|
|
قراءة نقدية سيميائية للعرض المسرحي (أنا.. أنا): تفكيك آليات السلطة وأنساق الذاكرة.
كاظم ابو جويدة
الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 18:48
المحور:
الادب والفن
شهدت خشبة مسرح الرشيد في العاصمة بغداد، للمدة من 19 إلى 21 آب 2026، عرضاً مسرحياً نوعياً حمل عنوان (أنا.. أنا)، من تأليف وإخراج د. عواطف نعيم، وإنتاج محترف بغداد المسرحي، وقد تجاوز هذا العرض بنيته السردية التقليدية ليقدم مقاربة أنطولوجية ونقدية للتاريخ السياسي والاجتماعي العراقي والعربي، متخذاً من مأساة الملك لير لوليم شكسبير منطلقاً لتفكيك آليات السلطة، والعزلة، وأزمة الهوية والاعترافات المتأخرة. متحررةً تخلتِ الخشبة عند عتبات العرض المسرحي ((أنا.. أنا)) عن دورها التقليدي كحاضن مكاني للحكاية لتتحول إلى فضاءٍ سيكولوجيّ مُشبعٍ بالدلالات الموزعة بين الذاكرة والهوية والعزلة الأزلية. وأدّت هذه البنية وظيفة تحريضية دفعت الجمهور إلى استرجاع سجلّ الأخطاء الكارثية في بعديها الجمعي والفردي، ليغدو فعل الفرجة استحضاراً نقدياً للتاريخ وسيرته، واضعاً المتلقي في مواجهة شخصية مونودرامية جعلت من مفهوم (الأنا) مأزقاً أنطولوجياً يتخطى حدود الضمير اللغوي ليغدو سؤالاً كونياً في التجربة الوجودية. افتتح عنوان العرض المسرحي ((أنا.. أنا)) أفق العرض التأويلي على مفاجئة لغوية درامية؛ إذ حوّل تكرار الضمير (أنا) إلى علامة على انشطار الذات بين أنا السلطة، التي توهمت امتلاك الحقيقة بحكم امتلاك القرار، وأنا الإنسان، الذي تعرى أمام نتائج أفعاله بعد سقوط الهيبة والتابعين والمملكة. وبين الأنا الأولى والثانية تشكلت المسافة المأساوية بين الوهم والوعي، وبين صورة الحاكم عن نفسه وحقيقته حين تنسحب عنه شروط القوة. غير أن العنوان تجاوز الانقسام النفسي لشخصية لير إلى انشطار أوسع تداخل فيه الكوني بالمحلي. فالأنا الأولى هي أنا شكسبير، وأنا المأساة الإنسانية العابرة للزمن؛ أما الأنا الثانية فهي الأنا المحلية: أنا د. عواطف نعيم، وأنا العراق، وأنا ذاكرته السياسية والاجتماعية المثقلة بمئة عام من السلطة والاضطراب والحروب وسوء التقدير والعزلة الخانقة. ومن خلال هذا الانتقال، تستنطق المخرجة الدكتورة عواطف نعيم البنية العميقة لمأساة الملك لير داخل الوعي العراقي، فتغدو حماقة الملك صورة مكثفة لحماقات سلطاتنا بمختلف اسمائها ومراحلها الزمنية، وانهيار المملكة استعارة لانهيارات تاريخية ما تزال فاعلة في الذاكرة الجمعية من العائلة الحاكمة إلى أبسط زوجين يعيشان في أقصى الأهوار. إن (أنا) د. عواطف نعيم لا تحضر بوصفها ذاتاً مؤلَّفة خارج النص، وإنما بوصفها وعياً محلياً يعيد كتابة المأساة من داخل تجربته التاريخية. إنها الأنا التي تستدعي لير الشكسبيري كي تكشف ((الليرية)) المتكررة في الواقع العراقي: حكاماً لا يرون حقيقة سلطتهم إلا عند أفولها، وقيادات تحيط بها بطانات التملق، ووعياً لا يبدأ بمراجعة الذات إلا بعد هيمنة الأخطاء وتراكمها، مراوحاً في إنتاج الخطأ تحت أسماء ووجوه مختلفة. بداية العرض