|
|
الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية
سمير أبومدللة
الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 15:55
المحور:
القضية الفلسطينية
■ مقدمة 1- الإقتصاد الفلسطيني قبل العدوان 2- الآثار الإقتصادية للعدوان على الإقتصاد الفلسطيني 3- إقتصاد قطاع غزة في ظل العدوان الإسرائيلي 4- إقتصاد الضفة الغربية في ظل العدوان الإسرائيلي 5- مقارنة تحليلية بين قطاع غزة والضفة الغربية 6- إستنتاجات وتوصيات ■ خاتمة أيلول (سبتمبر) 2026
مقدمة ■ يمثل الإقتصاد الفلسطيني إحدى أكثر التجارب الإقتصادية تعقيداً في العالم، إذ يعمل منذ عقود في ظل ظروف إستثنائية فرضها إستعمار إستيطاني قَيَّد حركة الأفراد والبضائع ورؤوس الأموال، وأحكم سيطرته على المعابر والحدود والموارد الطبيعية، ما أدى إلى الحد من قدرة الإقتصاد الفلسطيني على بناء قاعدة إنتاجية مستقلة، أو تحقيق معدلات نمو مستدامة. وأسهمت هذه القيود في ترسيخ إختلالات هيكلية عميقة، تمثلت في ضعف الإستثمار وإرتفاع الإعتماد على الواردات وتراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية، فضلاً عن الإعتماد الكبير على المساعدات الخارجية، وإيرادات المقاصة، وتحويلات العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل. ■ مع تصاعد حرب الإبادة الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023 وإستمرارها خلال عامي 2024 و2025، دخل الإقتصاد الفلسطيني مرحلة غير مسبوقة من التدهور، إتسمت بإنهيار واسع في النشاط الإقتصادي، خاصة في قطاع غزة الذي تعرض لدمار هائل طال البنية التحتية والمنشآت الصناعية والتجارية والزراعية، إضافة إلى المرافق الصحية والتعليمية وشبكات المياه والكهرباء والإتصالات، وهو ما أدى إلى توقف معظم الأنشطة الإنتاجية والخدمية، وتراجع قدرة الإقتصاد على الإستمرار في أداء وظائفه الأساسية. وفي المقابل، لم تكن الضفة الغربية بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ أدى تشديد القيود العسكرية وإغلاق المدن والقرى بالحواجز ومنع آلاف العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل إلى تراجع النشاط الإقتصادي بصورة ملحوظة. ■ كما ساهم إستمرار إحتجاز أجزاء من أموال المقاصة في تفاقم الأزمة المالية للحكومة الفلسطينية وإنعكس ذلك على مستويات الإنفاق العام والإستثمار والخدمات الأساسية، ما أدى إلى إرتفاع معدلات البطالة والفقر وتراجع القوة الشرائية للأسر الفلسطينية. إن أهمية دراسة هذه التطورات لا تقتصر على رصد حجم الخسائر الإقتصادية المباشرة فحسب، وإنما تمتد إلى تحليل الآثار الهيكلية طويلة الأجل التي أصابت الإقتصاد الفلسطيني، إذ أن الحروب لا تقتصر آثارها على تدمير الأصول المادية، وإنما تؤدي أيضاً إلى إستنزاف رأس المال البشري وتعطيل الإستثمار وإضعاف المؤسسات الإقتصادية وتراجع الثقة بالبيئة الإستثمارية، وهو ما يجعل عملية التعافي أكثر تعقيداً وإستغراقاً للوقت. ■ يندرج الإقتصاد الفلسطيني ضمن ما يعرف في الأدبيات الإقتصادية بـ«إقتصاد الصراع» أو «إقتصاد الإحتلال»، حيث تصبح القرارات الإقتصادية رهينة للمتغيرات السياسية والأمنية، وتفقد السياسات الإقتصادية قدرتها على تحقيق أهدافها التقليدية المتعلقة بالنمو والإستقرار والتشغيل. ومن منظور الإقتصاد السياسي، لا تكفي قراءة هذه الظواهر بوصفها نتائج عَرَضية للحرب، بل ينبغي النظر إلى العلاقة بين الإحتلال والإقتصاد باعتبارها علاقة بنيوية تتداخل فيها أدوات السيطرة السياسية والأمنية مع أدوات التحكم الإقتصادي؛ فالسيطرة على الحركة والتجارة والموارد والأرض والمياه والمعابر، إلى جانب التحكم في جزء أساسي من التدفقات المالية والتجارية، تحد من المجال المتاح أمام الإقتصاد الفلسطيني لإتخاذ قرارات مستقلة وبناء مسار تنموي متماسك. ■ يقوم هذا النمط من السيطرة على تحويل الإقتصاد من مجال يمكن أن تتراكم فيه القدرة الإنتاجية الفلسطينية إلى مجال شديد الحساسية والتأثر بالقرارات والإجراءات الإسرائيلية؛ وعندما يصبح الوصول إلى الأرض أو المياه أو الأسواق أو العمالة أو المدخلات الإنتاجية مرتبطاً بإجراءات وتصاريح وحواجز وإعتبارات أمنية، فإن المخاطر لا تعود إقتصادية فحسب، بل تصبح جزءاً من بنية صنع القرار الإقتصادي نفسه؛ وقد وثقت تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي أن القيود على الحركة والتجارة والوصول إلى الأرض والموارد الطبيعية، إلى جانب التوسع الإستيطاني، أضعفت القدرة الإنتاجية الفلسطينية ورفعت تكاليف النشاط الإقتصادي وأعاقت الإستثمار. وتتخذ هذه البنية صورة أكثر وضوحاً في مسألة الموارد الطبيعية. فالأرض ليست مجرد أصل عقاري، وإنما قاعدة للإنتاج الزراعي والصناعي والعمراني، والمياه ليست خدمة عامة فحسب، بل مُدخل إنتاجي أساسي للزراعة والصناعة والحياة اليومية؛ ومن ثم، فإن السيطرة على الأرض والمياه تعني، في التحليل الإقتصادي السياسي، السيطرة على جزء من شروط إنتاج الثروة الفلسطينية. ويضاف إلى ذلك إستمرار الإستيطان وتجزئة المجال الجغرافي والضم الفعلي لأجزاء من الأرض، بما يحد من إمكانية قيام سوق فلسطينية متصلة وقادرة على إستثمار مواردها بصورة متكاملة. ■ كما تكشف التجربة الفلسطينية عن أولوية واضحة للإعتبارات الأمنية في تحديد المجال الإقتصادي والسياسي. فبدلاً من أن تكون التنمية الإقتصادية شرطاً للإستقرار، يجري في كثير من الحالات التعامل مع النشاط الإقتصادي من زاوية أمنية أولاً، فتفرض القيود على الحركة والإستيراد والوصول إلى الأراضي والموارد حتى عندما تكون لها كلفة إقتصادية مباشرة على المنتج الفلسطيني. ويؤدي إستمرار هذه الأولوية إلى إضعاف الإستثمار والإنتاج وفرص العمل، ومن ثم إلى إتساع الفجوة بين الإمكانات الإقتصادية المتاحة فعلياً والقدرة على إستخدامها. ومن هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته «إفقار الإقتصاد مع الحفاظ على فرص التراكم الفردي»؛ أي أن إستمرار القيود وتراجع القاعدة الإنتاجية يؤديان إلى إتساع الفقر والبطالة والإعتماد على المساعدات على المستوى الجماعي، بينما تظل بعض الإنشطة المرتبطة بالإستيراد والوساطة والإحتكار والإستفادة من ندرة السلع قادرة على تحقيق عوائد مرتفعة على المستوى الفردي؛ ولا يعني ذلك أن كل نشاط تجاري يستفيد من الأزمة هو نشاط غير مشروع، وإنما يشير إلى إختلال بنيوي في توزيع فرص التراكم والثروة في إقتصاد يعيش تحت الحصار والقيود. وهذه المفارقة تستحق أن تكون جزءاً من قراءة الإقتصاد السياسي للحرب وإعادة الإعمار. ■ تشير نظريات «إقتصاد الصراعات» إلى أن النزاعات المسلحة تؤدي إلى تآكل رأس المال المادي من خلال تدمير البنية التحتية والمنشآت الإنتاجية، كما تؤدي إلى إضعاف رأس المال البشري نتيجة فقدان الأرواح وتعطل التعليم وإرتفاع معدلات البطالة والنزوح، الأمر الذي ينعكس سلباً على الإنتاجية والإستثمار والنمو الإقتصادي في المديين المتوسط والطويل. وتؤكد تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن التعافي الإقتصادي لا يتحقق بمجرد وقف العمليات العسكرية، وإنما يتطلب إعادة بناء البنية التحتية، وإحياء القطاعات الإنتاجية وتعزيز الثقة بالقطاع الخاص وتوفير بيئة مؤسسية مستقرة تشجع الإستثمار؛ إلا أن الحالة الفلسطينية تختلف عن معظم هذه التجارب بسبب إستمرار الإحتلال وعدم السيطرة الكاملة على الحدود والمعابر والموارد الطبيعية، وهو ما يجعل عملية إعادة الإعمار والتعافي الإقتصادي أكثر تعقيداً ويستلزم توافر مقومات سياسية وإقتصادية متزامنة لضمان تحقيق تنمية مستدامة■ ■■■ ■ نسعى من هذه الورقة إلى تحليل الآثار الإقتصادية التي خَلَّفها العدوان الإسرائيلي على الإقتصاد الفلسطيني خلال عامي 2024 و2025، من خلال دراسة إنعكاساته على قطاع غزة والضفة الغربية، وتحليل تأثيره في القطاعات الإنتاجية وسوق العمل والمالية العامة والتجارة والإستثمار، وصولاً إلى تقديم رؤية تحليلية لآفاق التعافي الإقتصادي والتحديات التي تواجه إعادة الإعمار خلال المرحلة المقبلة. ومن