علي محمد اليوسف
كاتب وباحث في الفلسفة الغربية المعاصرة لي اكثر من 22 مؤلفا فلسفيا
(Ali M.alyousif)
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 20:11
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
رفض سارتر النزعة الايمانية الوجودية في تحديد علاقة الماهية بالوجود التي يعتمدها الفلاسفة غير الالحاديين, وهي نفس المفهوم في لاهوت معظم الديانات التي منها الاديان التوحيدية السماوية الثلاث الموزعة في عالمنا اليوم. في اعتبار الاديان الابراهيمية الثلاث وفلاسفتها ان الله هو ماهية تسبق وجوده, وطرح سارتر البديل الالحادي في نقل الخلاف من الالهي السماوي الى صعيد الوجود الانساني الارضي , بدلا عن هذا الطرح الايماني الميتافيزيقي اللاهوتي المعلق في سماء الغيبيات,مؤكدا انه لا وجود لكائن ارضي او غير ارضي يسبق وجوده ماهيته سوى الانسان. وان وجود الانسان هو ماهيته, وفي نفس المنحى ذهب هيدجر مؤكدا مركزية الوجود الانساني,وان الانسان هو ماهيته, وبذلك تملّص من الزام سارتر قوله الوجود يسبق الماهية الانسانية .مؤكدا – هيدجر – بانه لا وجود يسبق ماهية الانسان, وانما لدينا وجود واحد فقط هو الانسان الذي تتداخل فيه الماهوية والوجود في تناوب افصاحي متداخل, ولا اسبقية ولا افضلية احداهما(الوجود او الماهية) على الاخرى.(ان هيدجر لا يؤمن بالماهية ولا بالوعي المنفصل عن العالم,فالانا لا توجد منفصلة عن العالم, ولا وجود لذات بلا عالم , فهي وجود- مع – العالم(10) .ومن الجدير بالذكر كما المحنا له سابقا , ان انكار ماهية الخالق او الاقرار بها كما هي في وجوده او عدمه لا اهمية فلسفية كبرى يترتب على نتائجها شيئا حتى على صعيد الفلسفة, فكلا الرأيين ميتافيزيقيين عاجزين عن اثباتهما (الوجود والماهية) ومعرفتهما لا عند الوجوديين الملحدين ولا عند الوجوديين المؤمنين. وان المفهوم هو محض جدل فلسفي ميتافيزيقي لا يرتّب عليه شيئا لا معرفيا فلسفيا, ولا ايمانيا دينيا عقليا. واعتبره الفلاسفة من مباحث الميتافيزيقا التي لاطائل منها ولا تقود الى نتائج يمكن الركون لها او التسليم بها.
حين يؤكد هيدجر ان الانسان ماهية متداخلة بوجوده ولا افضلية او اسبقية بينهما, فانه بذلك وعوضا عن هذه الاشكالية يقول ان الانسان يختلف عن باقي الموجودات في انه يمتلك (ماهية ديناميكية ), وفي هذا الرد الفلسفي الذكي يدحض المستمسكين بان الله ماهية ثابتة مستقلة بذاتها , كونها ماهية لا يمكن ادراكها او التحقق منها من جهة, وهي ثابتة ساكنة مكتفية كوجود بذاته لنفسه ان وجدت عند غير الانسان من جهة اخرى,ماهية بذاتها ولذاتها فقط, ولا علاقة مادية للانسان بها لا في الادراك الواقعي ولا الخيالي او الايماني بها, ولا بوجودها بالطبيعة ايضا في غير صفات موضوعة سلفا من قبل الانسان بما يرغبه ويتمناه متحققا على الارض او مرجوا مؤملا في جنة السماء. في حين ان امتلاك الانسان ماهية ديناميكية كما ذهب هيدجر تعني انه يمتلك وجودا مفارقا يتسّم بامكانية التعرف على خصائصه المنفتحة امام معرفة العالم لها. انها ماهية تفصح عن نفسها وتغني وجودها.وليس مهما لدى هيدجر اولويتها او اسبقيتها في وجود الانسان وانما المهم ان الانسان كينونة واحدة تحمل صفاتها الوجودية وماهيتها الجوهرية معا , ولا معنى مهم التفريق بين الماهية والوجود.