كانت من خلال اجتياح الخشبة عاصفة هوجاء توازي خراب القرارات، وبمجرد تَنَقّل أعيننا بين زوايا المستطيل البصري بعد هدوء العاصفة يتحول مقود السفينة المحطمة إلى عجلتين تموضعتا يمين ويسار المسرح دائرة بحركة محورية بمسار سيزيفي، مستعيدة لحظة أفول الُملك حيث تجاوزت المعالجة سرد الحكاية الشكسبيرية لتتخذها منطلقاً نقدياً كشف آليات السلطة العراقية وحتى العربية وانزياحاتها التاريخية. أضاءت د. عواطف نعيم عتمة الوعي المحلي عبر قناع لير، مستنطقةً ثقافة التملق وسوء التقدير التي أَنتجت مئة عام من العزلة والانكسارات. حيث واجه الحاكم نفسه فوق ركام مملكته، متورطاً في محاكمة داخلية كشفت عن وهم القوة حين تلاشي الأتباع وأفول الامتيازات. كما تجذرت مفارقة البصر والرؤية في عمق العرض لدى الملك لير لتكشف عمىً سابقاً على فقدان الحواس، حيث كانت العين تنقل المظهر بينما انطفأت بصيرة القلب. لم يخفق لير في رؤية بناته، إنما أخفق في تقدير صدقهن وسط صخب المديح والتملق. احتاج الملك إلى خسارة التاج والمملكة كي يرى الحقيقة في بعدها الأخير، مسلماً قياده إلى كورديليا أو شبحها الابيض، في انقلاب بصري وأخلاقي يرد الحاكم المتبختر إلى إنسان تحمله من أساء فهمها. تتداخل هذه الحقيقة مع قراءة عراقية تحاسب تاريخاً من الحكام الذين أبصروا الخراب ولم يروا نهاياته إلا بعد فوات الأوان كما إنهم لم يتعظوا بأسلافهم من جناة الأخطاء المريعة والمدمرة. في مشهد تاريخي مهم أظهر ارتقاء عزيز خيون فوق دفة القيادة المتحولة إلى عجلات الزمن الدائرة وركام الأخطاء الممتد من 1920 حين تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عهد الاحتلال البريطاني لبغداد إلى 2026 في عهد الاحتلال الأمريكي - أي زمننا المسروق أمام أعيننا بين دفتي الاحتلالين من خلال ديكور دفتي القيادة المتواجدين على يمين ويسار المسرح – قادنا إلى مفارقة السلطة وعمرها؛ فالمكان العالي منح لير (عزيز خيون العراقي) مساحة للنظر إلى الآخرين، لكنه حجب عنه بصيرتهم. وحين هوى من علياء التاج والديباج إلى سطح الأرض، بدأ يرى حقيقته ولكن... ولات ساعة مندم. إن الثيمة والحقيقة المركزية التي يدور حولها العرض تمثلت في الكتاب الذي التقطه لير متأخراً وتوارثته كورديليا- أضاءت هذه الثيمة زاوية حاسمة: المعرفة لا تمنح كمنحة إلهية للحاكم على عرشه، بل هي ثمرة مرة تُنتزع رغماً عن أنف الخسارة والفجيعة بتوثيق يدين كل حماقات العروش. الحاكم لا يتعلم إلا حينما ينزلق التاج عن رأسه، وحينها فقط يتحول الكتاب من مجرد سجل للأخطاء إلى أيقونة خلاصية تمنع الأجيال القادمة من إعادة إنتاج ذات الحماقات. تجلت أصالة هذه المقاربة النقدية حين امتدت خيوط المأساة نحو البيئة السياسية العراقية؛ فتجربة السلطة في العراق، بكل تعقيداتها وشبكات ولائها واستقطاباتها الحادة بين من قرّبتهم السلطة زوراً ومن تبعدهم قسراً، تجد في مرآة لير تجسيداً حياً لقانون تاريخي متكرر: كذبة القوة المُصنعة داخل أروقة القصور والمتشربة بالهتافات والمصفقين تهاوت عند أول اختبار حقيقي وهرب