هذا المنطلق، تتعامل هذه الدراسة مع العدوان باعتباره عاملًا فاقم إختلالات إقتصادية سابقة، وليس عاملًا منفصلًا عنها، وتحاول الربط بين الخسائر المباشرة وبين الآليات الأوسع التي تحاصر الإقتصاد الفلسطيني وتضغط على قدرته على التكيف والنمو؛ ويساعد هذا المدخل على تفسير الفروق بين قطاع غزة والضفة الغربية، وفهم كيفية إنتقال الصدمة من مستوى المنشآت والإنتاج إلى سوق العمل والمالية العامة والإستثمار والقطاع المصرفي والإستهلاك، ثم إلى مستقبل إعادة الإعمار والتعافي. ■ تبرز أهمية هذا المنظور بصورة خاصة عند تحليل مرحلة ما بعد الحرب؛ إذ أن إعادة إعمار المنشآت وحدها لا تضمن بناء إقتصاد فلسطيني أكثر إستقلالاً إذا بقيت القيود التي تتحكم في الحركة والتجارة والموارد والإستثمار قائمة؛ لذلك، فإن التعافي الإقتصادي لا ينبغي أن يُقاس بسرعة إعادة بناء الأصول المدمرة فحسب، وإنما أيضاً بمدى إستعادة القدرة الإنتاجية وتقليل التبعية وتنويع مصادر الدخل وتعزيز قدرة المؤسسات والقطاع الخاص على إتخاذ قرارات إقتصادية أكثر إستقلالاً. ويأخذ الضغط الإقتصادي أشكالاً مختلفة بحسب الظروف؛ ففي قطاع غزة، أدى الحصار ثم العدوان إلى الإنتقال من تقييد النشاط الإقتصادي إلى تدمير واسع للقاعدة الإنتاجية والبنية التحتية وتعطيل سلاسل الإمداد، بينما إتخذ الضغط في الضفة الغربية بصورة أكبر شكل تقييد الحركة والتجارة والعمل والإستثمار، إلى جانب إستمرار أزمة أموال المقاصة؛ وبذلك تختلف أدوات التأثير، لكن النتيجة المشتركة تتمثل في إضعاف القدرة على الإنتاج وتوليد الدخل والإستثمار وتوسيع الإعتماد على الخارج. ■ وتتجسد هذه الآليات في التحكم في حركة التجارة والأفراد، والقيود المفروضة على الوصول إلى الموارد الطبيعية والأسواق، والإعتماد على الترتيبات التي تجعل الإقتصاد الفلسطيني شديد الإرتباط بالسوق الإسرائيلية، إضافة إلى إستخدام أموال المقاصة والعمالة الفلسطينية داخل إسرائيل كعناصر تؤثر في مستوى السيولة والدخل والطلب المحلي. وقد أسهم تراكم هذه العوامل في إضعاف قدرة الإقتصاد الفلسطيني على بناء قاعدة إنتاجية مستقلة، وجعله أكثر عرضة للصدمات الناتجة عن القرارات والإجراءات الإسرائيلية. من هنا، لا يمكن فهم مسار الإقتصاد الفلسطيني وآثار العدوان الإسرائيلي بمعزل عن الإطار الأوسع للإقتصاد السياسي للإحتلال، إذ أن السيطرة السياسية والأمنية على الأرض والمعابر والموارد وحركة الأفراد والبضائع ورؤوس الأموال تنعكس بصورة مباشرة على بنية الإقتصاد وقدرته على الإنتاج والإستثمار والنمو. ومن ثم، فإن القيود الإقتصادية لا تظهر فقط باعتبارها نتائج للحالة السياسية والأمنية، وإنما تعمل أيضًا كأدوات تؤثر في إتجاهات الإقتصاد الفلسطيني وتعيد إنتاج هشاشته وتبعيته■ (1) الإقتصاد الفلسطيني قبل العدوان ■ لم يكن الإقتصاد الفلسطيني قبل إندلاع العدوان الإسرائيلي الأخير إقتصاداً مستقراً أو قادراً على تحقيق نمو مستدام، وإنما كان يعاني من إختلالات هيكلية متراكمة فرضتها سنوات طويلة من الإحتلال والقيود المفروضة على حركة التجارة والإستثمار وإستغلال الموارد الطبيعية. وتبرز الموارد الطبيعية هنا كأحد أهم مفاتيح تفسير ضعف النمو الفلسطيني؛ فقد أظهرت دراسات دولية إن القيود المفروضة على الوصول إلى الأرض والموارد في الضفة الغربية، ولا سيما المناطق الغنية بالموارد، تقلص المساحة المتاحة للتوسع الزراعي والصناعي والعمراني، وتحد من قدرة القطاع الخاص على الإستثمار طويل الأجل؛ كما أن تجزئة الأراضي ووجود المستوطنات والطرق والقيود المختلفة على الحركة تحول دون بناء فضاء إقتصادي فلسطيني متصل. أما المياه، فتكتسب أهمية خاصة لأنها ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والصناعة والصحة العامة. ولذلك فإن السيطرة غير المتكافئة على مصادر المياه والبنية المرتبطة بها لا تؤدي إلى مشكلة خدمية فحسب، بل تفرض قيداً على إمكانات التنمية نفسها؛ وفي الإقتصاد السياسي للإحتلال، تصبح السيطرة على المياه والأرض وسيلة للتأثير في قدرة الإقتصاد الفلسطيني على إنتاج القيمة، وفي توزيع النشاط الإقتصادي بين المناطق والقطاعات. ويؤدي الإستيطان والضم ومصادرة الأراضي إلى أثر إقتصادي مزدوج: فمن جهة، تُحرم قطاعات فلسطينية من أصول إنتاجية يمكن أن تولد الدخل وفرص العمل؛ ومن جهة، أخرى يتوسع النشاط الإقتصادي المرتبط بالمستوطنات داخل المجال نفسه. وقد خلصت تقارير إلى أن التوسع الإستيطاني والقيود في المنطقة (ج) أسهما في إعاقة التنمية الفلسطينية، بينما أصبحت المستوطنات نفسها جزءاً من نشاط إقتصادي واسع يستفيد من الأرض والموارد والبنية التحتية المتاحة. ■ لقد أسهمت هذه العوامل في الحد من قدرة الإقتصاد على بناء قاعدة إنتاجية قوية وجعلته أكثر عرضة للصدمات السياسية والأمنية، بحيث أصبحت أي تطورات ميدانية تنعكس بصورة مباشرة على الأداء الإقتصادي ومؤشراته الكلية. وإعتمد الإقتصاد الفلسطيني خلال السنوات السابقة بدرجة كبيرة على قطاع الخدمات بينما تراجعت مساهمة القطاعات الإنتاجية ولا سيما الصناعة والزراعة نتيجة القيود المفروضة على إستيراد المواد الخام وصعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية وإرتفاع تكاليف الإنتاج والنقل. كما أدى غياب السيطرة الفلسطينية على المعابر والحدود إلى إضعاف القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية وزيادة الإعتماد على الواردات، ما ساهم في إتساع العجز التجاري وإستمرار التبعية الإقتصادية. ■ رغم تسجيل الإقتصاد الفلسطيني معدلات نمو متفاوتة في بعض السنوات، فإن هذه المعدلات لم تكن تعكس تحسناً حقيقياً في بنية الإقتصاد، إذ إرتبطت في معظمها بزيادة الإنفاق الإستهلاكي والمساعدات الخارجية أكثر من إرتباطها بإرتفاع الإنتاج أو الإستثمار. ولذلك بقي النمو الإقتصادي هشاً وغير قادر على إستيعاب الزيادة الطبيعية في القوى العاملة، أو الحد من معدلات البطالة والفقر، خاصة في قطاع غزة الذي كان يعاني أصلاً من حصار مشدد منذ عام 2007، أدى إلى تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي وإنخفاض فرص الإستثمار وإرتفاع الإعتماد على المساعدات الإنسانية؛ كما شكلت تحويلات العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل أحد أهم مصادر الدخل للإقتصاد الفلسطيني، إذ أسهمت بصورة مباشرة في دعم الإستهلاك المحلي وتحسين دخول آلاف الأسر، إلا أن هذا الإعتماد خلق في الوقت نفسه درجة عالية من الهشاشة الإقتصادية، لأن أي قرار إسرائيلي بتقييد حركة العمال أو منعهم من الوصول إلى أماكن عملهم كان كفيلاً بإحداث صدمة فورية في مستويات الدخل والطلب المحلي، وهو ما ظهر بوضوح مع إندلاع الحرب، عندما فقد عشرات الآلاف من العمال مصادر رزقهم خلال فترة قصيرة. ■ على صعيد المالية العامة، واجهت الحكومة الفلسطينية قبل الحرب تحديات متزايدة تمثلت في تراجع المساعدات الخارجية وإستمرار الإقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة التي تمثل المصدر الرئيس للإيرادات العامة. وإنعكس ذلك في إرتفاع العجز المالي وتأخر صرف رواتب الموظفين في بعض الفترات وتزايد الدين العام والمتأخرات المالية، ما حَدَّ من قدرة الحكومة على تنفيذ مشاريع تنموية أو زيادة الإنفاق الرأسمالي وركز الإنفاق العام بصورة متزايدة على تغطية الإلتزامات التشغيلية الأساسية. أما القطاع الخاص، فقد واجه بيئة إستثمارية تتسم بإرتفاع مستويات المخاطر وعدم اليقين نتيجة القيود المفروضة على الحركة والتجارة وصعوبة الحصول على التمويل وغياب الإستقرار السياسي، ما أدى إلى إحجام العديد من المستثمرين عن التوسع في مشاريع جديدة. كما تعرضت المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تمثل العمود الفقري للإقتصاد الفلسطيني لضغوط كبيرة بسبب إرتفاع تكاليف التشغيل وضعف الطلب المحلي، مما إنعكس سلباً على قدرتها على التوسع أو توفير فرص عمل جديدة. ■ وتوضح هذه المؤشرات أن الإقتصاد الفلسطيني دخل مرحلة ما بعد 7 أكتوبر وهو يعاني أصلاً من ضعف في مقومات النمو والإستقرار، ما