اسامة شافعي
الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 08:41
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
يمكن بناء المقارنة انطلاقًا من فكرة أساسية: التهميش المكاني لا يعني فقط وجود حي فقير أو منطقة بعيدة عن مركز المدينة، بل يعني الطريقة التي يُوزَّع بها الاعتراف والسلطة والكرامة داخل المجال الحضري. ومن هذه الزاوية، يمكن وضع رواية «الحي الخلفي» لمحمد زفزاف في حوار مع «محاولة عيش» للكاتب نفسه، و«الخبز الحافي» لمحمد شكري، وبعض أعمال الطاهر بن جلون ومحمد برادة.
ملاحظة منهجية
ينتمي محمد زفزاف ومحمد شكري والطاهر بن جلون إلى أجيال متقاربة من الرواية المغربية الحديثة، وإن اختلفت تجاربهم وطرائقهم الفنية. لذلك لا ينبغي القول إنهم يعالجون التهميش بالطريقة نفسها، بل الأفضل دراسة:
1. طبيعة المكان المهمش.
2. علاقة الشخصيات بهذا المكان.
3. الجهة التي تمارس التهميش.
4. هل المكان سجن أم ملجأ أم نقطة عبور؟
5. هل يمنح السرد المهمشين صوتًا أم يكتفي بوصفهم؟
أولًا: «الحي الخلفي» والتهميش بوصفه بنية مكانية جماعية
في «الحي الخلفي»، يصبح المكان هو المحور الذي تنتظم حوله الشخصيات والأحداث. فالحي ليس مجرد خلفية تقع فيها الوقائع، بل فضاء ينتج سلوك الشخصيات ويحدد فرصها في الحياة.
يمكن القول إن التهميش هنا جماعي ومؤسسي. سكان الحي لا يعيشون مشكلة فردية منفصلة، بل يشتركون في ظروف واحدة: الفقر، البطالة، انعدام الحماية، انتشار المخدرات، الاستغلال، والخضوع لأشكال مختلفة من السلطة. ولذلك يبدو الحي كأنه مجتمع مصغر يعيش خلف المدينة الرسمية، مع أنه جزء منها.
العنوان نفسه يلخص هذه الرؤية. فالحي «خلفي» لأن المدينة تضعه في موقع ثانوي، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إليه كي تخفي داخله ما لا تريد أن يظهر في واجهتها. وهنا تتولد مفارقة مهمة: المكان المهمش ليس خارج النظام، بل هو نتيجة من نتائجه.
في هذه الرواية، لا ينتمي التهميش إلى شخصية واحدة، وإنما يتحول إلى صفة للمجال كله. حتى الشخصيات التي تعمل داخل أجهزة السلطة أو تتعامل معها تظل مرتبطة بهذا الفضاء، إما بوصفها ضحية له، أو مستفيدة من اختلالاته، أو أداة لإدامته.
ثانيًا: «محاولة عيش» والتهميش بوصفه صراعًا حول العمل والكرامة
تقترب «محاولة عيش» من «الحي الخلفي» في اهتمامها بالفقر والفئات الشعبية، لكن التهميش فيها يرتبط بدرجة أكبر بالعمل والبطالة والبحث عن مكان داخل المجتمع.
إذا كان الحي في «الحي الخلفي» يبدو كأنه فضاء مغلق يضم مجموعة من المهمشين، فإن «محاولة عيش» تقدم التهميش بوصفه تجربة حركة دائمة. الشخصيات تحاول الانتقال من وضع إلى آخر، والبحث عن عمل أو فرصة أو اعتراف، لكنها غالبًا ما تصطدم بواقع يعيدها إلى الهامش.
الفارق بين العملين يمكن تلخيصه على النحو الآتي:
في «الحي الخلفي»، المكان يسبق الشخصيات ويحيط بها. يولد الإنسان داخل فضاء مهمش، فيجد نفسه محكومًا بسمعته وحدوده.