المقربون، بينما برز الصمود والوعي الحقيقي من المهمش الذي طالما عانى التهجير والحصار والتنكيل لا لإيمانه بمنهج الطغاة إنما لوعي وطني متوارث وكراهية عميقة لكل الغزاة فانبرى مدافعاً. هنا تجاوز العرض المسرحي الإسقاط السياسي العابر، ليرتفع فيصبح نبوءة مسرحية كشفت عورات الاستبداد في كل زمان ومكان. يمكننا الذهاب أبعد من ذلك في تأمل هذا الاشتباك العراقي الفلسفي الذي مارسته الدكتورة عواطف نعيم مع نص لير، لنكتشف أن المأساة لا تكمن فقط في خطأ الحاكم بتقدير حلفائه، بل تكمن في صناعة الجهل المؤسسي الذي مارسه الطغاة كاستراتيجية بقاء؛ فالحاكم المطلق يخشى المعرفة ويحاربها لأنها تفضح هشاشته وهذا ما نراه واقعاً مريراً في يومنا هذا، ولذلك فإن ظهور الكتاب في يد لير -ثم انتقاله إلى كورديليا- هو بمثابة إعلان عن انتصار الذاكرة الشعبية والمقاومة الثقافية ضد محاولات الطمس والتجهيل المبرمجة. استندت الرؤية الإخراجية للفنانة د. عواطف نعيم إلى منجز درامي وفلسفي يتسق مع جذور المسرح الفرنسي، لاسيما أطروحات أرتو في مسرح الجسد ومسرح القسوة، ومقاربات رولان بارت حول تفكيك العلامات السيميولوجية. فعندما اختزلت المخرجة حضور غونريل وشقيقتها المنافقتين في الصوت وحده فهو إقصاء حقيقي للقبح، وفي نفس الوقت أبقت على كورديليا كحضور جسدي وبصري وفلسفي مطلق، فإنها تقدم خياراً عمّق الصراع بين الوهم والحقيقة بين الخير والشر بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. وبعمق أكبر إزاء هذه الجزئية وتواجدها في التقاليد المسرحية الناضجة، يُنظر إلى الصوت المنفصل عن الجسد بوصفه أداة للتضليل؛ فاللسان قادر على صنع البلاغة المزيفة، وهو ما مارسته ريغان وشقيقتها لانتزاع العرش، لتتحول كل منهما إلى كائن صوتي يملأ الفضاء بأصداء الخداع. وفي المقابل، مثلت كورديليا تجسيداً لمادية الحضور؛ فالجسد المرافق للأب والظل المساعد له والثوب الأبيض والتقاط الكتاب العجلات والانفجار الهائل والأشرعة، جميعها تمثل علامات تنتمي إلى مسرح الإشارة والرمز الفلسفي. كورديليا هنا العلامة الحية التي لا يمكن تزييفها، لأن الوجود الفيزيقي يعري التلفيق الصوتي. لتقول لنا الدكتورة عواطف أن الصوت المزيف يرحل مع زوال السلطة، أما الحضور الصامت فيبقى ليحمل الكتاب ويدير دفة المعرفة نحو النجاة. فمن خلال هذه القراءة تحول العرض من سرد مستنسخ لمأساة كلاسيكية إلى مختبر فكري فكك آليات السلطة والصوت والجسد. وعند مثابة فلسفية عظيمة حيث العجلات الدوارة المتشكلة بميتافورا مستمرة من دفة القيادة والتي تتناسل دوراتها في نهاية العرض بلهاث سيزيفي يهرس ذواتنا، ليستا سوى استعارة بصرية بارعة لحتمية التاريخ وهو يعيد ترتيب بوصلته، ليقول لنا إن الأمم التي لا تتعلم من سجل أخطائها المحفورة في ذاكرة أبنائها، محكومة بأن تظل تدور إلى الأبد في ذات الدائرة المفرغة من الاستبداد والحماقة. عناصر العرض المسرحي على مستوى اللغة، يبدو النص أقرب إلى مُوأَلَّفٍ مسرحي بقلم شاعر سعى منذ العاصفة إلى مساءلة الذات والآخر والوجود باستقلالية