جعل تأثير الحرب أكثر حدة وإتساعاً. فالحروب غالباً ما تضاعف آثار الإختلالات الهيكلية القائمة ولا تُنشيء أزمات جديدة فحسب، ولذلك لم يكن العدوان سبباً وحيداً للأزمة الإقتصادية، وإنما جاء ليعمق المشكلات المتراكمة ويحولها إلى أزمة إقتصادية شاملة طالت مختلف القطاعات الإنتاجية والمالية والإجتماعية في كل من قطاع غزة والضفة الغربية. وبذلك يمكن القول أن فهم الآثار الإقتصادية للعدوان يتطلب النظر إلى الواقع الإقتصادي الفلسطيني قبل الحرب لإن حجم الخسائر اللاحقة إرتبط بدرجة كبيرة بمدى هشاشة الإقتصاد قبل إندلاعها، وهو ما يفسر سرعة الإنكماش الإقتصادي وإتساع تداعياته خلال عامي 2024 و2025■ (2) الآثار الإقتصادية للعدوان على الإقتصاد الفلسطيني ■ شكل العدوان الإسرائيلي خلال عامي 2025 – 2024 نقطة تحول مفصلية في مسار الإقتصاد الفلسطيني، إذ تجاوزت آثاره حدود التباطؤ الإقتصادي المعتاد في فترات الأزمات، لتصل إلى مرحلة الإنكماش الحاد الذي طال مختلف القطاعات الإقتصادية والإنتاجية. ولا يمكن فصل الصدمة الإقتصادية الناجمة عن الحرب عن هذا السياق البنيوي؛ فالإقتصاد الذي يدخل الحرب وهو مقيد في حركته وتجارته، ووصوله إلى موارده يكون أقل قدرة على إمتصاص الصدمة وأكثر سرعة في فقدان قدرته الإنتاجية؛ لذلك، فإن تدمير منشأة إنتاجية في إقتصاد مستقل يختلف في أثره عن تدميرها في إقتصاد يعاني أصلاً من محدودية الوصول إلى الأرض والموارد والأسواق؛ ففي الحالة الثانية تصبح عملية التعافي أكثر إعتماداً على الخارج وأكثر تعرضاً للتحكم في مساراتها. ومن هذا المنظور، فإن الحصار والقيود ليست مجرد عوامل تزيد تكلفة الحرب، بل تعمل على تقليص قدرة الإقتصاد على التكيف معها؛ فالتحكم في المدخلات وسلاسل الإمداد، وصعوبة الحركة، وتراجع الوصول إلى الأسواق، كلها تجعل الإقتصاد أكثر هشاشة أمام أي توقف إضافي في النشاط؛ ويؤدي ذلك إلى إنتقال الأزمة من صدمة مؤقتة إلى تآكل مستمر في رأس المال المادي والبشري والمؤسسي. وبالمحصلة، فقد تعرض الإقتصاد الفلسطيني لصدمة مركبة جمعت بين التدمير الواسع للأصول الإقتصادية وتعطل النشاط الإنتاجي وإنكماش الطلب المحلي وتراجع الإستثمار وإرتفاع معدلات البطالة فضلاً عن تفاقم الأزمة المالية للحكومة الفلسطينية. ■ تختلف أزمة الإقتصاد الفلسطيني عن الأزمات الإقتصادية التقليدية، إذ لم تنجم عن إختلالات مالية أو نقدية فحسب، وإنما جاءت نتيجة توقف جزء كبير من النشاط الإقتصادي بفعل العمليات العسكرية والقيود المفروضة على الحركة والتجارة، ما أدى إلى تعطيل دورة الإنتاج والإستهلاك في آن. ففي الظروف الطبيعية تستطيع الأسواق التكيف تدريجياً مع الصدمات الإقتصادية، أما في الحالة الفلسطينية فقد تزامن إنهيار العرض مع إنخفاض الطلب وإنقطاع سلاسل الإمداد وتراجع الإستثمارات، ما أدى إلى تعميق حالة الركود الإقتصادي بصورة غير مسبوقة. وتشير بيانات سلطة النقد الفلسطينية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إنخفض خلال عام 2024 بنسبة 26,6%، وهو من أكبر معدلات الإنكماش التي شهدها الإقتصاد الفلسطيني منذ تأسيس السلطة الفلسطينية. ويعكس هذا الإنخفاض حجم الخسائر التي تعرضت لها القطاعات الإنتاجية والخدمية ولا سيما في قطاع غزة، الذي شهد إنهياراً إقتصادياً شبه كامل، في حين دخل إقتصاد الضفة الغربية مرحلة ركود حاد نتيجة القيود العسكرية وتراجع النشاط التجاري والإستثماري. ■ وكان قطاع غزة الأكثر تضرراً حيث إنكمش إقتصاده بنحو 85,6% خلال عام 2024 نتيجة التدمير الواسع للمنشآت الصناعية والتجارية والزراعية وإنهيار البنية التحتية وتوقف معظم الإنشطة الإقتصادية. ولم يقتصر أثر هذا الإنكماش على إنخفاض الناتج المحلي، بل إمتد ليشمل تراجع مستويات الدخل وإنخفاض الإنتاجية وفقدان آلاف المنشآت لقدرتها على إستئناف نشاطها، الأمر الذي أدى إلى تعطيل الدورة الإقتصادية بصورة شبه كاملة. ■ أما في الضفة الغربية، فقد إختلفت طبيعة الأزمة الإقتصادية إذ لم يكن السبب الرئيس هو التدمير المباشر، وإنما القيود المفروضة على الحركة والتنقل وإغلاق الحواجز ومنع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل، إضافة إلى تراجع النشاط التجاري والإستثماري وإستمرار إحتجاز أموال المقاصة. وقد أدى ذلك إلى تباطؤ الإنتاج وإنخفاض مستويات الإستهلاك والإستثمار ودخول الإقتصاد في حالة ركود إنعكست على معظم المؤشرات الإقتصادية. ومن أبرز التداعيات الإقتصادية للعدوان الإرتفاع الحاد في معدلات البطالة، نتيجة توقف آلاف المنشآت عن العمل وفقدان مصادر الدخل. ■ تشير البيانات إلى إرتفاع معدل البطالة في فلسطين إلى نحو 47,9% خلال عام 2024، بينما بلغت في قطاع غزة نحو %78,3، وهو من أعلى المعدلات المسجلة عالمياً، ما يعكس حجم الإنهيار الذي أصاب سوق العمل، ويؤكد أن الأزمة تجاوزت حدود فقدان الوظائف لتصل إلى تراجع القدرة الإنتاجية للإقتصاد بأكمله. كما أدى العدوان إلى إضطرابات كبيرة في الأسواق المحلية نتيجة تعطل سلاسل الإمداد ونقص السلع الأساسية وصعوبة نقل البضائع، ما تسبب في إرتفاعات حادة في الأسعار خاصة في قطاع غزة، حيث بلغ معدل التضخم نحو 238% خلال عام 2024. ولم يكن هذا التضخم ناتجاً عن زيادة الطلب، وإنما جاء نتيجة الإنخفاض الحاد في العرض وهو ما يعرف في الأدبيات الإقتصادية بالتضخم الناتج عن نقص المعروض، حيث ترتفع الأسعار بسبب ندرة السلع، وليس بسبب زيادة القوة الشرائية. ■ وفي الوقت نفسه، تعرضت المالية العامة الفلسطينية لضغوط غير مسبوقة نتيجة إنخفاض الإيرادات الضريبية وإستمرار أزمة المقاصة وتزايد الإحتياجات الإنسانية والإنفاق الطاريء ما حَدَّ من قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية وأثر في مستوى الخدمات العامة وبرامج التنمية. كما إنعكس تراجع النشاط الإقتصادي على الإيرادات المحلية، في حين إرتفعت الإلتزامات المالية المرتبطة بدعم القطاعات المتضررة، وهو ما عمّق العجز المالي وأدى إلى زيادة الإعتماد على المساعدات الخارجية. ومن منظور إقتصادي، لم تقتصر آثار العدوان على المؤشرات الكلية، وإنما إمتدت إلى إضعاف البيئة الإستثمارية بصورة كبيرة، إذ أدى إرتفاع مستوى المخاطر وعدم اليقين إلى إحجام المستثمرين عن ضخ إستثمارات جديدة وتأجيل العديد من المشاريع الإنتاجية، وهو ما سيؤثر في معدلات النمو حتى بعد إنتهاء الحرب. ■ إن تراجع الثقة بالإقتصاد الفلسطيني سيجعل عملية التعافي أكثر بطئا،ً لإن إعادة بناء الإقتصاد لا تعتمد على إعادة إعمار المنشآت فحسب، وإنما تتطلب أيضاً إستعادة ثقة المستثمرين والأسواق والمؤسسات المالية. وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن الإقتصاد الفلسطيني يواجه أزمة هيكلية تتجاوز الخسائر المادية المباشرة، إذ أن تدمير البنية التحتية وفقدان رأس المال البشري وتعطل القطاعات الإنتاجية وتراجع الإستثمار وإرتفاع البطالة والفقر كلها عوامل ستترك آثاراً طويلة الأجل على قدرة الإقتصاد الفلسطيني على تحقيق التعافي والنمو خلال السنوات المقبلة. ولذلك، فإن إعادة الإعمار لن تكون مجرد عملية لإصلاح ما دمرته الحرب، وإنما ستتطلب إعادة بناء القاعدة الإنتاجية وتعزيز قدرة المؤسسات الإقتصادية، وتهيئة بيئة أكثر إستقراراً تسمح بعودة النشاط الإقتصادي تدريجياً■ (3) إقتصاد قطاع غزة في ظل العدوان الإسرائيلي 2024 - 2025 1- واقع إقتصاد قطاع غزة قبل العدوان ■ دخل قطاع غزة مرحلة العدوان وهو يعاني أصلاً من أوضاع إقتصادية شديدة الهشاشة نتيجة الحصار الإسرائيلي المستمر منذ عام2007، الذي فرض قيوداً واسعة على حركة الأفراد والبضائع وحدّ من قدرة الإقتصاد على التطور بصورة طبيعية. ومن منظور الإقتصاد السياسي، يمثل حصار قطاع غزة نموذجاً واضحاً لتحويل القيود الإقتصادية إلى بنية مستمرة لإدارة الإقتصاد. فالتقييد الطويل لحركة الأفراد والبضائع والمدخلات الإنتاجية لا يخفض الناتج فقط، بل يعيد تشكيل بنية الإقتصاد بحيث تتراجع القطاعات القابلة للتصدير والإنتاج الصناعي والزراعي، وتتسع مساحة الإقتصاد المعتمد