أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي محمد اليوسف - جاستون باشلار الزمن والنفس















المزيد.....

جاستون باشلار الزمن والنفس


علي محمد اليوسف
كاتب وباحث في الفلسفة الغربية المعاصرة لي اكثر من 22 مؤلفا فلسفيا

(Ali M.alyousif)


الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 12:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


برجسون وعلى لسان باشلار يعتمد ربط الزمان – اود التنبيه انني استعمل كلمة الزمان كما يفهمه ويتداوله غيري فلسفيا وليس بما افهمه انا انه خرافة متراكمة الاستعمال بحكم الاعتياد - بإعتباره قرينة نفسية معرفية يحدّها سلوك عاطفي وجداني وإنفعالي يحتويه الشعور واللاشعور على السواء حسب المفهوم الكلاسيكي لعلم النفس الفرويدي.
والنفس بفلسفة برجسون ليست هي النفس التي أشرنا قبل اسطرالى صفاتها بضوء قوانين الفيزياء ومفهوم علم النفس الحديث. الذي يشتمل إدراكها إفصاحا سلوكيا خاصا بالانسان وحده كنوع يمارس سلوكه المنفرد في الحياة ضمن محددات قوانين مجتمعية.
تجريد النفس من خواصها الفيزيائية الواقعية كسلوك متعدد التمظهرات الحياتية, ومن الغرائز المنسوبة لها والاحاسيس الداخلية المعبّرة عنها, يعمد برجسون إخراجها من هذا الحّيز المعرفي الكلاسيكي, ليجعل منها ظاهرة (زمانية) لا علاقة لها بسلوك يحتويه مجتمع, ولا علاقة لها بتوكيد إثبات الذات في خلال إدراكها موجودات الطبيعة ودلالات الزمن في قوانين فيزيائية بعضها من إختراع الانسان إعتمادا على القوانين الطبيعية الفيزيائية التي تحكم الفضاء الكوني من ضمنه فضاء الطبيعة.
جاستون باشلار في تماهيه مع برجسون يجد " في علم النفس البرجسوني – حسب تعبيره - يفسح الزمان الممتليء, العميق, المتواصل, الغني, ليكون (مكانا) للجوهر الروحي, وفي كل الظروف لا تستطيع النفس الانفصال عن الزمان " 1
يلاحظ في العبارات السابقة إنتقالات تعبير اللغة في تحولات بلا معنى متماسك , إن النفس بفعل ملازمتها الزمان المطلق الذي هو في حقيقته (الجوهر) الازلي اللامتناهي غير المدرك في ميتافيزيقا التصوف, والذي يعتبره برجسون (الروح) ليس بدلالة ميتافيزيقية ,بل هو الروحي حين يتحول من زمان نفسي الى موجود مكاني مدرك وجودا حسب تعبير برجسون.!!
في هذا المعنى الإعتسافي يصبح أمامنا تحصيل حاصل تجريد النفس المزامن غير المفارق لتجريد الزمان عن النفس المشترك المتعاشق معها إدراكيا, لتكون النفس جوهرا روحيا متعاليا (لمكان) إدراكي نفسي ليكون مصدر كل الصفات الخيرية الايجابية في الإفصاح عن نفسها سلوكيا.
ثمة عدة تساؤلات تبقى عالقة لا نجد لها تفسيرا بضوء هذه الترابطات الإعتسافية والإنتقالات من معنى الى تفسير لاحق له بلا معنى اضافي ندرج بعضها:
- كيف يتحوّل الزمان النفسي الى روح مدرك (مكانا) حسب تعبير برجسون؟, في حين كل الدلائل الموثوقة تثبت أن النفس والروح ليستا لفظتين تعبران عن معنى دلالي واحد ولا فرق بينهما في الاستعمال السردي المنطقي الفلسفي.
وكلاهما النفس والروح جوهران تجريديان لاماديان يختلفان في الافصاح التعبيري عن مكنوناتهما في مفارقة إنفرادية أحداهما عن الآخرفي العديد من الإختلافات أبسطها النفس منتج نفسي- عقلي والروح مفهوم ميتافيزيقي لا تدرك ملامحه ولا ماهيته ولا جوهره ولا صفاته. الروح مفهوم ميتافيزيقي وليس مصطلحا متفقا عليه.
