ثري، وإنما امرأة لها أحلامها وخوفها وكرامتها وحقها في الحب. غير أن موقعها الاجتماعي يجعلها قابلة للاستغلال والنسيان. لقد دخلت الكويت بحثاً عن العمل، لكنها وجدت نفسها محاصرة في علاقة لا تستطيع الدفاع عنها اجتماعياً، ثم عادت إلى وطنها حاملة طفلها وخسارتها.

عيسى بين خوسيه وعيسى

عيسى هو أكثر شخصيات الرواية تركيباً، لأنه لا يعيش صراعاً خارجياً فحسب، بل يحمل الصراع في اسمه ذاته. في الفلبين هو خوسيه ميندوزا، وفي الكويت هو عيسى الراشد. الاسمان لا يؤديان وظيفة تعريفية فقط، بل يختصران انقسام الشخصية بين عالمين دينيين وثقافيين واجتماعيين. لذلك يبدو الاسم في الرواية أشبه بساحة صراع: كل طرف يريد أن يستولي على جزء من البطل ويمنحه معنى يناسبه.

لا يبدأ عيسى شخصاً واثقاً من نفسه، بل يتكون من النقص. نقص الأب، ونقص الاعتراف، ونقص اليقين. إنه شديد الحساسية، سريع التأثر، كثير التأمل، لكنه ليس بطلاً مثالياً. وقد يكون هذا من مواطن قوة الشخصية؛ فالسنعوسي لا يجعله ضحية صافية ولا قديساً يتجاوز الناس بسهولة. نراه أحياناً متردداً، وأحياناً مندفعاً، وأحياناً أسير أوهامه. إنه يريد أن يحب عائلته الكويتية رغم رفضها، ويريد أن يظل وفياً لعائلته الفلبينية رغم شعوره بأنه غادرها. يريد أن يكون الاثنين معاً، ثم يكتشف أن الآخرين يطلبون منه أن يكون واحداً فقط.

تحول عيسى الحقيقي لا يتمثل في وصوله إلى الكويت، بل في انتقاله من البحث عن قبول الآخرين إلى محاولة فهم ذاته. في البداية يظن أن مشكلته ستنتهي إذا اعترف به الأب أو قبلته العائلة. لكن الرواية تقوده تدريجياً إلى اكتشاف أكثر مرارة ونضجاً: قد لا يمنحه الآخرون الهوية التي يبحث عنها، وعليه أن يبني معنى وجوده بعيداً عن اعترافهم. لذلك يمكن قراءة رحلة عيسى بوصفها رحلة من التعلق بالاسم إلى التعلق بالذات.

أما جوزافين، فهي شخصية محورية رغم أن حضورها يتراجع في بعض أجزاء الرواية. إنها الأم التي يختلط في صورتها الحب بالعجز. تحب ابنها، لكنها لا تستطيع حمايته من الظروف، ولا تستطيع أن تمنحه وطناً مستقراً. قوتها ليست قوة المواجهة، بل قوة الاحتمال. وفي هذا تكمن إنسانيتها؛ فهي لا تظهر كامرأة مثالية، وإنما كإنسانة دفعتها الحاجة إلى خيارات قاسية.

راشد من جهته شخصية مأزومة أكثر مما هو شخصية شريرة. يحب جوزافين، لكنه لا يملك الشجاعة الكافية لتحمل تبعات اختياره. يثور على أمه ثم يخضع لها، يتزوج المرأة التي يحبها ثم يتركها، يعترف بابنه ثم يتردد في الدفاع عنه. إنه نموذج للإنسان الذي يريد أن يكون أخلاقياً ما دام ثمن الأخلاق محتملاً، لكنه يتراجع عندما يصبح الثمن اجتماعياً وعائلياً. وهذه الازدواجية تجعل الشخصية واقعية، وإن كان ضعفها الأخلاقي يظل من أكثر مصادر الألم في الرواية.

في المقابل، تمثل غنيمة، أم راشد، سلطة العائلة والاسم والطبقة. لا يمكن اختزالها في صورة الأم القاسية؛ فهي تؤمن بأنها تحمي تاريخ الأسرة ومكانتها، لكن هذا الإيمان يتحول إلى قسوة عمياء. إنها لا ترى عيسى طفلاً، بل ترى فيه تهديداً. ومن خلال شخصيتها يوضح السنعوسي كيف تتحول العائلة، حين تجعل سمعتها فوق إنسانية أفرادها، إلى مؤسسة إقصاء.