أما في «محاولة عيش»، فالتهميش يظهر من خلال عجز الشخصية عن الاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حتى عندما تحاول العمل والتحرك والخروج من وضعها.
لذلك يصبح العمل في «محاولة عيش» أكثر من وسيلة للرزق؛ إنه معيار للكرامة والانتماء. وفقدانه يعني فقدان المكانة الاجتماعية، وربما فقدان القدرة على تعريف الإنسان لنفسه. أما في «الحي الخلفي»، فتظهر البطالة ضمن شبكة أوسع من الاستغلال والجريمة والسلطة، بحيث يبدو الخروج من الهامش شبه مستحيل.
ومع ذلك، يشترك العملان في أن الفقر لا يُعرض بوصفه فشلًا أخلاقيًا فرديًا. فزفزاف يربط مصائر الشخصيات ببنية اجتماعية لا توزع الفرص بالتساوي.
ثالثًا: «الخبز الحافي» والتهميش بوصفه تجربة جسدية وذاكرة شخصية
تختلف «الخبز الحافي» عن «الحي الخلفي» في طبيعة السرد. فمحمد شكري يعتمد على تجربة ذاتية وسيرة روائية تتابع تشكل الوعي عبر الفقر والعنف والتشرد والجوع في فضاءات طنجة.
في «الحي الخلفي»، نرى مجموعة من الشخصيات موزعة داخل مكان واحد تقريبًا، أما في «الخبز الحافي» فنحن أمام وعي فردي يتنقل بين أماكن عديدة: البيت، الشارع، الأزقة، المقاهي، الحانات، وأماكن العمل الهشة. لذلك يصبح التهميش عند شكري أكثر التصاقًا بالجسد والذاكرة.
الجوع والبرد والعنف والإهانة ليست مجرد نتائج للفقر، بل تجارب جسدية مباشرة. المكان لا يهمش الشخصية إداريًا أو اجتماعيًا فقط، وإنما يدخل في جسدها وذاكرتها. الشارع، مثلًا، ليس مجرد فضاء خارجي، بل يتحول إلى مدرسة قاسية يتعلم فيها البطل الخوف والحذر والعنف.
أما في «الحي الخلفي»، فإن المعاناة تظهر غالبًا ضمن علاقات اجتماعية ومؤسساتية: السلطة، الشرطة، المقهى، الحانة، العمل، الدعارة، وتجارة المخدرات. ولذلك يمكن القول:
محمد شكري يكتب الهامش من داخله، عبر ذاكرة جسدية وشخصية.
محمد زفزاف يراقب الهامش بوصفه بنية اجتماعية تضم أفرادًا متعددين.
وهذا لا يعني أن زفزاف بعيد عن شخصياته، بل يعني أن اختياره السردي مختلف. شكري يمنح التجربة طابعًا اعترافيًا مباشرًا، بينما يمنحها زفزاف طابعًا جماعيًا ومسرحيًا واجتماعيًا.
رابعًا: التهميش عند الطاهر بن جلون بين المكان الواقعي والمكان الرمزي
يمكن مقارنة زفزاف أيضًا بالطاهر بن جلون، خصوصًا في الأعمال التي يظهر فيها الفضاء المغربي باعتباره مجالًا للتفاوت والرقابة والصراع بين المركز والهامش.
غير أن التهميش عند بن جلون يميل في أحيان كثيرة إلى التحول إلى سؤال رمزي أو نفسي. فالمكان لا يهمش الشخصية اجتماعيًا فقط، بل يجعلها تعاني من الانقسام والاغتراب واضطراب الهوية. وقد يتحول الحي أو المدينة أو الحدود إلى صورة عن منفى داخلي.
أما عند زفزاف، فالتهميش أكثر التصاقًا بالتفاصيل اليومية والمادية: البطالة، الفقر، السكن، الجسد، السلطة، والمهن الهامشية. ولذلك يمكن التمييز بين اتجاهين:
عند زفزاف، المكان المهمش يكشف البنية الاجتماعية الواقعية.