- الروحي الذي يقصده برجسون هوالزمان النفسي الذي يتعالى على كل مدرك سلوكي مادي أو لا مادي . برجسون يعتبر الروحي هو مدرك الزمان النفسي مكانا. وليس الروحي هو اللازماني الذي يخرق قوانين الطبيعة ويعلو إدراك العقل في ماهيته الميتافيزيقية بأزليته ولاتناهيه غير المحدود غير المدرك.
- بريجسون يعتبر على لسان باشلار النفس تملك زمانها, ولا ضير في ذلك فكل شيء في الوجود يطاله الزمن بالدلالة عليه أدركناه أم لم ندركه, وتكون هذه النفس ممتلئة بكل ما هو إيجابي متفائل بالحياة, والنفس ليست وعاءا إحتوائيا فارغا. والزمان القرين الملازم للنفس بلا إنفكاك عنها هي مملوكة للزمان غير مالكة هي له بضوء فهم برجسون. وهذه الملكية الزمانية للنفس ليست تلبية لوعي ينزع إدراكيا توكيده الذات نفسيا. بل النفس ترتبط بوعي روحي زماني يربط الماضي بالحاضر والمستقبل زمكانيا.
- هذا الربط البرجسوني الفلسفي بين النفس ومالكها المهيمن عليها الزمان, هو مبعث ذكريات الماضي أن تكون حضورا في حاضر زمني يتمّثلها نفسيا, مملوءة بكل ما هو سعيد يغني عن أهمية أن يعيش الانسان الحياة بكل صعوباتها ومنغصّاتها. وهذا تعبير برجسوني على لسان باشلار في مطابقة فلسفية وجدانية لا تبتعد كثيرا عن تأثير جمالية المكان على الروح والنفس.
- في حال إضطرارنا الإستمرار بمناقشة أفكار برجسون الباشلارية الخالية من كل معنى هادف فلسفيا حتى لو كان على مستوى تعبير اللغة, لكان الى جانبنا ما يسوّغ لنا دخول في المناقشة العقيمة هذه بالتالي:
على صعيد النفس كمصدر لتخيّلات الذاكرة أو بالعكس كمخزون الذاكرة يحدد إفصاحات النفس عن كوامنها, يمكننا تمرير أن مخيلة النفس في إستقدامها الماضي ليكون حضوريا في آنية زمانية هي الحاضر لا غبار عليه شرط أن لا يقتصر فهم الماضي حضوريا هو اولا واخيرا مبعث ذكريات نفسية لا قيمة لها كتحقيب تاريخي زماني يتجاوز إستثارة نزعات النفس العاطفية والسايكولوجية الفردية المتلاشيّة. الماضي وقائع تاريخية لا تكون جميعها مصدر إغناء الذاكرة والمخيلة بالذكريات الجميلة التي ترغبها النفس.فالماضي كتحقيب تاريخي زماني وقائعي مثقل بما لا يستطيع حمله من أحزان وآلام ومآسي وحروب وفقر ومجاعات وأوبئة الخ.
والحقيقة الاخرى التي لا يستطيع برجسون عبورها والقفز من فوقها, هي أن الماضي تحقيب زماني ثابت محكوم بثبات وقائعه التاريخية. والحاضر زمان يدرك حضوره بدلالة إستذكاره الماضي من جهة وتصنيعه المستقبل كسيرورة تاريخية من جهة أخرى مقابلة للماضي. الحاضر لحظة لازمنية لانها سيرورة منحلة يتقاذفها شد الجذب نحو الماضي تارة ونحوتصنيع المستقبل تارة اخرى.
فكيف يتسنى للزمان النفسي الإلمام التحكمّي بكل هذه المستويات الزمانية وما تحتويه من موضوعات ووقائع وتغيرات وسيرورة وتوقعات وعلاقات وهكذا ما لا حدود له.؟ ملازمة النفس للزمان لا يمنح النفس الإمكانية الإحتوائية للزمان كمطلق لا متناهي بذريعة الزمان يحتويها ولا تحتوي هي الزمان ولا تنوب عنه.
الطاقة النفسية في الإدراك الاستذكاري للزمن الماضي محدودة بالنسبة لمطلق الزمان. وحين يربط برجسون ملكية النفس للزمان ليس معنى هذا إمتلكت النفس الطاقة اللامحدودة للزمان وذابت وتلاشت الفروقات بينهما. الزمن فضاء إحتوائي مطلق أزلي والنفس جوهر محتواة متعيّن محدود يطالها التغيير والتبديل وحتى التلاشي والإضمحلال كمحتوى للعواطف والانفعالات والاحساسات .