وتؤدي شخصيات مثل غسان ونورية وأفراد العائلة أدواراً تتجاوز وظيفتها في تحريك الحدث. فغسان يمثل إمكان الصداقة والوفاء خارج روابط الدم، بينما تجسد نورية الجانب الأكثر صلابة من الرفض الاجتماعي. ومع ذلك، تبدو بعض الشخصيات الثانوية أحياناً أقرب إلى تمثيل موقف أو فكرة منها إلى كائنات مكتملة التعقيد. وهذه ملاحظة فنية مهمة؛ إذ إن الرواية تنجح كثيراً في رسم عيسى وجوزافين وراشد، لكنها لا تمنح جميع الشخصيات الثانوية المساحة النفسية نفسها.

الحبكة: بين السيرة والبحث

اختار السنعوسي أن يروي الأحداث بضمير المتكلم، في هيئة سيرة أو مذكرات يكتبها عيسى. هذا الاختيار مناسب لموضوع الرواية؛ لأن البحث عن الهوية يتحول إلى بحث عن لغة قادرة على رواية الذات. عيسى لا يروي ما حدث له فقط، بل يحاول أن يعرف من خلال السرد من يكون. الكتابة عنده ليست زينة فنية، وإنما وسيلة لترميم ذاكرة ممزقة.

الحبكة تقوم على رحلة مزدوجة: رحلة زمنية تعود إلى طفولة البطل ونشأته، ورحلة مكانية تنتقل بين الفلبين والكويت. لا يتقدم السرد دائماً في خط مستقيم، بل يستعيد الماضي ويعيد تفسير الحاضر. وهذه الطريقة تمنح الرواية طابع الاعتراف الشخصي، كما تسمح للقارئ بأن يكتشف الحقيقة بالتدريج، لا في صورة معلومات جاهزة.

ومن نقاط القوة أن السنعوسي لا يجعل الصراع قائماً على حادثة غامضة أو مؤامرة معقدة، بل على واقع اجتماعي يعرفه القارئ لكنه لا يراه عادة من الداخل. التشويق هنا ليس تشويق السؤال: ماذا سيحدث؟ فقط، بل تشويق السؤال: هل سيُقبل عيسى؟ هل سيجد مكانه؟ هل يستطيع الحب أن يتغلب على طبقات المجتمع؟ وهذا النوع من التشويق أكثر هدوءاً، لكنه أكثر التصاقاً بالمصير الإنساني.

مع ذلك، لا تخلو الحبكة من بعض الترهل. فبعض المقاطع، ولا سيما حين تتكاثر التفاصيل أو يتسع السرد لحكايات جانبية، كان يمكن اختصارها من دون أن تفقد الرواية جوهرها. كما أن بعض المنعطفات تبدو أحياناً مهيأة لإنتاج الأثر العاطفي أكثر من كونها ناتجة عن تطور درامي داخلي. وقد يشعر القارئ في مواضع معينة بأن الرواية تشرح مأساتها بدلاً من أن تتركها تتكلم وحدها.

لكن هذا الضعف لا يلغي تماسك البناء العام. فالفلبين والكويت ليستا خلفيتين محايدتين، بل فضاءان يشاركان في تشكيل الشخصية. البيت، والحديقة، والقرية، والمدينة، والمطار، كلها أماكن تحمل دلالات نفسية. وقد أشارت دراسات نقدية إلى أهمية الفضاء المفتوح والمغلق والمتحرك في الرواية، وإلى صلته بتحولات الشخصيات وبنقد الطبقية في المجتمع الخليجي.

ساق البامبو: استعارة الانتماء المرن

العنوان من أكثر عناصر الرواية نجاحاً. فالبامبو نبات يمكن أن يُغرس في أماكن متعددة وينمو فيها، ولذلك يبدو في الظاهر رمزاً للقدرة على التكيف. لكن هذه القدرة ليست راحة كاملة؛ فساق البامبو لا ينتمي بالضرورة إلى الأرض التي ينمو فيها، بل يستطيع أن ينمو لأنه يحمل في طبيعته قابلية الانتقال.

حين يشبه عيسى نفسه بساق البامبو، فهو لا يقول إنه بلا جذور، بل يقول إن جذوره قابلة للامتداد في أكثر من تربة. غير أن الرواية تترك هذا الرمز مفتوحاً على قراءتين: قد يكون البامبو علامة قوة، لأنه لا يموت إذا اقتُلع من مكانه؛ وقد يكون علامة اقتلاع، لأنه يظل مهدداً بأن يُعامل دائماً كنبات غريب زُرع في أرض ليست أرضه.