على المساعدات والإستهلاك والإغاثة. وقد أشارت UNCTAD إلى أن الإغلاق والقيود المتراكمة أضعفت القاعدة الإنتاجية في غزة وعمقت الإعتماد على المساعدات الخارجية. ■ وتزداد خطورة ذلك عندما تصبح الأرض والمياه والطاقة وسلاسل التوريد عناصر شديدة الإرتباط بالوضع الأمني؛ فالمنتج الزراعي، على سبيل المثال، يحتاج إلى أرض ومياه ومدخلات وأسواق، وأي قيد على واحد من هذه العناصر ينعكس على كامل سلسلة القيمة؛ ومن ثم فإن إضعاف الوصول إلى الموارد لا يعني فقط خفض الإنتاج الحالي، بل تقليص الحافز للإستثمار في المستقبل، وهو ما يفسر إستمرار ضعف القاعدة الإنتاجية حتى قبل الحرب الأخيرة. ■ لقد أدى هذا الحصار إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية وتراجع الإستثمار وإنخفاض معدلات النمو لتصبح معظم الإنشطة الإقتصادية تعتمد بدرجات متفاوتة على المساعدات الإنسانية والإنفاق الإغاثي. كما إنعكس الحصار على قدرة القطاع الخاص على التوسع والإنتاج نتيجة صعوبة إستيراد المواد الخام والإنقطاع المستمر للكهرباء وضعف البنية التحتية وغياب بيئة إستثمارية مستقرة. وأمام هذه الظروف تراجعت مساهمة القطاعين الصناعي والزراعي في الناتج المحلي، بينما إرتفعت معدلات البطالة والفقر إلى مستويات جعلت الإقتصاد أكثر عرضة لأي صدمة سياسية أو عسكرية. ومن ثم، فإن العدوان الإسرائيلي لم يبدأ في إقتصاد قوي يمكنه إمتصاص الخسائر، وإنما أصاب إقتصاداً يعاني أصلاً من إختلالات هيكلية عميقة، ما ساهم في تضاعف حجم الأضرار وسرعة إنهيار مختلف الأنشطة الإقتصادية■ 2- الإنهيار الشامل للنشاط الإقتصادي ■ أحدث العدوان الإسرائيلي تحولاً جذرياً في طبيعة النشاط الإقتصادي داخل قطاع غزة إذ لم يعد الأمر يقتصر على تراجع معدلات النمو، وإنما وصل إلى إنهيار شبه كامل للدورة الإقتصادية؛ فقد توقفت غالبية الإنشطة الإنتاجية والخدمية نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية والمنشآت الإقتصادية وإنقطاع الكهرباء والوقود والإتصالات وصعوبة إنتقال الأفراد والبضائع، ما أدى إلى شلل إقتصادي غير مسبوق. وتشير بيانات سلطة النقد الفلسطينية إلى أن إقتصاد قطاع غزة إنكمش خلال عام 2024 بنسبة 85,6%، وهو من أعلى معدلات الإنكماش المسجلة عالمياً خلال فترة زمنية قصيرة، كما إنخفض الناتج المحلي إلى نحو 0,4 مليار دولار فقط، بعد أن كان القطاع يمثل مساهمة مهمة في الإقتصاد الفلسطيني قبل الحرب؛ كذلك تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي بنسبة 83,4%، وهو ما يعكس الإنخفاض الحاد في مستويات الإنتاج والدخل معاً. ولا تعكس هذه المؤشرات خسائر مالية فحسب، بل تعبر عن فقدان الإقتصاد لمعظم مقوماته الإنتاجية، إذ تعطلت المنشآت الصناعية والتجارية والزراعية وتوقفت حركة الأسواق وإنقطعت سلاسل التوريد مما أدى إلى توقف الدورة الإقتصادية بصورة شبه كاملة■ 3- تدمير البنية التحتية الإقتصادية ■ تعد البنية التحتية الركيزة الأساسية لأي عملية إنتاج أو إستثمار؛ ولذلك، فإن إستهدافها ينعكس مباشرة على قدرة الإقتصاد على الإستمرار؛ وخلال العدوان تعرضت الطرق والجسور وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والإتصالات إلى دمار واسع، كما تضررت المناطق الصناعية والأسواق التجارية والمخازن والمرافيء، ما أدى إلى تعطيل الخدمات الأساسية اللازمة لإستمرار النشاط الإقتصادي. وإمتدت الأضرار إلى آلاف المنشآت الصناعية والتجارية التي تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، وهو ما أدى إلى فقدان جزء كبير من رأس المال المادي الذي تراكم على مدار سنوات طويلة؛ كما أصبحت المنشآت التي لم تتعرض للتدمير المباشر تواجه صعوبات كبيرة في مواصلة نشاطها بسبب إنقطاع الكهرباء ونقص الوقود وتعطل وسائل النقل، ما أدى إلى إنخفاض الإنتاج حتى في المنشآت التي بقيت قائمة. ولا تقتصر آثار تدمير البنية التحتية على فترة الحرب نفسها، وإنما تمتد إلى مرحلة ما بعدها، إذ إن إعادة بناء الطرق وشبكات الخدمات والمناطق الصناعية تتطلب إستثمارات ضخمة وفترات زمنية طويلة، وهو ما يؤخر إستعادة النشاط الإقتصادي ويزيد من تكاليف التعافي■ 4- تراجع القطاع الصناعي ■ كان القطاع الصناعي، رغم محدودية حجمه، يمثل أحد أهم مصادر التشغيل والإنتاج في قطاع غزة قبل الحرب؛ إلا أن العدوان أدى إلى توقف معظم المصانع وورش الإنتاج نتيجة التدمير المباشر، أو بسبب إنقطاع الكهرباء والوقود ونقص المواد الخام وتعذر وصول العمال إلى أماكن عملهم. وقد ترتب على ذلك فقدان آلاف فرص العمل وإنخفاض الإنتاج المحلي إلى مستويات غير مسبوقة وتراجع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي بصورة حادة، الأمر الذي زاد من إعتماد السكان على المساعدات الإنسانية لتلبية إحتياجاتهم الأساسية بدلاً من الإعتماد على الإنتاج المحلي. كما لم تقتصر الخسائر على المنشآت المادية، وإنما شملت أيضاً الخبرات الفنية والإدارية، إذ إضطر عدد من أصحاب المشاريع والعاملين المهرة إلى النزوح أو التوقف عن العمل، وهو ما يمثل خسارة لرأس المال البشري، الذي يشكل عنصراً أساسياً في عملية التعافي الإقتصادي مستقبلاً■ 5- تراجع القطاع الزراعي ■ تعرض القطاع الزراعي بدوره لخسائر كبيرة نتيجة تجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وتدمير البيوت البلاستيكية وشبكات الري والآبار الزراعية، إضافة إلى نفوق أعداد كبيرة من الثروة الحيوانية وصعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم بسبب الظروف الأمنية. وتكتسب مسألة المياه في قطاع غزة بعداً إقتصادياً وسياسياً مضاعفاً؛ فالمياه مورد إنتاجي أساسي للزراعة، وشرط لصحة السكان وإستمرار النشاط الصناعي والخدمي؛ وعندما تتعرض مصادر المياه وشبكاتها للتدمير أو تصبح عمليات إدخال مستلزمات التشغيل والصيانة مقيدة، فإن الأثر لا يتوقف عند تراجع الخدمة، بل يمتد إلى القدرة الإنتاجية وإلى تكاليف المعيشة والإنتاج؛ ولذلك، ينبغي إدراج المياه ضمن عناصر القاعدة الإقتصادية التي تحتاج إلى إعادة بناء وحماية، وليس ضمن البنية الخدمية وحدها. كما أن تدمير الأراضي الزراعية وتجريفها وفقدان شبكات الري والآبار لا يعني خسارة موسم زراعي واحد، بل فقدان أصل إنتاجي يمكن أن يولد دخلاً لسنوات. وهذا يضاعف كلفة التعافي، لأن إعادة الإنتاج الزراعي تحتاج إلى إستعادة الأرض والمياه والبنية التحتية والتمويل والأسواق في الوقت نفسه. وقد أدى ذلك إلى إنخفاض الإنتاج الزراعي بصورة حادة وإرتفاع الإعتماد على الواردات والمساعدات الغذائية، ما فاقم أزمة الأمن الغذائي داخل القطاع، كما ساهم نقص الإنتاج المحلي في زيادة أسعار السلع الأساسية وأدى إلى تراجع قدرة الأسر على توفير إحتياجاتها الغذائية. كذلك تأثر قطاع الصيد البحري بصورة كبيرة نتيجة إستهداف المرافيء وفرض قيود مشددة على حركة الصيادين، مما حرم آلاف الأسر من مصدر دخلها الرئيس، وأدى إلى إنخفاض المعروض من المنتجات السمكية في الأسواق المحلية■ 6 - البطالة والفقر وإنهيار سوق العمل ■ يعد سوق العمل من أكثر القطاعات التي تأثرت بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، إذ أدى توقف معظم الأنشطة الإقتصادية إلى إنهيار فرص التشغيل خلال فترة زمنية قصيرة؛ فمع تدمير المنشآت الصناعية والتجارية والخدمية فقدت غالبية المؤسسات قدرتها على الإستمرار في الإنتاج أو دفع الأجور، ما أدى إلى خروج أعداد كبيرة من العاملين من سوق العمل بصورة مفاجئة. وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى إرتفاع معدل البطالة في قطاع غزة إلى نحو 80% خلال عام 2024، مقارنة بنحو 53% في عام 2023، وهو ما يعكس الإنهيار شبه الكامل للنشاط الإقتصادي في القطاع. إلا أن خطورة هذه المؤشرات لا تكمن في إرتفاع البطالة فحسب، وإنما في تحولها إلى بطالة هيكلية يصعب معالجتها على المدى القصير، نتيجة تدمير القاعدة الإنتاجية التي تستوعب العمالة. وأدى فقدان فرص العمل إلى إنخفاض دخول الأسر بصورة حادة، مما تسبب في إتساع دائرة الفقر، وإرتفاع الإعتماد على المساعدات