ولو نحن أجرينا مقارنة بين الماضي كزمن تحقيبي تاريخي مع الحاضر الذي هو تمّوجات من الحركة الدائبة التغييرالمستمر وعدم الإستقرار نتيجة ملاحقة ما يطرأ على الحاضر من مستجّدات يحاول الزمن المستقبلي دوما تجييرها لحسابه لا للحاضر ولا للماضي. الزمان المستقبلي تصنيع مصدره تداخل الماضي بالحاضر.
حينها لا يمكننا أن نجيز للنفس إمتلاكها التحكم بالزمن بالإستذكارت لا ماضيا ولا حاضرا ولا مستقبلا. ونعود الى حقيقة أن الزمن جوهر يمتلك كل شيئ ولا يملكه شيء أبدا. حتى الانسان جوهر مملوك للزمن ولا يقدر هو إمتلاكه الزمن أو السيطرة عليه.
باشلار وجوهر النفس
في تقصّي جاستون باشلار خطى هنري برجسون حول الزمن النفسي العابر للسايكولوجيا يرى " الفلسفة النفسية لم تعد سوى فلسفة زمنية, ولم يعد التواصل هو تواصل الجوهر المفكر سوى تواصل الجوهر الزماني, إن الزمان حي والحياة زمانية, ولم يحدث هذا أبدا قبل برجسون أن تم وضع التعادل بين الوجود والصيرورة على هذا النحو " 2
هل هذا الفتح التمجيدي لبرجسون يستحق مثل هذا الإطراء من باشلار الذي ليس في مكانه من الناحية الفكرية الفلسفية وليس من ناحية فيلسوف ينفخ في قربة فيلسوف آخر مثقوبة. عن آراء فكرية تحمل كل معوقات الإدانة في دحضها؟
لو نحن عدنا لما كنا أشرنا له سابقا في إعتبارنا حقيقة الزمان جوهرا كليّا مطلقا- نحن نتناول الزمن ليس من منظور علمي فيزيائي نسبي كما توصله انشتاين في النسبية العامة 1915- لا متناهيا متحررا من ملازمته النفس التي هي جوهر فيزيائي تدرك تمظهراتها الإفصاحية النفسية المرتبطة إرتباطا وثيقا مع الوعي القصدي السلوكي تحت رقابة العقل, وترتبط بسايكلوجيا الشعور واللاشعور سواء في التعامل السلوكي خارجيا في تخارج متبادل مع العالم الخارجي أو داخل جسم الانسان في الاستجابة تلبية لرغائب الاحاسيس التي تستشعرها النفس داخليا وتنقلها للدماغ في وجوب إشباع الايعازات الاجرائية.. .
بهذه الوظيفة البايولوجية للنفس التي هي تملّك تجريد زماني وتملّك تجريد إدراكي وتملك تجريد تعبيري ايضا عن كل ما يعزز وجودها على صعيدي الواقع خارج جسم الانسان كسلوك وعلى صعيد الواقع الاستبطاني داخليا في تلبية إشباع غرائز الجسم.
النفس كوجود مادي وليس كتجريد نفسي خارج محدودية السلوك الواقعي المترتب وظيفيا على النفس بإعتبارها وعيا قصديا ماهيته الجوهرية هو السلوك ضمن مجتمع, ومخرجات النفس السلوكية والأخلاقية والعاطفية هي تداعيات من شعور يمتلك وعيه القصدي ممتزجا مع لاشعور لا يحدّه منطق فلسفي تجريدي إلا من خلال التعبير عن نفسه سلوكيا أو تفكيرا خياليا, والنفس ليست سايكولوجيا تدرك إفصاحاتها عقليا قبل ترجمة ما تملكه في تعاملها مع الواقع. هذا التحقق الاصيل لجوهر النفس هو زمان فلسفي نفسي خارج معاملة الزمان بمنطق رياضي صارم يماليء منطق التفلسف في طواعية على حساب سيولة مخرجات النفس السلوكية قاطبة.