ماهية الانسان الديناميكية والوجود:
ان في طرح هيدجر الانسان يمتلك ماهية من نوع ديناميكي تبطل الجدل الوجودي حول اشكالية اسبقية الماهية على الوجود او العكس, في حضور ابجدية فلسفية بديلة ان ماهية الانسان هي وجوده,وكينونيته في جوهره المتداخل بها, كما ان هيدجر يذهب ابعد من ذلك في مقولته ان الانسان يمتلك خاصية ماهوية متفردة (ديناميكية) تمنحه وجودا خارج ذاته (ان ماهية الانسان هي وجوده خارج ذاته في العالم ,وهذا الوجود ليس مجرد الواقع التجريبي )(11). وان هيدجر يعتبر الانسان ليس وجودا بحاجة الى اثبات ماهوي , فالانسان هو الانسان كوجود طبيعي نوعي في خواصه الماهوية , كما ان الطبيعة هي الطبيعة في وجودها وكيفياتها الصفاتية غير المحدودة . وكلاهما الانسان والطبيعة معطى وجودي لا يحتاج التحقق من وجودهما او احدهما (ماهويا) خارج مدركات الحس والعقل في وعي الذات ووعي الطبيعة والعالم لهما في عملية تخارج جدلي يجعل من التنوع وحدة قائمة بذاتها هي الوجود في صفاته لا في محاولة معرفة جواهره وهذه هي محور ارتكاز فلسفة هوسرل في الفينومينولوجيا. لا يتسع المجال توضيح مفهوم هيدجر ان الوجود الحقيقي عنده ليس الذي نعيشه في الاندماج بالكلية (الناسية) اي المجتمعية, في نسيان الوجود. رغم كل التاكيدات التي مررنا بها بضوء تعبيراته انه لا وجود لذات حقيقية لا تعي وجودها بعلاقة مع الاخر, اي الانسان الاخر او الموضوع او الاشياء في العالم الخارجي, في تناغمه مع الاستجابة المشروطة التي رفعها استاذه هوسرل انه لا وجود لحقيقة ذاتية وجودية ما لم تكن في محمولاتها الهدف او ما اطلق عليه(القصدية) وفي نفس الوقت معارضة سارتر ان الوجود قلق عدمي مسكون به الانسان منذ ولادته وحتى نهايته الفانية المحكومة بحقيقة الموت..
كانط وبداية الخروج على الميتافيزيقا
ان اروع عبارة في هذا المعنى وردت عن كانط قوله ( ان الوجود لا يستخرج من الفكر ) وبهذه العبارة نسف كانط مثالية هيجل الجدلية التي سنأتي عليها لاحقا والتي اراد هيجل تحسينها فاوقعها في فخ المثالية الديالكتيكية على صعيد الفكر فقط, والتي اعاد لها الحياة بشكل مادي صحيح كلا من فيورباخ وماركس. , كما نسف كانط بعبارته تلك الميتافيزيقا, واخيرا أبطل مفهوم المثالية ان تكون الافكار المجردة بمستطاعها توليد وخلق الموجودات كما في الكثير من مدارس الفلسفة المثالية وفلاسفتها الذين يعتبرون الوجود واقع تصوري في الذهن من غيره لانعرف الاشياء ولا ماهيتها او صفاتها , وليس وجودا مستقلا عن الفكر. وان عبارة كانط التي مررنا بها مهدت الطريق امام الماركسية في تطبيق جدلها المادي على الانسان والطبيعة والتاريخ, وليس الجدل المثالي الفلسفي الفكري المجرد كما فعل هيجل .