الإنسإنية، وتراجع القوة الشرائية، وإنخفاض الطلب المحلي، وهو ما أدخل الإقتصاد في حلقة مفرغة؛ إذ يؤدي إنخفاض الطلب إلى مزيد من توقف المنشآت عن العمل، وبالتالي فقدان المزيد من الوظائف، الأمر الذي يعمق حالة الركود الإقتصادي. كما تعرض الشباب والخريجون إلى خسائر كبيرة نتيجة توقف المؤسسات الإقتصادية والتعليمية، ما حدّ من فرص دخولهم إلى سوق العمل، وزاد من إحتمالات هجرة الكفاءات، وهو ما يمثل إستنزافاً لرأس المال البشري الذي يعد أحد أهم مقومات التنمية الإقتصادية في المستقبل■ 7- التضخم وتراجع القوة الشرائية ■ رغم أن الحروب تؤدي في كثير من الأحيان إلى إنخفاض الطلب نتيجة تراجع الدخول، فإن قطاع غزة شهد نمطاً مختلفاً من التضخم، إذ إرتفعت الأسعار بصورة غير مسبوقة نتيجة الإنخفاض الحاد في المعروض من السلع الأساسية وإغلاق المعابر وتعطل سلاسل الإمداد ونقص الوقود والمواد الغذائية والدوائية. وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إرتفع مؤشر أسعار المستهلك (معدل التضخم) في قطاع غزة بنسبة 237,98% خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023، وهو مستوى إستثنائي يعكس عمق الإختلالات التي أصابت الأسواق المحلية. ويصنف هذا النوع من التضخم ضمن التضخم الناتج عن نقص العرض حيث ترتفع الأسعار بسبب ندرة السلع أكثر من إرتفاع الطلب عليها. وتزامن إرتفاع الأسعار مع فقدان معظم السكان لمصادر دخلهم، ما أدى إلى تراجع حاد في القوة الشرائية وأصبحت نسبة كبيرة من الأسر عاجزة عن توفير إحتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء والمياه، وهو ما فاقم مستويات الفقر وإنعدام الأمن الغذائي، خاصة بين الأطفال وكبار السن والفئات الأكثر هشاشة. كما إنعكس التضخم على النشاط الإقتصادي بصورة عامة، إذ أدى إلى تراجع حجم المبادلات التجارية وإنخفاض الإستهلاك وزيادة حالة عدم اليقين، ما حَدَّ من قدرة الأسواق على إستعادة نشاطها حتى في الفترات التي شهدت دخول بعض المساعدات الإنسانية■ 8- تأثير العدوان في رأس المال البشري ■ لا تقتصر الآثار الإقتصادية للحروب على تدمير المنشآت والممتلكات، وإنما تمتد إلى العنصر البشري الذي يمثل الأساس الحقيقي لأي عملية تنموية؛ ولذلك، فإن إستهداف المؤسسات الصحية والتعليمية في قطاع غزة ترك آثاراً إقتصادية عميقة ستستمر لسنوات طويلة. فقد تعرضت المستشفيات والمراكز الصحية لأضرار جسيمة إضافة إلى النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، ما أدى إلى تراجع مستوى الخدمات الصحية وإرتفاع معدلات الإصابة بالأمراض وإنخفاض إنتاجية القوى العاملة وزيادة الأعباء الإقتصادية على الأسر والمؤسسات الحكومية. كما تعرض قطاع التعليم لخسائر واسعة نتيجة تدمير المدارس والجامعات وتعطل العملية التعليمية لفترات طويلة وتحويل العديد من المؤسسات التعليمية إلى مراكز لإيواء النازحين؛ ومن المتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى إنخفاض مستوى المهارات البشرية وتراجع جودة رأس المال البشري، وهو ما سينعكس سلباً على الإنتاجية والنمو الإقتصادي خلال السنوات المقبلة. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة بناء الإقتصاد الفلسطيني لا تقتصر على إعادة إعمار المباني والمنشآت، وإنما تتطلب أيضاً الإستثمار في إعادة تأهيل الإنسان الفلسطيني باعتباره المحرك الأساسي للتنمية الإقتصادية المستدامة■ 9- القطاع المصرفي وأزمة السيولة ■ واجه القطاع المصرفي في قطاع غزة تحديات غير مسبوقة نتيجة تعطل النشاط الإقتصادي وصعوبة نقل النقد بين المحافظات وتراجع القدرة على الوصول إلى الفروع المصرفية وإرتفاع المخاطر التشغيلية والأمنية. ومع ذلك، فقد تمكن الجهاز المصرفي الفلسطيني من المحافظة على قدر من الإستقرار المؤسسي بفضل الإجراءات التنظيمية التي إتخذتها سلطة النقد الفلسطينية، إلا إن النشاط المصرفي داخل قطاع غزة شهد تراجعاً ملحوظاً في عمليات الإيداع والسحب والإئتمإن، كما تعطلت العديد من الخدمات المصرفية نتيجة الظروف الأمنية. وأدت حالة عدم اليقين الإقتصادي إلى إرتفاع مستويات المخاطر الائتمانية، وإنخفاض أرباح المصارف بصورة كبيرة، ما إنعكس على قدرتها في تمويل الإنشطة الإقتصادية؛ ومع ذلك، حافظ القطاع المصرفي على مستويات مقبولة من الرسملة والسيولة على المستوى الكلي، وهو ما ساهم في الحد من إنتقال الأزمة إلى النظام المالي الفلسطيني بصورة أوسع■ 10 - تقدير الخسائر الإقتصادية الكلية ■ لا تقتصر الخسائر الإقتصادية التي خَلَّفها العدوان على قيمة المنشآت والممتلكات التي تعرضت للتدمير، وإنما تشمل أيضاً خسائر غير مباشرة يصعب قياسها بدقة، مثل فقدان الإنتاج وتراجع الإستثمار وإنخفاض الإنتاجية وإستنزاف رأس المال البشري وتدهور الثقة بالإقتصاد الفلسطيني. وشملت هذه الخسائر تدمير آلاف المنشآت الإقتصادية وتجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وتوقف غالبية الأنشطة الصناعية والتجارية وتضرر شبكات الكهرباء والمياه والإتصالات إضافة إلى إنخفاض الإيرادات العامة وارتفاع الإحتياجات الإنسانية وتراجع الإستثمارات المحلية والأجنبية. وتؤكد هذه المؤشرات أن تكلفة الحرب لا تقاس بحجم الدمار المادي فحسب، وإنما أيضاً بما تتركه من آثار طويلة الأجل على قدرة الإقتصاد على الإنتاج والنمو وجذب الإستثمارات، وهي آثار قد تستمر لسنوات، حتى بعد إنتهاء العمليات العسكرية■ 11- تحديات إعادة إعمار قطاع غزة ■ تشير التجارب الدولية إلى أن إعادة الإعمار تمثل عملية إقتصادية وتنموية شاملة، تتجاوز إعادة بناء المباني والبنية التحتية، لتشمل إعادة تنشيط الإقتصاد، وإستعادة الثقة بالمؤسسات، وإعادة بناء رأس المال البشري. وفي الحالة الفلسطينية، تواجه عملية إعادة إعمار قطاع غزة تحديات إستثنائية، من أبرزها إستمرار القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع، ونقص التمويل اللازم وتدمير جزء كبير من القاعدة الإنتاجية وإرتفاع معدلات البطالة والفقر وضعف قدرة القطاع الخاص على إستئناف نشاطه، إضافة إلى إستمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمني. ■ ومن زاوية الإقتصاد السياسي، فإن السؤال الأهم في إعادة إعمار غزة لا يتعلق فقط بحجم الأموال المطلوبة، وإنما بمن يملك القدرة على التحكم في شروط دخول هذه الأموال والمواد والمعدات، ومن يحدد أولويات الإنفاق ومن يستفيد من العقود وسلاسل التوريد؛ فإذا تمت إعادة بناء الأصول المادية دون إزالة القيود التي أعاقت الإنتاج والتجارة والوصول إلى الموارد، فقد يعاد إنتاج الإقتصاد الهش نفسه بصورة جديدة؛ أما إذا إرتبطت إعادة الإعمار بإحياء القطاعات الإنتاجية وتوسيع القدرة على التجارة والوصول إلى الأرض والمياه والطاقة، فإنها يمكن أن تتحول إلى نقطة إنطلاق نحو إقتصاد أكثر إستقلالاً وصموداً. ■ كما ينبغي الحذر من أن يتحول إقتصاد إعادة الإعمار إلى إقتصاد يقوم أساساً على الإستيراد والمقاولات والخدمات قصيرة الأجل، من دون بناء قاعدة صناعية وزراعية فلسطينية؛ فإعادة الإعمار المستدامة تتطلب أن تتحول نسبة معتبرة من الإنفاق إلى إستثمار منتج يخلق قيمة مضافة وفرص عمل وينقل المعرفة ويزيد قدرة الإقتصاد على الإعتماد على موارده ومؤسساته، ما يتطلب بدوره حماية السوق من الإحتكار والإستغلال، وشفافية العقود، وإعطاء الأولوية للمنتج والقطاع الخاص الفلسطيني، كلما كان ذلك ممكناً. ■ إن مواجهة هذه التحديات تتطلب تبني إستراتيجية وطنية متكاملة ترتكز على إعادة تأهيل البنية التحتية وإحياء القطاعات الإنتاجية وتوفير التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى جانب توفير دعم دولي مستدام يضمن تنفيذ برامج إعادة الإعمار بصورة فعالة. وفي هذا السياق، ينبغي ألا ننظر إلى إعادة الإعمار باعتبارها عملية لإصلاح الأضرار فحسب، وإنما بوصفها فرصة لإعادة هيكلة الإقتصاد الفلسطيني على أسس أكثر قدرة على الصمود، من خلال تنويع القاعدة الإنتاجية وتشجيع الإستثمار وتعزيز الإعتماد على القطاعات ذات القيمة المضافة، بما يسهم في بناء