وهنا تتجاوز الرمزية قضية عيسى إلى الإنسان المعاصر عموماً: المهاجر، وابن الزيجة المختلطة، والمنفي، واللاجئ، وكل من يجد نفسه موزعاً بين أكثر من لغة وذاكرة. إن الهوية في الرواية ليست شجرة ذات جذع واحد، بل نباتاً يمكن أن يتكاثر ويتفرع. ومع ذلك، فإن المجتمع يصر على تصنيف الإنسان وفق جذع واحد: أب، أو أم، أو بلد، أو طائفة، أو طبقة.

اللغة والسرد

لغة السنعوسي واضحة وسلسة، لكنها ليست فقيرة. إنها تميل إلى الجملة القريبة من الذاكرة اليومية، وتبتعد عن البلاغة المتكلفة. وهذا مناسب لصوت عيسى؛ فالرواية لا تريد أن تقدم بطلاً خطيباً، بل إنساناً يتذكر ويعاني ويحاول أن يفهم. تمتزج في السرد نبرة الاعتراف بنبرة التأمل، ويظهر الوصف حين يكون مرتبطاً بالحالة النفسية لا بوصفه استعراضاً جمالياً.

الحوار بدوره يؤدي وظيفة اجتماعية ونفسية. فالشخصيات لا تتحدث بالطريقة نفسها؛ هناك فرق بين خطاب العائلة المحافظة، وحديث العمال والفقراء، وكلام عيسى المتردد الذي يحمل آثار اللغتين والثقافتين. غير أن بعض الحوارات تميل إلى التصريح بالفكرة مباشرة، خصوصاً عندما يتحول الحوار إلى وسيلة لعرض موقف اجتماعي أو ديني. وفي هذه المواضع يقل الإيحاء، ويشعر القارئ بأن الكاتب يتدخل ليشرح ما كان يمكن أن يُفهم من السياق.

أما الإيقاع، فيتغير بحسب المرحلة التي يمر بها عيسى. يبطؤ حين يستعيد طفولته أو يتأمل خسارته، ويتسارع حين ينتقل بين الأماكن أو يواجه الرفض. هذا التفاوت يمنح السرد طابعاً نفسياً، لكنه قد يؤدي أحياناً إلى تفاوت في قوة المقاطع. ومع ذلك، فإن البنية العامة تظل قادرة على إبقاء القارئ متعلقاً بمصير البطل.

الدين والثقافة: سؤال الممارسة لا العقيدة

تتطرق الرواية إلى الدين لا بوصفه موضوعاً عقائدياً مجرداً، بل بوصفه جزءاً من الثقافة الاجتماعية. فالمشكلة ليست دائماً في الدين نفسه، وإنما في الطريقة التي يستخدم بها بعض الناس الدين لحماية الأعراف أو تبرير الإقصاء. الزواج السري، والنسب، والشرعية، وصورة العائلة، كلها تقع عند تقاطع الديني والاجتماعي.

ومن اللافت أن اسم عيسى نفسه يحمل حمولة دينية وثقافية مزدوجة. فهو اسم حاضر في الإسلام والمسيحية، لكنه داخل الرواية يصبح علامة على إمكان العبور بين عالمين، لا على الانتماء الحصري إلى أحدهما. وليس المقصود أن البطل شخصية مقدسة أو خلاصية، بل أن اسمه يكشف رغبة النص في تفكيك الحدود الصلبة بين الثقافات.

الرواية هنا لا تقدم جواباً نهائياً عن العلاقة بين الدين والهوية، ولا ينبغي تحميلها تفسيراً واحداً. يمكن أن تُقرأ باعتبارها نقداً للنفاق الاجتماعي، أو دفاعاً عن التعدد الثقافي، أو تأملاً في معنى النسب، أو حكاية عن طفل دفع ثمن خوف الكبار. وكل قراءة من هذه القراءات تضيء جانباً من النص من دون أن تستنفده.

مواطن الإبداع ومواطن الضعف

أهم ما يميز «ساق البامبو» أنها تمنح قضية اجتماعية صوتاً فردياً. فبدلاً من الحديث عن العمالة الأجنبية والطبقية والهوية بصورة تقريرية، تجعل القارئ يعيشها من خلال جسد عيسى وذاكرته وخوفه. كما أن اختيار الراوي المزدوج الهوية يتيح للنص أن يرى الكويت والفلبين من الداخل والخارج في الوقت نفسه.

