أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فيصل محيمدي - نشيد إلى صاحبي!














المزيد.....

نشيد إلى صاحبي!


فيصل محيمدي

الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 07:14
المحور: الادب والفن
    


نشيد إلى صاحبي !

المدينة ليست بمدينة.

يطارد فيها المختلف وتحاصر فيها الحقيقة وتعلن فيها السلطة حضورها في كل مكان. هنا لا قصائد ولا أغنيات ولا حقيقة. هنا تمشي الحقيقة متخفية على الأرصفة، تخشى عيونًا لا تنام وتوشوش الأغنيات بالأمنيات كي لا توقظ الحرّاس.

آه يا صاحبي! الجنائز في كل مكان والحق يبكي والموت يحلّق فوق الرّؤوس. يمضي الناس في الشوارع كأنهم يعبرون مقبرة مفتوحة حيث يحمل كل واحد منهم شيئًا من خوفه ويخفي في صدره شيئًا من حلمه.

وحده المناضل يحاصر الحصار. وحده يدافع عن المدينة لكي ترقص فيها الحقيقة ويفتح في الجدار شقوقًا صغيرة يتسلل منها الضوء. يصرخ في وجه الذين ما زالوا يتشبّثون بشهادتهم على الواقعة التالية :الجثة تعفنت وقد حان وقت دفنها.

أراك يا صاحبي ساهرًا تفكّر منتظرا انبلاج الفجر و متلهفًا لفتح الباب. لا أحد خلفك ولا أحد أمامك سوى الطريق. تحدّق في ضوء يتسلل من فتحة نافذة ، فتدرك أن الفجر لم يعد وعدًا بعيدًا حيث بدأ من شقّ صغير في الجدار.

أنت الآن حرّ. لا صوت البلاهة يخترقك ولا أعين الوشاة تتعقبك ولا رصاص الهزائم ينخر جسدك. ها أنت تحدّق في الآتي ، في صوت من لا صوت لهم. ها أنت هنا وهناك . لم يعد الغياب قادرًا على محوك ولم يعد المكان قادرًا على حبسك في حدوده.

تداخلت الأماكن وتوزعت جزرًا للمقاومة. جزيرة هنا، وأخرى هناك، وبينهما بحر من المسافات لا يمنع اللقاء. تعانقت الأزمنة : ماضٍ لم يمت وحاضر يتشكّل ومستقبل لم يصل بعد.

المدينة يا صاحبي! ربما أثينا، ربما روما، ربما قرطاج... وربما أرض الكنانة أو سوريا القديمة أو بابل. مدن عبرتها الحقيقة والهزيمة و مرّ فيها الحلم وسقطت فيها جدران وقامت أخرى. أثينا ربما دون هزيمة سقراط، وروما ربما بلا حرب ولا قانون استثناء، وقرطاج ربما دون الحريق الأخير. لعل المعتّق ما زال حيًا ولعلّ المدينة لا تموت تمامًا.

أعرفك شغوفًا بالتاريخ يا صاحبي وبالشعر أيضًا. ولكني الآن أخبرك أني أقرأ بعضًا من سبينوزا وبعضًا من ماركس... سنعود إلى ذلك ذات يوم.

هل يمكن للغة أن تقول كل شيء؟

لعلنا نجد الإجابة عند مظفر النواب. أفتح "وتريات ليلية" فتطلّ مدن مثقلة بالخوف ثم تأتي القدس: «القدس عروس عروبتكم»... فتتّسع المدينة في اللغة ويكبر معها الوجع. لعل اللغة لا تستطيع أن تقول كل شيء يا صاحبي لكنّها تستطيع أن تمنع الوجع من أن يصمت.

ومن مدن الذاكرة إلى مدن الثورة: بيتروسبوغ وموسكو وبكين وهافانا وباريس... لا نحتاج إلى عدّها. يكفي أن نعرف أن المدينة كلّما ضاقت على أهلها حملت في داخلها احتمالًا آخر. وفي لاغارنيكا ظلّ الجدار يحمل أثر النار وفي فلسطين أعلنت بندقية ذات خريف أن للمدينة ذاكرة لا تريد أن تموت. مذابح الأردن، حصار بيروت، معارك وقتال، هزائم وانتصارات... بندقية وشعر ولفافة تبغ.