تامة عن نص لير الأصلي، استخدمت فيه الدكتورة عواطف الحوارَ بوصفه وسيلة لكشف هوية ناطقة حددت مساراتنا نحن أبناء هذا الوطن المتخم بالأخطاء الكارثية الحمقاء. وكمنت أهمية هذا النص في أنه تجاوز تقديم الأنا باعتبارها حقيقة ثابتة إلى اعتبارها هوية قلقة قابلة للتشظي وإعادة التشكيل. الرؤية الإخراجية للدكتورة عواطف نعيم قامت بتوءمة تجريبية مع بيتر بروك على إدارة دقيقة عند جزئية العلاقة بين الممثل والفراغ. لذلك كانت الخشبة أنيقة وغير مزدحمة، فيها مساحات من العتمة والفراغ عملت بوصفها جزءاً من الدراما. وهذا الاختيار ينسجم مع موضوع العرض، لأن الفراغ يبدو أحياناً امتداداً للعزلة الليرية الداخلية، فيما تحول الضوء إلى أداة كشف أو محاصرة أو استدعاء للذاكرة. كذلك لوحظ حضور الانتقالات الإيقاعية بين مشاهد أكثر هدوءاً وأخرى أكثر كثافة، وهو ما منح العرض بنية موجية بدلاً من خط سردي واحد. وما ميز العرض وإخراج الدكتورة عواطف نعيم هو تلك الرموز المشبعة بالسيميائية والإحالات والتأويلات وفقاً لثقافة ومرجعيات المتلقي والتي أثرت العرض. تحكّم الفنان الكبير عزيز خيون بإيقاع العرض من خلال أداء ممتع وتنويع صوتي بارع، ليبدو محوراً مركزياً في تشكيل هذا العالم الجمالي. اعتمد أداؤه على الحضور الجسدي والصوتي معاً، متنقلاً بين الانفعال الهادئ والانفجار، وبين السكون المشحون والحركة ذات الإيقاع المتوتر. وقد كمنت قوة الأداء في قدرته على جعل الجسد نصاً موازياً للحوار. حمل عزيز خيون الشخصية المركزية بطاقة أداء عالية، خصوصاً في انتقالها من صلابة الملك إلى هشاشة الإنسان؛ فالجسد كان يروي جزءاً من المأساة، والصوت كشف طبقاتها الداخلية. كانت تتغير هيئة الجسد التشريحية مع كل تغير لموقع لير في بنية الحكاية؛ فالجسد المستقيم والذي كان يحتل الخشبة بثقة أصبح أكثر ثقلاً وانحناءً كلما خسر شيئاً من سلطته. تلوّن الصوت بدوره بين الأمر والاحتجاج والتأمل، وبين استجداء عاطفة الأشباح التي تحيطه لتصير التحولات الداخلية مرئية ومسموعة. أما لمار محمد فاكتسبت أهميتها من كون حضورها متصلاً بالجانب الذي يواجه لير بحقيقة نفسه. وجودها لا يقوم على منافسة عزيز خيون في الحضور، وإنما على بناء علاقة معه تتغير دلالتها كلما تقدم العرض، وصولاً إلى موقع كورديليا في المشهد الأخير واستلام حصتها من الميراث من خلال الكتاب. أما السينوغرافيا بمختلف عناصرها فهي واحدة من نقاط قوة العرض المهمة. الديكور اقتصادي في مفرداته، لكنه غني بما يتيحه من قراءة وهذه هي بلاغة السينوغرافيا الحية حين تتجرد من وظيفتها التزيينية لتصبح كائناً درامياً متحوّلاً، فالأقمشة في الخلفية فقدت ثباتها المادي واكتسبت طابعاً سيميولوجياً مراوغاً؛ إن تكرارها وتبدل ألوان إضاءتها جعلها أشبه بذاكرة متحركة، مرة دافئة ومرة باردة ومرة قاتمة.: فهي تارةً ستائر عزلة تغلق أفق العالم أمام لير وتعزله في برجه العاجي المظلم، وتارةً أخرى أشرعة سفينة محطمة تئن تحت وطأة عواصف الطغيان تنوء بحمولة الخيبة، وتارة ثالثة ترتدي لبوس الزمن المتعدد، حيث