إقتصاد أكثر مرونة في مواجهة الأزمات المستقبلية■ (4) إقتصاد الضفة الغربية في ظل العدوان الإسرائيلي 2024 - 2025 1 - طبيعة الأزمة الإقتصادية في الضفة الغربية ■ رغم أن الضفة الغربية لم تشهد مستوى الدمار المادي الذي تعرض له قطاع غزة، فإنها واجهت أزمة إقتصادية عميقة نتيجة التداعيات غير المباشرة للعدوان الإسرائيلي؛ فقد أدت الإجراءات العسكرية المشددة وإغلاق المدن والقرى بالحواجز وفرض القيود على حركة الأفراد والبضائع إلى تعطيل النشاط الإقتصادي وإضعاف قدرة الأسواق على الإستمرار بصورة طبيعية. وتظهر في الضفة الغربية بصورة أكثر مباشرة العلاقة بين الأرض والإستيطان والإقتصاد. فالتوسع الإستيطاني ومصادرة الأراضي وتجزئة المجال الجغرافي لا تؤثر فقط في ملكية الأرض، بل في إمكانية إستخدامها كعامل إنتاج. وعندما تتقلص المساحات المتاحة للتوسع الزراعي أو الصناعي والعمراني، أو يصبح الوصول إليها مقيداً، فإن تكلفة النشاط الإقتصادي ترتفع وتتراجع الجدوى الإستثمارية؛ وقد وثقت UNCTAD أن القيود في المنطقة (ج)، بما فيها نظام التصاريح والقيود على الحركة والوصول إلى الأرض والموارد، تفرض كلفة إقتصادية كبيرة على الإقتصاد الفلسطيني. وتأخذ عملية الضم، سواء بصورتها المعلنة أو عبر إجراءات الأمر الواقع، بعداً إقتصادياً مهماً لإنها تعيد توزيع السيطرة على الأرض والموارد والبنية التحتية والأسواق؛ فكل توسع في السيطرة على الأرض يعني تقليص المجال الذي يمكن للإقتصاد الفلسطيني أن يتوسع داخله، بينما يؤدي ربط المستوطنات بشبكات الطرق والخدمات والأسواق الإسرائيلية إلى زيادة تجزئة السوق الفلسطينية وإضعاف الترابط بين مراكز الإنتاج والإستهلاك. ■ في هذه البيئة، تصبح الإعتبارات الأمنية مدخلاً لتحديد الحركة الإقتصادية: الحاجز أو الإغلاق أو التصريح لا يحدد فقط سرعة إنتقال الأشخاص، بل يؤثر في تكلفة النقل، وإنتظام توريد المواد الخام، وقدرة العامل على الوصول إلى عمله، وقدرة المنتج على الوصول إلى السوق. وبذلك تتحول أداة أمنية إلى متغير إقتصادي يترك تأثيره على الأسعار والإنتاج والتشغيل والإستثمار؛ وهذه إحدى أهم النقاط التي يضيفها منظور الإقتصاد السياسي إلى الدراسة. لقد إنعكس ذلك على مختلف القطاعات الإقتصادية، حيث تراجعت حركة التجارة وإنخفض الإنتاج وتأثرت الأنشطة الصناعية والزراعية والخدمية، كما شهد القطاع الخاص تراجعاً في حجم الإستثمارات بسبب إرتفاع مستويات المخاطر وعدم اليقين؛ وبذلك دخل إقتصاد الضفة الغربية مرحلة ركود إتسمت بإنخفاض معدلات النمو وتراجع مؤشرات الإنتاج والتشغيل. ويبرز هنا إختلاف جوهري بين الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ففي حين كان التدمير المباشر هو العامل الرئيس وراء الإنهيار الإقتصادي في غزة، تمثلت الأزمة في الضفة الغربية في القيود المفروضة على النشاط الإقتصادي، وما نتج عنها من إنخفاض الإنتاج والإستثمار والإستهلاك، وهو ما أدى في النهاية إلى تراجع الأداء الإقتصادي بصورة ملحوظة■ 2- تراجع النشاط الإقتصادي والإنتاج ■ شهدت الضفة الغربية خلال عامي 2024 و2025 تباطؤاً واضحاً في النشاط الإقتصادي نتيجة إنخفاض الطلب المحلي وتعطل حركة التجارة، وتراجع الإستثمارات الخاصة؛ كما أثرت القيود المفروضة على التنقل في قدرة المنشآت الإقتصادية على الحصول على المواد الخام وتسويق منتجاتها، مما أدى إلى إرتفاع تكاليف الإنتاج وإنخفاض القدرة التنافسية. كما تعرضت العديد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة لضغوط مالية كبيرة نتيجة إنخفاض المبيعات وإرتفاع تكاليف التشغيل، ما دفع عدداً منها إلى تقليص حجم الإنتاج أو تسريح جزء من العمالة، بينما إضطرت منشآت أخرى إلى إيقاف نشاطها بصورة مؤقتة أو دائمة. وأدى هذا التراجع إلى إنخفاض مساهمة عدد من القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي ولا سيما الصناعة والزراعة، في حين ظل قطاع الخدمات أكثر قدرة على الصمود رغم تأثره بإنخفاض النشاط الإقتصادي العام■ 3- أزمة سوق العمل ■ كان سوق العمل من أكثر القطاعات تأثراً بالتطورات الميدانية، خاصة بعد منع أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل، وهو ما أدى إلى فقدان عشرات الآلاف من الأسر أحد أهم مصادر دخلها. وقد إنعكس ذلك بصورة مباشرة على معدلات البطالة، التي إرتفعت نتيجة توقف العديد من الأنشطة الإقتصادية وإنخفاض الطلب على العمالة، كما أدى تراجع دخول الأسر إلى إنخفاض الإستهلاك المحلي، ما أثر بدوره في أداء الأسواق المحلية، وأدى إلى مزيد من التباطؤ الإقتصادي. ومن الناحية الإقتصادية، فإن فقدان العمال لدخولهم لا يقتصر أثره على الأفراد وحدهم، وإنما يمتد إلى الإقتصاد ككل لإن إنخفاض الإنفاق الإستهلاكي يؤدي إلى تراجع مبيعات المنشآت ومن ثم إنخفاض الإنتاج والإستثمار، وهو ما يخلق حلقة من الركود يصعب كسرها دون تدخلات إقتصادية فعالة■ 4- أزمة المالية العامة ■ واجهت المالية العامة الفلسطينية تحديات كبيرة خلال فترة الدراسة نتيجة إستمرار إقتطاع وإحتجاز أجزاء من أموال المقاصة، التي تمثل المصدر الرئيس لإيرادات الحكومة الفلسطينية. وقد أدى إنخفاض الإيرادات إلى زيادة الضغوط على الموازنة العامة، حيث إضطرت الحكومة إلى إتخاذ إجراءات تقشفية للحد من العجز المالي، شملت ترشيد الإنفاق وتأجيل بعض النفقات الرأسمالية إضافة إلى إستمرار صرف الرواتب بصورة جزئية في بعض الفترات. كما تزامنت هذه الأزمة مع تزايد الإحتياجات المالية الناتجة عن تداعيات الحرب، سواء فيما يتعلق بالخدمات الصحية أو الإجتماعية أو برامج الإغاثة، وهو ما أدى إلى إتساع الفجوة بين الإيرادات والإنفاق وزيادة الإعتماد على التمويل الخارجي والمساعدات الدولية. ولا تقتصر آثار هذه الأزمة على الموازنة العامة، بل تمتد إلى الإقتصاد بأكمله لأن إنخفاض الإنفاق الحكومي يؤدي إلى تراجع الطلب الكلي ويحد من قدرة الحكومة على تنفيذ مشاريع تنموية قادرة على تحفيز النمو الإقتصادي■ 5- الإستثمار والقطاع الخاص ■ شهدت بيئة الإستثمار في الضفة الغربية تراجعاً ملحوظاً خلال فترة العدوان نتيجة إرتفاع مستويات المخاطر السياسية والأمنية وعدم وضوح الرؤية بشان مستقبل الأوضاع الإقتصادية. ولا تقتصر آثار الإستيطان والضم والقيود على النشاط القائم، بل تمتد إلى الإستثمار المستقبلي؛ فالمستثمر يحتاج إلى أفق زمني واضح وإمكانية مستقرة للوصول إلى الأرض والمياه والأسواق والبنية التحتية؛ وكلما إرتفع عدم اليقين السياسي والأمني وتعددت القيود على هذه العناصر، أصبح الإستثمار أكثر مخاطرة، وإتجه رأس المال إلى أنشطة قصيرة الأجل، أو إلى الإحتفاظ بالسيولة بدلاً من توسيع الطاقة الإنتاجية؛ وهكذا تعمل القيود على إضعاف القدرة على التراكم المنتج حتى عندما لا يقع تدمير مادي مباشر. لقد دفعت هذه الظروف العديد من المستثمرين إلى تأجيل مشاريع جديدة أو تقليص إستثماراتهم، في حين واجه القطاع الخاص صعوبات متزايدة في الحصول على التمويل وإستمرار العمليات التشغيلية. كما أثرت حالة عدم اليقين في قرارات المستثمرين المحليين والأجانب، حيث أصبحت الأولوية للحفاظ على رأس المال بدلاً من التوسع في الإنشطة الإنتاجية؛ ومن المعروف إقتصادياً أن الإستثمار يعد المحرك الرئيس للنمو؛ ولذلك، فإن إستمرار تراجعه سيؤخر عملية التعافي حتى بعد إنتهاء الأزمة■ 6- القطاع المصرفي والإستقرار المالي ■ رغم التحديات الإقتصادية، حافظ القطاع المصرفي في الضفة الغربية على درجة معقولة من الإستقرار بفضل الرقابة والإجراءات التنظيمية التي إتخذتها سلطة النقد الفلسطينية. إلا أن المصارف واجهت إرتفاعاً في المخاطر الإئتمانية نتيجة تراجع قدرة المقترضين على السداد وإنخفاض الطلب على التمويل إلى جانب تباطؤ النشاط الإقتصادي، وهو ما إنعكس على حجم التسهيلات الإئتمانية والأرباح المصرفية. ومع ذلك، أسهم إستمرار عمل الجهاز المصرفي في الحد من تفاقم الأزمة المالية من خلال المحافظة على إستمرارية الخدمات المصرفية وتسهيل عمليات الدفع والتحويل ودعم إستقرار النظام المالي الفلسطيني في ظل