هل هو حنين الذاكرة أم نضالها ضد النسيان وضدّ السلطة؟

حتى الماء والكلأ والنار كان لها نصيب من الحكاية. كان الماء حياة وكان الكلأ حياة أيضا وكانت النار ضوءًا يكشف لنا الطريق ودفئًا يحمينا من ليالي الصقيع. وحين يُمنع الماء أو يُمنع الكلأ، أو تُحتكر النار يصبح الصّراع على حق الحياة نفسها. لعل القدماء كانوا يعرفون ذلك حقاّ قبل أن نضع له مدوّناتنا الحديثة.

لكن المدينة التي نبحث عنها ليست هناك فقط يا صاحبي. ليست أثينا ولا روما ولا قرطاج، وليست القدس وحدها ولا بيتروسبوغ ولا باريس. ثمة مدينة أخرى لم نكن نعرف أننا نبحث عنها لأننا كنا نعيش فيها.

إنّها تونس.

تونس ذات شتاء لم تكن مجرّد محطة عبور. كانت قوتنا، عودتنا، انتفاضتنا، صوتنا، قلبنا، كياننا، غضبنا، صرختنا المبدعة، كتابنا، قصيدتنا. يومها لم تكن المدينة مكانًا نسكنه بل حلما نبدعه ونحن نمشي في شوارعها.

كانت "نحن" أصواتًا متعددة ومشتركًا يصرخ وسجنًا يُفتح ومقاومة ترقص وشعارًا يُرفع: "الشعب يريد إسقاط النظام".

صاحبي، ماذا حدث؟

لم يحدث شيء يا صاحبي سوى أنّ الحلم تم سجنه.

كيف السبيل يا رفيق ليتحرر؟ ننتظر مجيء الشتاء؟ أم نجمع أوراق الخريف المتساقطة؟

لا هذا ولا ذاك.

آه يا مدينتنا الضائعة، آه يا سجننا الباقي، آه يا عالمنا، عالم من الصقيع لا حرارة فيه.

هل تحتاج إلى رغيف يا صاحبي؟ لا، أعطوه للجائعين. هل تحتاج إلى ماء يا صاحبي؟ لا، أعطوه للعطشى. هل تحتاج إلى سجائر؟ نعم، على شرط أن تشتعل بنارٍ تنير ظلام الطريق.

هل تشعر بالبرد يا رفيقي؟ لي من حرّ الصيف ما يكفي مؤونة الشتاء.

آه يا صاحبي، اشتقنا إليك! يكفيني أني أسمعكم في حضرة الغياب.

فلا تحزنوا إن غبت. قد أغيب عن أعينكم لكنّني لست غائبًا عن الطريق. ستجدونني في أغنية خافتةو في قصيدة لم تكتمل و في يد تمتدّ إلى جائع وفي نافذة يدخل منها الضوء. ستجدونني حيث يحاصر أحدهم الحصار وحيث يجرؤ أحدهم على أن يقول للجثة: لقد تعفنت وحان وقت دفنك.

وحين تفتحون الباب لا تبحثوا عني. سأكون هناك، في الجهة الأخرى من الخوف، حيث تبدأ المدينة من جديد.

كم يكفي من الوقت؟ كم يكفي من العمر؟ كم يكفي من نص؟ كم يكفي من قصيدة؟ كم يكفي...

لا إحصاء ولا تكميم يا صاحبي! مؤونتنا تكفي كل الرحلة، ولا وقت للانتظار.



#فيصل_محيمدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة إلى الرفاق
- الاستثناء من كارل شميت إلى جورجيو أغامبن(الجزء الأول)
- النموذج الليبرالي للتمثيل والسيادة الديمقراطية
- ماذا يحدث في تونس؟


المزيد.....




- تجارب نسوية أدبية في جلسة بالمنبر النسوي في اتحاد الأدباء
- سينما الذاكرة.. كيف تنقذ الأفلام المستقلة حكايات الجنوب العا ...
- بعد 60 عاما على صدورها.. هل ما زالت -موسم الهجرة- سقفا للأدب ...
- سوريا تستعيد 21 قطعة أثرية من الولايات المتحدة
- -شهرزاد المغربية التي لم تفاوض الخوف-.. سيرة مفكرة خلقت نسوي ...
- سبعون عاما على مهرجانات بعلبك.. ذاكرة الحجارة التي تقاوم ثقل ...
- الأردن يحتضن ملتقى -زمن الأبطال- للأفلام الوثائقية
- سهرة عائلية لا تُنسى.. دليلك لأفضل أفلام الرسوم المتحركة في ...
- -التكفير-.. فيلم يعيد حرب العراق إلى الواجهة
- حسين فهمي: أفلام الذكاء الاصطناعي لن تشارك في مهرجان القاهرة ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فيصل محيمدي - نشيد إلى صاحبي!