انه لمن المهم التذكير به ان اللغة قرينة الخيال , اكثر مما هي قرينة الواقع غير الملازم لها ادراكيا خياليا. فالواقع لا يدركه الخيال ذهنيا بل هو يعبر عنه لغويا في حال الحاجة والضرورة التعريف به. عليه تكون اللغة هي خيال يدرك المواضيع والاشياء عقليا و بطريقتين في التلقي له , الاولى ان يكون التفكير بموضوع ما بلغة حوار داخلي (دايلوك) تحتويها الذات المفكرة خياليا اكثر مما تعني الموجودات والاشياء كوقائع وجودية مستقلة, بما هي موضوعات واقعية يدركها العقل كوجود محايث لوجودها المادي. وبحسب تعبير هيراقليطس (ان الفكر والفلسفة كلاهما يستلزمان وجود اشياء خارجة عنهما) بمعنى ان الفكرلا يداخل موضوعه في وحدة اندماجية واحدة كما في تعبير هوسرل ان الفكر والموضوع شيء واحد ولا مجال الفصل بينهما الذي ناقشناها في القسم الاول من هذه الورقة.بنفس المعنى يذهب سارتر قوله (الوعي هو وعي الاخر الموجود المغاير للوعي) والمغاير للوعي هنا هو الموضوع والاشياء والانسان الاخر, فالذات لا تعي ذاتها ولا موضوعها الا بالتمايز عن الشيء المفكر به وهو الموضوع.فالذات لا تعي وجودها بلا موضوع, والموضوع لا يكون وجودا متعينا بغير ذات تدركه.هنا يجب علينا التنبيه ان تموضع اللغة في التعبير عن وجود الاشياء لا يعني خلق تلك الاشياء, كما تذهب السذاجة بالبعض ان اللغة تخلق موضوعاتها, والعكس هو الصحيح ان الاشياء والموجودات المنوعة في الطبيعة هي التي تمنح اللغة قدرة الافصاح والتعريف بها, لا قدرة خلقها قبل ادراك العقل (الدماغ) لها ومعالجته لاسباب وجودها وتحديد صفاتها.
الثانية ان واقع الاشياء لا يمكن التعبير عنها انطولوجيا من غير واسطة تعبيرية قد تكون اللغة او طرق غير اللغة باساليب مختلفة تستغني فيها عن لغة الاشياء التداولية, كمثل التعبير عن الجمال والفنون والقيم التي لاتحتاج اللغة وسيطا ملزما في معرفة الاشياء المتعالقة معها , وايضا لا ضرورة اللغة الملزمة في جميع الطقوس الدينية التي لا تحتاج اللغة المنطوقة , بمقدار حاجتها الى لغة حوار داخلي فكري لا يستلزم بالضرورة الطقسية الدينية اللغة المنطوقة المسموعة تواصليا كدلالة.
علاقة الفكر بوعي الذات والموضوع :
عندما يقول ديكارت في التأملات السادسة ( ان ماهيتي انحصرت في اني شيء مفكر او جوهر كل ماهيته وطبيعته ليست الا التفكير فقط )(12) . ونجد قبل تعقيبنا على هذا نجد ان سارتر يقول ( ان الكيفية لا تصبح موضوعية اذا كانت اصلا ذاتية)(13) .في مقارنة بسيطة بين الاقتباسين عن ديكارت وسارتر السابقين نجد بديهة منطقية ذكرناها قبل سطرين هو استحالة ان يكون الموضوع ذاتا في نفس ان يكون الذات موضوعا في وعي وادراك الانسان فقط, فالعقل يعقل نفسه كذات واعية مدركة لمواضيعها المستقلة,ومتى ما اصبح الموضوع متداخلا في الذات في وحدة اندماجية عندها يتعذر على العقل تمييز(كيفيتهما) المتمايزة بضوء تفسيرنا لعبارة سارتر اعلاه.وهناك العديد من الفلاسفة من يقول الذات والموضوع شيء واحد,و لا يمكن الفصل بينهما كما هو تفسير علاقة الذات بالموضوع عند هوسرل.
كما يتضح لنا ان جوهر الوجود الانساني عند ديكارت انه كائن مفكر قد يكون تفكيره ذهنيا غير معّبر عنه في فهم الواقع لا كمتعين مادي ولا تعريف به لغويا مرموزيا اشاريا او صوريا, اي يكون التفكيرالديكارتي هو فقط من اجل اثبات الوجود السلبي غير الديناميكي للوعي الذي يطالب به هيدجر.تفكير لذاته مكتفيا به (نومين يعني الشيء في ذاته) , مما جعل هوسرل يتساءل بدهشة لكن تفكير ديكارت بماذا؟ اي ما اراده هوسرل انه يتوجب الافصاح بماذا يفكر الانسان في اثبات وجوده غير السلبي, وتساؤل هوسرل يحمل قيمة حقيقية له في ادانته كوجيتو ديكارت, استعارها هيدجر في قوله ان الوجود الحقيقي ليس في ادراك وعي الذات السلبية بالتفكير المجرد في حوار داخلي, بل في ديناميكية هذا الوجود. لان التفكير غير المعلن عنه تواصليا بالواقع او بموضوع معين, انما هو اساس تفكير عقلي في وعي الانسان لذاته قبل وعيه الموضوع المستقل عنه, ولما كان التفكير خاصية انسانية دينامية عقلية, لذا يكون العقل يعقل ذاته قبل ان يعقل بالتفكيرالذهني موضوعا مستقلا عنه , والاهم يصبح حقيقة العقل انه لا يعقل العالم الخارجي من غير موضوع يكون مادة العقل بالتفكير.