برجسون والعدم
" يرى باشلار أن فكرة العدم هي في نهاية المطاف أغنى من فكرة الوجود للسبب التالي – والكلام لباشلار - هو أن فكرة العدم لا تتدخل ولا تتبلور إلا بزيادة وظيفة إضافية للإعدام على شتى الوظائف التي نطرح الوجود بواسطته ونصنّفه ."3
ويضيف ايضا " وفكرة العدم البرجسوني تعتبر وظيفيا أغنى من فكرة الوجود.". في تعريف سابق لي منشور عن العدم أن العدم لا يتقدمه وجود ولا يعقبه وجود ولا يتوسط موجودين لا بالفراغ ولا بالامتلاء, بل هو عملية إفناء يلازم كل موجود في الوجود. عليه برأيي الشخصي كلمات باشلار لا تمتلك حجّة الإقناع الفلسفي خاصّة إعتباره العدم أغنى من الوجود قيمة وظيفية ولا نعرف ماهيّة هذه الوظيفة خارج حقيقة العدم أنه لاشيء... العدم هو اللاشيء الذي يفني كل شيء حي, ولا يعدمه شيء.
العدم بإجماع فلسفي هو ليس جوهرا مدركا لا ممتلئا ولا فارغا, العدم هو مطلق إفنائي بلا محدودية ولا تعريف أنه اللاشيء. ولا يحدّه إدراك زمكاني, فكيف يرغب باشلار على لسان بريجسون تحميل العدم بما لا يستطيع الوجود حمله من إمتلاء غني؟ كيف يصبح العدم حمولة مكتنزة موجودية وظائفية هي في نهاية المطاف عند برجسون وباشلار هي أكثر بقاءا وغنى بالقياس لحمولة أي موجود مادي عياني؟ الوجود هو ما نعيشه وليس ما نتخيله, والوجود يكتنز بموجوداته المحتواة فيه ماديا وهو ما لا يتوفر للعدم أن يكون أكثر حمولة موجودية في التعبير عن الحياة بمصادرة حقيقة الوجود الجوهرية.
كل تصور فلسفي يعتبر العدم (فراغا) قابلا للاحتواء فيه يمكن إدراكه بحمولة امتلاءاته هو كلام فارغ لا معنى له بل وسذاجة فلسفية. فالعدم ليس فراغا وجوديا قابلا لتحديده أنطولوجيا ليكون مستودعا خزنيا لإمتلاءات موجودية مادية وخيالية, وليس عدما يركب ظهر كل موجود ويحكمه بحتمية الموت والفناء.
العدم هو اللاشيء الذي يمكننا إدراك نتائجه الإفنائية للاحياء فقط, ونعجز عن إدراكه لا ماديا ولا تجريدا ولا نفسيا, ولا يتّخلق عن العدم وجود محدود ولا وجود مطلق.العدم ليس وجودا بل هو فائض وجود سلبي طاريء على كل موجود حي لوصول حتمية إفنائه.العدم دلالة عن وجود وهمي غير موجود لا في الحياة ولا في مطلق الكون.
واذا ما كان العدم حسب برجسون أو باشلار لا فرق بينهما (جوهرا) ممتلئا بأكثر مما يحتويه الوجود, فبأي منطق فلسفي يتاح لنا تصويب هذا الإدعاء؟ وإذا ما كان العدم جوهرا ممتلئا بأكثر من حمولة الوجود, فأين نضع فذلكة هيدجر متسائلا حين وضع العربة أمام الحصان قوله : لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟ بهذا التساؤل الهيدجري يلمّح الالتقاء بنفس الفهم الذي عبّر عنه باشلار من بعده. لماذا كان الوجود ولم يكن العدم ؟ تساؤل هيدجر هذا هو هروب الى أمام من مواجهة الاجابة وتوضيحه على شكل تساؤل مراوغ لا يعرف خلاص عدم قدرة الاجابة عنه. هذا الافتراض غير المنطقي الذي يقاطع منهج الفلسفة قبل حقيقة رفض العقل التفتيش عن إجابة مقنعة لفرضية إفتعالية لا معنى لها.