وتتميز الرواية كذلك بقدرتها على خلق تعاطف حقيقي من دون أن تتحول غالباً إلى خطاب وعظي. إن مأساة عيسى لا تُفرض على القارئ، بل تتكون أمامه من تفاصيل صغيرة: اسم يُخفى، أم تُطرد، أب يتردد، عائلة تخشى كلام الناس، وشاب يصل إلى وطن ظنه خلاصه فيجد نفسه أكثر وحدة.

أما ملاحظاتها الفنية، فتتمثل في ميل بعض المقاطع إلى الشرح المباشر، وفي اتساع مساحة الحكايات الجانبية، وفي كون عدد من الشخصيات الثانوية يؤدي وظيفة رمزية واضحة أكثر مما يعيش تعقيداً نفسياً مستقلاً. كذلك فإن التأثير العاطفي القوي في بعض المشاهد قد يدفع النص أحياناً إلى الاقتراب من الميلودراما. غير أن هذه المآخذ لا تفسد التجربة؛ لأنها تأتي داخل رواية ذات صوت واضح ومشروع إنساني متماسك.

في النهاية، ليست «ساق البامبو» رواية عن شاب يريد أن يعرف إلى أي بلد ينتمي فقط، بل عن عالم يريد أن يختصر الإنسان في ورقة أو اسم أو دم أو صورة اجتماعية. وقوة الرواية أنها لا تمنح القارئ راحة الإجابة السهلة؛ فعيسى لا يخرج من تجربته بهوية صافية ونهائية، بل بوعي أكثر تعقيداً بذاته وبالآخرين. وربما تكون هذه هي خلاصة الرواية الأعمق: أن الانتماء ليس شيئاً يمنحه المجتمع للإنسان كاملاً، بل شيء يبنيه الإنسان من ذاكرته وعلاقاته وخياراته، حتى حين يرفض الآخرون الاعتراف به.

إنها رواية مناسبة لمن يهتم بالأدب الإنساني والاجتماعي، وبأسئلة الهجرة والطبقية والهوية والهجنة الثقافية. وقد يجد فيها القارئ الذي عاش بين لغتين أو بلدين أو عائلتين صدى شخصياً مؤلماً، بينما سيجد فيها القارئ الآخر فرصة للنظر إلى العالم من موقع شخص اعتاد المجتمع أن يراه هامشاً. قيمتها النهائية لا تكمن في أنها تقدم حلاً لمشكلة الهوية، بل في أنها تجعلنا ندرك كم هو قاسٍ أن يُطلب من إنسان أن يثبت حقه في أن يكون نفسه.



#اسامة_شافعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحليل رواية «أرض زيكولا» لعمرو عبد الحميد
- مقارنة ثيمة التهميش المكاني في رواية الحي الخلفي بأعمال أخرى ...
- تحليل رواية سراب للمؤلف: نجيب محفوظ
- كيف ساهم محمود درويش في تحويل القدس إلى رمز للمقاومة في الشع ...
- الحي اللاتيني حين يعود العربي من باريس محمّلاً بسؤال لا بجوا ...


المزيد.....




- -ثغرة- قانونية بعد قضية كورنيل.. وحاكمة نيويورك تدعو لتعديل ...
- -التحالف-: اعتراض وتدمير 3 صواريخ باليستية أطلقها الحوثيون ب ...
- نتنياهو يتوعّد بـ-ثمن باهظ جداً-.. من يقف وراء حادثة طائرة - ...
- مانشستر سيتي يطعن في قرار إدانته بارتكاب 115 مخالفة مالية.. ...
- أكثر من 4 آلاف وفاة.. الكونغو الديمقراطية تواجه أسوأ تفشٍّ ل ...
- الأمريكية كريستا بايك -في حالة حرجة-، بعد نجاتها من محاولتين ...
- الولايات المتحدة ترحّل نحو 1000 مهاجر من مطار لويزيانا في يو ...
- الخارجية الروسية: موسكو تريد رؤية ليبيا موحدة ومستقرة
- رسائل ردع سعودية.. رد حاسم لصد الحوثيين
- بيسكوف: روسيا منفتحة على حوار أمن البحر الأسود مع الجميع


المزيد.....

- قراءة في -العقل والثورة- -2 / نايف سلوم
- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - اسامة شافعي - تحليل رواية ساق البامبو لسعود السنعوسي