نرى من المهم الاشارة الى تعالق فهم سارتر في تاييده هوسرل والانفصال عنه كما في هذه العبارة :(يجب ان نتجاوز انا افكر الى انا افكر في شيء ما, والوعي لا يكتفي ان يكون منفردا) , والوعي يوجد حيث يتوجب تفكيره بشيء مغاير,( والوعي عند سارتر لا يحدث الا بتمثله شيئا غريبا عنه, والوعي وموضوعه وحدة واحدة مترابطة, لا يقف الفكر عند انا افكر, وانما بالذهاب الى ما يقصده الوعي من اشياء)(14) .
, وربما يكون هذا التفكيرالديكارتي في وعي الذات وحتى الموضوع هو دايلوك او حوار داخلي لا صلة له بالخارج الواقعي الذي يمكن ادراكه من قبل الاخرين , ويقلل سارترايضا من ادعاء ديكارت المكابر في اثبات الوجود في اعتماده فاعلية التفكيرفقط في وعي الذات واثبات الوجود , بان (الكيفية) هي احدى صفات الذات الفطرية التي لا تحتاج الى اثبات فهي الوسيلة الوحيدة في اثبات ماهية الوجود الانساني , بمعنى ادانة ديكارت في اثبات وجوده بوعي ذاته فكريا تجريديا فقط, بنفس الوقت اجاب على تساؤل هوسرل عندما اعتبر التفكير في اثبات الوجود عند ديكارت هو (وعيه لذاته ) فقط في تجريد غير فاعل بالحياة , وهذا غير ممكن خارج الغاء ديكارت العالم الخارجي ان يكون التفكير مدركا عقليا به لتغييره في اعتبار الوجود الانساني حسب هيدجر لايمتلك ماهية ديناميكية منتجة وحسب , وانما في وجوده كصانع لذاته وصانع لموضوعاته معا حسب سارتر , بل ان وجود ديكارت الذي تعيّن بارتباطه في اثبات الوجود المفكر لذاته فقط , هو وجود سلب لا يحمل اية دلالة ديناميكية لافي ذاته ولا في امكانيته تبادل التأثر والتأثير في العالم الخارجي.ومأخذ سارتر على ديكارت هي لا تشبه حجة هوسرل التي ناقشناها قبل اسطر, اذ استعار سارتر عن الماركسية, بان الفكر المجرد الذي لاصلة تربطه بالواقع جدليا غير ذات قيمة تذكرله, قائلا (الجدل يصنع الانسان بنفس وقت صناعة الانسان ذاته). وفي عبارة كانط التي مررنا بها باننا يجب ان لانعوّل ان الافكار بمستطاعها خلق الاشياء والموجودات, وهي عبارة تدخل في صلب الفهم المادي. واضاف سارتر بضوء هذا الفهم الديكارتي في علاقة الذات بالتفكير , الرد عليه مامعناه ,ان تكون الكيفية غير موضوعية اذا كانت صفة للذات تتعالق مع الماهية الانسانية غير المدركة عقليا واقعيا,لكن متى ما تم التعريف بها بصفاتها الطبيعية (لغويا) خارج وجودها الذهني فقط او حتى بوسائل غير اللغة, عندها تكون الذات موضوعا لا يدرك ذاته منفصلا عن مصدره, ويتعين وجودا(موضوعا) بالنسبة للمصدر الذي صدر عنه اي في وعي الذات موضوعها كما مر بنا, او كناتج فكري لغوي متعين موضوعا يمكن ادراكه بالنسبة للاخرين الذين يجدونه موضوعا متعينا عبّرت عنه اللغة , او اية واسطة تداول تواصلي تجعله مدركا موضوعيا لغيره, وليس وعيا بذاته فقط.لا قيمة للموضوع ولا للشيء بدون ادراكه بالفكر عقليا والتعبير عنه باللغة عقليا ايضا.
#علي_محمد_اليوسف (هاشتاغ)
Ali_M.alyousif#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