لنتخيّل هذه الفرضية التي بلا معنى التي أثارها فاتح الفتوحات الفلسفية هيدجر أن العدم يحضر بدلا من الوجود فبأي معنى يكون وجود الطبيعة والانسان في جميع تعالقاتهما بالحياة؟
أنا ليس عجبي طرح عبارة ساذجة صادرة عن فيلسوف لخبط كثيرا بالفلسفة في كتابه (الكينونة والعدم) في محاولته مزاحمة كتاب سارتر (الوجود والعدم). وتلقى هيدجر الاجلال والتبجيل العربي وغير العربي الأحمق في كتابة الاطاريح الجامعية في تحميل الكتاب ماليس به من فوضى مصطلحية وفوضى مفاهيمية, بل ما أعجب له هو معاملة هذه السخافات الهيدجرية عندنا عربيا على طريقة ملابس الامبراطور الجديدة ولم نسمع طفلا يصرخ ببراءة وسط حمقى لا يسمعون أن الامبراطور عاريا. أليس من السذاجة تمرير أن العدم إمتلاء أكثر مما يمتليء به الوجود, وكأنما حالنا يوجب علينا الاهتمام إحصاء عدد قتلانا بمعركة طاحنة ونتبّرك بعدد الناجين القلائل السالمين من الموت.
نكمل مع الحاصل على جائزة نوبل الفيلسوف برجسون عن الجوهر هذه المرة قائلا :" الجوهر المنظور اليه بوصفه جملة إمكانات يعتبر غير قابل للنفاد, فالممكن لا يفشل أبدا من حيث هو ممكن لأنه يظل ممكنا, والمرجّح بصرف النظر عن النكسات أو النجاحات, فإن المرجّح الموزون جيدا من حيث هو مرجّح إنما يحتفظ دائما بقيمته الصحيحة " ص 18
اذا كان المقصود بهذه الاجترارات في تقيوءاتها الهضمية المعبّر عنها بتهويمات لغوية لا يلجمها عائق عن الهذيان ويوقفها, فمتى وكيف يمكننا الجزم أن الجوهر بوصفه جملة إمكانات غير قابل للنفاد, وكيف لنا إثبات الجوهر يمتلك طاقة لا محدودة لا تنفد, فهل المقصود بالجوهر هو كل عصّي على التصّور الإدراكي منه سواء ماكان ماديا أو كان تصورّيا خياليا تجريديا؟ ومتى كانت النفس أو العدم أو أي مصطلح فلسفي غيرهما يخص الانسان والطبيعة يقاس بمعيارية الجوهر الذي لا يدركه العقل؟ كما ولا تدركه النفس ايضا. الجوهر كمحتوى وجودي إفتراضي في الاشباء لم تتم البرهنة على وجوده إدراكيا, كذلك الجوهر ميتافيزيقا بدلالتها نفهم الوجود لم تثبت هي الاخرى صحتها فعن أي جوهر يتحدثون؟
متى كان الجوهر يسبق الوجود الإدراكي لكينونة الموجود ويملأ الفراغات؟ ومتى كان الجوهر هو ماليء الفراغات في الوجود ؟الجوهر يكون أو لا يكون وفي كل الافتراضين هو مقولة لم يتحقق توضيح ما هو المعني بها تحديدا كمصطلح وليس كمفهوم..
الجوهر يستبق الوجود الطبيعي والكوني معا حينما يكون جوهرا ازليا يمتلكه الله وحده كما ذهب له اسبينوزا معتبرا الوجود يعرف بدلالة الجوهر وليس العكس أن نعرف الجوهر بدلالة الوجود ونفتش عنه إبرة ضائعة وسط جبل من القش..
على صعيد الانسان والطبيعة, فالانسان وحده يمتلك جوهرا إستثنائيا كنوع عن جميع موجودات الطبيعة, وجوهر الانسان لا يسبق موجوديته الانطولوجية. الجوهر الذي يسبق الوجود كما في مذهب وحدة الوجود لدى اسبينوزا, هو جوهر إلهي إيماني غير موزّع جوهره ولا صفاته على موجودات الطبيعة كما يردد بعض أصحاب مذهب وحدة الوجود.
كل موجود بالطبيعة يحمل جوهرا دلاليا عن وجود الله. عندما نقول الله لا يوزع بعضا من صفاته ولا بعضا من ماهيته أو جوهره على موجودات الطبيعة للبرهنة الاستدلالية على وجوده الايماني, فهو لسبب نعقله لا يحتاج البرهنة على خطئه.
من حيث أن الجوهر الإلهي الازلي لا يجانس ماهويا الجواهر المادية التي يمكن للعقل الانساني إدراكها في حال التاكد من وجودها وراء صفات الموجودات في الطبيعة. حسب إعتقادي لا يوجد كائن من مخلوقات ومكوّنات الطبيعة يمتلك جوهرا هو غير صفاته الخارجية ما عدا الانسان الذي يمتلك قابلية تصنيع جوهره الخاص ولاصفاته الخارجية هي تعبير عن جوهره تمتلكه داخلها.