عند بن جلون، قد يتحول المكان المهمش إلى رمز للمنفى والهوية والاغتراب.
لا يعني ذلك أن روايات زفزاف تفتقر إلى البعد الرمزي، بل إن رمزيتها تنشأ من الواقع نفسه. فـ«الحي الخلفي» يرمز إلى المجتمع كله لأنه يكشف آلياته من خلال نموذج مكاني صغير.
خامسًا: الفرق بين المكان المغلق والمكان العابر
من المفيد في المقارنة أن نسأل: هل المكان المهمش ثابت، أم أن الشخصيات تعبره وتغادره؟
في «الحي الخلفي»، يغلب على المكان طابع الثبات. الشخصيات تعود إلى الحي أو تبقى محاصرة داخله، حتى عندما تتحرك بين المقهى والحانة والشارع ومواقع السلطة. الحركة موجودة، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى الخلاص.
في «محاولة عيش»، تظهر الحركة بوصفها بحثًا عن فرصة. غير أن الانتقال من مكان إلى آخر لا يضمن الانتقال الاجتماعي؛ فقد يخرج الشخص من حي فقير ليجد نفسه في هامش آخر.
في «الخبز الحافي»، الحركة أكثر وضوحًا، لكنها ليست حركة تحرر بالضرورة. فالانتقال بين الأمكنة يرتبط أحيانًا بالجوع والخوف والتشرد، ويكشف اتساع العالم القاسي بدل أن يفتح طريقًا مضمونًا للخلاص.
ومن هنا يمكن طرح ثلاث صور للمكان:
الحي في «الحي الخلفي»: مكان يحاصر الجماعة.
أماكن العمل والمدينة في «محاولة عيش»: فضاءات اختبار للكرامة والاندماج.
الشارع والأزقة في «الخبز الحافي»: فضاءات تشكل الوعي والجسد.
سادسًا: علاقة المهمش بالسلطة
تختلف طريقة حضور السلطة في الأعمال الثلاثة.
في «الحي الخلفي»، تظهر السلطة بصورة مباشرة من خلال القائد والأعوان والمقدم، أي من خلال جهاز يراقب الحي وينظم علاقاته. السلطة هنا مرئية ومادية، وتظهر في السيارات والزي والأوامر والقدرة على العقاب.
في «محاولة عيش»، ترتبط السلطة بصورة أكبر بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يحدد من يعمل ومن يبقى عاطلًا، ومن يملك فرصة ومن يُدفع إلى الهامش. لذلك تبدو السلطة أقل حضورًا في شكل شخص واحد، وأكثر حضورًا في شروط الحياة اليومية.
في «الخبز الحافي»، تظهر السلطة في البيت والشارع والشرطة والعنف الأبوي والاجتماعي. إنها سلطة تعيش في التجربة الشخصية، وتترك أثرًا مباشرًا في الذاكرة والجسد.
وهكذا يمكن القول إن زفزاف يركز على السلطة بوصفها مؤسسة اجتماعية، بينما يركز شكري على السلطة بوصفها تجربة معيشة وجسدية، ويميل بن جلون إلى توسيعها لتشمل المنفى والهوية والرقابة الرمزية.
سابعًا: المرأة والتهميش المكاني
تقدم «الحي الخلفي» نموذجًا واضحًا لتقاطع التهميش المكاني مع التهميش الجندري. فحليمة وخديجة لا تعانيان من الفقر فقط، بل من كون جسديهما موضوعًا للاستغلال والنظر والاتجار.