ظروف إستثنائية■ 7- قراءة تحليلية ■ تكشف تجربة الضفة الغربية أن الإقتصاد قد يتعرض لخسائر كبيرة حتى في غياب الدمار المباشر، إذ أن القيود المفروضة على الحركة والتجارة والعمل والإستثمار قادرة على إحداث ركود إقتصادي واسع النطاق. ولذلك، فإن حجم الضرر الإقتصادي لا يقاس بعدد المباني المدمرة فحسب، وإنما أيضاً بقدرة الإقتصاد على الإنتاج وتوفير فرص العمل وجذب الإستثمارات والحفاظ على الإستقرار المالي. كما تؤكد هذه التجربة أن إستمرار القيود الإقتصادية يحد من قدرة الضفة الغربية على لعب دور محوري في دعم الإقتصاد الفلسطيني خلال مرحلة إعادة إعمار قطاع غزة، ما يجعل تحقيق التعافي الإقتصادي الشامل مرهوناً بإزالة القيود التي تعيق النشاط الإقتصادي في الأراضي الفلسطينية كافة■ (5) مقارنة تحليلية بين قطاع غزة والضفة الغربية ■ على الرغم من أن العدوان الإسرائيلي خلال عامي 2024 و2025 أَثَّر في مختلف إنحاء الأراضي الفلسطينية، فإن طبيعة الأزمة الإقتصادية إختلفت بصورة واضحة بين قطاع غزة والضفة الغربية سواء من حيث حجم الخسائر، أو طبيعة التحديات الإقتصادية التي واجهها كل منهما. وتسمح المقارنة بين غزة والضفة الغربية بتحديد آليتين متكاملتين في الضغط الإقتصادي: ففي غزة يظهر الأثر بصورة أكثر عنفاً من خلال التدمير المباشر والحصار وتعطيل القاعدة الإنتاجية، بينما يظهر في الضفة من خلال السيطرة على الأرض والموارد والتجزئة والحواجز والقيود على الحركة والعمل والإستثمار. وفي الحالتين تكون النتيجة الإقتصادية واحدة في جوهرها: تقليص القدرة الفلسطينية على إنتاج القيمة بصورة مستقلة، وزيادة الإعتماد على الخارج، ورفع كلفة النشاط الإقتصادي. ■ هنا تبرز مسألة «السيطرة على الموارد» بوصفها حلقة مركزية في الإقتصاد السياسي للإحتلال، فالأرض والمياه ليسا مجرد عناصر في ميزانية الدولة، وإنما أصول إستراتيجية تحدد أين يمكن أن ينتج الفلسطيني، وماذا يمكن أن ينتج، وبأي تكلفة، وكيف يصل إلى السوق. ولذلك، فإن أي إستراتيجية للتعافي لا تعالج مسألة الوصول إلى الأرض والمياه والموارد والأسواق ستبقى محدودة الأثر مهما كان حجم التمويل المخصص لإعادة الإعمار: • ففي قطاع غزة، تمثلت الأزمة في إنهيار شبه كامل للنشاط الإقتصادي نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية والمنشآت الإنتاجية والخدمية، ما أدى إلى توقف معظم الإنشطة الإقتصادية وإنخفاض الناتج المحلي بصورة غير مسبوقة وإرتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات قياسية؛ كما فقد الإقتصاد في غزة جزءاً كبيراً من رأسماله المادي والبشري وهو ما يجعل عملية التعافي أكثر تعقيداً وتكلفة. • أما في الضفة الغربية، فقد إتخذت الأزمة طابعاً مختلفاً، إذ لم يكن الدمار المباشر هو العامل الرئيس، وإنما أدت القيود المفروضة على الحركة وإغلاق المعابر والطرق ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، إضافة إلى تراجع الإستثمارات وإستمرار أزمة المقاصة إلى دخول الإقتصاد في حالة ركود أثرت في مختلف القطاعات الإقتصادية. ■ ورغم إختلاف طبيعة الأزمة، فإن القاسم المشترك بين المنطقتين يتمثل في تراجع النشاط الإقتصادي وإنخفاض مستويات الدخل وإرتفاع معدلات البطالة وتراجع الإستثمار وزيادة الضغوط على المالية العامة، وهو ما يؤكد إن الإقتصاد الفلسطيني يشكل منظومة مترابطة، وإن إستمرار الأزمة في أي جزء منه ينعكس على بقية مكوناته. كما تكشف المقارنة أن إعادة إعمار قطاع غزة، رغم أهميتها، لن تكون كافية لتحقيق التعافي الإقتصادي الشامل إذا إستمرت القيود المفروضة على الإقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية، لأن النمو الإقتصادي المستدام يتطلب بيئة مستقرة تسمح بحرية الحركة وتعزيز الإستثمار وتكامل الأسواق الفلسطينية■ (6) النتائج والتوصيات النتائج ■ تشير نتائج التحليل إلى مجموعة من الإستنتاجات الرئيسة، من أهمها: - لا يعمل الإحتلال على الإقتصاد الفلسطيني من خلال التدمير العسكري وحده، وإنما من خلال منظومة متراكمة من القيود على الحركة والتجارة والعمل والأرض والموارد الطبيعية والمالية، تجعل الإقتصاد أكثر هشاشة وأكثر إعتماداً على الخارج. - تمثل السيطرة على الأرض والمياه والموارد الطبيعية والإستيطان وتجزئة المجال الجغرافي عناصر أساسية في تفسير ضعف القدرة الإنتاجية الفلسطينية، لأن فقدان السيطرة على الأصل الإنتاجي يسبق في كثير من الأحيان فقدان الناتج الذي كان يمكن أن يولده. - تكشف الأولوية المستمرة للإعتبارات الأمنية على إعتبارات التنمية عن علاقة غير متكافئة بين القرار السياسي والإقتصادي، بحيث يمكن لإجراء أمني أن ينتج آثاراً إقتصادية واسعة على الإنتاج والتجارة والعمل والإستثمار. - أدى تراكم القيود إلى مفارقة إقتصادية وإجتماعية تتمثل في إتساع نطاق الفقر والبطالة والإعتماد على المساعدات على المستوى الجماعي، في الوقت الذي يمكن أن تترك فيه الأزمات والندرة والوساطة والإستيراد فرصاً إستثنائية للتراكم الفردي؛ وهو ما يجعل حماية المستهلك والمنافسة والشفافية جزءاً من سياسة التعافي الإقتصادي. - إن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على إستعادة الأصول المدمرة، بل يجب أن تستهدف تغيير الشروط التي أعادت إنتاج الهشاشة، وفي مقدمتها حرية الحركة والوصول إلى الموارد والأسواق وتعزيز القاعدة الإنتاجية الفلسطينية. - أدى العدوان الإسرائيلي إلى إنكماش غير مسبوق في الإقتصاد الفلسطيني، إنعكس بصورة مباشرة على الإنتاج والتشغيل والإستثمار والمالية العامة. - كان قطاع غزة الأكثر تضرراً نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية والمنشآت الإقتصادية، ما تسبب في إنهيار معظم الإنشطة الإنتاجية والخدمية. - شهدت الضفة الغربية ركوداً إقتصادياً ملحوظاً نتيجة القيود العسكرية وتعطل حركة التجارة ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم وإستمرار أزمة أموال المقاصة. - أسهم إرتفاع معدلات البطالة وإنخفاض الدخول في زيادة مستويات الفقر وتراجع القوة الشرائية وإتساع الإعتماد على المساعدات الإنسانية. - أدى تراجع الإستثمار وتعطل القطاع الخاص إلى إضعاف قدرة الإقتصاد الفلسطيني على خلق فرص عمل جديدة، مما يزيد من صعوبة التعافي الإقتصادي في المدى المتوسط. - تعرضت المالية العامة لضغوط كبيرة نتيجة إنخفاض الإيرادات وإرتفاع الإنفاق الطاريء، وهو ما عَمَّقَ العجز المالي وحد من قدرة الحكومة على تنفيذ برامج تنموية. - كشفت الأزمة عن هشاشة البنية الإقتصادية الفلسطينية وإعتمادها الكبير على العوامل الخارجية، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالأزمات السياسية والأمنية. - لا تقتصر آثار العدوان على الخسائر الحالية وإنما تمتد إلى المستقبل من خلال تراجع رأس المال البشري، وإنخفاض الإنتاجية، وضعف ثقة المستثمرين■ توصيات ■ في ضوء النتائج السابقة، يمكن طرح عدد من التوصيات، التي قد تسهم في دعم التعافي الإقتصادي الفلسطيني: - إدراج تحرير الوصول إلى الأرض والمياه والموارد الطبيعية ووقف مصادرة الأراضي والتوسع الإستيطاني ضمن المتطلبات الإقتصادية الأساسية للتعافي، وليس باعتبارها قضايا سياسية منفصلة عن التنمية. - بناء إستراتيجية إقتصادية وطنية تقلل التبعية من خلال تنويع الإنتاج، وتعزيز الزراعة والصناعة والطاقة والمياه والتكنولوجيا، وتطوير سلاسل قيمة محلية قادرة على الصمود أمام إغلاق المعابر والقيود على التجارة. - جعل إعادة إعمار غزة مرتبطة بإعادة بناء قاعدة إنتاجية فلسطينية، مع إعطاء الأولوية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة والمنتج المحلي ونقل المعرفة والتشغيل، ووضع آليات شفافة لمنع الإحتكار وإستغلال الندرة والفساد في عقود الإعمار. - تطوير آليات حماية إجتماعية وإقتصادية تمنع إنتقال كلفة الأزمات إلى الفئات الأضعف، وتدعم القوة الشرائية، وتضمن وصول السلع الأساسية، مع تعزيز الرقابة على الأسواق في حالات الطواريء. - تعزيز إستقلال القرار الإقتصادي الفلسطيني وتوسيع هامش السياسة