تتغير ألوانها بتغير درجات الوعي وهزات الذاكرة، لتشهد على تعاقب عصور الوهم والانكسار، كما ان خاتمة العرض بالغياب فيها من خلال وجهة كورديليا وهي تقود الملك الاعمى الخاسر الذليل تكون قد تحولت إلى كفن يختم الحكاية وكأن الدكتورة عواطف نعيم ارادت أن تقول عند هذه الجزئية ان مصيرنا واحد متر أو مترين من القماش نختم به مسيرتنا، لا فرق بين لير وابنته وأنا وأنت ونحن وهو وهم.. والضابط في التأويل هذا وفقا للسياقات الفلسفية المسرحية أن الشروق هو الجدار الرابع ومواجهة الجمهور وخلفية المسرح والانكفاء القهقري هي الغروب. والثابت في منظورنا الموروث أن الغروب هو إشارة للموت لذلك أزعم مؤلاً أن انسحاب كورديليا والملك لير ناحية الخلفية هو درس مهم للجميع أن اعملوا صالحاً فنهايتنا واحدة هي الموت الحتمي الذي لا يفرق بين البهلول والملك وبين كورديليا وريغان وبين من كان هنا ومن كان هناك. الدفة المتحولة إلى عجلتين على اليمين واليسار تتجسد هنا بوصفها عجلة الزمن العراقية، تلك الطاحونة التي دارت لتهرس حلم الاستقلال والحرية. العجلة الأولى تستحضر عتمة التأسيس وسطوة الاحتلال، وتحديداً مخاضات عام 1920 وما تلاها من تشكيل لدولة نشأت تحت وطأة الشروط والوصاية. والعجلة الثانية تحضر بثقلها المفزع لتستعيد ذاكرة الاحتلال الأمريكي عام 2003 وما أفرزه من زلازل سياسية واجتماعية. بين هاتين العجلتين، تتحرك سلسلة أخطاء الحكام المتواترة والمتناسلة، وكأن التاريخ العراقي محصور في حلقة مرعبة من الدوران المستمر، حيث تتكرر الأخطاء ذاتها، ويقود طغيان السلطة وعماها البلاد من احتلال إلى انهيار، ومن وهم سيادة إلى قاع غامض. الإضاءة بدورها كجزء مهم من هذا التشكيل السينوغرافي تستحق قراءة مستقلة تفصح عن تجاوز وظيفتها في كشف الممثل والديكور. الإضاءة درامية وفاعلة؛ عزلت الشخصية حين كانت تحتاج إلى العزلة، وتوسعة الفضاء حين تتسع الحالة، وتغير حرارة المشهد النفسية، وتوجه عين المتلقي إلى موضع الدلالة. الضوء يفسر ويؤطر ويشارك في بناء الحدث. وعندما ينتقل اللون والسطوع من حالة إلى أخرى، تتنفس الخشبة مع الشخصية ليتوهج الإيقاع. الضوء صنع حالات نفسية متباينة وأعاد تعريف حدود المكان. الرمادي عزل الشخصية ووضعها تحت نوع من الاعتراف أو المحاكمة، والأحمر رفع منسوب التوتر والانفعال، بينما الأزرق فتح فضاءً أكثر برودة وتأملاً. الإضاءة أدّت وظيفة درامية مستقلة تجاوزت حدود إضاءة الممثل. أما الموسيقى والمؤثرات الصوتية أسهمت هي الأخرى في بناء المناخ النفسي، خصوصاً حين تتراجع اللغة ويصبح الصمت جزءاً من التكوين. العرض حقق اقتصاداً أكبر في بعض المقاطع الصوتية، لتظل الموسيقى شريكاً فاعلاً تجنب تفسير الحالة بصورة جاهزة. التعامل مع الزمن المسرحي تم بوصفه مادة قابلة للتمدد والانقباض. التكرار الحركي رآكم الإحساس بالحصار، وكأن الشخصية تعود إلى النقطة ذاتها محاولة الإفلات منها. هذه الدائرة الإيقاعية تتقاطع مع مفردة العجلة الموجودة في الفضاء، لتصبح الحركة استعارة عن دوران الوعي حول جرح قديم ذقنا مرارة