وهنا يمكن إجراء مقارنة مهمة مع محمد شكري؛ ففي «الخبز الحافي» تظهر النساء غالبًا داخل فضاءات يسيطر عليها الرجال، مثل البيت والشارع والحانة، لكن السرد يمر من خلال وعي ذكوري وتجربة ذكورية. أما زفزاف فيمنح الشخصيات النسائية وظيفة اجتماعية كاشفة، إذ تكشف حليمة وخديجة كيف يتحول الحي المهمش إلى مكان يستغل النساء بدل أن يحميهن.
وتكمن أهمية ذلك في أن المرأة لا تُهمَّش فقط لأنها فقيرة أو تعيش في حي سيئ، بل لأنها تقع عند تقاطع عدة أشكال من السلطة: سلطة الرجل، وسلطة الحاجة، وسلطة السمعة، وسلطة المجتمع.
ثامنًا: موقع الراوي من الهامش
تختلف الأعمال أيضًا في علاقتها بمن يروي التهميش.
في «الحي الخلفي»، يظهر وعي بالمسافة بين الكاتب والشخصيات. فالرواية تتساءل ضمنيًا عن حق الكاتب في الكلام عن الآخرين، وعن قدرة الأدب على تمثيل حياة لا يعيشها القارئ بالضرورة.
في «الخبز الحافي»، يخف هذا الحاجز لأن السرد يقوم على استعادة تجربة شخصية. الكاتب لا يتحدث عن هامش بعيد، بل عن ماضٍ عاشه أو يقدمه بوصفه تجربة ذاتية.
أما عند بن جلون، فتتدخل مسألة اللغة والهوية والانتقال بين الثقافات، فيصبح السرد نفسه جزءًا من سؤال الانتماء: من يتكلم؟ وبأي لغة؟ ولمن؟
وهذه المقارنة تسمح بقراءة «الحي الخلفي» باعتبارها رواية لا تكتفي بالدفاع عن المهمشين، بل تفكر في آلية تمثيلهم أدبيًا.
خلاصة المقارنة
يمكن صياغة الفروق الأساسية في الجدول الآتي:
العمل | طبيعة التهميش | وظيفة المكان | شكل السرد
الحي الخلفي | تهميش اجتماعي جماعي ومؤسسي | حي مهمش يكشف بنية المجتمع | سرد اجتماعي متعدد الشخصيات
محاولة عيش | تهميش اقتصادي مرتبط بالعمل والكرامة | فضاء اختبار للاندماج والفشل | سرد واقعي يركز على صراع العيش
الخبز الحافي | تهميش جسدي وطبقي واعترافي | الشارع والأزقة فضاءات لتشكل الوعي | سرد ذاتي وتجربة اعترافية
أعمال الطاهر بن جلون | تهميش اجتماعي ورمزي وهوياتي | المدينة والمنفى والحدود رموز للاغتراب | سرد يميل إلى التخييل الرمزي والنفسي
وعليه، فإن خصوصية «الحي الخلفي» تكمن في أنها تجعل التهميش مكانًا جماعيًا، لا مجرد تجربة فردية. الحي ليس مكانًا يسكنه الفقراء فقط، بل نظام كامل يعيد إنتاج الفقر والعار والعنف والسكوت. ومن هنا تختلف الرواية عن «الخبز الحافي»، حيث ينطلق التهميش من تجربة ذاتية، وعن «محاولة عيش»، حيث يتجسد أساسًا في صراع الإنسان مع العمل والاندماج.
أما المقارنة الأهم، فهي أن أعمال هؤلاء الكتاب تشترك في نقل مركز الرواية من المدينة الرسمية إلى فضاءاتها المنسية، لكنها تختلف في زاوية النظر: زفزاف يركز على البنية الاجتماعية، شكري على الذاكرة والجسد، وبن جلون على الاغتراب والهوية. وبذلك يصبح التهميش المكاني في الرواية المغربية الحديثة وسيلة لطرح سؤال أوسع: من يملك المدينة، ومن يُسمح له بأن يظهر فيها، ومن يُجبر على العيش في خلفيتها؟
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