الإقتصادية، بحيث لا تظل الإيرادات العامة والتجارة وحركة العمال والموارد الأساسية عرضة بصورة مباشرة للتغيرات والقرارات السياسية والأمنية الإسرائيلية. - إعداد خطة وطنية شاملة لإعادة إعمار قطاع غزة تتضمن أولويات واضحة لإعادة بناء البنية التحتية والمناطق الصناعية والمنشآت الإقتصادية. - توفير برامج تمويل ميسرة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لما لها من دور رئيس في توفير فرص العمل وتحريك النشاط الإقتصادي. - دعم القطاع الزراعي والصناعي من خلال توفير مستلزمات الإنتاج وتحفيز الإستثمار في الأنشطة الإنتاجية ذات القيمة المضافة. - تعزيز برامج الحماية الإجتماعية لدعم الأسر المتضررة وربطها ببرامج للتشغيل المؤقت والتأهيل المهني. - تطوير السياسات الإقتصادية بما يعزز الإعتماد على الإنتاج المحلي ويحد من الإعتماد المفرط على الواردات كلما سمحت الظروف بذلك. - دعم التحول الرقمي في المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص بما يسهم في تحسين كفاءة الخدمات وتقليل آثار تعطل الحركة خلال الأزمات. - تعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية والإقليمية لتوفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار مع ضمان توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية التي تسهم في تحقيق النمو المستدام. - تشجيع الإستثمار المحلي والأجنبي من خلال توفير بيئة أكثر إستقراراً وتحسين الإطار القانوني والمؤسسي الداعم للنشاط الإقتصادي■ خاتمة ■ أثبتت التطورات الإقتصادية خلال عامي 2024 و2025 أن حرب الإبادة لم يقتصر أثرها على إحداث خسائر مادية مباشرة، وإنما تسببت في أزمة إقتصادية شاملة مَسَّت مختلف جوانب الحياة الإقتصادية والإجتماعية في الأراضي الفلسطينية. وفي المحصلة، فإن قراءة الإقتصاد الفلسطيني من منظور الإقتصاد السياسي تقود إلى نتيجة تتجاوز قياس الخسائر المباشرة، لا تكمن فحسب في أن الحرب دمرت المصانع والطرق والمنازل، وإنما في أن الإقتصاد يعمل داخل بنية من السيطرة تحد من قدرته على إنتاج الثروة وتراكمها بصورة مستقلة: السيطرة على الأرض والمياه والموارد، وتجزئة الأسواق، والقيود على الحركة والتجارة والعمل، إلى جانب أدوات الضغط المالي. إن هذه الأمور تتفاعل فيما بينها، لتعيد إنتاج التبعية والهشاشة. ■ وعليه، فإن التحدي الحقيقي بعد الحرب لا يتمثل في إعادة الإقتصاد إلى ما كان عليه قبل 7 أكتوبر، لأن ذلك المستوى نفسه كان نتاج سنوات طويلة من القيود والإختلالات. إن المطلوب هو الإنتقال من إقتصاد يتكيف مع الإحتلال إلى إقتصاد يمتلك مقومات الصمود والإستقلال التدريجي، ومن إعادة بناء الأصول إلى إعادة بناء القدرة على إنتاج القيمة؛ وهذا يعني أن التنمية الإقتصادية لا يمكن فصلها عن مسألة الأرض والمياه والموارد والسيطرة على المعابر والحركة، ولا عن بناء قرار إقتصادي فلسطيني أكثر إستقلالاً. إن إعادة الإعمار ستكون إختباراً حقيقياً: إما أن تتحول إلى فرصة لإعادة بناء إقتصاد فلسطيني منتج ومتكامل، أو تتحول إلى دورة جديدة من الإنفاق الخارجي والإستيراد والإعتماد عليهما؛ وبين المسارين تتحدد ليس سرعة التعافي فحسب، بل طبيعة الإقتصاد الفلسطيني في العقد القادم وقدرته على مواجهة الأزمات وبناء قاعدة تنموية مستدامة. ■ لقد أدى تدمير البنية التحتية وتعطل القطاعات الإنتاجية وإرتفاع معدلات البطالة وتراجع الإستثمار وإستمرار الأزمة المالية إلى إضعاف قدرة الإقتصاد الفلسطيني على مواصلة النمو وتحقيق الإستقرار. كما أظهرت الدراسة أن قطاع غزة تحمل النصيب الأكبر من الخسائر نتيجة الدمار الواسع الذي أصاب منشآته الإقتصادية والخدمية، في حين واجهت الضفة الغربية أزمة إقتصادية مختلفة تمثلت في الركود الناتج عن القيود المفروضة على الحركة والتجارة والعمل. ورغم إختلاف طبيعة الأزمة بين المنطقتين، فإن نتائجها النهائية تمثلت في تراجع الإنتاج وإنخفاض مستويات الدخل وإتساع دائرة الفقر وتزايد الضغوط على المالية العامة. وتؤكد هذه المعطيات أن التعافي الإقتصادي الفلسطيني لا يمكن أن يتحقق من خلال إعادة إعمار ما دمرته الحرب فحسب، وإنما يتطلب أيضاً إعادة بناء القاعدة الإنتاجية وتعزيز الإستثمار ودعم القطاع الخاص وتنمية رأس المال البشري إلى جانب توفير بيئة إقتصادية أكثر إستقراراً تمكن الإقتصاد الفلسطيني من إستعادة قدرته على النمو ومواجهة الصدمات المستقبلية. وفي ضوء ذلك، فإن مستقبل الإقتصاد الفلسطيني سيظل مرتبطاً بقدرته على تجاوز الإختلالات الهيكلية التي عمقتها الحرب وبمدى نجاح جهود إعادة الإعمار والإصلاح الإقتصادي في بناء إقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة وإستدامة، قادر على تلبية إحتياجات المجتمع الفلسطيني وتحقيق تنمية إقتصادية طويلة الأجل■
أيلول (سبتمبر) 2026 المراجع • سلطة النقد الفلسطينية: التقرير الإقتصادي السنوي 2024، والنشرات الإقتصادية الدورية. • الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (PCBS): بيانات الحسابات القومية، وسوق العمل، والتضخم، والتجارة الخارجية. • البنك الدولي: تقارير المتابعة الإقتصادية الخاصة بالأراضي الفلسطينية. • صندوق النقد الدولي: تقارير آفاق الإقتصاد الإقليمي. • مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنميةUNCTAD) ): التقارير السنوية حول مساعدة الشعب الفلسطيني. • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP)): تقارير التنمية وإعادة الإعمار. • تقارير المؤسسات الفلسطينية والدولية الصادرة خلال عامي 2024 و2025 حول آثار الحرب على الإقتصاد الفلسطيني■ [1] UN Trade and Development (UNCTAD), The cumulative economic cost of occupation for the Palestinian people (2000–2024) and the long road to recovery, 2026. [2] World Bank, Prospects for Growth and Jobs in the Palestinian Economy, with analysis of restrictions on trade, movement, access to resources and Area C. [3] UNCTAD, The Economic Costs of the Israeli Occupation for the Palestinian People: The cost of restrictions in Area C viewed from above, 2022. [4] UNCTAD, Economic costs of the Israeli occupation for the Palestinian people: The economic impact of the Israeli military operation in Gaza from October 2023 to May 2024■ أ.د.سمير أبومدللة عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات - «ملف»
#سمير_أبومدللة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ
...
المزيد.....
-
احتجاجات في أمريكا بعد إطلاق عنصر من الهجرة والجمارك النار ع
...
-
كيتي بيري وجاستن ترودو في ثاني ظهورعلني لهما بلوس أنجلوس
-
سوريا.. تعليق جديد من وزارة الدفاع حول الانفجار بموقع للجيش
...
-
هيئة بحرية: إصابتان بين أفراد طاقم سفينة أُصيبت بمقذوف أثناء
...
-
أطعمة تدمر الكلى وتسرّع تطور الأمراض المزمنة
-
دراسة: الإصابة بكوفيد مرتين ترفع احتمالات تشخيص أمراض جديدة
...
-
أول رصد من نوعه.. البلاستيك الدقيق يصل إلى أحشاء سمك القد في
...
-
سوريا تحتاج 831 مليون دولار شهرياً للنفط.. وزير الطاقة يكشف
...
-
جبال كهبوب اليمنية تشتعل قرب باب المندب.. هل تفتح المعارك ال
...
-
الحوثيون في اليمن يتعهدون بعدم استهداف السفن الأميركية بعد إ
...
المزيد.....
-
الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ
...
/ سمير أبومدللة
-
إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط
...
/ فهد سليمان
-
في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48
/ محمد السهلي
-
لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
/ محمود الصباغ
-
خطة ترامب: بين النص والتطبيق
/ معتصم حمادة
-
المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا
...
/ غازي الصوراني
-
إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
/ محمود الصباغ
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
المزيد.....
|