دمه الفاسد. الانتقال بين مستويات الأداء، من المواجهة المباشرة إلى الانكفاء على الذات، منح العرض تنوعاً في الطاقة، متطلباً أحياناً اختزال بعض الوقفات ليبدو التصاعد الدرامي أكثر إحكاماً. كان الجمهور شريكاً خفياً في هذه اللعبة المسرحية. هذا النوع من العروض يحتاج إلى متلقٍ يقرأ العلامة وينتظر الحكاية متكاملة الدلالات. حين تظهر تناقضات البصر لدى لير، والكتاب، والثوب الأبيض، والدفة والعجلات، والضوء، والفراغ، تقدم المسرحية مفاتيح التأويل، تاركةً للمتلقي مهمة وصل العناصر ببعضها. الجمهور يشبه من يقرأ كتاب لير معه؛ فكلما انكشفت علامة، يعاد النظر في العلامة السابقة. إجمالاً، نجح عرض ((أنا أنا)) في بناء تجربة متكاملة تعاضدت فيها الكتابة والإخراج والأداء والسينوغرافيا بعناصرها الجمالية. قيمته الأساسية تمثلت في تحويل المسرح إلى سؤال جوهري: من أنا حين تسقط الأقنعة. راهن العرض على المتلقي بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، تاركاً مفردة ((الأنا)) في النهاية مفتوحة على احتمالات متعددة أفضت إلى آفاق واسعة من التأويل والأسئلة.
#كاظم_ابو_جويدة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المتخيّل السردي وجماليات التكثيف في قصص -عاشقات الحمام وعشاق
...
-
-محاولة لتثبيت المتحرك: خارطة الريح بوصفها مشروعاً مستحيلاً.
...
-
-جدلية السلطة والقداسة في -سباق الخُبز- لماجد درندش: تشريح ا
...
-
«مورفولوجيا التخييل المسرحي: من الأنطولوجيا النصية إلى الفين
...
-
»مورفولوجيا التخييل المسرحي: من الأنطولوجيا النصية إلى الفين
...
-
اغتراب الذات وتشظي الهوية: البنية النفسية للخطاب المسرحي في
...
-
-الفجوة بين الطموح والتنفيذ: مأزق المعالجة الدرامية- قراءة ن
...
-
(جماليات المقاومة والموت: قراءة سيميائية-تقنية للمشهد التأسي
...
-
-العرض المسرحي عزرائيل وتقنيات المسرح التجريبي: بين الإبداعِ
...
-
قراءة نقدية بعنوان (شعرية الألم: تحليل خطاب الجسد وتجليات ال
...
-
الميتافورا المركبة في مسرحية (وين رايحين؟) الحافلة المعطلة و
...
-
مقالة نقدية للعرض المسرحي جنون الحمائم تأليف واخراج د.عواطف
...
المزيد.....
-
اختفاء 5 نساء يقود إلى كشف أدلة مروعة في منزل صانع أفلام إبا
...
-
التعليم العالي:إعلان نتيجة تقليل الاغتراب لطلاب الشهادات الف
...
-
أستراليا.. -باتمان- يخطف الأنظار على سطح دار الأوبرا في سيدن
...
-
ليوبيموفا: افتتاح 289 مكتبة نموذجية عام 2027 ضمن المشروع الو
...
-
لماذا كان الروس -يُخرجون القديسين- من البيت؟
-
وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يبحث تعزيز الت
...
-
بتوجيه من بوتين.. السيرك الحكومي ينضم قريبا إلى -بطاقة بوشكي
...
-
الجناح المصري وقصور موسكو.. تعاون بين موسكو وبطرسبورغ في ترم
...
-
دار موسكو للموسيقى تفتتح الموسم بحفل تكريمي لشوستاكوفيتش
-
-الطفولة-.. المخطوطة التي فتحت أمام تولستوي أبواب عالم الأدب
...
المزيد.....
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
المزيد.....
|