الانسان يمتلك جوهرا وصفات بخلاف كل موجودات الطبيعة من حيوان ونبات وجماد لا يمتلكون غير الصفات الخارجية التي يدركها الانسان. والشيء الذي سبق لي ذكره في غير هذا المقال أن اسبينوزا إعتبر إدراك الوجود بموجوداته لا يسبق الجوهر الأزلي الذي بدلالته غير الحسّية الإدراكية نعرف الوجود بحمولته من الموجودات.
لا يوجد على مستوى الطبيعة والكون والخالق سوى جوهران أحدهما يمتلكه الخالق وحده ولا يشاركه به أي موجود لا في الطبيعة ولا في غيرها والثاني يمتلكه الانسان فقط دون جميع كائنات الطبيعة من الاحياء كونه جوهرا يصنعه الانسان ذاتيا لنفسه وهو غير مدرك للعقل من غيره لأنه جوهر فردي إختلافي مصنوع على مستوى النوع.
الطبيعة في وجودها المستقل إنما يتم إدراكها بدلالة جوهر ألهي أزلي لا يدرك هذا الجوهر في موجوداته ولكن موجودات الطبيعة والانسان تدرك بدلالته.. وهذا حين يكون الجوهر مطلقا خالقا لموجوداته وبدلالة جوهره تعرف تلك الموجودات وهذا منهج منطقي ميتافيزيقي صرف في ازلية الجوهر إعتمده كما ذكرنا اسبينوزا في مذهب وحدة الوجود...
عجز الانسان إدراك بعضا من الجوهر الالهي موزعا موجوديا في الطبيعة أو مختزنا نورانيا في الله يقف على حافة إدراكه المتصوف يعتبر معجزة دينية قائمة بذاتها, لأن إدراك جزءا من جوهر إلهي في الطبيعة يقود الى إدراك ميزات جوهرية وصفات توصل لماهية وجود الخالق وإتاحة امكانية إدراكه بكماله الالهي وهو محال. تشييء الله او بعضا من صفاته غير المدركة غيبيا واسقاطها على الطبيعة طريقة تصوفية لا معنى لها.



#علي_محمد_اليوسف (هاشتاغ)       Ali_M.alyousif#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماهو الجوهر الفلسفي؟
- الوجود التمدد والنسيان
- الوجود التمدد والنقصان
- اللغة والمعنى
- الطبيعة وميتافيزيقا التديّن
- ثنائية الوجود / سارتر وهيدجر
- الصورة والكينونة / الادراك والزمن
- ميتافيزيقا الفلسفة
- الثنائية الوجودية /الماهية والوجود
- الحقيقة الفلسفية / الوهم والواقع
- التفكيكية في اللغة والنص استراتيجية زائفة
- التسليع اللاانساني للحياة المعاصرة
- التفكيكية وهم المعنى باللغة
- النقصان والوجود
- مداخلات فلسفية
- الصورة والمحتوى / الحس والادراك
- اغتراب اللغة في الصوفية والتفكيكية
- التوسير ومحولة الاجهاز على كتاب راس المال
- التوسير والماركسية
- التحقيب والقطوعات في الزمن


المزيد.....




- اجتماع رباعي في نيويورك.. ماذا بحث وزراء خارجية مصر والسعودي ...
- مجموعة السبع تندّد بهجمات الحوثيين على السعودية.. بريطانيا و ...
- ماكرون يسير في شوارع نيويورك المزدحمة باتجاه برج ترامب
- أجهزة أميركية تتولّى تأمين الرئيس الإيراني في نيويورك.. هل ت ...
- فرنسا تبدي استعدادها لحماية منشآت الطاقة السعودية
- -مصر تستفيد من حرب السودان ومعركة يوم القيامة-؟.. خبراء مصري ...
- الشرع يتخلى عن الكرسي
- بزشكيان في ديار ترامب.. هل يتكرر -مشهد السادات- بنسخة إيراني ...
- OpenAI تضيف أداة تتبع إلى ChatGPT تراقب تصفحك خارج التطبيق
- الخارجية الروسية: لافروف يلتقي روبيو غدا الأربعاء


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي محمد اليوسف - جاستون باشلار الزمن والنفس